ترجمات

“إيكونوميست”: عاصمة مصر البديلة.. إمارة مخملية للجيش في بلد مثقل بالديون والفقر!

  • غياب الشفافية والأرقام الرسمية حول كلفة العاصمة الجديدة يذكي مخاوف تبخر ثروات المصريين
  • ديون متراكمة تحاصر المطورين العقاريين بشبح “انفجار الفقاعة” وسط ظروف جيوسياسية معقدة
  • تقارير بحثية تفند مزاعم النظام وتكشف توريط الموازنة العامة والبنوك الحكومية في ديون العاصمة
  • الجيش يحقق أرباحًا طائلة دون تحمل أي مخاطر مالية بينما تتحمل الموازنة العامة والشعب التبعات
  • جحيم الكلفة.. صِدام حتمي متوقع بين أحلام المستثمرين الورقية وتحذيرات الخبراء من التباهي والغرور
  • “الواسطة” والعلاقات الشخصية النافذة هي العملة الأهم والأكثر فاعلية في عالم الأعمال المصري

“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:

نشرت مجلة “الإيكونوميست”، يوم 2 أبريل 2026، تقريرًا بقلم ويندل ستيفنسون، تناول فيه مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر وتداعياته الاقتصادية والسياسية.

 أكد التقرير غياب الأرقام الرسمية الدقيقة المتعلقة بتكلفة العاصمة الجديدة، مشيرًا إلى أن المستفيد الرئيسي من هذا الإنفاق السخي هو المؤسسة العسكرية.

وجاء في نص التقرير: اترك نهر النيل خلفك وانطلق عبر شوارع مكتظة بالسيارات، مرورًا بواجهات وسط القاهرة المتداعية التي تعود إلى حقبة “الفن الجميل.

انطلق في جولة حول الطرق السريعة المرتفعة التي تطل على الأحياء الفقيرة المبنية من الطوب المكشوف، والمعلقة عليها حبال الغسيل وكابلات الكهرباء العشوائية، مر بمنازل المقابر الصامتة في “مدينة الموتى”، وواصل السير على الطريق المحاط بالمجمعات العسكرية وصولاً إلى طريق السويس.

شهدت القاهرة توسعًا سريعًا خلال العقدين الماضيين، إذ يحيط بالطريق السريع أحياء جديدة، ومراكز تسوق براقة، ومجمعات سكنية مغلقة (كومباوندات) تضم فيلات فخمة ومساحات خضراء واسعة.

وفي الوقت ذاته، تبرز هياكل خرسانية لمواقع البناء من قلب الصحراء، وتزين الطرق إعلانات المشاريع الفاخرة المزودة بملاعب غولف خضراء وبرك سباحة متلألئة.

قال صديقي الذي كان يقود السيارة، والذي ورث شقة في وسط المدينة: “هذه هي قصة مصر؛ الناس يرحلون من القاهرة”، وأوضح أن زوجته أرادت الانتقال إلى “القاهرة الجديدة”، وهي مدينة تابعة تقع شرق العاصمة الحالية، لكنه رفض قائلًا: “أعتقد أنها تريد الانتقال لمجرد أنه مكان جديد، أكثر فخامة وخضرة، ويضم مطاعم أفضل؛ إنها تبحث عن الحياة العصرية”.

بعد قطع مسافة 40 كيلومترًا داخل الصحراء، لمحنا خيالًا باهتًا لبرج شاهق يرتفع وسط مجموعة من الأبراج الأقصر التي يكتنفها الرمل، وكان وجه عبد الفتاح السيسي، وعيناه محجوبتان بنظارات شمسية أنيقة، يطل من لوحة إعلانية ضخمة بجوار لافتات تروج لما أسماه “الجمهورية الجديدة”.

قلاع فوق الرمال

يبلغ ارتفاع البرج الأيقوني في العاصمة الجديدة 393 مترًا، وهو أطول مبنى في قارة أفريقيا، كما يعد مسجد الفتاح العليم من أكبر المساجد في العالم، حيث يتسع لـ 17 ألف مصلٍّ، وتسير جرارات البناء على امتداد طريق خالٍ تمامًا أمام قوس النصر المشيد هناك.

إن “مدينة السيسي”، التي كانت تُعرف في البداية باسم “العاصمة الإدارية الجديدة” ثم أُعيد تسميتها العام الماضي لتصبح “العاصمة الجديدة”، مُخططة على نطاق فرعوني هائل؛ فهي تجمع حضري شاسع يمتد على مساحة 700 كيلومتر مربع، ومصممة لتضم منازل لستة ملايين نسمة.

وفي فبراير الماضي، قُدم اقتراح في البرلمان لإعادة تسميتها مرة أخرى لتصبح “ممفيس”، تيمُنًا بأول عاصمة لمصر الموحدة التي تأسست حوالي عام 3000 قبل الميلاد.

تضم العاصمة الجديدة مقر البرلمان والوزارات الحكومية التي نُقلت من وسط القاهرة، بالإضافة إلى مقر عسكري مترامي الأطراف يُعرف باسم “الأوكتاغون” (ثُماني الأضلاع)، والذي يفوق حجمه حجم مبنى “البنتاغون” الأمريكي بعشرة أضعاف.

كما تحتوي على منطقة أعمال مركزية مليئة بناطحات السحاب، ومدينة أولمبية تضم ملعبًا يتسع لـ 93 ألف متفرج بهدف تقديم عرض لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، فضلاً عن “مدينة المعرفة” المخصصة للابتكار التكنولوجي، ومنطقة ثقافية تضم دارًا للأوبرا ومتحفًا مخصصًا لعواصم مصر عبر العصور.

وقد افتتحت عدة جامعات فروعًا لها هناك، من بينها الجامعة الألمانية الدولية، والجامعة الكندية في مصر، وجامعة هيرتفوردشاير، ويقيم عشرات الآلاف من الطلاب خارج الحرم الجامعي حاليًا، حيث يتم نقلهم بالحافلات لحضور المحاضرات ريثما تكتمل أعمال بناء أماكن الإقامة المقررة لهم.

هوس بناء المدن

يقول المصريون إن كل حاكم يسعى لبناء مدينة تخلد اسمه؛ فأخناتون، الفرعون الذي نادى بالتوحيد، بنى عاصمته “العمارنة” على أرض بكر على ضفاف النيل، لكنها آلت إلى الخراب والنسيان بعد وفاته.

أما الخديوي إسماعيل، فقد أوصل مصر إلى حافة الإفلاس بسبب تكاليفه الباهظة لتشييد وسط القاهرة الأنيق، وحفر قناة السويس، وغيرها من المشاريع الضخمة، مما اضطره في النهاية إلى التنازل عن إدارة شؤونه المالية للفرنسيين والبريطانيين.

وفي المقابل، فإن “مدينة نصر”، التي بدأ بناؤها في ستينيات القرن الماضي في عهد عبد الناصر، تحولت اليوم إلى حي حيوي تقطنه الطبقة المتوسطة في القاهرة، أما “مدينة السادات”، التي خُطط لها في الأصل لتكون عاصمة جديدة بين القاهرة والإسكندرية، فقد أصبحت مشروعًا متعثرًا ومنسيًا يقطنه عدد قليل من السكان.

مررت بسيارتي عبر قوس خرساني ضخم يمثل أحد المداخل الفخمة العديدة للمدينة، والذي يُذكّر ببوابات القلاع القديمة، وفي الداخل، كانت الأبراج الجديدة لا تزال قيد الإنشاء، محاطة بأكوام من الكتل الخرسانية وقضبان التسليح الفولاذية وألواح التكسية الخارجية.

وفي الحي الحكومي، نُقل الموظفون رسميًا إلى وزارات متشابهة في التصميم المعماري، تحمل كل منها حروفًا ذهبية بارزة تُعلن عن وظيفتها، ولأن الزيارة كانت في عطلة نهاية الأسبوع، فقد كان الطريق السريع ذو الستة مسارات مهجورًا بشكل غريب، وتمتد بين الأحياء مساحات شاسعة من الأراضي الجافة التي لا يمكن عبورها سيرًا على الأقدام.

تجولنا في إحدى الحدائق، ولم يكن هناك أحد سوى عاملين يُعيدان رصف الأحجار المتشققة، بينما كانت الواجهات الزجاجية للمتاجر والمطاعم التي لم تُفتتح بعد مغطاة بالغبار الكثيف، والمراحيض العامة مغلقة تمامًا، ومن قريب تألق السقف الهرمي الأبيض للقصر الرئاسي الجديد وسط ضيعة مسوّرة بعناية، مزروعة بأشجار النخيل ومزينة بالمسلات الفرعونية، بينما امتدت الصحراء نحو الأفق الضبابي، مما جعل المدينة تبدو في هذه المرحلة أشبه بمدينة ألعاب افتراضية.

إن بناء المدن من الصفر غالبًا ما يُنظر إليه كضرب من ضروب التباهي واستعراض القوة؛ فمشروع “نيوم”، المدينة المستقبلية في صحراء المملكة العربية السعودية التي حلم بها ولي العهد محمد بن سلمان، قد اصطدم بالواقع بعد أن تم تقليص تمويله ونطاقه بشكل كبير نتيجة أزمات السيولة.

أما “نوسانتارا”، العاصمة الإندونيسية الجديدة في قلب الأدغال، فهي مهددة بأن تصبح مدينة أشباح مهجورة، ومع ذلك، من المتوقع أن تكون العاصمة المصرية الجديدة أكبر من كلتا المدينتين بأضعاف مضاعفة، وقد استهلك بناؤها، الذي بدأ قبل عقد من الزمن، مليارات لا تُحصى من الدولارات.

تعد العاصمة الجديدة أضخم محاولة يقوم بها السيسي لإعادة صياغة مصر من خلال مشاريع بنية تحتية عملاقة، فلا تقتصر أهدافه على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تعكس العاصمة رغبة عميقة في إعادة ترسيخ مكانة مصر الإقليمية كدولة ذات شأن وثقل؛ ففي عهد جمال عبد الناصر، كانت مصر الدولة الأهم والأكثر تأثيرًا في العالم العربي، أما اليوم فقد تراجعت مكانتها القيادية الإقليمية لصالح دول الخليج العربي الغنية بالنفط، وقد صرح السيسي في عام 2019 قائلاً: “أبني دولة في العاصمة الجديدة ستلفت أنظار العالم أجمع”.

لكن مشروعًا بهذا الحجم الهائل يمثل مخاطرة جسيمة لدولة مثقلة بالديون الأساسية؛ إذ وصفه أكاديميون ودبلوماسيون غربيون بأنه باهظ التكلفة بشكل غير مبرر،  وتزيد التوترات الإقليمية، لا سيما شبح المواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، من حدة المخاطر الاقتصادية، حيث تعتمد مصر اعتمادًا كبيرًا على النفط والغاز والتحويلات المالية والاستثمارات القادمة من دول الخليج، فضلاً عن ذلك، ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان سيكون هناك طلب كافٍ على المساكن والمكاتب بأسعار مجدية للمطورين العقاريين؛ ففي حال غياب الطلب، ستنفجر فقاعة العقارات، مما يؤدي إلى خسارة المشترين لمدخراتهم ومنازلهم، وتخلف المطورين عن سداد القروض البنكية.

وإذا تعثر المشروع بشكل كامل، فقد يتهدد منصب السيسي نفسه؛ فهو يحظى بدعم الجيش طالما أنه قادر على توفير الامتيازات والدعم لهم، ولكن إذا نفدت الأموال العامة، فهل سيقفون إلى جانبه؟

يعد أحمد صقر أحد المتفائلين القلائل؛ وهو رجل أعمال في أوائل الأربعينيات من عمره، يتمتع بوجه مستدير وابتسامة عريضة وأسلوب كلام يتسم بمهارة البائع المحترف، قال لي: “أنا في خضم أمر بالغ الأهمية والضخامة، الأمر أشبه بالتواجد في منتصف نهر جارف”.

كان يرتدي حذاءً رياضيًا باللون الأخضر الفاقع في أول لقاء جمعنا، وعلى الرغم من إشرافه على محفظة عقارية دولية تبلغ قيمتها -كما يدعي- أكثر من 100 مليون دولار، إلا أنه يقود سيارة تويوتا كورولا قديمة الصنع.

يعيش صقر الآن في ألمانيا مع زوجته، التي تدرس هناك للحصول على درجة الدكتوراه، وأبنائهما الثلاثة، لكنه يسافر إلى القاهرة مرة كل شهر، وهو يجيد عدة لغات وحاصل على تعليم دولي راقٍ، كحال العديد من أبناء الطبقة المتوسطة العليا في القاهرة.

بعد ثورة يناير، انضم صقر إلى الحكومة المؤقتة كمستشار لوزير التخطيط، لكنه فوجئ باكتشافه أن البيروقراطية الحكومية المتردية كانت أشد فتكًا وتعطيلًا من الفساد نفسه.

أزمة القاهرة المتفاقمة

تعاني القاهرة من الاكتظاظ السكاني المزمن منذ سنوات طويلة، حيث إن معظم مساكنها تُصنف كـ “عشوائيات”، وهي عبارة عن أحياء مكتظة مبنية في أزقة ضيقة لا تتسع لمرور السيارات، حيث تتزاحم عربات “التوك توك” والدراجات النارية وعربات الحمير على الطرق غير الممهدة. وعندما تولى جمال عبد الناصر السلطة، كان عدد سكان مصر يزيد قليلاً على 20 مليون نسمة، أما الآن فيقارب 120 مليون نسمة.

وعلى مدى العقد الماضي، شرعت حكومة السيسي في موجة بناء واسعة النطاق؛ حيث تم توسيع مجرى قناة السويس، واُفتتح المتحف المصري الكبير الجديد في خريف العام الماضي وسط احتفال دولي ضخم، كما تم افتتاح خطوط مترو جديدة في أنحاء القاهرة، وشُقّت شبكة طرق عملاقة تجاوزت 6000 كيلومتر.

تنتشر حاليًا عشرات المشاريع العقارية من ساحل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى ضواحي القاهرة الصحراوية الجديدة، وبما أن معظم أراضي الصحراء مملوكة قانونيًا للدولة، فإن بيعها وتطويرها يخضعان مباشرة لسلطة القوات المسلحة التي تتمتع بامتيازات هائلة تمكنها من السيطرة على جزء كبير من الاقتصاد القومي.

وتقوم الشركات المدعومة من الجيش إما ببناء مشاريعها الخاصة، أو بيع الأراضي لمطوري القطاع الخاص، أو الدخول في مشاريع مشتركة، ومع ذلك فإن شبكات النفوذ الخفية هذه قد تعرقل المشاريع بشكل غير متوقع في بعض الأحيان.

يقول صقر: “سوق العقارات في مصر ينطوي على مخاطر عالية ولكن عوائده مرتفعة للغاية”، وفي صباح ماطر من شهر ديسمبر، اصطحبني صقر إلى العاصمة الجديدة ليريَني استثماره الرئيسي، وهو عبارة عن 6000 متر مربع من المساحات المكتبية في “برج إنفينيتي” الذي كان قيد الإنشاء آنذاك في الحي التجاري المركزي.

وقفنا عند قاعدة المبنى غير المكتمل، وعلى الجانب الآخر من الطريق كان يشمخ “البرج الأيقوني” بارتفاعه البالغ 393 مترًا، كانت قمة البرج مفتوحة ومصممة لتشبه زهرة لوتس فرعونية متفتحة، أما المباني الأقصر المحيطة به فكانت مكتملة خارجيًا لكنها مغطاة بالغبار ولم تُشغل بعد.

وشاهدتُ عربة قطار أحادي السكة (المونوريل) تتحرك ذهابًا وإيابًا فوقنا في إطار التشغيل التجريبي للمسار المرتفع، (وبعد عدة تأخيرات، بدأ تشغيل الخط الذي يربط العاصمة الجديدة بالقاهرة رسميًا في مارس).

وقال صقر إن الحي التجاري كان من المقرر افتتاحه هذا العام، لكن لم يُحدد موعد نهائي بعد، وأوضح قائلاً: “إنها نسخة مما فعلوه في شنغهاي، أو منطقة كناري وارف في لندن، أو مع مركز التجارة العالمي في نيويورك؛ لقد أرادوا ناطحات سحاب، وبرجًا مميزًا يخلق قيمة مضافة حوله”، وأشار بيده إلى الزجاج المنحني لفندق فيرمونت، والحافة الخضراء لحديقة النهر في الجهة المقابلة، وتوقع بثقة: “سيكون هذا الكيلومتر المربع هو الأغلى في مصر خلال المئة عام القادمة”.

لغز التمويل الضخم

يُصر السيسي في خطاباته على أنه لم يتم إنفاق فلس واحد من أموال الموازنة العامة للدولة المصرية على مشروع العاصمة الجديدة، لكن الباحثين والمحللين يجدون هذا الادعاء غير معقول ومجافيًا للواقع.

وعندما أعلن السيسي لأول مرة عن مشروع العاصمة الجديدة، كان يرافقه محمد العبار، المطور العقاري الإماراتي الشهير من دبي الذي بنى برج خليفة (أطول مبنى في العالم)، لكن تلك الشراكة انهارت بعد فترة وجيزة وسط خلافات عميقة حول آليات التمويل ونسب الإدارة.

وفي عام 2017، تفاوض السيسي على صفقة جديدة مع شركة إنشاءات صينية مملوكة للدولة (CSCEC)، لكن مشاركتها اقتصرت في النهاية على بناء البرج الأيقوني ومنطقة الأعمال المركزية فقط.

وقد علمت مصادر مطلعة أن الفريق أول كامل الوزير، الذي كان آنذاك رئيسًا للهيئة الهندسية للقوات المسلحة ونائبًا لرئيس الوزراء، قام بتهميش الجانب الصيني في بقية مراحل المشروع، حيث أخبر الوزير رئيس الجمهورية أنه قادر على إنجاز المراحل الأولى من المشروع بواسطة الشركات المصرية بشكل أسرع وبتكلفة أقل.

وفي واقع الأمر، استغرق تنفيذ المشروع أكثر من ست سنوات إضافية عن الموعد المحدد سلفًا، وبلغت تكلفته الإجمالية ما يقارب ثلاثة أضعاف التقديرات الإضافية التي قدمها الجانب الصيني.

غياب الأرقام الرسمية

لا توجد حتى الآن أي أرقام رسمية معلنة من قبل الحكومة المصرية بشأن المبالغ المالية الإجمالية التي أُنفقت على العاصمة الجديدة، ويقول يزيد صايغ، الباحث الرئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط والذي كتب باستفاضة عن المشروع: “الأرقام الوحيدة التي اطلعت عليها واعتمدت عليها وردت في وسائل إعلام أجنبية؛ وهي أرقام تتراوح بين 48 و58 مليار دولار للمرحلة الأولى فقط، لكن ليس من الواضح إطلاقًا ما إذا كنا لا نزال في حدود المرحلة الأولى أم أننا انتقلنا بالفعل إلى المرحلة الثانية”.

ومن الواضح تمامًا أن المستفيد الرئيسي من هذا السخاء المالي الكبير هو المؤسسة العسكرية المصرية؛ إذ يُدار المشروع برمتّه عبر “شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية”، وهي هيئة تملك وزارة الدفاع وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية أغلبية أسهمها الاستراتيجية.

وتتدخل الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بشكل مباشر ومكثف في عمليات التعاقد مع شركات المقاولات وبناء البنية التحتية، حيث يتم تجاوز المناقصات العلنية والقانونية بشكل روتيني عبر آلية “الأمر المباشر”، وتُمنح العقود الضخمة لشركات تابعة للجيش أو لرجال أعمال مقربين من القيادة. ولا تزال “الواسطة” والعلاقات الشخصية النافذة هي العملة الأهم والأكثر فاعلية في عالم الأعمال المصري كما كانت دائمًا.

علاوة على ذلك، تتقاضى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة من خزينة الدولة “رسوم إدارة وإشراف” تصل إلى 35% من قيمة العقد الإجمالية لمجرد الإشراف على سير الأعمال، كما بيعت مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية لمطورين عقاريين من القطاع الخاص المحلي والعربي، والغريب أن أرباح ومتحصلات هذه المبيعات الهائلة لا تذهب إلى خزينة الحكومة أو وزارة المالية (رغم أن الدولة هي المالك الأصلي للأرض)، بل تتدفق مباشرة إلى الحسابات الخاصة بشركة العاصمة الإدارية .

وقد مرت مليارات الدولارات عبر سجلاتها المالية دون أن تكون معلنة للمواطنين أو خاضعة لأي نوع من أنواع التدقيق والرقابة من الأجهزة المحاسبية المستقلة.

وقد تواصلت المجلة رسميًا مع شركة العاصمة الإدارية والقوات المسلحة للتعليق على هذه النقطة، لكنها لم تتلق أي رد حتى تاريخ النشر.

ومنذ أن تولى السيسي رئاسة البلاد، تضاعف الدين الخارجي لمصر أربع مرات ليتجاوز مستويات قياسية، ورغم إصراره على عدم إنفاق أموال الدولة على المشروع، إلا أن بحثًا دقيقًا أجراه “مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط” (POMED)، وهي منظمة حقوقية وبحثية غير ربحية، أثبت عدم مصداقية هذا الادعاء بالدليل القاطع؛ فقد ضخت وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية مليارات الدولارات من ميزانيتها في البنية التحتية للعاصمة الجديدة، وقدم البنك المركزي المصري وبنوك حكومية أخرى (مثل بنك مصر والبنك الأهلي) قروضاً وتسهيلات ائتمانية ضخمة للمقاولين، في حين تضمن وزارة المالية بقرارات رسمية مليارات الدولارات من الديون والقروض الخارجية المتعلقة بالمشروع.

والنتيجة الحتمية لهذه المنظومة هي أن الجيش يحقق أرباحًا طائلة وصافية دون تحمل أي مخاطر مالية أو تجارية تُذكر، بينما تتحمل الموازنة العامة والشعب التبعات.

لطالما استفاد كبار المسؤولين والشخصيات النافذة في مصر من شبكات المحسوبية والمناصب المريحة في الشركات عقب تقاعدهم من الخدمة العسكرية أو الحكومية، وفي السنوات الأخيرة، وسعوا نطاق مصالحهم التجارية بقوة وشراسة وبأساليب موصوفة بالفجاجة؛ حيث يواجه رجال الأعمال المدنيون الناجحون الذين يرفضون التنازل عن حصص من شركاتهم لصالح جهات سيادية خطر الانتقام المباشر، ففي عام 2020، اتُهم رجل الأعمال صفوان ثابت، مؤسس شركة “جهينة” التي تعد أكبر شركات الألبان والعصائر في مصر، بتمويل الإرهاب واُعتقل وسُجن لفترة طويلة بعد رفصه القاطع تسليم أصول شركته الناجحة للدولة. وفي المقابل، يتطلع كبار ضباط القوات المسلحة الآن إلى محاكاة نمط الحياة المخملي في دبي، وينشر أبناؤهم بانتظام صورًا تستعرض مظاهر الترف والأناقة والسيارات الفارهة على منصات التواصل الاجتماعي، وفي العام الماضي، افتتحت شركة “رولز رويس” البريطانية للسيارات الفاخرة أول صالة عرض رسمية لها في قلب القاهرة تعبيرًا عن نمو هذه الطبقة الثرية الجديدة.

ومن الملاحظ خلال فترة إقامتي وجولاتي في القاهرة، أنني لم أسمع ذكرًا للولايات المتحدة الأمريكية أو نفوذها المالي ولو لمرة واحدة في أوساط المال والأعمال؛ فعندما يتعلق الأمر بالتمويل الضخم والمشاريع الكبرى، كان الحديث يدور كليًا حول الاستثمارات الصينية والتدفقات المالية السخية القادمة من دول الخليج العربي.

مسار العاصمة الجديدة

أعلن عبد الفتاح السيسي لأول مرة عن خططه لتشييد العاصمة الجديدة خلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري المنعقد في شرم الشيخ عام 2015، مؤكدًا أنه سيتم بناؤها في الصحراء الشرقية على بعد حوالي 45 كيلومترًا من القاهرة الحالية. وصُمم المشروع ليتكون من ثلاث مراحل متتالية، ليغطي مساحة إجمالية شاسعة تبلغ 700 كيلومتر مربع، وهو ما يعادل تقريبًا سبعة أضعاف مساحة العاصمة الفرنسية باريس. وفي البداية، روجت الحكومة لفكرة أن المستثمرين الأجانب والقطاع الخاص سيتولون تمويل عملية التطوير بالكامل دون كلفة على الدولة، إلا أن الواقع أثبت أن الجزء الأكبر والأهم من التمويل جاء عبر قروض وضغوط على الأموال العامة والمؤسسات المصرفية الحكومية.

بدأ العمل الفعلي في المرحلة الأولى للمشروع في عام 2016، وكان المخطط الزمني يفترض أن يكتمل بناء هذه المرحلة -التي تبلغ مساحتها حجم مدينة واشنطن العاصمة الأمريكية تقريبًا- بحلول عام 2020. ومع ذلك، تشير التقديرات الحالية إلى أنه لم يكتمل سوى 60% فقط من أعمال المرحلة الأولى حتى الآن، رغم أن تكلفة الإنشاءات بلغت بالفعل عشرات المليارات من الدولارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى