قضايا وتحليلات

13 عاما على المذبحة.. كيف ضلّل الإعلام المصري وعي الجمهور حول “رابعة”؟

  • حملة شيطنة مسبقة.. الإعلام الرسمي وظّف الأدوات الخطابية والدراما لتكريس رواية مغلوطة حول “رابعة”
  • تكرار السردية الأمنية يفشل في بناء ذاكرة جمعية موحدة ويؤدي إلى تراجع الثقة بوسائل الإعلام المحلية
  • فجوة الأرقام تكشف تباينا حادا بين الرواية الحكومية ووثائق المنظمات الحقوقية بشأن ضحايا الاعتصام
  • رغم تغييب رواية الضحايا.. ملف “رابعة والنهضة” بقي مفتوحًا في الوعي العام بفضل الفضاء الرقمي

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

على مدى ثلاثة عشر عامًا، ظلت أحداث فض اعتصامي “رابعة العدوية” و”النهضة” في 14 أغسطس/آب 2013 من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد الإعلامي المصري، بوصفها نقطة تقاطع بين روايتين متعارضتين: رواية رسمية ترى في عملية الفض إجراءً أمنيًا ضروريًا لمواجهة تهديد مسلح، ورواية مغايرة توثقها منظمات حقوقية دولية بارزة، من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، تصف ما جرى بأنه استخدام مفرط وغير متناسب للقوة أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

وبين الروايتين، تشكّل خطاب إعلامي مصري تتبناه سلطة الانقلاب، تكرر على مدى أكثر من عقد، وسعى إلى ترسيخ صورة بعينها للحدث في الوعي العام، بأدوات لغوية وخطابية يمكن تفكيكها وتحليلها بوصفها نموذجًا لكيفية توظيف الإعلام في صياغة الذاكرة الجماعية حول قضية سياسية شائكة.

انقسام سياسي وفجوة كبيرة في حصر الضحايا

جاءت أحداث فض الاعتصامين في أعقاب مرحلة من الاستقطاب السياسي الحاد التي تلت الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013، بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي.

وفي أعقاب ذلك، أقام أنصار مرسي اعتصامين في ميداني رابعة العدوية والنهضة استمرا عدة أسابيع، قبل أن تبدأ قوات الأمن والجيش في 14 أغسطس/آب 2013 عملية لفضهما بالقوة، أعقبها إعلان حالة الطوارئ على مستوى البلاد.

وتكشف مراجعة الأرقام المتداولة عن فجوة واسعة بين الحصيلة الرسمية وتقديرات المنظمات الحقوقية لعدد الضحايا؛ إذ تحدثت الحكومة المصرية عن مقتل نحو 624 مدنيًا في فض اعتصام رابعة وحده، من إجمالي 638 قتيلًا على مستوى الجمهورية في ذلك اليوم.

في المقابل، وثّقت هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقل عن 817 شخصًا في رابعة وحدها، فيما قدّرت جهات حقوقية أخرى العدد الإجمالي للقتلى خلال عمليات الفض بما يتجاوز الألف، وصولًا إلى تقديرات تحدثت عن نحو 1150 قتيلًا في مجمل عمليات القمع التي شهدتها البلاد خلال يوليو وأغسطس 2013.

وخلصت تقارير دولية صدرت عام 2014 إلى أن ما جرى قد يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، مشيرة إلى وجود مؤشرات على تخطيط مسبق للعملية على مستويات عليا في الدولة.

هذه الفجوة الرقمية لم تكن تفصيلًا هامشيًا، بل شكّلت أحد أبرز محاور الجدل الإعلامي على مدى السنوات اللاحقة، إذ ارتبط الخلاف حول عدد الضحايا بخلاف أعمق حول طبيعة الحدث نفسه: هل كان عملية أمنية مشروعة أم مجزرة بحق متظاهرين عزّل؟ وقد انعكس هذا الخلاف بوضوح في طريقة تناول وسائل الإعلام المصرية للملف طوال ثلاثة عشر عامًا.

