مقالات

فتح القسطنطينية ، والمعركة حول التاريخ، لماذا تثير هذه الذكري خوف  دولة الاحتلال الإسرائيلي ؟!

د. سليمان صالح

دفعتني لكتابة هذا المقال المعركة التي أشعلها كاتز ونتنياهو فجأة ضد تركيا، حيث هدد النتن ياهو بقوته الغاشمة، ففي مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية، قال النتن ياهو:إن  أردوغان  نسي أن 400 سنة من الحكم العثماني قد انتهت.. واليوم توجد هنا دولة قوية تسمى إسرائيل، وهناك جيش الدفاع الإسرائيلي، وهناك شعب إسرائيل، وهناك حكومة إسرائيل. ومن الحكمة أن يهدأ.

ثم أضاف : لن نسمح لأحد بتهديد وجودنا، ولن نسمح لأحد بتهديد أمننا، وأعتقد أننا أثبتنا ما نستطيع فعله.

والأهم أنه قال في المقابلة  نفسها: إن القوة التي يجب أن تستمر في الصعود، وأن تصعد بصورة أسرع، هي دولة إسرائيل،  وإن تراجع قوة يؤدي إلى صعود قوة أخرى..فماذا يعني نتنياهو بذلك ؟!

هل يعني أن تراجع إيران يؤدي إلي صعود تركيا؛ فهي البديل السني داخل ميزان القوي الاقليمي.

وقد وصف نتنياهو إيران بأنها تمثل المحور الشيعي المتطرف، بينما اعتبر تركيا ممثلة لمحور الإخوان المسلمين الذي وصفه بأنه متطرف بالقدر نفسه .

ماذا قال كاتس عن فتح القسطنطينية؟

في 28 يوليو/تموز 2026، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مقابلة مع القناة 14

نحن لسنا الإمبراطورية المسيحية المنهارة.. القدس ليست القسطنطينية التي فتحتموها عندما بنيتم الإمبراطورية العثمانية.. نحن هنا إلى الأبد.. القدس لنا إلى الأبد.. نحن نعرف كيف ندافع عن أنفسنا، ونحن أقوياء..

ثم وجه إلى أردوغان تحذيرًا مباشرًا قائلا: إن عليه ألا يضع تركيا في الوضع الذي وضعت إيران نفسها فيه، وأن يهتم بتركيا وشؤونها.

لكن لماذا استدعى كاتس فتح القسطنطينية؟

هل أراد كاتس  أن يقول: إن اسرائيل لن تسمح بتكرار السيناريو، ولن تدع العثمانيين ينتصرون، لكنه يدرك أن تركيا أصبحت قوة صاعدة، ويخشي من تكرار السيناريو، وأنه يخاف من أن تصبح اسرائيل قسطنطينية جديدة. 

لكن لماذا يثير  فتح القسطنطينية خوف إسرائيل؟!

اختار  كاتس  واحدًا من أكثر الأحداث رمزية في الذاكرة التركية والإسلامية، ولو كان هدفه مجرد القول إن إسرائيل قوية، كان يمكنه أن يستخدم أمثلة حديثة..

وهذا الاختيار له دلالة، ففتح القسطنطينية  بالنسبة للأتراك  يشكل رمزا تاريخيا مهما   في التاريخ التركي؛ ففي الذاكرة التركية، أصبح محمد الفاتح رمزًا للقيادة والفتح والحضارة، وأصبحت إسطنبول رمزًا للنجاح التاريخي العثماني.

القياس التاريخي والسياسي .. لماذا؟!

لذلك فإن قول كاتس: إن القدس ليست القسطنطينية يعني إنه  يحاول إبطال القياس التاريخي قبل أن يتحول إلى قياس سياسي، لكن الدولة البيزنطية لم تكن كما يقول كاتس امبراطورية مسيحية منهارة، لكنها كانت قوية وتدعمها الدول الأوربية بكل قوتها للمحافظة علي القسطنطينية كعاصمة للمسيحية، وكان الواقع يعطي للإمبراطورية البيزنطية كل عناصر القوة، وكانت القسطنطينية ذات أهمية استراتيجية، وأكثر المدن تحصينا، وكانت تستند علي قوة أوروبا المسيحية كلها، وهذا يعني أن كاتس لا يقدم تفسيرا تاريخيا صحيحا، ولكنه يخاف من أن تتكرر التجربة التاريخية بصيغة جديدة.  

