25 عاما من حكم “العدالة والتنمية”.. تركيا من التبعية إلى منافس اقتصادي وتقني عالمي
الدكتور حسين مرجان أستاذ العلوم السياسية:
- تركيا تحولت من الاعتماد على الخارج إلى تصنيع السلاح والتقدم التقني
- الخطاب العام للشارع أصبح أكثر واقعية بعيداً عن أوهام النخب القديمة
- الحزب نجح في تقديم نموذج ديمقراطي محافظ يلائم تطلعات المواطنين
- الإنجازات الاقتصادية المبكرة كونت ذاكرة جديدة من الرفاه الاجتماعي
- تغيير مفهوم المواطنة وتحويل الجهاز البيروقراطي إلى خدمة المواطنين
- مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية هي الرهان الأساسي أمام الحكومة
حوار- حامد راضي:
بعد 25 عامًا على وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، تقف تجربة الحزب أمام محطة مفصلية تفرض قراءة التحولات التي شهدتها البلاد منذ عام 2002، وتقييم أثرها على المجتمع والدولة وموقع تركيا في محيطها الإقليمي والدولي.
فعلى مدى ربع قرن، لم يقتصر حضور الحزب على إدارة الحكم، بل ارتبطت تجربته بتحولات واسعة في علاقة المواطن بمؤسسات الدولة، وبروز جيل جديد تشكل وعيه السياسي والاجتماعي في ظل حكومات الحزب.
ورغم النجاحات التي تحققت خلال السنوات الماضية فهناك تحديات كبيرة تفرضها المرحلة المقبلة. فبعد ربع قرن من الحكم، يجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام جيل لم يعش تركيا ما قبل عام 2002، وبالتالي ينظر إلى إنجازات الماضي من زاوية مختلفة، ويحاكم الحاضر وفق تطلعات جديدة.
في هذا الحوار لمركز “إنسان للدراسات الإعلامية” مع البروفيسور حسين ميرجان الأستاذ المشارك بكلية العلوم السياسية، والعلاقات الدولية جامعة أنقرة يلدريم بيازيد، نناقش مسار حزب العدالة والتنمية خلال ربع قرن، وما أحدثه من تحولات في المجتمع التركي، ونستعرض أبرز مكاسب التجربة وتحدياتها، وصولًا إلى السؤال الأهم: كيف يمكن للحزب الحفاظ على رصيده السياسي والاجتماعي في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها تركيا، وما الذي يحتاج إليه لضمان استمرار حضوره في المرحلة المقبلة؟
- كيف تفسرون ظهور حزب العدالة والتنمية بوصفه تعبيرا عن تحولات اجتماعية عميقة في تركيا؟
ظهر حزب العدالة والتنمية إبان أزمة عميقة؛ اجتماعية واقتصادية وسياسية في المجتمع التركي، وخصوصاً في نهاية التسعينيات، بسبب النظام الكمالي، وتحديداً ضغطه على المحافظين في تركيا، وأيضاً ما سُمي بـ “انقلاب ما بعد الحداثة” (Postmodern Coup d’état) من قبل الجيش على السياسة وتدخل الجيش في السياسة، حيث تغير كل شيء في البلاد.
في نهاية التسعينيات، لم تكن الأمور الاجتماعية والاقتصادية جيدة، ولا سيما مع ظهور أزمة اقتصادية في عام 2001؛ حيث تضرر الشعب في الحقيقة بشكل عميق جداً.
وبالمناسبة، فقد الناس ثقتهم في السياسيين والأحزاب في تركيا، وبدأ الشعب يبحث عن نموذج جديد، أو مرشح جديد، أو وجه جديد في السياسة.
وكان هناك فراغ كبير في المجتمع؛ لأن جميع السياسيين القدامى فشلوا حقيقة في السياسة وفي إدارة الدولة.
وكان ظهور الحزب وتأسيسه بصفة جديدة، ووجه جديد، وبخطاب جديد، قد أثر في المجتمع بشكل عميق. ولذلك، وبعد سنة واحدة، في انتخابات عام 2002، فاز الحزب بالانتخابات واحتل أكثر المقاعد في البرلمان التركي.
وفي الحقيقة، كان فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002 انعكاساً للبحث الشعبي عن رجل جديد، أو حزب جديد، أو تيار سياسي جديد في المجتمع.
- كيف استطاع الحزب بناء شعور لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأنها أصبحت ممثلة في الحياة السياسية؟
نجح الحزب في بناء شعور وإحساس لدى قطاعات واسعة من المجتمع التركي، وأصبح ممثلاً في الحياة السياسية بشكل واضح وناجح.
وعندما نسأل: كيف استطاع أن يبني هذا الشعور في المجتمع وكيف نجح هذا الأمر؟ فإن ذلك مرتبط باستراتيجية حزب العدالة والتنمية بعد تأسيسه مباشرة.
في الحقيقة، الحزب -وخصوصاً مؤسسي الحزب- فهموا منطق وعقلية وفلسفة الشعب بشكل جيد. وبالمناسبة، كانوا يأتون من خلفية محافظة وإسلامية، ولذلك كان يعلم جيداً ما يريده الشعب بالضبط.
وبالتأكيد كل من لعب دوراً في تأسيس حزب العدالة والتنمية، فهموا التحولات والتغيرات في العالم، وخصوصاً في بداية الألفينيات؛ حيث دخل العالم مرحلة جديدة.؛ بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وكما نعلم، تغير كل شيء، ومارست الولايات المتحدة استراتيجية جديدة بناءً على الأمن العالمي. وحاولت الولايات المتحدة أن توسع نفوذها في العالم، وتحديدا في العالم الإسلامي.
حاول حزب العدالة والتنمية أن يؤسس أو يطور فكرة جديدة بناءً على فكر محافظ وتيار ديمقراطي، وحتى هوية الحزب سُميت بـ “ديمقراطي محافظ” أو “محافظ ديمقراطي”، وهذا يُعد شيئاً جديداً.
عندما ننظر إلى التيارات السياسية في تركيا، كان يوجد إسلاميون، وليبراليون، وقوميون، ويساريون، ولكن الآن، هناك ناس من خلفية إسلامية يقدمون صورة جديدة إلى المجتمع بناءً على قيم ديمقراطية ومقاربة إلى الغرب، خصوصاً الدول الأوروبية، وكان الاتحاد الأوروبي يحتل مكاناً مهماً في برنامج الحزب وفي أجندة الحزب.
وفي ذات الوقت كان الحزب يركز على تطوير العلاقات مع العالم الإسلامي وأطراف مختلفة في السياسة الدولية. ما دفع الشعب إلى حب هذا التيار وهذه الفكرة، فالأفراد المحافظون والمتدينون كانوا يستخدمون خطاباً ليبرالياً وديمقراطياً بناءً على قيم محافظة وقيم دينية، ولم يكن هذا غريباً عن شعور الشعب أو قيم المجتمع التركي، ما أدى إلى نجاح حزب العدالة والتنمية في استراتيجيته، وأصبح ممثلاً حقيقياً في السياسة التركية، واستطاع بناء صفة جديدة وهوية جديدة في السياسة التركية.
لا شك أن الحزب نجح في بناء شعور لدى قطاعات واسعة من المجتمع التركي، وأصبح ممثلاً في الحياة السياسية بشكل واضح بناء على هذه المعطيات.
- ما أثر الإنجازات الاقتصادية والخدمية في السنوات الأولى على الصورة الذهنية لدى المواطن التركي؟
انجازات الحزب الاقتصادية والخدمية في السنوات الأولى مثلت أول عامل من عوامل قبوله والتفاف الشعب حوله، حيث أنشأ صورة جيدة ونافعة في ذهن الشعب والمجتمع، خاصة وأنه ولد من رحم أزمة اقتصادية عميقة يعاني منها المجتمع التركي وأثرت فيه بشكل سلبي كبير حتى أغلقت الشركات والمصانع حتى إفلاس البنوك حتى أن ميزانية تركيا قاربت على الإفلاس ما اضطرت إلى الاقتراض من المؤسسات الدولية بفائدة عالية جدا وكانت الدولة في حينها تعتبر تحت سيطرة المؤسسات الدولية المقرضة.
وحين جاءت حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان قدمت انجازات استراتيجية مهمة جدا وهو ما رآه المجتمع من رفاه ورؤية آفاق جديدة في الخدمات الأساسية ما كون ذاكرة جديدة ووجدانية هامة في السيطرة على الصعوبات وإنشاء خدمات والتوسع في بناء الدولة من مستشفيات ومطارات وغيرها .
ما قدمته حكومة العدالة والتنمية جعل الشعب يرتبط بشكل كبير بالحزب لما قدمه من خدمات حتى ظهر ذلك في نسب التصويت للحزب في الانتخابات على مدار أكثر من عقدين .
- كيف نجح الحزب في الجمع بين الهوية المحافظة والانفتاح الاقتصادي في تجربته السياسية الأولى؟
نجح حزب «العدالة والتنمية» في تركيا في صياغة نموذج يجمع بين «الهوية المحافظة» و«الانفتاح الاقتصادي الليبرالي»، إلا أن هذه الصيغة لم تكن الوليدة الأولى من نوعها في التاريخ السياسي الحديث لتركيا.
فعند العودة بالذاكرة إلى عام 1983، نجد أن رئيس الوزراء الأسبق «تورغوت أوزال» قد سبقه إلى هذا الطرح فور وصوله إلى السلطة.
وكان «أوزال» ينطلق هو الآخر من خلفية محافظة، متسلحاً برؤية ليبرالية كاملة.
ومما يُذكر في مسيرته أنه تولى إدارة الملف الاقتصادي عام 1980، حيث أُسندت إليه مهمة تنفيذ قرارات «24 يناير/كانون الثاني 1980» الهادفة إلى حل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تعصف بالبلاد آنذاك. وعقب انقلاب عام 1980، احتفظ «أوزال» بموقعه في إدارة الاقتصاد؛ مستفيداً من خلفيته كمهندس درَس في الولايات المتحدة وعمل فيها، مما أكسبه دراية عميقة بأسباب النجاح الاقتصادي الأمريكي المعتمد على الاقتصاد الحر والفلسفة الليبرالية، وهي الاستراتيجية التي سعى لتطبيقها في تركيا.
ولم يقتصر انفتاح «أوزال» على الغرب فحسب، بل انتهج استراتيجية دُولية موسعة شملت دول آسيا الوسطى، والعالمين الإسلامي والعربي، إضافة إلى خطوات محددة باتجاه أفريقيا.
وبناءً على هذه الأرضية التاريخية، يمكن القول إن حزب «العدالة والتنمية» استند إلى تجربة «أوزال» الناجحة في الثمانينيات، وعمل على تطويرها والبناء عليها لتقديم نموذج متقدم نجح من خلاله في المزاوجة بين المرجعية المحافظة والفلسفة الاقتصادية الليبرالية.
- ما الذي جعل خطاب حزب العدالة والتنمية قريبا من الحياة اليومية للمواطن التركي؟
مبدأيا يجب القول إن من أوائل نجاح حزب العدالة والتنمية كان خطابه ويُشكّل الخطاب السياسي الحجر الأساس في تجربة صعود حزب «العدالة والتنمية» في تركيا؛ إذ اتسم منذ صياغاته الأولى بقربه الشديد من نبض الشارع، ممتثلاً كصدى حقيقي وصوت معبر عن تطلعات الشعب.
وقد جاء هذا الخطاب ليملأ فجوة عميقة أحدثتها النخب السياسية السائدة في تسعينيات القرن الماضي—من كماليين ويساريين وحتى ليبراليين—الذين تمركزوا في العاصمة أنقرة وعاشوا، لاسيما الفئات الثرية منهم، في معزل عن واقع المجتمع وانشغالاته الفعلية.
في المقابل، قدم الحزب استراتيجية خطابية غير مسبوقة؛ بلغة إنسانية، شعبية، وواقعية تلامس الهموم المباشرة للمواطن. فلم يلجأ مؤسسو الحزب إلى إعطاء وعود خيالية أو دغدغة المشاعر بأوهام يصعب تحقيقها، إدراكاً منهم لحجم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة التي كان يمر بها الشعب التركي في ذلك الوقت.
وترتكز الأسباب الرئيسية لنجاح هذا الخطاب الاستثنائي على المحاور التالية:
- الواقعية والمصارحة: التخاطب مع الجماهير بلغة تعكس حقائق البلاد والواقع المعاش، وتجنب الوعود الجوفاء.
- الصدق والعاطفة: تقديم خطاب حساس ونابع من الوجدان، مما أوجد حالة من التماهي بين الحزب والقواعد الشعبية التي رأت فيه يعبر عن تطلعاتها بصق.
- التحول التاريخي في انتخابات 2002: على الرغم من أن الساحة السياسية التركية شهدت محطات سابقة للانتقال الديمقراطي—مثل فوز «الحزب الديمقراطي» في انتخابات عام 1950 عقب عزوف الشعب عن «حزب الشعب الجمهوري» في ظل غياب بدائل أخرى—إلا أن انتخابات عام 2002 قدمت خيارات متعددة أمام الناخب، ومع ذلك اتجه صوت الشارع بكثافة نحو من خاطبه بصدق ولامس تطلعاته بوضوح.
بهذه الرؤية الخطابية المتوازنة والواقعية، استطاع حزب «العدالة والتنمية» أن يحقق نصراً انتخابياً كبيراً ومستحقاً في أول استحقاق يخوضه، ليسجل نموذجاً نادراً وفريداً في تاريخ السياسة التركية الحديثة.
- كيف أسهمت الرموز الوطنية في تعزيز ارتباط الجمهور بالمشروع السياسي للحزب ؟
حزب العدالة والتنمية استخدم الرموز بشكل ناجح، ولا سيما الرموز الوطنية، وأثر ذلك عميقاً في ذهن المجتمع/الشعب.
نجح حزب «العدالة والتنمية» في توظيف الرموز بشكل فعال، مستفيداً على نحو عميق من الرموز الوطنية؛ مما ترك أثراً بارزاً في الوعي الجمعي والذهنية العامة للشعب التركي.
وهذا الاستثمار مكن الحزبَ من تعزيز شرعيته السياسية ورفع مستوى مصداقيته لدى الشارع بشكل ملحوظ. وتعود جذور هذا النهج إلى الخلفية المحافظة والإسلامية لمؤسسي الحزب، الذين دأبوا على الاستشهاد بشخصيات تاريخية ودينية ذات حضور في الذاكرة الوطنية.
وقد اعتمدت نخبة الحزب على مزيج متكامل من الأبعاد الخطابية والرمزية، يمكن تلخيص أبرز مرتكزاتها في النقاط التالية:
الجمع بين الرموز الوطنية والخطاب الديني: استخدام رموز وطنية جامعة مع تقديم خطاب ديني حقيقي يعبر عن تطلعات القواعد الشعبية.
الاستناد إلى البعد التاريخي والحضاري: الاستفادة من الإرث الحضاري الكبير والتاريخي لتركيا، وتوظيف الرموز السياسية والتاريخية في صياغة فلسفة سياسية جديدة.
تعزيز الشرعية السياسية: ينطلق الحزب من أن كل تيار سياسي في تركيا يحتاج إلى الاستعانة برموز سياسية وتاريخية لإكساب مساره ومشروعه الشرعية اللازمة.
ومن خلال الجمع بين هذه الرموز المتنوعة وإدماجها في استراتيجيته وخطابه السياسي، تمكن حزب «العدالة والتنمية» من تحقيق نجاحات متواصلة على مدى السنوات الماضية.
- كيف أسهمت تجربة الحزب في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة في الوعي الاجتماعي التركي؟
قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كان المواطنون الأتراك يواجهون مشكلات كثيرة بسبب سوء التعامل داخل المؤسسات الحكومية والمستشفيات وغيرها من المؤسسات. كانت الدولة قوية، وكذلك مؤسساتها وبيروقراطيتها وموظفوها، في مقابل مواطنين عاديين لم يشعروا بأن لهم مكانة أو أهمية حقيقية أمام هذه المؤسسات. وكانت المواطنة، في كثير من الحالات، محدودة القيمة أمام قوة الجهاز البيروقراطي.
لكن بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، تغير هذا الوضع بصورة جذرية، وحدث تحول كبير في مفهوم المواطنة وفي مكانة المواطن داخل الدولة.
فقد بدأ المواطنون، مع حزب العدالة والتنمية، بالمطالبة بحقوقهم أمام مؤسسات الدولة، وأصبحوا أكثر قوة وقدرة على الدفاع عن حقوقهم مقارنة بالماضي. وارتفعت، بالتالي، قيمة المواطنة وهوية المواطن في المجتمع التركي.
كما تغيرت نظرة الدولة ومؤسساتها إلى المواطن؛ فأصبحت البيروقراطية والجيش والموظفون يدركون بصورة أكبر أنهم مسؤولون عن خدمة المواطنين.
وهذا يمثل تحولًا كبيرًا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام 2002، إذ كان يُقال إن البيروقراطية تعمل لخدمة المواطن، لكن الممارسة الفعلية لم تكن تعكس ذلك دائمًا.
في السابق، كانت النخبة تسيطر على مختلف مفاصل الحياة، بينما لم يكن للمواطن العادي مكان حقيقي ومؤثر في المجتمع. وبعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ساهمت تعديلات القوانين والتعليمات الجديدة الموجهة إلى الموظفين والجهاز البيروقراطي في تغيير هذه المعادلة.
ومن هنا يمكن القول إن أحد التحولات المهمة خلال السنوات الخمس والعشرين لحكم حزب العدالة والتنمية تمثل في تغير مفهوم المواطن والمواطنة في تركيا، وفي تعزيز مكانة المواطن في علاقته بمؤسسات الدولة.
- ما أثر تجربة العدالة والتنمية في تشكيل وعي الجيل الذي نشأ خلال سنواته في الحكم ( الجيل الجديد)؟
عندما نتحدث اليوم عن ربع قرن من وجود حزب العدالة والتنمية في السلطة، فإننا نتحدث أيضًا عن جيل جديد نشأ في ظل حكومات الحزب. فمعظم خريجي الجامعات اليوم لم يعرفوا حكومة أخرى غير حكومة حزب العدالة والتنمية، ولا سيما أن كثيرًا ممن يتخرجون حاليًا من الجامعات وُلدوا في عامي 2002 أو 2003، أي في عهد الحزب.
وينطبق الأمر نفسه على شريحة من الذين التحقوا بالبيروقراطية في سن مبكرة بعد تخرجهم من الجامعات؛ فقد تشكل وعيهم وتجربتهم داخل مؤسسات الدولة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، ولم يعرفوا تجربة سياسية أو حكومية أخرى.
وهذا الواقع يحمل إيجابيات وسلبيات، فالجيل الأكبر سنًا، ولا سيما من هم في الخمسينيات والستينيات من أعمارهم، يستطيع بسهولة مقارنة ما تغير في تركيا خلال السنوات الماضية، لأنه عايش تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. أما الجيل الجديد، فلا يعرف تركيا القديمة إلا من خلال ما يسمعه عنها، ولم يعش الصعوبات والمشكلات التي كانت قائمة في تلك المرحلة.
ولهذا، فإن الجيل الجديد ينتقد اليوم بعض الأوضاع في تركيا، وهو أمر يمكن النظر إليه باعتباره أحد الجوانب السلبية لكونه لم يعش تجربة مختلفة أو يقارن بين مرحلتين مختلفتين.
أما على الجانب الآخر، فقد ركزت حكومات حزب العدالة والتنمية على بناء مجتمع جديد بوعي مختلف وآفاق أوسع، وأولت أهمية كبيرة للتعليم. وشمل ذلك التوسع في إنشاء المدارس والجامعات، إلى جانب تبني استراتيجية تقوم على إنشاء جامعة في كل مدينة تركية.
وتضم تركيا 81 مدينة، وأصبحت لكل مدينة جامعاتها، وهو ما أسهم، وفق هذا الطرح، في توسيع فرص التعليم أمام الشباب وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص، بما أتاح لجيل جديد إمكانية الالتحاق بالجامعات والحصول على التعليم في مناطقهم.
كما أصبح التعليم لمدة 12 عامًا، من المرحلة الابتدائية مرورًا بالإعدادية والثانوية، إلزاميًا في تركيا. ونتيجة لذلك، أصبح الجيل الجديد أكثر تعليمًا مقارنة بالأجيال السابقة، سواء في مجالات التعليم والثقافة أو في ما يتعلق بفرص الشباب.
ومن ثم، يمكن القول إن حكومات حزب العدالة والتنمية طبقت استراتيجيات كان لها أثر في تشكيل وعي جديد داخل المجتمع التركي، وأتاحت للجيل الجديد فرصًا أكبر مما كانت متاحة للأجيال السابقة.
ولهذا، فإن الجيل الجديد في تركيا يتمتع، من حيث فرص التعليم والإمكانات المتاحة أمامه، بفرص أكثر مقارنة بآبائه وأمهاته وأجداده.
- كيف يمكن ان تؤثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة في الصورة الذهنية للحزب لدى المجتمع التركي؟
بالتأكيد، فرضت الظروف الإقليمية والتطورات الداخلية في تركيا تحديات جديدة خلال السنوات الأخيرة، وأثرت هذه التحديات بصورة مباشرة في حياة المجتمع، وفي مقدمتها الظروف الاقتصادية والأزمة التي تمر بها البلاد.
وقد حاولت الحكومة خلال السنوات الأخيرة اتخاذ خطوات لمعالجة هذا الوضع، لكن من الصعب القول إنها نجحت حتى الآن في الوصول إلى النتائج المرجوة، إذ لم تنجح الاستراتيجية المتبعة لتحسين الأوضاع الاقتصادية في تحقيق أهدافها بصورة كاملة.
ولذلك أصبحت الأزمة الاقتصادية تمثل صعوبة كبيرة أمام المجتمع، وتحديًا مهمًا أمام مستقبل الحكومة في تركيا.
وفي المقابل، حققت الحكومة نجاحات في عدد من المجالات، خصوصًا في قطاعات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا وغيرها. وقد استفاد الجيل الجديد من هذه الرؤية، إذ أصبح خريجو الجامعات، ولا سيما خريجي كليات الهندسة، قادرين على العمل في شركات ومؤسسات متقدمة، وأصبح بعضهم يؤدي دورًا مهمًا في مسار صعود تركيا على الساحة الدولية، وفي تعزيز حضورها في العلاقات الدولية.
لكن المجتمع التركي يشهد في الوقت نفسه تحولًا كبيرًا، وبدأت تظهر تحديات جديدة، خصوصًا بين الشباب وخريجي الجامعات، فجزء من هذا الجيل بدأ يفقد الأمل في المستقبل، أو يشعر بعدم وضوح الأهداف التي يمكن أن يبني عليها مستقبله، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للمجتمع وللحكومة في الوقت نفسه.
كما أن التطورات السياسية الجديدة داخل تركيا، إلى جانب التحولات السياسية في المنطقة، تؤثر بصورة مباشرة في الشباب والمجتمع.
وعلى الرغم من الإنجازات والنجاحات التي حققها حزب العدالة والتنمية خلال السنوات الماضية، فإن الجيل الجديد أصبح يطرح أسئلة أكثر من السابق حول مستقبله وحول طبيعة المرحلة المقبلة.
وكما أشرت سابقًا، فإن هذا الجيل لم يعش الصعوبات التي كانت موجودة في تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، لكنه يواجه اليوم تحديات مختلفة، خصوصًا في المجال الاقتصادي والاجتماعي. فبعض الشباب لا يستطيعون العثور على عمل بعد التخرج، وهو ما يؤدي لدى بعضهم إلى فقدان الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم، فضلًا عن تراجع الثقة بالحكومة والسياسيين.
وتظهر كذلك تحديات أخرى مرتبطة بالشباب، من بينها ارتفاع مستويات العنف والجريمة بينهم، إلى جانب تحديات تتعلق بالقيم والأخلاق وغيرها من القضايا الاجتماعية.
وتشير هذه التطورات إلى ظهور تهديدات وتحديات جديدة أمام مستقبل المجتمع التركي. صحيح أن الحكومة تحاول اتخاذ خطوات حقيقية وعميقة لمعالجة بعض هذه المشكلات، لكن العالم يتغير بسرعة، وكذلك المنطقة، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على سلوك المواطنين والشباب، وعلى طريقة تفكير الجيل الجديد ونظرته إلى المجتمع والمستقبل.
- وكيف تقيم التجربة من ناحية مكانة الدولة ودورها الإقليمي والدولي؟
أعطت تجربة حزب العدالة والتنمية في السياسة التركية ثقة جديدة وهوية جديدة ورؤية مختلفة للمجتمع التركي، ولا سيما في ما يتعلق بموقع تركيا في العلاقات الدولية خلال السنوات الأخيرة.
ونحن نرى بوضوح أن دور تركيا تغير في المنطقة، سواء في الشرق الأوسط أو على المستوى الدولي عمومًا، بصورة جذرية. فتركيا، باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، تتمتع بعلاقات عميقة مع الغرب، وكانت سياستها الخارجية قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وعلى مدى عقود، مرتبطة بدرجة كبيرة بمصالح الولايات المتحدة والدول الغربية، لكن هذا الوضع بدأ يتغير بصورة واضحة.
ففي الماضي، كانت تركيا تعتمد بدرجة كبيرة على الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، في ما يتعلق بالأمن وشراء الأسلحة، أما اليوم، فقد تحولت إلى دولة تنتج جزءًا كبيرًا من احتياجاتها الأمنية، وتطور الأسلحة وأنظمة الدفاع الخاصة بها، وهو ما أسهم في تغيير دور تركيا ومكانتها في العلاقات الدولية.
ويبرز قطاع الطائرات المسيّرة بوصفه أحد الأمثلة على هذا التحول؛ إذ شهدت التكنولوجيا التركية في هذا المجال نموًا سريعًا، وأصبحت تركيا، وفق هذا الطرح، تستحوذ على نحو 65% من سوق الطائرات المسيّرة. وقد أسهم التقدم في هذا القطاع في وضع تركيا في موقع مختلف تمامًا عما كانت عليه في الماضي.
كما أصبحت تركيا تؤدي دورًا متزايدًا في المفاوضات والاتصالات الرامية إلى حل الأزمات والصراعات، سواء في المنطقة أو على المستوى الدولي، وأصبحت طرفًا مهمًا في جهود الوساطة.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث تمكنت تركيا من التواصل مع طرفي النزاع، موسكو وكييف، بصورة مباشرة. وعلى الرغم من عضويتها في حلف شمال الأطلسي، حافظت تركيا على قدرتها على التواصل مع روسيا والرئيس فلاديمير بوتين، وهو ما أتاح لها أداء دور الوسيط بين الطرفين.
إلى جانب ذلك، تبنت تركيا خلال السنوات الماضية سياسة أكثر انفتاحًا تجاه مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك أفريقيا وآسيا الوسطى وآسيا الشرقية وأمريكا اللاتينية وأمريكا الجنوبية. وأسهم هذا الانفتاح في توسيع حضور تركيا وعلاقاتها الدولية، وتعزيز مكانتها كدولة ذات حضور متزايد على الساحة العالمية.
وبالتالي، يمكن القول إن تركيا غيرت موقعها ودورها في النظام الدولي، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير في عدد من الملفات الدولية والإقليمية.
وقد أسهمت هذه الرؤية والاستراتيجية في منح المجتمع التركي وعيًا جديدًا ومختلفًا بمكانة بلاده، ودفعت إلى النظر نحو آفاق أوسع في العلاقات الدولية والسياسة العالمية.
- ما العناصر التي يحتاجها الحزب للحفاظ على رصيده الاجتماعي في المرحلة المقبلة؟
يحتاج حزب العدالة والتنمية إلى عدد من العناصر للحفاظ على رصيده في المجتمع التركي واستمرار حضوره في السياسة التركية.
ويأتي في مقدمة هذه العناصر تعزيز الاقتصاد التركي، باعتباره أحد أكبر التحديات أمام مستقبل الحزب والحكومة. فإذا لم تتمكن الحكومة من معالجة الأزمة الاقتصادية، فإنها ستظل تواجه مشكلات وصعوبات جديدة داخل المجتمع، حتى في حال تمكنها من الفوز في الانتخابات المقبلة، ولا سيما في ظل بدء تراجع ثقة جزء من المواطنين بالحكومة.
لذلك، فإن تحسين الوضع الاقتصادي يمثل مسألة أساسية للحفاظ على مصداقية الحكومة والحزب داخل البلاد. فعلى الرغم من أن الحكومة تتبنى استراتيجيات نشطة وحققت تقدمًا في مجالات مثل السياسة الخارجية والطاقة والتكنولوجيا والدفاع، فإن النظر إلى الأوضاع الداخلية يكشف عن مشكلات واضحة، ويجعل الاقتصاد أولوية أساسية.
أما العنصر الثاني، فهو التعليم. فعلى الرغم من ارتفاع أعداد خريجي الجامعات، فإن نظام التعليم ومناهجه بحاجة إلى التغيير والتطوير بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.
ومع تزايد أعداد خريجي الجامعات، تواجه بعض الشركات والمصانع والقطاعات الزراعية وقطاعات تربية الحيوانات صعوبة في العثور على العمالة التي تحتاج إليها، لأن كثيرًا من الشباب لا يرغبون في العمل في هذه المجالات بعد حصولهم على شهادات جامعية. وهذه مسألة مهمة بالنسبة إلى مستقبل تركيا واستقرارها، وتتطلب معالجة العلاقة بين التعليم واحتياجات سوق العمل.
وفي المقابل، تبدو أوضاع قطاعات أخرى، مثل الصحة والصناعة والتكنولوجيا، جيدة إلى حد كبير في الوقت الراهن، ولذلك لا يتوقع المواطنون بالضرورة تحولًا جذريًا أو ثوريًا من الحكومة في هذه المجالات.
لكن الاقتصاد يظل القضية الأكثر إلحاحًا، إلى جانب ضرورة وضع أهداف وآفاق جديدة أمام الشباب والجيل الجديد. وستكون قدرة الحزب على التعامل مع هذه الملفات، خصوصًا الاقتصاد والتعليم، عاملًا مهمًا في تحديد كيفية استمراره في مسيرته السياسية خلال المرحلة المقبلة.