من “نكاح الجهاد” إلى “الأسلحة الكيماوية”

سبقت عملية الفض حملة إعلامية ممهِّدة استهدفت تشويه صورة الاعتصام وقياداته، عبر ترويج عدد من الروايات التي لم تُقدَّم لها أدلة موثقة حتى اليوم، فقد تداولت بعض الصحف والقنوات التليفزيونية زعمًا مفاده أن قيادات الاعتصام كانت تمنع المشاركين من مغادرة الميدان، إلى جانب مزاعم متصلة باستقدام أطفال من دور الرعاية إلى مقر الاعتصام في سياق اتهامات بالاتجار بالبشر، وهي مزاعم لم تسندها أي تحقيقات مستقلة لاحقة.

كذلك ظهر إعلامي مصري على شاشة أحد البرامج الحوارية للحديث عما وُصف إعلاميًا بـ”نكاح الجهاد”، في إطار مزاعم عن علاقات مشبوهة داخل الاعتصام لم تُثبت بأدلة، بل تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكثر الوقائع التي استُشهد بها كنموذج للتضليل الإعلامي في تلك الفترة. وفي الأيام التي سبقت الفض مباشرة، تصدرت عدد من الصحف عناوين رئيسية تحدثت عن امتلاك المعتصمين أسلحة كيماوية وصواريخ منقولة من سوريا، وعن رصد أسلحة ثقيلة داخل الاعتصام وإعلان المعتصمين ما وُصف بـ”مجلس حرب” ضد قوات الجيش والشرطة، إلى جانب روايات عن عمليات تعذيب وقتل ودفن جثث أسفل منصة الاعتصام.

ورغم مرور أكثر من عقد على هذه الادعاءات، لم تُقدَّم لأي منها أدلة موثقة أو نتائج تحقيقات قضائية علنية تؤكدها.

هذه الحملة التمهيدية بدت جزءًا من عملية تهيئة للرأي العام تمهيدًا لتقبّل استخدام القوة، عبر تصوير الاعتصام باعتباره تهديدًا وجوديًا للدولة يستوجب حسمًا أمنيًا حاسمًا.

طبيعة التكرار السنوي للسردية الرسمية

استمر التضليل الإعلامي مع عملية الفض وبعدها، بل تجددت سنويًا مع حلول ذكرى الحدث على مدى ثلاثة عشر عامًا، فمنذ المذبحة وحتى اليوم، حرصت منصات إعلامية بارزة، من صحف وقنوات فضائية تديرها السلطة أو تشرف عليها، على استعادة الحدث في كل ذكرى بعناوين تصف المعتصمين بـ”الجماعة الإرهابية”، وتبرز شهادات ضباط ومسؤولين أمنيين، مقابل تغييب شبه كامل لروايات المعتصمين وأسر الضحايا والمنظمات الحقوقية المستقلة.

كما ربطت بعض التغطيات الاعتصام بأحداث عنف لاحقة، مثل الاعتداءات على أقسام الشرطة والكنائس، بما ساهم في ترسيخ صورة جماعية سلبية عن جميع المشاركين في الاعتصام دون تمييز بينهم، رغم تنوع المشاركين فيه بين رجال ونساء وأطفال، وصحفيين وأطباء ومسعفين، وأطياف مهنية وجغرافية متنوعة.

وامتد هذا النمط إلى برامج “التوك شو”، حيث تبنّى عدد من الإعلاميين المعروفين الرواية الأمنية للحدث وكرروها على مدى سنوات متعاقبة، من بينها مزاعم بأن المعتصمين هم من تسببوا في مقتل بعض ضحاياهم، وأن جماعة الإخوان المسلمين مسؤولة عن سقوط القتلى في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء، إلى جانب روايات عن محاولات تفاوض رسمية لفض الاعتصام سلميًا قوبلت، بحسب هذه الروايات، برفض من قيادات الجماعة.

كما استُخدمت أعمال درامية، من بينها مسلسل عُرض في ثلاثة مواسم تلفزيونية متتالية بين عامي 2020 و2022، لإعادة تقديم أحداث الفض بما يتسق مع الرواية الرسمية، في مؤشر على امتداد هذه المعركة الخطابية من الفضاء الإخباري إلى الفضاء الدرامي والترفيهي.

أدوات التأطير الإعلامي وغياب الأصوات المعارضة

لم تكن هيمنة الرواية الرسمية نتاج تغطية عفوية، بل استندت إلى مجموعة من الأدوات الخطابية المتكررة يمكن ملاحظتها بوضوح عبر آلاف القطع الصحفية والبرامجية التي تناولت الحدث. أولى هذه الأدوات الاعتماد شبه الحصري على تصريحات المسؤولين الأمنيين والحكوميين بوصفها المصدر الرئيس للمعلومات، مقابل تهميش شهادات المعتصمين وذوي الضحايا والمنظمات الحقوقية المستقلة، أو التعامل معها بوصفها روايات مشكوكًا فيها سلفًا.

وثانيها الانتقائية في عرض المعلومات، من خلال التركيز على الإصابات في صفوف قوات الأمن، مقابل تقليص مساحة تناول أعداد الضحايا المدنيين وظروف سقوطهم.

أما الأداة الثالثة فهي ما يمكن وصفه بـ”التأطير الأمني” للحدث، أي تقديمه باعتباره معركة ضد الإرهاب، بما يحوّل النقاش العام من مساءلة استخدام القوة إلى قضية حفظ الأمن والاستقرار.

وتستحق المفردات اللغوية المستخدمة في التغطية اهتمامًا خاصًا، إذ تكشف مراجعتها عن تكرار لافت لمصطلحات مثل “الإرهابيين” و”الجماعة الإرهابية” و”العناصر المسلحة” و”البؤرة الإرهابية” و”التكفيريين” و”الخلايا المسلحة” و”دعاة الفوضى”، في مقابل ندرة استخدام تعبيرات محايدة مثل “المعتصمين” أو “المتظاهرين” أو “المدنيين”.

ولم يكن اختيار هذه المفردات محايدًا بأي حال، بل سعى إلى ما يمكن تسميته “نزع الإنسانية” عن المعتصمين عبر وصفهم جميعًا بصفات أمنية دون تمييز، وهو ما ساهم في تقليص التعاطف المجتمعي معهم، وتعميق الاستقطاب بين مؤيدي الدولة ومعارضيها، وتقديم استخدام القوة باعتباره ضرورة لحماية المجتمع من خطر داهم.

وفيما يخص البرامج الحوارية تحديدًا، استضافت هذه البرامج بشكل شبه حصري مسؤولين أمنيين ومحللين عسكريين وشخصيات سياسية مؤيدة للدولة، مقابل حضور محدود جدًا للأصوات المعارضة أو المستقلة، وهو ما أسهم في تكرار رسائل بعينها من قبيل أن الدولة كانت تحارب الإرهاب، وأن الاعتصام كان مسلحًا، وأن قوات الأمن التزمت بضبط النفس، وأن الفض جاء بعد استنفاد كل الحلول السلمية، دون اعتماد كبير على تحقيقات ميدانية أو مصادر مستقلة للتحقق من هذه الروايات المتكررة.

هل نجحت السردية الرسمية في تشكيل رأي عام موحد؟

رغم كثافة هذه التغطية وتكرارها على مدى أكثر من عقد، فإن تأثير الإعلام المصري في تشكيل رأي عام موحد تجاه الحدث ظل، بحسب مؤشرات عدة، محدودًا.

أبرز هذه المؤشرات استمرار الانقسام المجتمعي حول تفسير الأحداث حتى اليوم، إذ لم تتبلور رؤية موحدة لدى المصريين، بل ظلت الاتجاهات متعددة بين مؤيدين للرواية الرسمية ومعارضين لها وفئة أكثر تشككًا أو حيادًا، وهو ما يدل على أن الرسالة الإعلامية لم تحقق هدف بناء توافق اجتماعي واسع رغم كل الجهد المبذول فيها.

ومن المؤشرات الأخرى اللافتة تراجع الثقة في وسائل الإعلام التقليدية لدى قطاعات من الجمهور، خصوصًا مع الملاحظة المتكررة للتقارب الكبير في المضامين الإعلامية بين معظم القنوات والصحف المحلية، وهو تقارب أفقد الرسالة الإعلامية قدرًا من مصداقيتها لدى جمهور بات يدرك أن التنوع الظاهري في المنصات لا يعكس تنوعًا حقيقيًا في المضمون.

إلى جانب ذلك، تزايد اعتماد الجمهور على مصادر بديلة كوسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الدولية والمواقع الإخبارية المستقلة والمعارضة، وهو ما أضعف قدرة الإعلام المحلي على احتكار تفسير الحدث.

وتؤكد أدبيات الاتصال السياسي أن الأفراد يميلون إلى تفسير الرسائل الإعلامية وفق مواقفهم السياسية السابقة أكثر من تأثرهم المباشر بمضمون التغطية، وهو ما يفسر استمرار كثيرين على قناعاتهم قبل التغطية وبعدها سواء بسواء.

ويُلاحظ أيضًا ما يمكن تسميته بـ”التشبع الإعلامي”، أي أن الإفراط في تكرار الرسائل ذاتها قد يقود إلى نتيجة عكسية، حيث يصبح الجمهور أقل تفاعلًا مع الرسائل المتكررة أو أكثر ميلًا للتشكيك فيها، خصوصًا حين تحمل طابعًا دعائيًا واضحًا؛ وهي ظاهرة تُعرف في أدبيات الاتصال بـ”رد الفعل العكسي”.

وفي البيئة الرقمية تحديدًا، أضعفت سهولة الوصول إلى مصادر متعددة، وتدفق المعلومات المستمر، من فاعلية التكرار الإعلامي بوصفه أداة لترسيخ رواية واحدة، في وقت استمر فيه تداول الأرشيف الرقمي من صور ومقاطع فيديو وشهادات متنوعة عبر الإنترنت، بما عزز تعددية الذاكرة الجمعية وأضعف هيمنة الرواية الرسمية على تفسير الحدث.

فجوة بين التغطية المحلية والدولية

من العناصر اللافتة في مسار هذا الملف الإعلامي أن التباين لم يقتصر على الخلاف بين الرواية الرسمية والروايات البديلة داخل مصر، بل امتد إلى تباين واضح بين معالجة وسائل الإعلام المحلية ونظيرتها الدولية للحدث ذاته.

فبينما ركزت غالبية وسائل الإعلام المصرية على الرواية الأمنية وأبرزت خطاب “مكافحة الإرهاب”، تعاملت وكالات الأنباء والصحف الدولية الكبرى مع الحدث باعتباره واقعة تتصل بحقوق الإنسان واستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين، استنادًا إلى تحقيقات ميدانية وشهادات مباشرة من موقع الأحداث.

هذا التباين أتاح للجمهور المصري، خصوصًا الفئات الأكثر اطلاعًا على الإعلام الأجنبي أو القادرة على متابعته، فرصة المقارنة بين روايتين متناقضتين حول الحدث نفسه، وهو ما أضعف بدوره قدرة أي خطاب إعلامي محلي منفرد على احتكار تفسير الوقائع.

وقد تعزز هذا الأثر مع اتساع رقعة استخدام منصات التواصل الاجتماعي، التي حولت الجمهور من متلقٍ سلبي للرسالة الإعلامية إلى طرف فاعل في إنتاج المحتوى والتعليق عليه ومناقشته. فقد أتاحت هذه المنصات تداول مقاطع فيديو وصور وشهادات شخصية لم تحظَ بمساحة تُذكر في وسائل الإعلام التقليدية، بما في ذلك مواد وثّقت لحظات من عملية الفض ذاتها، وشهادات لناجين وأسر ضحايا، ما أسهم في خلق بيئة معلوماتية موازية للرواية الرسمية، وإن ظلت أقل انتشارًا منها في بعض الأوساط الاجتماعية بحكم القيود المفروضة على تداول هذا النوع من المحتوى داخل مصر.