ماذا يقول الخطاب الإسرائيلي عن تركيا؟

لكننا يمكن أن نكتشف دلالات هذا التصريح عندما نبحث في الخطاب الذي بدأت وسائل الإعلام تروجه، فوسائل الإعلام الإسرائيلية بدأت تصور تركيا ، كقوة إقليمية يمكن أن تصبح منافسًا استراتيجيًا، ويتضح ذلك  في تحليل نشرته جريدة جيروزاليم بوست  في 30 يوليو 2026، أشارت فيه  إلى أن الخطاب الإسرائيلي ضد تركيا أصبح موضوعًا ثابتًا في السياسة الإسرائيلية، وأن تركيا بدأت  تراقب هذه التصريحات وتعيد نشرها وتحليلها، وأشارت الجريدة إلي تصريح نفتالي بنيت الذي وصف فيه تركيا بأنها إيران الجديدة .

وهذا تطور مهم؛ فإن كانت دولة الاحتلال الاسرائيلي تعتبر أن إيران كانت   تشكل لها التهديد الرئيس؛ فبعد تراجع إيران، أصبحت تركيا مرشحة لملء الفراغ، وهذا يفسر لماذا أصبحت الذاكرة العثمانية حاضرة بقوة في الخطاب الإسرائيلي؟!

صورة تركيا في وسائل الاعلام الاسرائيلية

تحليل مضمون وسائل الإعلام الإسرائيلية يوضح أن التركيز علي وصف تركيا بأنها إيران الجديدة يشكل أهم مرتكزات الخطاب الاسرائيلي السياسي والإعلامي؛ وهذا الاتجاه يرى أن المشكلة ليست في تصريحات أردوغان وحدها، وإنما في صعود القوة التركية في سوريا

وتشير تحليلات إسرائيلية إلى القلق من أن تنشئ تركيا قواعد أو منظومات دفاع جوي في سوريا يمكن أن تحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي بالقرب من الجولان، وبالتالي فإن عبارة كاتس عن القسطنطينية ليست منفصلة عن سوريا،  فسوريا  جزء من المشكلة الاستراتيجية.

أما الاتجاه الثاني في وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ فيركز علي الخوف من العثمانية الجديدة، فبعض الكتاب الإسرائيليين ينظرون إلى خطاب أردوغان باعتباره محاولة لإعادة بناء نفوذ تركي في مناطق كانت ضمن المجال العثماني؛ وقد ظهر هذا بوضوح في كتابات إسرائيلية تتحدث عن الطموحات العثمانية الجديدة.

ما العلاقة بين القسطنطينية والقدس؟!

وهنا تصبح القدس رمزًا شديد الخطورة بالنسبة لإسرائيل؛ لأنها تربط بين العثمانية والقدس التي كانت تشكل مركز قوة حضارية للخلافة العثمانية، ولذلك ركز العثمانيون علي حمايتها وإعمارها وتحويلها إلي مركز حضاري إسلامي، ورفض السلطان عبد الحميد الأطماع الصهيونية في فلسطين؛ حيث اعتبر أن استمرارية دولته ترتبط بحماية فلسطين والتمسك بها ورفض التنازل عنها. 

لكن  حذر اتجاه ثالث في الصحافة الإسرائيلية  من أن تبادل التصريحات حول القدس وسوريا قد يتحول من حرب كلامية إلى أزمة أوسع، وهذا يعني أن بعض المعلقين الإسرائيليين لا يتعاملون مع كلام كاتس باعتباره مجرد خطاب سياسي، وإنما يرونه في سياق تنافس جيوسياسي حقيقي على سوريا وشرق المتوسط.

كيف ردت تركيا؟

لكن الرد التركي  لم يدخل في المقارنة التاريخية، وإنما رفض قيام  إسرائيل بتلقين تركيا درسًا في التاريخ؛ حيث رد  رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش علي كاتس بقوله :

لا يمكن لأحد أن يتعالى على الجمهورية التركية والشعب التركي أو يحاول تقويمنا، ولا أن يوجه أصابع التهديد إلى تاريخنا؛ ونصيحتي لمن يحاول تحدي تركيا: استخلصوا الدروس من التاريخ، لا من الخطابات الحماسية؛ وأنتم آخر من يحق له إعطاء تركيا درسًا في التاريخ والقانون الدولي

كيف ردت  وسائل الإعلام التركية؟

ظهر في الخطاب التركي رد يقوم على استخدام  المقارنة التاريخية لتوضيح أن إسرائيل  لا ينبغي أن تفترض أن القوة العسكرية الحالية تضمن لها البقاء التاريخي

كما ظهرت في الخطاب التركي القومي ردود تستعيد حقيقة أن الجيش العثماني ظل يدير القدس نحو أربعة قرون، وأن جزءًا كبيرًا من معالم المدينة القديمة الحالية يعود إلى الحقبة العثمانية.

ارتباط الأحداث في الذاكرة

ما يهمني في هذا المقال هو أن تركيا ربطت فتح القسطنطينية في الذاكرة بالقدس، ردا علي تهديدات النتن ياهو وكاتز؛ فإسرائيل تستحضر القسطنطينية لمواجهة الذاكرة العثمانية التركية، في الوقت الذي استحضرت فيه تركيا القدس التي كانت جزءا من الدولة العثمانية في الذاكرة التاريخية والحضارية الإسلامية.. بينما ركز الخطاب الاسرائيلي علي أن القسطنطينية سقطت أمام العثمانيين، لكن القدس ليست قسطنطينية وإسرائيل ليست بيزنطة.

وبالتالي فإن فتح القسطنطينية أصبح حاضرًا في الصراع الجيوسياسي المعاصر، فالتاريخ  يعود إلى السياسة  عندما تحتاج القوى السياسية إلى الذاكرة لإنتاج الشرعية أو الردع أو الهوية.

المعركة حول الرموز التاريخية .. لماذا؟!

إن القسطنطينية تمثل في الذاكرة التركية أعظم انتصار عثماني وبداية صعود الامبراطورية العثمانية، وقيامها بتوحيد العالم الإسلامي، وتحولها إلي قوة عظمي عالمية؛ ومن ثم فإن قول كاتس : إن القدس ليست القسطنطينية يشكل تحديا للسردية التاريخية التركية، بمعني إنه يريد أن يقول: لا تتخيلوا أن التاريخ سيكرر نفسه، وهذا هو جوهر رسالته

لكن احتياج  وزير الدفاع الاسرائيلي  إلى استدعاء فتح القسطنطينية سنة 1453 لكي يثبت أن إسرائيل لن تسقط،  يعني أن الذاكرة التاريخية العثمانية ما زالت ذات حضور سياسي قوي في المخيال الإسرائيلي؛ وإن إسرائيل تخشي صعود تركيا كقوة إقليمية مستقلة، وأن تزيد قوتها في سوريا وشرق المتوسط ، وتزيد نفوذها في العالم الإسلامي

ولهذا فإن إسرائيل ترى في الذاكرة العثمانية  مؤشرًا على مشروع سياسي أوسع، وهذا يفسر لماذا قال نتنياهو إن تراجع إيران يؤدي إلى صعود قوة أخرى، وإن إسرائيل يجب أن تصعد بصورة أسرع.

لقدأصبح فتح القسطنطينية  في ظل التوتر التركي الإسرائيلي، عنصرًا في الخطاب الجيوسياسي الإسرائيلي نفسه، حيث يُستدعى سقوط القسطنطينية لتأكيد أن إسرائيل لن تكون نسخة معاصرة من الإمبراطورية البيزنطية، ولإرسال رسالة ردع إلى تركيا مفادها أن التاريخ العثماني لن يتكرر في القدس.

في الوقت الذي يشكل فتح  القسطنطينية  رمزًا للقدرة الحضارية التركية، تستدعيه السردية الإسرائيلية باعتباره مثالًا على الخطر الذي يجب منع تكراره.

استعادة الذاكرة خطر يهدد إسرائيل

لكن مراكز البحث الاسرائيلية انتجت دراسات تربط بين استعادة الذاكرة العثمانية، وتمجيد محمد الفاتح وفتح إسطنبول، والحنين العثماني الجديد، وسياسة أردوغان تجاه القدس، وبين صعود تركيا كقوة إقليمية قد تمثل تهديدًا لإسرائيل.

ومن أهم هذه الدراسات دراسة أنتجها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بعنوان : “مسعى تركيا للعودة إلى مجد العصر العثماني يعرّض إسرائيل والمنطقة للخطر”  ربط  فيها الباحثون الاسرائيليون بين الذاكرة العثمانية والاسلام السياسي وتحدي إسرائيل

وكان من أهم نتائج هذه الدراسة أن إحياء الماضي العثماني في الوعي والخطاب التركي يصبح ذا أهمية أمنية عندما يقترن بالإسلام السياسي، والقومية، والتوسع الإقليمي؛ وأن التاريخ العثماني يوفر مخزونًا رمزيًا وسياسيًا يمكن دمجه مع القومية التركية الحديثة.

وأن الماضي العثماني يؤدي دورًا متزايدًا في المجتمع التركي عمومًا، وبصفة خاصة في تصريحات أردوغان لتبرير بعض السياسات.

أين تظهر الذاكرة العثمانية في السياسة التركية ؟

تقدم الدراسة مثالًا شديد الأهمية يتعلق بـالقدس؛  ففي أكتوبر 2020 قال أردوغان، بحسب الدراسة: القدس مدينتنا، مدينة منا

وكان يربط ذلك بوجود آثار المقاومة العثمانية في المدينة، وبأن العثمانيين غادروها في نهاية الحرب العالمية الأولى،  وهنا تضع الدراسة الذاكرة العثمانية في قلب السياسة الخارجية:  فالقدس حاضرة في الهوية السياسية التركية المعاصرة من خلال الذاكرة العثمانية.

وتقول الدراسة: إن  الأراضي التي كانت تابعة للدولة العثمانية أصبحت ذات أهمية في التحركات التركية المعاصرة في سوريا و العراق وليبيا

كما تشير إلى أن الحنين إلى الدولة العثمانية أصبح عنصرًا مهمًا في القوة الناعمة التركية، خصوصًا من خلال نجاح المسلسلات التاريخية التركية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي والبلقان.

وهذا يفتح أمامنا مفهومًا مهمًا هو  الذاكرة العثمانية بوصفها قوة ناعمة.

البعد الإسلامي هو الخطر علي إسرائيل

وتقول الدراسة: إن  القدس أصبحت  أفضل مثال على البعد الإسلامي في السياسة الخارجية التركية، لأن أردوغان يستخدم القدس في خطاب موجه إلى الجمهور التركي وإلي المسلمين خارج تركيا،  وهذا يسمح له باستخدام القدس لبناء صورة تركيا باعتبارها مدافعًا عن المسلمين..

لكن لماذا تعتبر إسرائيل البعد الإسلامي في السياسة التركية خطرًا؟

تربط الدراسة البعد الإسلامي في السياسة الخارجية التركية بعلاقات تركيا مع قطر و جماعة الإخوان المسلمين وحماس وجماعات إسلامية في سوريا وحكومة الوفاق في ليبيا

وتذكر أن تركيا أصبحت  حاملة راية الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وأن الماضي العثماني يؤدي دورًا متزايدًا في الوعي التركي، وانه أصبح أداة للقوة الناعمة التركية، وأن القدس أصبحت رمزا  داخل سردية تجمع الحنين العثماني بالهوية الإسلامية

وإذا كان الماضي العثماني يُستخدم في السياسة الخارجية التركية المعاصرة، فإن فتح القسطنطينية، باعتباره أحد أهم الرموز المؤسسة للذاكرة العثمانية، يمكن أن يُدرس باعتباره جزءًا من رأس المال الرمزي الذي تستند إليه عملية إعادة بناء الهوية التركية

لذلك تكشف الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية أن مصدر القلق هو تحول الماضي العثماني  إلى مورد للهوية السياسية والقوة الناعمة والشرعية الإقليمية والسياسة الخارجية التركية؛ ومن ثم فإن رمزية فتح القسطنطينية يمكن أن تكتسب أهمية استراتيجية عندما تدخل ضمن سردية أوسع لإعادة تعريف تركيا كقوة إقليمية ذات رسالة إسلامية

عندما عادت أياصوفيا!

هناك دراسة أخري كتبها أوريت برلوف ، وغاليا ليندستروس ونشرها معهد الأمن القومي الإسرائيلي في 21 يوليو /تموز 2020، وركزت علي ردود الفعل العربية علي قرار أردوغان إعادة تحويل أياصوفيا إلي مسجد 

 وأشارت هذه الدراسة إلى أن بعض الخطابات ربطت خطوة آيا صوفيا بالقدس والأقصى

وكان معهد الأمن القومي قد نشر دراسة عام 2009 ركزت علي 

إن أهمية تركيا في النظام الدولي تُفهم من موقعها الجغرافي ومن عمقها التاريخي، وتربط هذا التصور بالاتجاه العثماني الجديد وبمحاولة زيادة القوة الناعمة والنفوذ الدولي، وان تركيا تستعيد الجغرافيا والتاريخ والقوة الناعمة

ثم تطورت دراسات معهد الأمن القومي الاسرائيلي لتوضح أن تركيا تستعيد الماضي العثماني والإسلام وأياصوفيا؛ وبدأ الخطاب الإسرائيلي يتجه بصورة أكثر وضوحًا إلى اعتبار تركيا نفسها منافسًا استراتيجيًا صاعدًا، وأن الماضي العثماني أصبح جزءًا متزايدًا من الوعي التركي والخطاب السياسي لأردوغان.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة عند دراسة فتح القسطنطينية، إذ يمثل الفتح أحد أبرز الرموز المؤسسة للذاكرة العثمانية والتركية.

لماذا تعتبر إسرائيل محمد الفاتح شخصية مهمة

هناك بحث أكاديمي مهم  يوضح لماذا تثير شخصية محمد الفاتح اهتمام الباحثين الإسرائيليين  الذين يدرسون أردوغان وتركيا الجديدة، ويشير إلى أن أردوغان، في سياق انتخابات إسطنبول 2019، استخدم آيا صوفيا والفتح بصورة مباشرة لاستعادة الدور الإسلامي للمدينة ولتركيا

وهذا تحديدًا ما يجعل الذاكرة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمراقبين الإسرائيليين، وهناك دراسة أخري نشرها معهد الأمن القومي الإسرائيلي .

تقول  إن أردوغان يستخدم بصورة متزايدة المصطلحات الإسلامية في خطابه السياسي، وإنه يستغل تراجع أدوار بعض الدول العربية ليقدم تركيا بوصفها مدافعًا عن مصالح المسلمين في العالم.

و  تصف غاليا ليندستراوس  سياسة أردوغان بأنها محاولة للعودة إلى ما يراه هو مجد الإمبراطورية العثمانية، وتربط ذلك بسياسة خارجية أكثر قوة ومحاولة لتأكيد الهيمنة التركية في المنطقة.

ويرى بعض الباحثين والمحللين الإسرائيليين أن إحياء الذاكرة العثمانية، بما فيها رمزية فتح إسطنبول وشخصية محمد الفاتح وآيا صوفيا، يصبح ذا دلالة استراتيجية عندما يقترن بمشروع أردوغان لإعادة تعريف تركيا كقوة إقليمية ذات مرجعية إسلامية وحضور في القدس

لذلك تزايد القلق الاسرائيلي بسبب  استعادة  تركيا الرموز التاريخية العثمانية، ولا سيما فتح إسطنبول ومحمد الفاتح والقدس وآيا صوفيا، وأن هذه الرموز  أصبحت جزءًا من بناء هوية سياسية واستراتيجية تركية جديدة.

هل الخوف من إرادة الانتصار؟!

 يمثل فتح القسطنطينية في الذاكرة الإسلامية  انتصارا عسكريا وحضاريا؛  ارتبطت فيه القيادة بالإرادة، والإيمان والعلم، والتخطيط، والقدرة على تحقيق هدف عملت الأمة الإسلامية طويلا لتحقيقه.. ولذلك فإن استعادة هذه الذاكرة اليوم تعني  استعادة القدرة على إنتاج المستقبل من خلال قراءة الماضي قراءة حضارية.

لقد كانت القسطنطينية في المخيال الإسلامي مدينة شديدة التحصين، وحاول المسلمون الوصول إليها وفتحها في مراحل متعددة.. ولذلك اكتسب فتحها قيمة تاريخية توضح أن عدم القدرة علي تحقيق هدف في فترة تاريخية لا يعني استحالة تحقيقه، ولكن يجب أن تعمل الأمة لتغيير الواقع واطلاق الخيال، وإعداد القيادة وتأهيل نفسها للنصر، والإيمان بقدرتها علي تحقيقه والأخذ بالأسباب، وامتلاك القوة الشاملة ثم الانطلاق بإرادة وتصميم وعزم نحو الهدف، وعندئذ سينهار الواقع أمام الإيمان الذي يشحذ إرادة الأمة.

ففتح القسطنطينية   بدأ عندما  تراكمت  خبرة العثمانيين واستخدموا كل ما اختزنته ذاكرتهم من تجارب الأمة الإسلامية، فبنوا  الدولة، وطوروا  الجيش، وأعدوا  القيادة، وفهموا الجغرافيا، وطوروا  التكنولوجيا العسكرية، وشحذوا إرادتهم وعزيمتهم، وملأوا قلوبهم إيمانا بالله، وفخرا بهويتهم الإسلامية.

لذلك فإن الأمة الإسلامية يجب أن تستعيد ذاكرتها لتفرض إرادتها علي الواقع، فتغيره لصالحها، وتستخدم معطياته لتحقيق أهدافها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى