جرائم الاغتيال الرقمي.. كيف تواطأت قلاع التكنولوجيا الأمريكية في إبادة غزة؟
- جيش الاحتلال يعتمد على الحوسبة السحابية لشركات “أمازون وغوغل وميكروسوفت” لمراقبة سكان غزة
- اعترافات عسكرية تؤكد تفعيل سحابة أمازون كمزرعة خوادم للاحتفاظ ببيانات “الجميع” واستدعائها بنقرة زر
- استخدام منظومتي “الحبسورة” و”لافندر” لإنشاء بنك أهداف فوري وتبرير قتل المدنيين بذريعة “الأضرار الجانبية”
- خوارزميات الذكاء الاصطناعي تسهل القتل الآلي وتساعد الاحتلال على التنصل من المسؤولية بدعوى الأخطاء التقنية
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
في قطاع غزة، تحولت التكنولوجيا التي ابتُكرت أساساً لخدمة الإنسان ورفاهيته إلى سلاح فتاك للمراقبة والقتل الجماعي، عبر شراكة بنيوية متكاملة، حيث وضعت شركات التقنية الأميركية، وفي مقدمتها غوغل، وأمازون، وميكروسوفت، وبالانتير، قدراتها البرمجية وسحبها الحوسبية ونماذج ذكائها الاصطناعي تحت تصرف جيش الاحتلال “الإسرائيلي”.
هذا التحالف الرقمي حوّل القطاع المكلوم إلى حقل تجارب مفتوح لأنظمة خوارزمية تنتج أهداف القصف آلياً وبمعدلات تفوق سرعة الطائرات الحربية، مما جعل هذه الشركات شريكة في جريمة الإبادة الجماعية والمجازر المروعة التي أبادت عائلات كاملة وشطبتها من السجل المدني.
بنية تحتية للقتل
يعود التعاون الممنهج بين دولة الاحتلال وعمالقة التكنولوجيا إلى عام 2021، حين تم توقيع “مشروع نيمبوس” المشترك مع شركتي غوغل وأمازون بقيمة 1.2 مليار دولار، وكان الهدف المعلن للمناقصة هو نقل أنظمة المعلومات للوزارات الحكومية إلى خوادم سحابية عامة، غير أن هذا المشروع أسس بنية تحتية لمراكز بيانات متقدمة خاضعة بالكامل للسلطة القضائية “الإسرائيلية”.
وقد سهّل هذا الترتيب التقني على الجهات الأمنية الصهيونية، حتى الأكثر حساسية منها، تخزين المعلومات في السحابة العامة أثناء الحرب دون خوف من المحاكم الخارجية أو الملاحقات القضائية الدولية.
ومع تزايد خسائر الجيش “الإسرائيلي” بعد أكتوبر 2023، حدث توسع حاد وشراء غير محدود للخدمات من غوغل كلاود (Google Cloud)، وأمازون (Amazon’s AWS)، وميكروسوفت أزور (Microsoft Azure).
وتؤكد الشهادات التقنية أن النظم السحابية العامة منحت الجيش قوة تشغيلية فائقة؛ فبمجرد الضغط على زر ودفع مبالغ إضافية، يمكن للاحتلال الحصول على آلاف الخوادم الإضافية لمعالجة وتخزين البيانات فوراً دون الحاجة لتخزينها في مراكز الكمبيوتر المحدودة التابعة للجيش.
مزرعة بيانات المراقبة
وفي اعتراف علني لافت، كشفت العقيد “راشيل ديمبينسكي”، قائدة “وحدة مركز الحوسبة وأنظمة المعلومات” (المعروفة بالاختصار العبري “مرام”)، في مؤتمر عسكري بتل أبيب أقيم في 10 يوليو 2024، أن الجيش يستخدم بالفعل خدمات التخزين السحابي والذكاء الاصطناعي لشركات التكنولوجيا المدنية في هجومه المتواصل على غزة.
وأوضحت “ديمبينسكي” أمام الحضور من العسكريين والموظفين أن وحدتها طوّرت “سحابة تشغيلية” على خوادم داخلية تعمل بمثابة “منصة أسلحة”، وتتضمن هذه المنصة تطبيقات لتحديد أهداف القصف، وبوابة لمشاهدة لقطات البث الحي القادمة من الطائرات المسيرة فوق غزة، بالإضافة إلى أنظمة القيادة والسيطرة وإطلاق النار.
وقد كشفت تحقيقات مشتركة لمجلة “+972” الإسرائيلية وموقع “Local Call” أن مديرية المخابرات العسكرية الإسرائيلية تتعاون مباشرة مع خدمة AWS التابعة لأمازون، حيث تزودها الشركة بمزرعة خوادم عملاقة تستخدم للاحتفاظ ببيانات تم جمعها عبر المراقبة الجماعية لسكان غزة.
وخلال تنفيذ المهام، يعمل ضباط الاستخبارات على شاشتين مختلفتين: إحداهما متصلة بأنظمة الجيش الخاصة، والأخرى متصلة بسحابة أمازون لاستدعاء معلومات استخبارية شاملة عن “الجميع” في قطاع غزة بشكل لا نهائي وسريع.
أنظمة دمج الأهداف
وفي سياق متصل، برز دور شركة “بالانتير للتكنولوجيا” الأميركية (التي يمتلكها أليكس كارب)، حيث دمج الجيش “الإسرائيلي” برمجياتها الجاهزة مباشرة في تطبيقاته العسكرية.
وفي يناير 2024، وقّعت الشركة اتفاقية شراكة إستراتيجية مع الرئيس “الإسرائيلي” يتسحاق هرتسوغ ومسؤولين في وزارة الأمن لتزويد الجيش بتقنيات مخصصة لدعم الحرب وتحديد الأهداف.
وتؤدي منصة “مافن” (Maven) التابعة لبالانتير دوراً محورياً في ربط العمليات الميدانية بشبكات الاستخبارات الرقمية، حيث تجمع في قاعدة بيانات موحدة صور الأقمار الصناعية، البيانات البيومترية، إشارات الطائرات المسيرة، وسجلات الاتصالات.
وتعالج أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه المدخلات قبل إرسال النتائج للوحدات الميدانية، محولةً تحديد الأهداف إلى منظومة شبه آلية.
بالتوازي مع ذلك، تقدم شركة “داتامينر” (المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA) تحليلات فورية للمخاطر عبر مسح وتحليل المحتوى المستخرج من منصات التواصل الاجتماعي.
الجرائم الخوارزمية والروبوتية
انعكست هذه الشراكة البرمجية على الأرض عبر حزمة من الأنظمة الخوارزمية الفتاكة التي تتتبع الفلسطينيين؛ فنظام “ويرز دادي” (Where’s Daddy) يعمل على تتبع آلاف الأشخاص باستمرار حتى وصولهم إلى منازلهم أو مقار عملهم، ومن ثم يرسل إشعاراً فورياً للجيش لقصف المبنى فور دخولهم، بغض النظر عن وجود عائلات مدنية.
أما نظام “لافندر” (Lavender)، فيقوم بتحليل البيانات الضخمة لتصنيف سكان غزة ووضع قوائم تصفية للأفراد المشتبه بانتمائهم للفصائل – حتى أقلهم منزلة – واستهدافهم بدم بارد في منازلهم، وبمرور الوقت تراجع استخدامه بعدما تبين للجيش عدم موثوقيته الكاملة.
وفي عمق هذه المقصلة الرقمية، يبرز نظام “الحبسورة” أو “غوسبل” (The Gospel) القائم على خوارزميات الشركات الأميركية، هذا النظام يقوم بتوليد عشوائي للأهداف بالجملة وبشكل تلقائي، وهو ما وصفه ضابط مخابرات “إسرائيلي” سابق بأنه “مصنع اغتيالات جماعية” يهدف صراحة إلى إيذاء المدنيين وقتل أكبر عدد ممكن.
تكاملت هذه البرمجيات مع خدمات “جوجل كلاود” التي وفرت “لإسرائيل” تقنيات “التعرف على الوجه” والتصنيف الآلي للصور، وتتبع الأجسام، وتحليل تعابير الوجه والمشاعر استناداً للتسجيلات الصوتية والصور وسجلات المعتقلين وفحص الوثائق وتحليل بث كاميرات الشوارع.
ومن خلال ربط هذه البيانات بأقمار وتطبيقات تجسس تديرها 5 دول غربية فوق غزة، يتم تتبع ذبذبات الأصوات وتحديد الإحداثيات عبر نظام “أوتو إم إل” (AutoML) لتوجيه الطائرات وتصفية المستهدفين بدقة تضمن هدم المربعات السكنية فوق ساكنيها.
حصيلة الحرب الرقمية
خلفت هذه الحرب المدارة رقمياً كوارث بشرية غير مسبوقة وثقتها التقارير الحقوقية؛ فمنذ عام 2023 وحتى نهاية عام 2025، بلغت حصيلة القتلى في قطاع غزة 73 ألفاً و66 قتيلاً، غالبيتهم العظمى من المدنيين، وبينهم أكثر من 21 ألفاً و500 طفل، وأكثر من 12 ألفاً و500 امرأة.
ولم تتوقف المقصلة الخوارزمية عند هذا الحد، بل تسببت بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 بسقوط أكثر من 1092 قتيلاً إضافياً وما يزيد على 3507 إصابات.
وعلى مدار ألف يوم من القتل الآلي، تجاوز عدد المصابين الإجمالي حاجز 173 ألفاً و514 مصاباً.، واحتل جيش الاحتلال ما يزيد عن 80% من مساحة القطاع، وصَبّ ما يفوق 223 ألف طن من المتفجرات، مما أدى لتدمير جماعي طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية وقطاع التعليم، وشطب عائلات بأكملها من السجل المدني.
تكشف تفاصيل هذا التعاون التقني أن إمبراطوريات وادي السيليكون الأميركية ليست مجرد جهات تجارية محايدة، بل هي ركيزة أساسية وشريكة ميدانية في هندسة الإبادة الجماعية لقطاع غزة.
ولاشك أن تبرير مجالس إدارات هذه الشركات لتواطئها العلني بمنطق “الربحية”، رغم إدراك الخبراء لخطورة استخدام نماذجها التقنية وتسببها في القصف العشوائي، يعرّي الشعارات الأخلاقية للتقدم التقني.
لقد تحولت الخوارزميات من أدوات لرفاهية البشر إلى مقصلة آلية عمياء، تمنح الاحتلال فرصة إنتاج مئات الأهداف يومياً وتبرير قتل آلاف الأطفال والنساء بوصفهم “أضراراً جانبية” ناتجة عن “أخطاء في الخوارزميات”، في محاولة بائسة للتنصل من المسؤولية القانونية والجنائية عن دماء الأبرياء.