كذلك لعبت عوامل ديمغرافية دورًا في تشكيل طريقة استقبال الجمهور لهذا التباين بين التغطيتين؛ إذ اعتمدت الفئات العمرية الأصغر بدرجة أكبر على الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيس للمعلومات، في حين ظلت الفئات الأكبر سنًا أكثر ارتباطًا بالتلفزيون والصحف الورقية والمواقع الإخبارية الرسمية.

هذا الانقسام في مصادر المعلومة أفضى إلى اختلاف واضح في طريقة تفسير الحدث بين الأجيال، بما يعكس أن الإعلام التقليدي لم يعد المصدر الوحيد، ولا حتى المصدر المهيمن بالضرورة، في تشكيل تصورات الأجيال الأحدث تجاه قضية بهذا الحجم من الحساسية السياسية.

ذاكرة جمعية منقسمة لا ذاكرة وطنية موحدة

من أبرز ما يمكن استخلاصه من متابعة ثلاثة عشر عامًا من التغطية الإعلامية هو أن الخطاب الإعلامي المصري لم ينجح في إنتاج ذاكرة جمعية وطنية موحدة حول أحداث الفض، بل تشكلت بدلًا من ذلك ذاكرات متوازية ترتبط بالانتماءات السياسية والاجتماعية المختلفة.

فاستمرار إحياء الحدث سنويًا بخطابات متباينة، واستمرار تناوله في الدراسات الأكاديمية والحقوقية من زوايا متعددة، وبقاؤه حاضرًا في النقاشات السياسية والإعلامية حتى اليوم، كلها مؤشرات على أن ملف “الفض” لم يُغلق داخل الوعي الجمعي للمصريين، على عكس ما كانت تسعى إليه الحملات الإعلامية المتكررة.

وفي هذا السياق، خلصت ورقة بحثية نشرها موقع “الاستقلال” قبل ثلاث سنوات، في ذكرى مرور عشر سنوات على الحدث، إلى أن محاولات ترسيخ رواية رسمية أحادية له، سواء عبر الإعلام التقليدي أو الأعمال الدرامية، لم تنجح في إعادة تشكيل الوعي الجمعي للمصريين أو إنهاء الجدل حوله.

كما خلص تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدر في المناسبة ذاتها إلى أن وقائع الحدث لا تزال حاضرة في الذاكرة العامة رغم مساعي التغييب المستمرة على مدار عقد كامل.

الخلاصة أن تغطية أحداث فض اعتصامي “رابعة” و”النهضة” على مدى ثلاثة عشر عامًا تمثل نموذجًا بارزًا لأثر التأطير الإعلامي واختيار المفردات في محاولة تشكيل الإدراك العام، وتكشف في الوقت ذاته عن حدود هذا التأثير حين يصطدم بواقع سياسي واجتماعي شديد الاستقطاب.

فالإعلام في أوقات الأزمات السياسية الكبرى لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يتحول إلى طرف فاعل في صناعة السرديات المتنافسة حولها؛ غير أن ارتباط الأداء الإعلامي بمواقف سياسية محددة، على حساب معايير الدقة والحياد والتحقق وتعدد المصادر، كان من أبرز أسباب تراجع الثقة العامة بوسائل الإعلام المصرية الرسمية وشبه الرسمية، وتعميق الاستقطاب المجتمعي بدلًا من تجاوزه.

وبينما يواصل الإعلام الرسمي إحياء روايته كل عام، تواصل الأرشيفات الرقمية والشهادات الشخصية والتقارير الحقوقية الدولية طرح أسئلة لم تُجب عنها السردية الرسمية بشكل مقنع حتى الآن، وهو ما يجعل من “رابعة والنهضة” ملفًا سياسيًا وإعلاميًا مفتوحًا، أكثر منه قضية محسومة في الذاكرة الجمعية للمصريين، ويؤكد أن التضليل الإعلامي حول الحدث لم يؤت ثماره.

—————–

  • يستند هذا التقرير إلى دراسة بحثية تناولت تحليل الخطاب الإعلامي المصري المرتبط بأحداث فض اعتصامي “رابعة” و”النهضة” خلال 13 عامًا، إلى جانب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى