حروب القوة الناعمة.. ومخاطر تفكيك المشروع الإسلامي
د. أنس التكريتي في حوار شامل لـ”مركز إنسان”(1-2):
- الهجمة الإعلامية الغربية والإقليمية تنتقل تدريجياً من استهداف التنظيمات إلى حصار المرجعيات
- طوفان غزة أسقط أقنعة “صناع المحتوى الممول” وأعاد تشكيل وعي الجيل الجديد
- السرديات الإعلامية الموجّهة تمنح صك البراءة للأنظمة التي تحارب الحركات الإسلامية الوسطية
- التمويلات الأجنبية وشروط “المجتمع المدني” أدوات لتطويع الشعوب وإضعاف هويتها
- مراكز الأبحاث الدولية ارتهنت كلياً لجهات التمويل بهدف صناعة “نموذج إسلامي مستأنس”
- مصطلحات “الإسلام السياسي” و”التطرف غير العنيف” مجرد أدوات مسيّسة تفتقر لأصول منهجية
- المنظومة الدينية الإسلامية بقيت صامدة وعصية أمام محاولات التسييل والعلمنة الغربية الناعمة
“إنسان للإعلام”- حوار: حامد راضي
لم تعد تحولات المشهد الفكري والسياسي المعاصر، المرتبطة بعلاقة الغرب بالمنظومة الإسلامية، تقتصر على المواجهات السياسية التقليدية، بل امتدت لتشمل أدوات القوة الناعمة، وتوظيف المنصات الإعلامية الرقمية لتفكيك وتسييل المفاهيم الثابتة.
وفي ظل هذه الجدلية المتصاعدة، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاستهداف الفكري، والآليات الإقليمية والدولية لإعادة صياغة وعي الأجيال الجديدة، ومدى ارتهان مراكز الأبحاث الدولية لأجندات التمويل السياسي.
وفي حوار خاص لـ”مركز إنسان للدراسات الإعلامية”، يقرأ المحلل السياسي ورئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات، الدكتور أنس التكريتي، هذه التحولات من زاوية فكرية وسياسية معمقة؛ متوقفاً عند تطور الخطاب الغربي تجاه “الإسلام السياسي”، ودور مراكز الأبحاث الدولية، وآليات الإعلام التقليدي والرقمي وصُنّاع المحتوى في إعادة رسم صورة التيارات الإسلامية، وانعكاس ذلك مباشرة على المرجعيات الفكرية والوعي العام، في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.
نفتح في هذا الجزء (الأول من جزأين) من الحوار ملفات ساخنة تتعلق بمصطلح “التطرف غير العنيف”، وكيف تحول التنوع الفكري إلى أداة للاستقطاب السياسي، وصولاً إلى أثر “العلمنة الناعمة” ومحاولات تغيير الهوية الثقافية للمجتمعات الإسلامية.
- ما المقصود تحديدًا بـ”تفكيك المشروع الإسلامي من الداخل؟” وهل نحن أمام أزمة فكرية أم سياسية أم حضارية؟
في الحقيقة، هذه المصطلحات أُطلقت واستُخدمت بدوافع سياسية بالدرجة الأولى، كما أن التعددية والتنوع داخل تيار الفكر الإسلامي الحديث لا تُعد -للأسف- حالة إثراء إيجابية، بقدر ما تُستغل وتُوظف كأداة لضرب التيارات ببعضها بعضاً.
فخلال الخمسة والعشرين أو الثلاثين سنة الماضية، وتحديداً مع بروز ما سُمي بـ”الحرب على الإرهاب”، جرى تبني تيار “الإسلام الصوفي” –على سبيل المثال– والترويج له كنموذج محبب وجيد يمثل الإسلام الجميل؛ كونه لا يتدخل في السياسة، ولا يخوض في قضايا الدول والحكومات والسياسات الدولية وما شابه.
في المقابل، كانت التيارات الأخرى وخصوصاً “الجهادية” تُصنف منذ البداية كتيارات متطرفة تشكل خطراً وشراً، وتُمثل عالة وعبئاً على الإسلام والمسلمين.
أما التيارات الوسطية، فكانت تُوصف بأنها تراوح بين هذا وذاك؛ إذ كان بعض المحللين والأكاديميين والمنصفين في الطبقة السياسية يرون أن التيارات الوسطية يمكن التعامل والتواصل معها، ويمكن الاختلاف أو الاتفاق معها في بعض الجزئيات، أي أنهم كانوا يتعاملون معها بطريقة عقلانية ومعقولة.
بيد أن الأمور تغيرت بعد ذلك؛ فالتيار الوسطي الذي كان يُتواصل معه بشكل مؤسسي في كثير من الأحيان، أضحى منذ قرابة عشر سنوات، وتحديداً منذ أحداث الربيع العربي والانقلاب الذي شهدته مصر عام 2013–، يُصنف كجزء من التيار المتطرف.
والواقع أن أول من بدأ الحديث عن مصطلح “التطرف غير العنيف” (Non-violent extremism) هو توني بلير، وكان ذلك قبل مغادرته رئاسة الوزراء، قرابة عامي 2007 أو 2008، وبمجرد أن طرح هذا المفهوم حتى بات رائجاً، ثم جاء الربيع العربي ليرسخ هذا المعنى.
بناءً على ذلك، لا شك أن توظيف هذه التيارات العامة هو توظيف سياسي بحت لا يستند إلى أصول فكرية منهجية، وهم بطبيعة الحال لا يدخلون في تفاصيل تصنيف التيار الوسطي (وما إذا كان يضم سلفيين، أو إخواناً، أو حزب التحرير إذا أردنا إدراجهم ضمن التيارات)، كما أن هذا التوظيف لا يهدف إلى تحديد التيارات التي ينتمي إليها أغلب المسلمين، وخاصة المقيمين في الغرب، بل المراد منه إقحام الناس إقحاماً؛ إذ يمكنني الزعم بأن غالبية المسلمين في الغرب ينتمون إلى التيار الوسطي بمفهومه العريض، لكن الحكومات والأنظمة الأيديولوجية والسياسية تسعى لإقحام الجميع داخل هذا الإطار، وتعتبر أن كل من لا ينخرط فيه فهو متطرف.
ولعل من أبرز ما ورد في هذه الجدلية، ما ذكره رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون، والذي أمر بالتحقيق في نشاط جماعة الإخوان المسلمين عام 2014، وعندما صدر التقرير، تلاه بيان مقتضب قال فيه: “رغم أن المنتمي إلى الإسلام السياسي أو إلى الإخوان المسلمين ليس بالضرورة أن يكون متطرفاً، إلا أن هذا الانتماء بحد ذاته قد يُعد مؤشراً على إمكانية التطرف”.
لقد وقف كاميرون هنا في منطقة رمادية، فلم يجب بنعم ولا بلا، وهو ما يؤكد في النهاية ما ذكرته سلفاً: إن هذه المصطلحات قد وُظِّفت توظيفاً سياسياً كاملاً.
- برأيك.. ما هي الآليات التي تستخدمها بعض المنصات الإعلامية الدولية والإقليمية لإعادة تشكيل صورة الحركات الإسلامية لدى جمهورها؟
الحديث عن المنصات الإعلامية الدولية والإقليمية يستدعي أولاً تفكيك المشهد، والتوقف عند طبيعة الإعلام نفسه ومدى تبعية هذه المنصات.
وهنا تبرز قضية نقاشية عميقة وجديرة بالانتباه، وهي: مَن يقود مَن؟ هل السياسي هو الذي يقود الإعلامي ويُملي عليه تبني خطاب وسردية محددة تفرض إبراز قضايا معينة وإغفال أخرى؟ أم أن العكس هو الصحيح، بحيث يدفع الإعلام –بما يملكه من انتشار وتأثير– السياسيَّ الحريص على مستقبله وسيرته السياسية إلى تبني سياسات بعينها؟ ورغم أننا قد لا نصل إلى إجابة حاسمة في هذا الجدل، إلا أنه يرسم صورة واضحة لطبيعة المشهد.
وبصورة عامة، فإن تناول المنصات الإعلامية للتيارات الإسلامية كان قائماً –كما ذكرت آنفاً– على محاولة تسويق نموذج “الإسلام الجيد” والمحبب، الذي يمكن التعامل معه بما يحقق المصالح، ولا سيما المصالح الاقتصادية.
أما التيارات الأخرى غير المحببة، فلم يعد الأمر يقتصر فيها على التيار الجهادي وحده، بل امتد في السنوات الأخيرة ليشمل التيار الوسطي أيضاً؛ إذ جرى تصوير هذه التيارات ككيانات سياسية تولد الأعمال الإجرامية والإرهابية، وتنتج خطاباً غير متزن يفتقر إلى التعقل، ويقود في نهاية المطاف إلى الكوارث، سواء كانت كوارث فردية متمثلة في ضحايا الإرهاب، أو كوارث جماعية كالثورات؛ حيث تزعم تلك المنصات أن الحركات الوسطية، أو ما يُسمى بـ”الإسلام السياسي” (وتحديداً الإخوان المسلمين في كثير من الأحيان)، هي من قادتها.
ومن هنا، تُطرح سردية مفادها: “انظروا إلى هذه الكوارث التي صُنعت”، فما تمر به مصر اليوم –رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً– يُربط بتلك المرحلة التي شهدت الثورة وما تلاها، وكذلك الحال في تونس، حيث تُعزى الأوضاع الحالية إلى العشرية التي سبقت انقلاب قيس سعيّد. وتُستحضر أيضاً أمثلة سوريا واليمن وليبيا لتقديم هذه الوقائع بوصفها نتائج مباشرة لتلك التيارات.
وفي المقابل، تمنح هذه السردية ما يشبه “صك البراءة” للأنظمة التي حاربت هذه الحركات وجرّمتها وصنفتها ككيانات إرهابية –كدول الخليج وغيرها– باعتبار أن تلك الأنظمة كانت تسعى للحفاظ على الأمن والاستقرار في بلدانها.
هذه هي، في المجمل، السردية التي اعتمدتها المنصات الإعلامية العالمية، ورغم وجود بعض المحاولات لسبر أغوار وتفاصيل هذه التيارات، فإن الإعلام تعامل مع المشاهد الغربي على أساس أنه لا يملك القدرة على تحمل الخوض في هذه التفاصيل المعقدة؛ فبقي معتمداً على المصطلحات المسيّسة المتداولة مثل: الإرهاب، والتطرف، والراديكالية، والأصولية، وهي مصطلحات تمنح المتلقي تلقائياً انطباعاً سلبياً.
من المهم جداً قراءة المشهد الإعلامي بصورته الحالية؛ إذ نشهد اليوم توسعاً يتجاوز وسائل الإعلام التقليدية الشهيرة مثل (BBC) و(CNN) ورويترز وديلي تلغراف، لينتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي التي غدت بحد ذاتها قضية تستحق الدراسة.
وقد تعزز هذا التحول بوضوح بعد أحداث غزة، حيث راجت هذه المنصات بشكل كبير، وأصبحت المصدر الرئيس للأخبار لشريحة واسعة وخاصة جيل الشباب، في ظل استمرار عزوفهم عن المنصات النمطية كالصحف والتلفزة، لصالح الإعلام الجديد أو البديل، أو ما نطلق عليه الإعلام الإلكتروني.
- هل تعتقد أن الحرب على المشروع الإسلامي انتقلت من استهداف التنظيمات إلى استهداف المرجعيات والقيم والأفكار؟
أعتقد أننا نقف اليوم على أعتاب هذا التحول، فلا شك أن الهجوم لا يزال حتى الآن موجهاً بالأساس إلى التنظيمات، وإن كانت بعض الشخصيات الفكرية تُذكر أحياناً في هذا السياق.
فعلى مستوى الفكر الإسلامي الوسطي، بدأ التركيز منذ عدة سنوات على اسم “سيد قطب”، وتقديمه بوصفه عراب تنظيم القاعدة، وأن أيمن الظواهري –على سبيل المثال– تتلمذ على كتبه، لكن هذه ليست الحالة العامة حتى الآن؛ إذ لا تزال التنظيمات هي الهدف الرئيس في الخطاب، مثل الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية، وغيرها من التيارات.
ومنذ أكثر من عشرة أو خمسة عشر عاماً، شاع استخدام مصطلح “الإسلام السياسي”، وهو مصطلح واسع وفضفاض جداً، يضم طيفاً عريضاً يبدأ من الحركات التي قد تُدرج ضمن التيارات الجهادية، وصولاً إلى حركات أخرى أكثر انفتاحاً، أو ما يمكن تسميته –إن شئت– بالليبرالية السياسية كالإخوان المسلمين وغيرهم، فهو ليس تياراً بسيطاً أو متجانساً، ومع ذلك يجري صهر كل هذه الاتجاهات تحت مسمى واحد.
واليوم دخلنا مرحلة جديدة تتمثل في تسمية الجماعات بأسمائها؛ فأينما ذهبت وأينما قرأت –ولا سيما في بعض الصحف، سواء الصهيونية منها أو تلك المدعومة من الإمارات للأسف الشديد– تجد الحديث يدور باستمرار وبشكل مكثف عن الإخوان المسلمين. بل إن كثيراً من السياسيين الذين يسعون إلى إيجاد موطئ قدم لهم في المشهد أصبحوا يتخذون من الهجوم على الجماعة مادة لحديثهم.
ولعل من الأمثلة الصارخة على ذلك، ما حدث مع مرشحة حزب “ريفورم” اليميني المتطرف في بريطانيا، ليلى كانينغهام (ذات الأصول المصرية)، خلال حملتها لانتخابات عمدة لندن، ففي الوقت الذي يواجه فيه عمدة لندن ملفات ضخمة ومعقدة تتعلق بالمواصلات، والبيئة، والجريمة، وإدارة واحدة من أكثر مدن العالم اكتظاظاً، فضلاً عن القضايا المرتبطة بالاقتصاد البريطاني، وجدت هذه المرشحة أن من أولويات حملتها الدعوة إلى تجريم الإخوان المسلمين! وبصراحة، بدا الأمر مثيراً للاستغراب؛ إذ ما علاقة هذا الملف المحلي بتلك القضايا الدولية؟ ومن الواضح هنا أن هذا الطرح أصبح جزءاً من خطاب سياسي جاهز ومُعلّب يُدفع بعض السياسيين إلى تبنيه دفعاً.
لذلك، أعتقد أننا لم ندخل بعد بصورة كاملة في مرحلة استهداف الإسلام من خلال استهداف شخصياته الفكرية، وإن كانت هناك بعض النماذج المحدودة.
وربما إذا استطاع الإخوان المسلمون –في مكان ما– أن يثبتوا أنهم كانوا جزءاً من النظام السياسي، وأنه لم يكن لهم أي دور في أعمال العنف، فقد تنتقل الحملة بصورة أكبر إلى التركيز على شخصيات ومراجع بعينها، وعندها قد يتغير أيضاً التكتيك الإعلامي المستخدم في هذه الهجمة. إننا نعيش مرحلة انتقالية، وهذا التحول لم يكتمل بعد، لكن ربما نشهد انتقالاً أوضح في هذا الاتجاه خلال العام أو العامين المقبلين.
أما فيما يتعلق باستهداف القيم والأفكار، فهذا الأمر بدأ بالفعل منذ فترة، لكن الإشكالية تكمن في أن الرواية التي تُقدَّم ليست رواية صحيحة؛ فالقيم التي يُزعم أن الإخوان المسلمين يؤمنون بها أو يتبنونها ليست –في كثير من الأحيان– هي قيمهم الحقيقية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأفكار التي يجري تزويرها أو قراءتها بصورة متجنية.
فعلى سبيل المثال، تعرضت أفكار سيد قطب وكتبه لكثير من الاختلاق والقراءات المجتزأة التي تنطوي على قدر كبير من التجني، ولذلك فالمسألة الحالية ليست مناقشة حقيقية للأفكار أو القيم، فلو كان الأمر قائماً على الحوار الفكري، والمحاججة، والنقاش الموضوعي، لكان ذلك أمراً محموداً؛ لأن التلاقح الفكري مطلوب في أي مجتمع.
لكن ما يحدث في تقديري هو تقديم روايات مختلقة، ونسبة قيم وأفكار لا علاقة لها بالإخوان المسلمين، ولا بالإسلام الوسطي، ولا حتى بما يسمى تيار الإسلام السياسي.
بناءً على ذلك، أرى أن الإشكال لا يكمن في مبدأ مناقشة الأفكار ذاته، وإنما في الطريقة غير الأمينة التي تُقدَّم بها هذه الأفكار إلى الرأي العام.
- نشهد صعوداً لمنصات إعلامية ومؤسسات صناعة محتوى ممولة غربياً، تركز خطابها على “إعادة تفسير النص الديني” أو “تسييل المفاهيم الثابتة”.. كيف تقيّمون أثر هذه “العلمنة الناعمة” في وعي الجيل الجديد من أبناء المشروع الإسلامي؟
في الواقع، هذه قضية كبرى تحتاج إلى مؤتمرات علمية كاملة لتفكيكها، ولا يمكن اختزالها في إجابة عابرة؛ نظراً لأن السؤال يمس ملفاً واسعاً تتداخل فيه جوانب وأبعاد متعددة.
فنحن نتحدث أولاً عن ظاهرة المنصات الإعلامية الجديدة، وصُنّاع المحتوى، وعن فضاءات رقمية مثل “تيك توك”، سواء كانت ممولة من الغرب أو الشرق، وسواء كان هدفها تشويه وشيطنة التيار الإسلامي الوسطي، أو مخاطبة المسلمين عبر تقديم نموذج جديد للفكر الإسلامي، أو طرح تفسيرات مستحدثة للقرآن والسنة، وكل محور من هذه المحاور يستحق نقاشاً مستقلاً ومستفيضاً.
أما فيما يتعلق بالأهداف، فقد أشرتم إلى مسألة “تسييل المفاهيم الثابتة” أو تحقيق حالة من “العلمانية الناعمة”، وهذا بالفعل يعد واحداً من الأهداف الرئيسة المحتملة ضمن حزمة واسعة من الأجندات التي يمكن رصدها، فهناك محاولات حثيثة لزراعة مفاهيم دخيلة حول الإسلام، وصناعة نموذج مشوّه أو بديل له، وقد رأينا تجليات ذلك في العالم العربي كما نلمسها في العالم الغربي على حد سواء.
ففي العالم العربي، برز تيار فكري يمثله أمثال محمد شحرور، ومحمد أركون، وغيرهما ممن قدموا قراءات صبّت في هذا الاتجاه، وفي الغرب أيضاً، توجد اليوم شخصيات تقدم أطروحات تتوافق –سياسياً أو فكرياً– مع هذا النهج والخط الجديد.
وبالحديث عن المنصات التي أشرتم إلى أن تمويلها غربي، فإن الفحص يظهر أن أغلبها منصات ذات توجّه صهيوني، واليوم، يمكننا القول إننا دخلنا مرحلة مختلفة تماماً؛ فخلال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية، كان الخطاب يعتمد على محاولات لتغيير التوجهات الفكرية وإعادة تشكيل المفاهيم والقناعات بصورة هادئة وتدريجية، غير أن أحداث غزة الأخيرة دفعت الأمور نحو المواجهة المباشرة؛ فالخطاب الذي كان يميل في السابق إلى قدر من المسايرة والمواربة، أصبح اليوم أكثر صراحة في الاتهام، وأشد راديكالية ومباشرة في الخصومة.
ولهذا التحول بطبيعة الحال دوافع متعددة؛ منها ما هو سياسي، ومنها ما هو فكري، ومنها ما يرتبط بالإغراءات المالية والتمويلية، وللأسف الشديد، فإن هذه الجهود لم تقتصر على جهات غربية معروفة بتوجهاتها الصهيونية أو القريبة من الخط الإسرائيلي فحسب، وإنما انخرطت فيها وساهمت برعايتها شخصيات، ومؤسسات، ودول عربية وإسلامية.
ولذلك، أكتفي بهذا القدر في مقاربة هذا الملف؛ لأنه واسع جداً، ولو أرَدنا تفصيل محور واحد من محاوره لاستغرق منا ذلك وقتاً طويلاً.
- كيف ترون استخدام برامج “دعم صناع المحتوى الشباب” أو “المؤثرين” كأداة اختراق ثقافي لتمرير قيم مناقضة للمشروع الإسلامي دون تصادم مباشر مع العقيدة؟
قضية صناع المحتوى الشباب والمؤثرين تستحق التوقف عندها طويلاً؛ فللأسف، جرى استغلال هذه المنصات الرقمية وتوظيفها بذكاء، لا سيما في بدايات ظهورها عندما كان جمهورها يرتكز أساساً في فئة الشباب والناشئة.
وعلى الصعيد الشخصي، لم يكن لدي في البداية ما يدفعني لمتابعة منصة كـ”تيك توك”، وقبلها منصات مثل “سناب شات” ثم “إنستغرام”؛ إذ كنت أكتفي بمنصة “تويتر” (إكس حالياً)، في حين لا يزال كثير من أبناء الجيل الأقدم يعتمدون على “فيسبوك”، لكن مع مرور الوقت، ثبتت حقيقة أن منصات المقاطع القصيرة السريعة تمتلك قوة تأثير بالغة وتوجيه هائل.
وقد رأينا بالفعل طيفاً واسعاً من المؤثرين الشباب من مختلف أنحاء العالم يقدمون محتويات متنوعة؛ بعضها يبدو عفوياً أو عشوائياً، بينما يوحي بعضها الآخر بأنه يُصنع وينشر بصورة ممنهجة ومدروسة للغاية، ويحظى بتمويلات ضخمة.
هذا الضخ الرقمي له تأثير كبير، تحديداً في تقديم “نموذج مشوّه” وصورة مستحدثة عن الإسلام، وأنا هنا لا أريد إعطاء انطباع بأن الإسلام يرفض الثراء أو الرفاهية، فليس هذا مقصدي على الإطلاق، لكن الخطورة تكمن في تقديم صورة إيحائية تزعم أن “الدولة الإسلامية النموذجية” هي تلك التي تتحول إلى مزار سياحي مفتوح يمكن للإنسان فيه ممارسة كل شيء بلا ضوابط.
فتجد في المقطع الواحد دمجه بين صالات الحفلات، والمراقص، والمطاعم التي تقدم الخمور، ثم ينتقل التصوير فجأة إلى مسجد فخم على أنغام موسيقى هادئة ذات طابع روحاني! بل إن المؤثر نفسه الذي يظهر وهو يقود سيارة “لامبورغيني” فارهة برفقة الفتيات، يظهر في المشهد التالي وهو يؤدي الصلاة الخاشعة في أحد أركان المسجد!
هذه الرسائل المبطنة لا تُطرح بصورة صدامية مباشرة، لكنها تتسرب لوعي المتلقي وتترك لديه انطباعات وقناعات معينة وتذيب الثوابت.
وهناك محللون كتبوا في هذا السياق، ورأوا أن الهدف الأساسي هو إظهار بعض الدول الإسلامية كبيئات آمنة لا تختلف في نمط حياتها وسلوكها عن الدول الغربية، بما يحقق نوعاً من التقارب الشعبي، ويقدم الإسلام في قالب “دين لطيف ومستأنس”، بعيداً عن السرديات التي تربطه بالعنف أو الجفاف والشدة.
وإذا كان بعض هذا المحتوى عفوياً وغير مقصود في بداياته، فقد أصبح واضحاً اليوم أن المحتوى المدعوم الذي يحقق انتشاراً مليونياً كاسحاً يقف وراءه ممولون ومروجون لديهم مشروع وأجندة محددة؛ فالأمر لم يعد مجرد مصادفة أو عمل عشوائي، بل يحمل مقاصد سياسية وثقافية واضحة.
ومع ذلك، أستطيع القول إن هذه المنصات نفسها كشفت حدود تأثيرها، وسقطت أقنعتها وخططها وخصوصاً بعد أحداث غزة؛ إذ بدأ الجمهور ينفض عن هذا المحتوى الترفيهي التسطيحي، وبرزت تساؤلات ومحاسبة شعبية مباشرة للمؤثرين: “هل تحدثت عن غزة أم صمتّ؟ ولماذا تتجاهل دماء إخوانك؟”
وقد شكلت هذه القضية مسار جدل واسع وهجوم عاصف على المؤثرين، ولم يعد السؤال هنا موهجاً لصناع المحتوى السياسي فحسب، بل طال حتى من يقدم محتوى عن الطبخ، أو الأزياء، أو الديكور، أو السياحة.. لقد واجه الجميع سؤالاً أخلاقياً واحداً: “أين موقفك الإنساني أو تعاطفك مع ما يجري من إبادة؟”.
هذا الحراك الرقمي أحدث سجالات حادة بين المؤثرين أنفسهم، وأوجد تياراً شعبياً مضاداً يرفض الاكتفاء بالترفيه المبتذل في وقت المجازر، وبناءً عليه، أرى أنه رغم سيل المحتوى الموجه والممول لتسييل القيم، فإن هذه المرحلة الاستثنائية أسهمت في صناعة وعي جمعي يقظ لدى الجيل الجديد، وانتهت النتيجة –على عكس ما خطط له الممولون– لصالح التيارات الفكرية الإيجابية والمتمسكة بهويتها وثوابتها.
وربما هذا التمرد على السردية المفروضة هو ما يدفع بعض الدول الغربية اليوم جاهدة نحو حظر منصة كـ”تيك توك” أو السيطرة عليها عبر صفقات استحواذ قسرية وإجبارية.
- هناك معاهد أبحاث ومراكز تفكير غربية، مثل مؤسسة “راند” وغيرها، تضع توصيات علنية للحكومات الغربية حول كيفية “هندسة المشهد الإسلامي”.. ما هي أخطر التوصيات السياسية التي ترى أنها تُطبق حالياً على أرض الواقع؟
قضية مراكز التفكير والأبحاث في غاية الخطورة؛ فهي تؤدي دوراً مؤثراً وعميقاً منذ عقود، وتحديداً منذ تسعينيات القرن الماضي عندما برزت ظاهرة مراكز الدراسات في الغرب بصورة أكثر تنظيماً وتأثيراً، سواء من خلال برامجها البحثية أو الخطاب الذي تتبناه.
وحتى يومنا هذا، فإن ما تصدره هذه المراكز يكاد ينعكس بصورة مباشرة على القرار السياسي، سواء كان اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو أمنياً، أو عسكرياً؛ إذ تستند حكومات كثيرة إلى تقاريرها عند صياغة سياساتها واستراتيجياتها.
وتختلف هذه المراكز باختلاف توجهاتها الأيديولوجية؛ فمنها ما هو معروف بقربه من اليمين، ومنها ما يرتبط بالحزب الديمقراطي الأمريكي أو بحزب العمال البريطاني، أو يتبنى نظريات اقتصادية وسياسية بعينها، ولذا أصبح تصنيفها وخلفياتها واضحة في الأوساط السياسية والبحثية.
وفيما يتعلق بالحركات الإسلامية، تبقى مؤسسة “راند” من أبرز المراكز التي ذاع صيتها، وقدمت نموذجاً لكيفية مواجهة ما اعتبرته “الخطر القادم”، وبرأيي، فإن هذا الخطر لا يُنظر إليه في حقيقته بوصفه خطراً عسكرياً، بقدر ما هو خطر ثقافي وديموغرافي، وإن كان يُصوَّر في كثير من الأحيان على أنه تهديد وجودي وأمني، والحقيقة أن المقصود هو إقامة سدود وعوائق أمام هذا الامتداد البشري الذي يحمل قناعات دينية راسخة وثابتة.
ولعل من الأمثلة التي يُستشهد بها في هذا السياق تجربة اجتماعية متداولة، يُسأل فيها أشخاص من ديانات مختلفة إن كانوا مستعدين لتغيير دينهم مقابل ألف دولار، فيوافق بعضهم، ثم يُطرح السؤال على مسلم، فيُعرض عليه عشرة آلاف دولار، ثم مليون، ثم حتى مليار دولار، فيرفض رفضاً قاطعاً.
وسواء اتفقنا مع هذه التجربة أو اختلفنا حولها، فهي تعكس بدقة الفكرة التي يُراد الاستدلال بها، وهي أن الانتماء الديني لدى المسلمين لا يزال أكثر رسوخاً وصلابة، في ظل محاولات تمييع مفهوم الدين في المجتمعات الغربية.
فالغرب، منذ صعود العلمانية الحديثة، اتجه إلى تسييل حضور الدين في المجال العام، وأصبح رجال الدين مادة للسخرية والتندر في كثير من الأعمال الفنية، كما أن فضائح الكنيسة الكاثوليكية –التي تمتد بحسب ما يُثار حولها إلى أكثر من 200 أو 300 سنة– أسهمت بقوة في تراجع مكانة المؤسسة الدينية في الوعي الغربي، لكن الإسلام، في تقديري، بقي أكثر تماسكاً وعصيّاً أمام هذه المحاولات التفكيكية، وهو ما يُنظر إليه بوصفه إشكالية وتحدياً حقيقياً بالنسبة إلى بعض هذه المراكز.
ويزداد هذا التصور مع وجود منظومة قيم إسلامية تتعارض، من وجهة نظرهم، مع النموذج الاستهلاكي الرأسمالي السائد، فنحن اليوم أمام اقتصاد عالمي تقوده شركات عابرة للقارات تُقدَّر قيمتها بمئات المليارات، وأمام رجال أعمال ومليارديرات، بل وتريليونيرات، أصبحوا جزءاً أصيلاً من دوائر صناعة القرار السياسي، في حين يقدم الإسلام منظومة مغايرة تماماً تقوم على ترشيد الاستهلاك، والنهي عن الإسراف، وتحريم الكحول والمخدرات، وغيرها من القضايا التي تتقاطع مباشرة مع مصالح اقتصادية وتجارية كبرى.
ولذلك، أرى أن جانباً خطيراً من عمل هذه المراكز يتجه اليوم إلى تقديم نموذج جديد للإسلام، يهدف بالأساس إلى تليين بعض مفاهيمه وقيمه ليكون أكثر انسجاماً وطواعية مع المنظومة العالمية العولمية، ويظهر ذلك بوضوح من خلال إبراز قراءات وشخصيات تطرح آراء فقهية أو فكرية تُقلل من حضور بعض الأحكام الشرعية، وتُقدِّم الإسلام بصيغة مستأنسة أكثر قبولاً لدى هذه المنظومة.
وفي المقابل، ألاحظ للأسف تراجعاً كبيراً في عدد الباحثين الرصينين المستقلين؛ ففي السابق كان من الممكن عقد مؤتمر علمي يضم 200 أو 300 باحث من أصحاب الرأي العلمي الرصين والأمين حتى وإن اختلفت معهم، أما اليوم فقد أصبح هذا النموذج نادراً، وأضحت مؤسسات بحثية كثيرة مرتهنة كلياً لجهات التمويل وأجنداتها، وهو ما ينعكس سلباً على اتجاهاتها البحثية وخلاصات توصياتها.
وعموماً، أرى أن التوجه السائد الذي يُطبق حالياً في أسوأ صوره، هو السعي الحثيث لتقديم نموذج جديد للإسلام يهدف إلى إضعاف تماسك نحو ملياري مسلم يجمعهم كتاب واحد، وقبلة واحدة، ومنهج واحد؛ وذلك عبر مسارين: الدفع بمشاريع التفكيك والانقسام البيني من جهة، ومحاولات تليين الخطاب الإسلامي وإعادة تشكيله من جهة أخرى، من خلال البحث عن مخارج وتأويلات مميعة تجعل الإسلام أكثر قابليّة للاندماج والذوبان في المنظومة العالمية كما يُراد لها أن تكون.
- كيف تتحول “التمويلات الأجنبية” وشروط “المجتمع المدني الدولي” في ملفات مثل: المرأة، حقوق الأقليات، الحريات الفردية، إلى أدوات سياسية للضغط على الحكومات وإجبارها على تقديم تنازلات تمس هوية المجتمعات وتضعف تأثير الحركات الإسلامية؟
قضية التمويلات الأجنبية وشروط ما يُسمى بـ”المجتمع المدني الدولي” تُعد- في تقديري- من إفرازات المنظومة الليبرالية الديمقراطية الغربية؛ هذه المنظومة التي تبلورت إرهاصاتها منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم ترسخت بصورة أكبر وأعمق بعد الحرب العالمية الثانية مع تدشين المؤسسات الدولية وظهور مفهوم “المجتمع الدولي”، بالتوازي مع ما كرسته اتفاقيات تاريخية كـ”وستفاليا” من ترسيخ لنموذج الدولة القُطرية.
والحقيقة أن وجود أصحاب نفوذ وتأثير مهيمنين على صناعة القرار ليس أمراً استثنائياً أو غريباً؛ فنحن حين نتحدث أحياناً عن عائلات، أو شخصيات، أو مؤسسات نافذة، قد يظن البعض أن الحديث يدخل في إطار “نظرية المؤامرة”، بينما أرى أن المسألة في جوهرها هي “طبيعة النفوذ” وآلياته؛ فمن يمتلك المال، أو الشهرة، أو يقود مؤسسات اقتصادية عابرة للقارات، سيكون حاضراً وبقوة في دوائر صنع التأثير، لأن القرارات والقوانين والسياسات تمس مصالحه واستثماراته بصورة مباشرة.
ولذلك، ينبغي لنا أن نتعامل مع هذه المسائل بوصفها موضوعاً خاضعاً للبحث العلمي والتحليل الموضوعي، لا باعتبارها ظواهر هلامية؛ فعلى سبيل المثال: نجد في بعض المؤسسات الدولية أعضاء في مجالس الإدارة وصلوا إلى مواقعهم الحساسة لمجرد أنهم من كبار المتبرعين والممولين، وليس بالضرورة لأنهم الأكثر تخصصاً أو كفاءة، وهذا يوضح بجلاء طبيعة العلاقة العضوية بين النفوذ والقرار.
وفي بدايات تشكل هذه المنظومة الدولية، كان الهدف المعلن هو وضع ضوابط وقوانين تمنع المجتمعات من الانزلاق نحو الفوضى أو الاعتداء على الآخرين، لكن مع مرور الوقت برزت إشكالية جوهرية؛ وهي أن المجتمعات –في عمومها وفطرتها– ترفض كثيراً من الممارسات التي تحقق مصالح ذاتية لأصحاب النفوذ الرأسمالي، فالمجتمعات ترفض الاستغلال بطبيعتها، في حين أن هناك منظومات اقتصادية كاملة تقوم أساساً على البنوك، والقروض، والفوائد، والتأمين، وهو ما يستدعي –من وجهة نظر القائمين على هذه المنظومات– تهيئة وتطويع بيئة اجتماعية وثقافية تتقبل هذا النمط وتتعايش معه.
والأمر نفسه ينطبق تماماً على قطاع الصناعات العسكرية؛ فإذا ساد الأمن والاستقرار المطلق في العالم، فكيف يمكن حينها تبرير الإنفاق العسكري الضخم الذي يصل إلى مئات المليارات، بل تريليونات الدولارات على صناعة السلاح؟ ومن هنا، تُزرع عوامل الخوف بصورة ممنهجة، وتُوظف الخطابات الإعلامية، وتُروَّج أفكار ونظريات تؤدي في نهاية المطاف إلى جعل الحروب والنزاعات أمراً يبدو طبيعياً أو مبرراً في وعي الشعوب.
ونحن نلمس هذا بوضوح في الخطاب السياسي المعاصر؛ ففي بريطانيا –على سبيل المثال– يُطرح في السجالات السياسية أحياناً أن الدولة تبدو أقل قوة لأنها لا تنفق على التسليح بالقدر الذي تنفقه دول أخرى، وكأن القوة والتفوق باتا يُقاسان حصراً بحجم الإنفاق العسكري.
وبالمثل، تُطرح وتُضخ أيديولوجيات وأفكار وافدة ومختلفة، مثل النسوية الراديكالية، والرأسمالية المتوحشة، والاستهلاكية المفرطة، وثقافة الشهرة والتأثير السطحي، ويرى البعض في ذلك تطوراً طبيعياً للمجتمعات، بينما أعتقد أنها –في نهاية المطاف– أدوات تُستخدم لتطويع المجتمعات، وإضعاف قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة تنبع من مصالحها الحقيقية وهويتها.
والسؤال المحوري هنا: مَن الذي يحدد مصلحة المجتمع؟ في كثير من الأحيان لا يكون المجتمع نفسه هو صاحب القرار، وإنما تفرضه مؤسسات الدولة، أو ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”، أو بعض الأحزاب والقوى المؤثرة التي تطوع الإعلام، والتعليم، وأدوات التثقيف لترسيخ تصور معين يخدم مفهومها الخاص لـ”المصلحة القومية”.
ولذلك نجد –على سبيل المثال– أن أدبيات الخطاب الاستراتيجي في الولايات المتحدة تعد حماية إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يفرض تساؤلاً بديهياً حول الجهة التي صاغت هذا التصور الحتمي، وكيف جرى تمريره ليصبح جزءاً راسخاً من الوعي العام للمواطن الأمريكي.
ومن هذا المنطلق، أرى أن التمويلات، واللوبيات، والتوجهات الفكرية المفروضة، و”الترندات” الرقمية، وغيرها من أدوات القوة الناعمة، تُستخدم كأدوات لتطويع المجتمعات وإعادة صياغتها بما يخدم مصالح محددة؛ قد تكون سياسية، أو اقتصادية، أو أمنية، أو مرتبطة بمراكز النفوذ الدولي.
ولذلك، لا يمكن الاعتقاد بأن الهدف النهائي من هذه التمويلات والشروط هو تمكين المجتمعات أو تقويتها، بقدر ما هو إعادة تسييل هويتها لتنسجم تماماً مع تلك المصالح والأجندات العولمية، وهي قضية واسعة جداً تتداخل فيها الأبعاد التاريخية، والسياسية، والفكرية، وتستحق بلا شك نقاشاً مستقلاً وموسعاً.




