صناعة التخويف.. هل يُخفي التوتر الإعلامي في مصر أزمات وجودية؟
د. سليمان صالح
أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة
هناك نظرية في علم الاتصال السياسي تقوم على أنه عندما يواجه نظام حكم مستبد أزمة تهدد وجود الدولة أو تشكل خطراً على أمنها القومي، فإنه يتم استخدام وسائل الإعلام لترويج خطاب يركز على دور القيادة في حماية المصالح العليا، وتصوير القيادة بأنها تحمي الاستقرار.
ومن يتابع الإعلام المصري يمكنه أن يلاحظ بوضوح أن هناك حالة توتر ظهرت مؤشراتها في حملات مدح “السيسي” وتصويره بأنه أنقذ مصر من حكم الإخوان، وارتبط هذا الخطاب بالهجوم الشديد على الرئيس محمد مرسي والإخوان.
كما ارتبط ذلك بالتركيز على تصوير رموز القوة العسكرية في افتتاح مركز القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون) في العاصمة الإدارية، وزيادة الحملات الأمنية التي استهدفت اعتقال الكثير من الشباب، في الوقت الذي تشهد فيه السجون عملية قهر منتظمة، وانتهاكاً لحقوق المعتقلين.
فلماذا يحاول النظام إظهار قوته، وأنه يستطيع أن يواجه أي تهديد باستخدام القوة الغاشمة؟! وما الذي يدفعه إلى كل ذلك في هذه الفترة؟!
استراتيجية التخويف والترهيب
إن الشعب المصري يعرف جيداً منذ 3 يوليو 2013 أن النظام يبالغ في استخدام وسائل القهر والاضطهاد وإثارة الرعب في النفوس، وأنه يمتلك القوة التي يستخدمها بدون التزام بالدستور والقانون والأخلاق؛ لذلك أصبح الشعب يدرك بطش النظام وقسوته.
فما الجديد الذي يدفع النظام لاستخدام رموز القوة، ودفع وسائل الإعلام لشن حملات مدح “السيسي” وتمجيده باستخدام خطاب يقوم على المرتكزات نفسها التي تم تكرارها بشكل سئم الناس منه حتى كرهوا الإعلام، فتناقصت معدلات مشاهدة القنوات المصرية، وماتت الصحف المصرية التي ترزح في قيودها؟!
التعتيم على الأزمات الاقتصادية
هل تحاول السلطة ووسائل إعلامها التعتيم على أزمة تهدد وجود مصر خلف دخان هذه الحملات، وتبرئة السلطة من المسؤولية عن الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها الشعب المصري، وتعبئة الشعب لتأييد “السيسي” بحجة أنه أنقذ مصر؟
هناك مؤشرات على أن النظام يواجه أزمة اقتصادية يعجز عن تقديم حلول لها، وأن هناك الكثير من الضغوط التي ستجبره على اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة ستزيد حدة التضخم وارتفاع الأسعار وتناقص قيمة العملة الوطنية. فالنظام سيضطر إلى دفع أكثر من 37 مليار دولار لخدمة الديون خلال الشهور القادمة، ولذلك تحاول وسائل الإعلام الترويج لفكرة أن المشكلات نتيجة لظروف خارجية، وأنها جزء من خطة إصلاح، وأن “السيسي” يفكر في آلام الفقراء، ويتحمل هموماً لا يستطيع أحد أن يواجهها، وأن على الشعب أن يصبر ويأكل من جوعه ويشرب من عطشه؛ فالسيسي هو الذي أنقذ مصر من حكم الإخوان، ولذلك ارتبطت حملة تمجيد “السيسي” بحملات تشويه صورة الإخوان.
فهل تشكل هذه الحملات تمهيداً لقرارات قاسية تؤثر على معيشة الشعب المصري الذي أصبح يعاني ويلات الغلاء والإفقار؟!
ضغوط إقليمية وتعقيدات خارجية
لكن هناك الكثير من المؤشرات على أن الأزمة أشد خطورة، وأنه يجري التعتيم عليها بالمدح المبالغ فيه للسيسي، والتركيز على مظاهر قوة النظام؛ فهناك ضغوط إقليمية معقدة يتعرض لها النظام للمشاركة في الحرب ضد إيران.
وهذا ما أشارت إليه صحف غربية مثل “فايننشال تايمز” التي قالت إن مصر أصبحت تتحرك وسط ضغوط إقليمية معقدة مرتبطة بالحرب في المنطقة، والعلاقة مع الإمارات، والوساطة الإقليمية، وهو ما يفرض على القيادة المصرية إدارة توازنات دقيقة.
لذلك أصبح الخطاب الإعلامي أكثر كثافة في تمجيد “السيسي”، مع التركيز على مفاهيم مثل “الحكمة”، و”القيادة في زمن الأزمات”، و”الاصطفاف الوطني”.
وقالت “الفايننشال تايمز” في تقريرها إن “السيسي” تفقد الطائرات المصرية في الإمارات بينما كان نحو اثني عشر طياراً مصرياً يؤدون التحية العسكرية.
وهذا يعني أن الصحيفة أكدت وجود قوة جوية مصرية كاملة تضم الطائرات والأطقم الجوية، وليس مجرد إرسال معدات، وكانت الإمارات ترى أن بعض الحلفاء العرب لم يقدموا دعماً كافياً خلال الهجمات الإيرانية؛ لذلك بدا نشر الطائرات المصرية محاولة لاحتواء التوتر مع أبوظبي، وأن القاهرة كانت تحاول الموازنة بين الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع الإمارات وبين استمرار دورها كوسيط دبلوماسي.
ويقول هشام هيلير — وهو باحث بريطاني في مجال الشرق الأوسط — إن أبوظبي تعتقد أنها قدمت الكثير من الدعم لمصر خلال السنوات الماضية، ولذلك تتوقع دعماً واضحاً من القاهرة في القضايا التي تعتبرها الإمارات أولوية.
وبعد الإعلان عن وجود الطائرات المصرية، صدر أول تعليق رسمي من وزارة الخارجية الإيرانية، التي اعتبرت أن وجود قوات أجنبية في المنطقة لا يعزز الأمن الإقليمي، مع تأكيدها استمرار الاحترام المتبادل في العلاقات مع مصر، فهل يفسر ذلك مطالبة الإعلام المصري للشعب بالاصطفاف الوطني؟!
أزمة النيل والتهديدات المائية
هناك أيضاً معلومات عن أن إثيوبيا تتحكم في مياه النيل، وأنها استخدمت السد الإثيوبي لتقليل تدفق المياه، مما يهدد السودان ومصر، ومياه النيل قضية وجودية ترتبط بالغذاء والسكان والاستقرار الاجتماعي.
وجاء في تقرير لوكالة “رويترز” أن محاولات الوساطة الدولية لم تنجح في الوصول إلى اتفاق ملزم حول قواعد التشغيل، كما أشارت وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن مصر تعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل، وأنها تعتبر السد مصدر تهديد محتمل لإمدادات المياه، وأن القاهرة تنظر إلى السد باعتباره تهديداً استراتيجياً طويل المدى.
كما أن القضية انتقلت من إدارة الموارد المائية إلى صراع حول السيادة والتوازن الإقليمي والثقة بين الدول.
اتجاهات الجمهور وتصاعد الغضب
هل يمكن تفسير التوتر بأن الأجهزة الأمنية أو استطلاعات الرأي العام رصدت ارتفاع معدل السخط والكراهية ضد نظام “السيسي” لدى الشعب المصري؟!
يوضح تحليل مضمون ردود الجماهير في مصر على حملات تمجيد “السيسي” التي يتم نشر بعض ما تتضمنه على وسائل التواصل الاجتماعي أن الجماهير تواجه هذه الحملات بالسخرية والرفض، وأن هناك درجة عالية من السخط على النظام، وتتعدد أسباب هذا الرفض، ومن أهمها الغلاء والفقر، وأن ارتفاع الأسعار أدى إلى انهيار الثقة في النظام.
وأشارت “الأسوشيتد برس” إلى أن الأزمة الاقتصادية خلقت حالة من الإحباط الشعبي، وبالرغم من أنه لا يوجد حتى الآن تحركات شعبية، إلا أن هناك مؤشرات على تصاعد السخط والغضب ضد النظام.
ارتدادات تزييف الوعي الجمعي
في الأنظمة ذات الأجهزة الأمنية القوية، من الطبيعي أن تقوم المؤسسات الأمنية بمتابعة اتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي والمزاج العام؛ لذلك كانت حملات المدح والتمجيد محاولة لمواجهة السخط العام مع ارتباطها بالتهديد بالقوة وحملات الاعتقال والقهر والتخويف، خاصة وأن هذا السخط يمكن أن ينفجر غضباً وثورة عندما تشتد حدة الأزمة، ويشعر الجميع أن وجود مصر يتعرض للتهديد.
لذلك فإن حملات التمجيد والمدح لن تجدي نفعاً في مواجهة شعب أصبح يدرك الآن أنه تعرض للتجهيل والتضليل وتزييف الوعي، وهذه الحملات توضح أن النظام لا يستمع إلا للذين يمدحونه، وأن غرور القوة يعمي البصيرة، ويقود الطغاة إلى الهلاك.
ويوم ينفجر الشعب سيهرب المنافقون، وسيدعون أنهم كانوا ضد النظام كما فعل أحدهم عندما ادعى أنه حذر مبارك من مصير شاوشيسكو، وهو يدرك أنه لا أحد يصدقه، وأنه لم يكن يجرؤ على الكلام أمام مبارك.
هذا النموذج يوضح أن من ينهبون أموال الشعب ثمنًا لمدح النظام، ويخفون الحقائق عن الأزمة التي تهدد وجود مصر سيدعون كذباً رفضهم لممارسات النظام عندما تغرق سفينته.
ونحن نريد إنقاذ مصر فهي وطننا الذي نحلم أن يكون حراً ومستقلاً وقوياً وأن يعيش شعبها كريماً يتمتع بحقوقه في المعرفة والمعلومات والإعلام والتعليم.
وهذه الحملات الدعائية التي يقوم بها الجهلاء وتعتمد على المبالغة في مدح “السيسي” ستزيد كراهية الشعب له، وستظهر الحقائق التي يحاول النظام تجهيل الشعب حتى لا يكتشفها.
والأزمة معقدة وتهدد وجود مصر، ونحن ندافع عن وجودها بكشف الحقائق، ورفض النفاق والتضليل والدعاية المتخلفة التي توقفت عقول صناعها عند تجربة “جوبلز”.
والأحرار هم الذين يدافعون عن وجود الدولة المصرية ومستقبلها، ويحلمون بها حرة قوية مستقلة، والمعركة مستمرة، وستشهد مصر أحداثاً خطيرة قادمة تكشف الحقائق وتفضح المنافقين.




