نجيب ومرسي.. معركة الشرعية ضد مراكز النفوذ
حنان عطية
في تاريخ الأمم لحظات تتشابه فيها الوجوه وإن اختلفت الأسماء، وتتكرر فيها المآسي وإن تبدلت الأزمنة، وحين يتأمل المرء سيرة الرئيس الراحل محمد نجيب وسيرة الرئيس الراحل محمد مرسي، يكاد يشعر أن التاريخ المصري أعاد كتابة بعض صفحاته بعد ستة عقود كاملة، وأن المشهد ذاته عاد بأبطاله الجدد وتفاصيله المختلفة، ليطرح السؤال القديم نفسه: من يحكم مصر؟ الإرادة الشعبية أم مراكز القوة المتجذرة في مؤسسات الدولة؟ أم مَن بالضبط؟ بل وتطرح أسئلة حول من يصنع الرواية ويوظف التاريخ؟
كان محمد نجيب يحلم بدولة دستورية يعود فيها الجيش إلى ثكناته وتعود السياسة إلى أهلها، وأيضًا كان محمد مرسي يسعى إلى دولة مدنية تستند إلى الانتخابات والمؤسسات المنتخبة وأيضًا تعود السياسة إلى أهلها والجيش إلى ثكناته، وبين الحُلمين مسافة زمنية تقارب الستين عامًا، لكن جوهر الفكرة بقي واحدًا: بناء سلطة تستمد مشروعيتها من الشعب لا من القوة.
أيضًا لم يكن محمد نجيب ضابطًا عاديًا حين اختاره الضباط الأحرار واجهةً لثورة يوليو 1952، كما لم يكن محمد مرسي سياسيًا عاديًا حين حملته صناديق الاقتراع إلى قصر الرئاسة عام 2012. كلا الرجلين جاء من مؤسسة ذات حيثية؛ ما يعني أن كلا الرجلين وصل إلى موقع القيادة مستندًا إلى مؤسسة وثورة منحت كل واحد منهما شرعية شعبية واسعة، وكلاهما وجد نفسه بعد وصوله إلى السلطة في مواجهة مراكز نفوذ تمتلك من القوة ما يفوق صلاحيات المنصب الرئاسي.
مؤسسة تخلت ومؤسسة ناصرت
قد تبدو المقارنة بين تجربة الرئيس محمد نجيب وتجربة الرئيس محمد مرسي مُغرية لكثرة أوجه التشابه بينهما؛ فكلاهما جاء إلى رأس الدولة ثم أُبعد عن السلطة، وكلاهما تعرض لحملات من التهميش والإقصاء، وكلاهما حاول من استبعده أن يُزيف الرواية، وأن يصنع رواية بديلة، غير أن الفارق الحقيقي يكمن في المؤسستين اللتين كانتا خلف كل منهما، بما ترك أثرًا كبيرًا على بقاء رواية كل منهما على المستوى الشعبي.
ففي حالة محمد نجيب، تخلت المؤسسة العسكرية عنه بعدما تمكن الضباط الذين كانوا أقل منه رتبة من إقصائه والاستفراد بالحكم؛ ومنذ تلك اللحظة دخلت مصر مرحلة جديدة وأصبح القرار فيها حكرًا على مجموعة صغيرة احتكرت السلطة، وأعادت تشكيل الدولة والجيش والحياة السياسية وفق رؤيتها، حتى غاب أول رئيس وطني لمصر عن الوعي العام، وتعرضت سيرته للتشويه والطمس، بل وصل الأمر إلى تزييف التاريخ في عقول الأجيال الجديدة التي لم تدرك أن نجيب أول رئيس مصري بعد سقوط الملكية.
أما في تجربة الرئيس محمد مرسي، فقد كان المشهد مختلفًا تمامًا، فالمؤسسة التي خرج منها لم تتخل عنه بعد الانقلاب عليه، بل استمرت تكافح من أجل التعريف به واحتفاظ الذاكرة الجمعية في مصر بالحقائق دون تزييف باعتباره أول رئيس مدني منتخب تم الانقلاب عليه وأنه صاحب الشرعية التي أفرزتها صناديق الاقتراع والانتخابات الحرة، ورغم ما تعرض له أفرادها من قتل واعتقالات وأحكام ومصادرات وتشريد، فإنها واصلت الدفاع عن الرواية، معتبرة أن معركتها لم تكن معركة شخص متمثلة في شخص الرئيس مرسي، وإنما معركة رواية تُمثل الحقيقة والإرادة الشعبية.
ولم يتوقف ذلك المسار بعد وفاة الرئيس مرسي، بل استمرت جهود الحفاظ على حضوره في الذاكرة العامة، ومواجهة محاولات طمس سيرته وتشويه تجربته عبر أدوات إعلامية وإنتاج درامي وإمكانات مالية ضخمة أنفقتها الدولة العميقة والثورة المضادة، والتي رغم اتساعها، لم تحقق هدفها النهائي، لأن الفكرة التي يُمثلها مرسي بقيت حاضرة في وجدان قطاع كبير من المصريين، وفي ذاكرة كثير من الأحرار داخل المنطقة وخارجها نتيجة الدأب على التعريف بالحقائق وحمايتها من النسيان في مواجهة طوفان المعلومات المضللة.
الفارق بين عامي 1954 و2013
ومن هذا المنطلق، يبقى الفارق بين عامي 1954 و2013 لا يكمن فقط في اختلاف الأشخاص، وإنما في اختلاف طبيعة الحاضنة التي وقفت خلف كل تجربة. ففي حين انتهت قصة محمد نجيب إلى عزلة طويلة نجحت السلطة في فرضها على الوعي العام لعقود، بقيت قصة محمد مرسي حاضرة في النقاش السياسي والإعلامي، رغم مرور سنوات على عزله ووفاته، لتصبح تجربة عصية على المحو.
ورغم الجهود التي بذلها مخرجو الانقلاب لمحو أثر الرئيس مرسي مثلما جرى مع محمد نجيب إلا أن محاولاتهم مع تجربة مرسي لم تنجح بالقدر نفسه الذي نجحت فيه مع نجيب، ليس فقط لأن ظروف الزمن اختلفت، وإنما لأن المؤسسة الشعبية التي خرج منها مرسي بقيت – رغم كل ما تعرضت له – متمسكة برواية الحقيقة، مُحافظة على رمزية الرجل، ومُعتبرة أن معركتها لم تنتهِ برحيله، بل ستظل مرتبطة بفكرة الشرعية والاحتكام إلى إرادة الناخبين.
يرى كثيرون أن أحد الأهداف الرئيسية لمن استولوا على السلطة بعد عزل الرئيس محمد مرسي كان في تكرار ما حدث مع الرئيس محمد نجيب قبل عقود؛ أي إخراج الرجل من التاريخ، ومحو أثره من الوعي الجمعي، حتى يصبح مجرد اسم عابر في صفحات الكتب الرسمية، بينما تُكتب الرواية التي تريدها السلطة وحدها.
ومن هذا المنطلق، وبناءً على الجهود والمؤسسات الشعبية التي كانت وراء اختيار الرئيس مرسي لم يقتصر حضوره بشكل رمزي في المناسبات السنوية أو البيانات السياسية، بل تحول إلى مشروع متواصل للحفاظ على ذكراه وسيرته وتجربته في الوعي العام، من الميلاد وحتى الوفاة، وفي فترة الحكم، ومن خلال مواقفه السياسية، جميعها أصبحت محطات يجري استحضارها بصورة مستمرة، في محاولة لترسيخ الرواية التي ترى أن الرجل كان يمثل تجربة ديمقراطية تم إجهاضها بالقوة.
في مواجهة محاولات المحو والتشويه
ولقد توجت المؤسسات الشعبية الداعمة للتجربة الديمقراطية واختيار الرئيس مرسي وفي مقدمتها جماعة “الإخوان المسلمون” جهودها ضد المحو والتشويه والاستئصال بإنتاج مسلسل يتناول حياة الرئيس محمد مرسي منذ ميلاده وحتى وفاته، بما يمثل إحدى أبرز صور هذا الكفاح الإعلامي والثقافي.
فالمسلسل، ليس مجرد عمل درامي، وإنما محاولة لتوثيق سيرة الرجل وحفظها في الذاكرة الجمعية، وتقديم رواية حقيقية ومطابقة للواقع ومغايرة لمحاولات الانقلاب صناعة رواية كاذبة تشوه صورة الرجل وتفعل بها كما فعلت مع سيرة نجيب.
ويأتي ذلك العمل المتميز ضمن جهود إعلامية متواصلة تهدف إلى تخليد ذكرى الرئيس مرسي، والحديث عن سيرته ومسيرته وفترة حكمه، باعتبارها جزءًا مهمًا في تاريخ مصر السياسي الحديث، وذلك في خطوة تحول دون انفراد السلطة بروايتها للأحداث، وهو ما يُبقي النقاش مفتوحًا حول تلك المرحلة، دون أن ينجح الانقلاب في وقفه واجتثاثه من الواقع والمستقبل.
وكان لهذه الجهود الإعلامية المتراكمة عبر مسيرة امتدت لـ 13 عامًا دور كبير في الحفاظ على الذاكرة الشعبية حية دون تشويه، حيث أصبحت قصة الرئيس محمد مرسي عصية على المحو لأن ذكراه باقية حاضرة في المجال العام، ولأن محاولات طمسها لم تنجح في إنهاء حكايته، فكلما عاد الحديث عن الشرعية، أو الديمقراطية، أو إرادة الناخبين، عاد اسم محمد مرسي إلى الواجهة، ليظل جزءًا من السجال السياسي والتاريخي في مصر، وجزءًا من ذاكرة قطاع من المصريين والعرب الذين يرون في تجربته محطة لا يمكن تجاوزها أو إسقاطها من التاريخ.
متشابهات في سيرة ومسيرة الرجلين
وفيما عدا نقطة اختلاف موقف المؤسستين التي جاء منهما الرجلان ووقوفهما مع صاحبهما فإن هناك متشابهات كثيرة في سيرة ومسيرة الرجلين خاصة في مساحة الدخول لحكم مصر والخروج منها.
إن التشابه الأساسي بين الرئيسين محمد نجيب ومحمد مرسي لا يكمن في طريقة الوصول إلى الحكم أو الخروج منه، وإنما في الرمزية التي اكتسبها كل منهما بعد رحيله عن المشهد، فقد تحول محمد نجيب في الوعي الوطني إلى رمز للرئيس الذي أراد إعادة السلطة إلى المؤسسات المدنية، بينما تحول محمد مرسي إلى رمز للشرعية الانتخابية وشرعية الثورة والميدان والتي انتهت قبل أن تستكمل مسارها.
ولعل أول أوجه الشبه بين الرجلين أنهما وصلا إلى الرئاسة عبر مرحلة انتقالية ذات زخم ثوري شعبوي، فمحمد نجيب تولى قيادة الدولة بعد ثورة على الاحتلال والنظام الملكي، وأدت إلى انهيار حقبة حكم، وأيضًا جاء محمد مرسي بعد ثورة هزت أركان حقبة الحكم العسكري التي تأسست منذ يوليو وأطاحت بنظام مبارك ابن المؤسسة العسكرية كما سابقيه في مسلسل ثورة يوليو.
وفي الحالتين لم تكن مؤسسات الدولة قد استقرت بعد على صيغة جديدة للحكم، ومن هنا في الحالتين تم ميلاد مسلسل الرئيسين الوطنيين اللذين انحازا للديمقراطية والشرعية الشعبية وشرعية الصناديق.
أما الشبه الثاني فيكمن في التوتر المبكر بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، فقد اكتشف محمد نجيب – رغم انتمائه للمؤسسة العسكرية – أن كثيرًا من القرارات المصيرية تُتخذ بعيدًا عنه، وأن السلطة الحقيقية لا تزال موزعة بعيدًا عنه بين أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي كان من المفترض أنه على رأسها.
وبالمثل وجد الرئيس محمد مرسي نفسه أمام المؤسسة نفسها والتي أصرت على الاحتفاظ بجزء كبير من نفوذ وصلاحيات إدارة الدولة معتبرة ذلك حقًا مكتسبًا لا يجوز انتقاله للمدنيين واعتبرت نفسها فوق الديمقراطية وفوق الصندوق بل وفوق الشعب الذي قام بثورة طالبت بالحرية والعدالة، الأمر الذي جعل العلاقة بين الرئاسة ومراكز القوى في الدولة العميقة علاقة متوترة.
ويتجلى الشبه الثالث في أن كلا الرجلين رفع شعار العودة إلى الإرادة الشعبية، فقد دعا الرئيس نجيب إلى إنهاء الحكم الاستثنائي وعودة الحياة النيابية وإجراء انتخابات حرة، كما تمسك الرئيس مرسي بشرعية الصندوق باعتبارها المرجعية الأساسية لأي انتقال ديمقراطي، وفي الحالتين لم تكن معركة الرجلين معركة أشخاص، بل معركة حول طبيعة النظام السياسي ومستقبل الحكم في مصر.
ومن أوجه التشابه اللافتة أيضًا أن كليهما تعرض لحملات سياسية وإعلامية حادة خلال فترة حكمه، فالرئيس نجيب اتُهم بالرغبة في الاستئثار بالسلطة وبالعمل ضد الثورة على خلاف حقائق التاريخ، بينما تعرض الرئيس مرسي لذات الانتقادات الواسعة والاتهامات بأخونة الدولة، والاستئثار بالحكم لصالح فصيل معين على خلاف الحقيقة أيضًا، حيث دخل التيار الذي يمثله الرئيس البرلمان في تحالف ديمقراطي حاملاً معه الأحزاب الضعيفة التي لا تجد لها شعبية كافية لمنحها ولو مقعدًا واحدًا في البرلمان، ومع اختلاف السياقات التاريخية، فإن النتيجة كانت متقاربة: وهي إزاحة الرئيسين اللذين أفرزتهما ثورتان.
إنها النهاية التي أضفت على المقارنة بُعدها الإنساني الأكثر إيلامًا، فقد انتهى المطاف بالرئيس نجيب معزولاً عن السلطة، مفروضًا عليه حصار سياسي طويل حتى قُبيل الممات، بعيدًا عن الحياة العامة التي كان يومًا في قلبها.
أما الرئيس مرسي فقد أُبعد عن الحكم ثم أمضى سنواته الأخيرة داخل السجن حتى لقي ربه شهيدًا نتيجة الإهمال الطبي المتعمد عام 2019م، وبين النهايتين تتجلى مأساة رجلين وصلا إلى قمة السلطة عقب ثورة، ثم وجدا نفسيهما خارجها في ظروف استثنائية تعرضت مصر بعدها لسنوات من العذاب والقهر والإفقار والحكم الاستبدادي وامتلأت فيها السجون بالنشطاء والشباب وكل الخصوم السياسيين وأُلغيت الأحزاب ذات التاريخ السياسي العتيق، ففي حالة عبد الناصر بقي الاتحاد الاشتراكي يحكم مصر بالحديد والنار وفي حالة السيسي بقي شخص واحد يحكم مصر بالحديد والنار في ظل غياب أي مشروع وطني ينهض بالبلاد.
وهكذا يقف الرئيسان مرسي ونجيب على ضفتي التاريخ المصري، يفصل بينهما أكثر من نصف قرن، لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد ظل يرافق الدولة المصرية منذ نشأتها الحديثة: كيف يمكن بناء نظام سياسي تكون فيه الكلمة الأخيرة للإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية؟ ذلك السؤال الذي شغل الرئيس نجيب بالأمس، وشغل الرئيس مرسي بعده بسنوات طويلة، وما يزال حاضرًا في النقاش المصري حتى اليوم.




