قضايا وتحليلات

صراع الأجنحة “الانقلابية” يهدد حوار السيسي بالفشل

  • لا توافق بين أتباع السيسي وحرس مبارك وكومبارس الحركة المدنية حول آليات الحوار
  • السيسي يستخدم شركاء الحوار مطيّة لتمرير أهداف سيادية كما حدث أيام عبدالناصر
  • كثرة الحوارات "الوطنية" في عهد مبارك  لم تنقذ البلاد من فشل محتوم بسبب سياساته
  • في عام 2005 عقد الحزب الوطني حوارا انتهى بمناورة تعديل المادة 76 من الدستور  
  • نظام مبارك حاول تمرير قضية التوريث من خلال حوار في 2008 ولكن فشلت المحاولة
  • تعددت الحوارات في عهد المجلس  العسكري وكانت تصطدم مع تطلعات الشعب وثورته
  • المجلس العسكري حاول تمرير وثيقة السلمي  بحوار وطني ولكن رفض الإسلاميين أفشله
  • أول دعوة لحوار جاد كانت في عهد الرئيس مرسي في ظل أجواء ديمقراطية غير مسبوقة
  • القوى العلمانية التى تتسول الحوار الآن من السيسي سعت لإفشال أجواء حوار مرسي
  • الأنظمة العسكرية تلجأ لفكرة الحوار في وقت الأزمات تجنبا لغضب شعبي قد يطيح بها
  • لغة الحوار السياسي الحقيقية شبه معدومة بين السلطة والمعارضة تحت النظم العسكرية
  • السيسي يحاول تحت مظلة الحوار الوطني تمرير بيع أصول الدولة وتحسين صورته دوليا

 

إنسان للإعلام- خاص

"الحوار الوطني"..حق يراد به باطل، ومظلة يستخدمها العسكر لتجنب الغضب الشعبي من حالة الانهيار اقتصادي، وكسب مزيد من الوقت وتحسين صورته دوليا.

وعلى مدى 70 عاما تحت الحكم العسكري منذ انقلاب يوليو 1952، جرت حوارات تم تجييرها لصالح تمرير قرارات تخدم السلطة وتبيض وجهها، وهذا ما يكرره الآن السيسي من خلال دعوته لإجراء حوار وطني "ديكوري" لن يغير في سياسات النظام،  خاصة مع استثنائه لأكبر جماعة سياسية في مصر وهى جماعة الإخوان.

من خلال السطور التالية نفتح ملف الحوار الوطني،  ونرصد أهم تطوراته، وتوقعات فشله في ظل معطيات مجرياته الحالية، كما نرصد عودة رجال مبارك من جديد للساحة السياسية من باب هذا الحوار، وتوظيف الحركة الوطنية كـ "كومبارس" فقط . 

بداية الدعوى للحوارالوطني

بعد تأزم الاحوال السياسية والاقتصادية وتصاعد الازمة المالية أستشعر النظام المصري بالخطر ، وخشي من ان تكرر سيناريوهات ثورة يناير من جديد ،  من أجل ذلك خرج السيسي في أبريل الماضي على المصريين بفكرة الحوار الوطني مستهدفا امتصاص الغضب الشعبي بعد تدهور الحياة المعيشية لأغلب المصريين .

وأعلن السيسي  أن الحوار الوطني الذي أطلقته  دولته يشمل جميع المفكرين والمثقفين والقوى السياسية، باستثناء فصيل واحد ، وأضاف   -خلال لقائه بعدد من الإعلاميين عقب افتتاح محطة مترو عدلي منصور المركزية- أن الحوار الوطني لا يستثني سوى الفصيل الذي كان مسؤولًا عن الدولة والسلطة قبل 3 يوليو/تموز 2013، على حد تعبيره، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين ، واستطرد “جرى تناول ما حدث في 3 يوليو من خلال كتب وأفلام وغير ذلك، وقد حرصت في آخر عمل درامي (الاختيار) على أن يُلقي الضوء على بعض الأشياء التي لم تكن واضحة”.

وأعلن  انطلاق الحوار الوطني بمقر الأكاديمية الوطنية للتدريب، وكانت  بعض الاحزاب المدنية   طالبت بأن يكون الحوار الوطني تحت مظلة رئاسة الجمهورية، وليست الأكاديمية الوطنية للتدريب.

وفي 12 يونيو/حزيران 2022، أعلنت إدارة الحوار الوطني اختيار ضياء رشوان نقيب الصحفيين منسقًا عامًا للحوار، وأوضحت أن مهام المنسق العام للحوار تتمثل في بدء التشاور مع القوى السياسية والنقابية المشاركة في الحوار."1"

تاريخ  طويل من الفشل

في الوقت الذي نجحت فيه ثورة يناير في التخلص من النظام السابق، لم تنجح في تطوير آليات ديمقراطية محددة، يتم من خلالها التوافق والاتفاق على خطوات المرحلة الانتقالية بين جميع الحركات والائتلافات والأحزاب السياسية؛ مما انعكس بصورة أو بأخرى على المشهد السياسي حتى الآن.

ووصمت جلسات الحوار الوطني دائمًا بسوء السمعة،على مر تاريخ مصر ـ  ربما منذ حوارات الاتحاد الاشتراكي، تلك الحوارات التي كانت تتم بقرار علوي سيادي من جانب الحاكم؛ لتمرير بعض القرارات أو الأوراق السياسية، مثل الميثاق وغيره.

وبالنسبة لعصر مبارك، اتسم ذلك العصر بكثرة الحوارات، بداية بالحوار الاقتصادي الذي أدى إلى المؤتمر الاقتصادي في عام 1982 نهاية بحوارات عمر سليمان –نائب رئيس الجمهورية– مع القوى السياسية أثناء ثورة يناير 2011.

وتتميز هذه الحوارات بالديكورية؛ إذ تتعمد السلطة دعوة الكثيرين إلى هذه الحوارات؛ حتى تضيع الرؤية، ويحدث الخلاف؛ فتمرر الدولة بعد ذلك ما تراه من قوانين وقرارات، حتى وصل عدد المشاركين في أحد الحوارات حوالي 300 متحاور، وبذلك تضيع القضايا الأساسية.

هناك دائمًا مهندس للحوارات، عادة ما يكون أحد رجال النظام المخضرمين العارفين باللعبة السياسية، وكيفية التعامل مع المعارضة من وجهة نظر السلطة، وفي بداية عصر مبارك كان يوسف والي هو من يقوم بهذا الدور، ثم تولى صفوت الشريف ذلك الدور بعد ذلك.

اللافت للنظر أن لغة الحوار السياسي شبه معدومة بين السلطة والمعارضة في مثل هذه الحوارات؛ إذ تبدأ الحوارات بكلمات معسولة من جانب النظام، مثلما أعلن جمال مبارك في 2008: «هناك مجال كبير للحوار حتى مع اختلاف توجهاتنا السياسية واختلاف فكرنا ورؤيتنا للمستقبل». وتنتهي حالة الحوار المزعومة باتهام السلطة للمعارضة، مثلما قال جمال مبارك عن المعارضة بأنها «جوفاء».

وفي المقابل كانت المعارضة تطالب بأجندة وجدول أعمال واضح، وفترة زمنية محددة، وطرح الحوار على الرأي العام عن طريق الإعلام القومي، وألا تقبل المعارضة الحوار بدون ضمانات حقيقية.. ولعمري، فهي نفس المطالب التي تطالب بها جبهة الإنقاذ حاليًّا الرئيس مرسي.

ولعل أهم الحوارات التي تمت في عهد مبارك هو الحوار الاقتصادي 1982، الذي أسفر عن مؤتمر اقتصادي انتهى بتقرير للحالة الاقتصادية، رأت المعارضة أنه تجاهل رؤيتها الاقتصادية، ومال كثيرًا إلى رؤية الحزب الوطني ورجاله. وفي عام 1986 عقد حوار وطني حول مشكلة الدعم، تمخض عن مؤتمر وطني، وانتهى المؤتمر إلى انسحاب حزبي التجمع والوفد؛ لعدم رضاهما عن سياسات الحزب الوطني. وفي عام 1988 تم عقد حوار آخر حول قضايا الإصلاح السياسي وقانون الطوارئ، وفي أثناء المؤتمر أعلن مبارك مد قانون الطوارئ!!

أيضًا جرى حوار في عصر مبارك كان في عام 2005 بمناسبة الانتخابات الرئاسية، وفي أثناء الحوار أصدر مبارك التعديل الشهير بالمادة 76 من الدستور، هذا التعديل الذي أثار المعارضة المصرية، وعليه انسحبت قوى المعارضة الفاعلة من الحوار. وبالجملة يصف أحد أقطاب المعارضة حالة الحوار في عصر مبارك مخاطبًا أحزاب المعارضة في عام 2008 قائلًا: «ماذا استفدنا من الحوار منذ الثمانينيات وحتى الآن؟!».

وفي 31 يناير 2011، وفي أوج الانتفاضة الثورية، قام مبارك بتشكيل حكومة جديدة برئاسة الفريق أحمد شفيق، وكلف النائب عمر سليمان بإجراء اتصالات مع جميع القوى السياسية؛ لبدء حوار حول مختلف القضايا المثارة المتعلقة بالإصلاح الدستوري والتشريعي، على نحو يخلُص إلى تحديد واضح للتعديلات المقترحة والتوقيتات المحددة‏.

في البداية قالت أحزاب المعارضة المصرية إنها غير مستعدة للحوار مع السيد/عمر سليمان، نائب الرئيس حسني مبارك، إلا بعد تنحي الأخير، كما أبدت حكومة أحمد شفيق استعدادها للحوار مع جميع القوى السياسية المعترف بها والمحجوب عنها الشرعية القانونية.

وقد رفضت المعارضة المصرية بكافة أطيافها خطاب الرئيس السابق، محمد حسني مبارك، الذي تعهد فيه بعدم الترشح مجددًا للرئاسة بعد انتهاء ولايته، ففي حين وصفه البعض بالخدعة، اعتبر آخرون أنه لا يلبي الحد الأدنى من تطلعات الشعب المصري.

كانت جماعة الإخوان قد رفضت جميع أشكال الحوار مع الحكومة، وقالت إنها فاقدة للشرعية، معتبرة أن الشرعية الوحيدة التي يمكن الانطلاق منها هي الشرعية الشعبية، وكان التعبير الأكثر وضوحًا على ذلك بيان الائتلاف الوطني للتغيير، الذي ضم عددًا من القوى والأحزاب السياسية المعارضة، والذي أكد أن قبول المعارضة للحوار جاء «حفاظًا على أمن وسلامة واستقرار الوطن، وأنهم لا يملكون توجيهًا لأحد غير أنفسهم»، مطالبين بالتمسك الكامل بمطالب الإصلاح التي رفعتها غالب القوى الاجتماعية والشبابية، على وجه الخصوص يوم 25 يناير.

وثيقة السلمي ..فخ المجلس العسكري

وفي حلقة فاشلة جديدة من حلقات الحوار الوطني تم في حكومة عصام شرف ، جرت جولة جديدة من الحوار ، في اجتماع ضم العديد من القوى السياسية؛ عرض الدكتور علي السلمي، نائب رئيس الوزراء في وزارة عصام شرف الثانية، « وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور» يوم الثلاثاء 1 نوفمبر 2011. وأثارت الوثيقة جدلاً واسعًا؛ حيث رحبت بها بعض القوى مع إبداء بعض التحفظات، بينما رفضتها القوى الإسلامية رفضًا تامًّا.

أكثر المواد التي تسببت في جدل واسع كانت المادة التاسعة، التي تتعلق بموازنة الجيش؛ إذ تنص على أنه «يختص المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون غيره بالنظر في كل ما يتعلق بالشئون الخاصة بالقوات المسلحة ومناقشة بنود ميزانيتها، على أن يتم إدراجها رقمًا واحدًا في الموازنة العامة للدولة». واعتبر الكثير من الأحزاب في الاجتماع أن هذا البند يضفي حصانة على القوات المسلحة، ولا ينظر إليها على أنها مؤسسة من مؤسسات الدولة يجب أن تخضع للمراقبة والمراجعة المالية من قبل البرلمان المنتخب .

كما تضمنت الوثيقة معايير لاختيار 80 عضوًا في لجنة وضع الدستور، ونصت الوثيقة على أنه يجب ألاّ يخالف الدستور الجديد نصوص الإعلانات الدستورية التي أصدرها المجلس العسكري منذ تنحي مبارك. وكان من المقرر أن تقدم الوثيقة للجنة التأسيسية لصياغة الدستور، وكان من المقرر أيضًا أن تكون مواد الوثيقة إلزامية.

في هذا الصدد قال الدكتور عادل عفيفي، رئيس حزب الأصالة السلفي: إن الإسلاميين لن يصمتوا أمام هذا المخطط، وسيكون الرد بالقضاء والتظاهر والاعتصام. وأكد الدكتور خالد سعيد، المتحدث الرسمي للجبهة السلفية، أن حملة ستنطلق لجمع ملايين التوقيعات ضد المبادئ فوق الدستورية. كما أرسل ممدوح إسماعيل، وعدد من المحامين، إنذارًا على يد محضر للدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء، ونائبه الدكتور علي السلمي؛ لإلغاء مشروع الوثيقة.

ووصفها الدكتور البرادعي حينها بأنها وثيقة مشوهة، وأكد على رفضه لأن تكون القوات المسلحة دولة داخل دولة، ورفضها السيد عمرو موسى، وحزب المصريين الأحرار، والدكتور محمد سليم العوا، الذي رفض هيمنة المجلس العسكرى. وقد دعت قوى وطنية إلى تنظيم مليونية لرفض وثيقة «المبادئ الدستورية»، والتي أُطلق عليها «وثيقة السلمي»، في 18 نوفمبر 2011 تنديدًا ورفضًا لهذه الوثيقة وكان الفشل من نصيب هذه الجولة ."2"

العلمانيون والحوار بين  مرسي و السيسي

في عهد الرئيس محمد مرسي، كانت مصر تتمتع بديمقراطية حقيقية في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م، مجتمع مدني قوي، أحزاب نشطة، انتخابات نزيهة تحت إشراف قضائي كامل، نقابات قوية لها مجالس منتخبة، منظمات مجتمع مدني تمارس نشاطها بكل حرية دون ملاحقة أو قيود، حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع  بنصوص الدستور والقانون، معتقلات فارغة فلم يعتقل سياسي واحد لسبب سياسي، وجرى غل يد الأجهزة الأمنية عن التدخل في  الشأن السياسي. والرئيس منتخب من الشعب بنزاهة لأول مرة ف تاريخ مصر، وكان شديد الحرص على بناء مؤسسات الدولة المنتخبة لإنجاح التحول الديمقراطي، وكان في صراع مرير مع مافيا الدولة العميقة التي كانت تعرقل كل خطوات التحول الديمقراطي وتنسف أي مؤسسة منتخبة عبر بوابة القضاء المسيس. فقد تم الاستفتاء على الدستور الذي شارك الجميع في صياغته والتصويت عليه، وبدأ العمل به من 25 ديسمبر 2012م، بعدما وافق عليه الشعب بنسبة 6,8% مقابل 36.2% رفضوه، وهي نسبة عالية جدا مقارنة بنتائج الاستفتاءات على الدساتير الغربية نفسها.  وفي الملف الاقتصادي، رغم الوضع المتدهور من عصور سابقة،  كان هناك رئيس مدني منتخب يؤكد على حماية الطبقات الفقير والمهمشة والعناية بالدعم وزيادة مخصصاته، وكانت هناك حكومة تتبنى سياسة اقتصادية وطنية ترفض الخصخصة والإذعان لصندوق النقد الدولي، يشجع الإنتاج الوطني ويؤكد أن هدفه هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذء والدواء والسلاح.

اللافت أن القوى المدنية العلمانية في معظمها (يسارية ــ قومية ــ ناصرية ــ ليبرالية) عندما دعوا إلى الحوار الذي أطلقه الرئيس في يناير 2013م، تمردوا، ورفضوا حتى مبدأ الحوار مع الرئيس المنتخب، والذي أعلن أنه سيشارك في الحوار بنفسه وسيلتزم بمخرجاته، رغم أنه لم يكن هناك أساسا شيء يستحق الخلاف عليه في ظل كل هذه المكاسب الهائلة في ملف الحريات والديمقراطية ودولة القانون سوى التوافق على قانون الانتخابات، وهو أمر كان ميسورا لو كانوا صادقين.

ووثَّق الكاتب الكبير وائل قنديل هذا الموقف في مقاله (مرسي يحاور مرسي)، المنشور بصحيفة “الشروق” يوم 28 فبراير 2013م، حيث كتب  «يدعون إلى الحوار والتفاوض والمناقشة فى كل القضايا المثارة فيتهربون من المواجهة ويختبئون خلف حوائط المقاطعة، ثم لا يتورع أحدهم عن إطلاق كلمات فولكلورية عن أن «مرسى يحاور مرسى» ثم يشد الرحال إلى عالم النكتة والقفشة متسربلا بمسوح الحكمة والخبرة متهما كل الناس بالعبث والجنون وهو وحده الجاد العاقل الرزين. يتحدثون عن أن النظام فقد شعبيته وما كان له من قاعدة جماهيرية، ثم حين تأتيهم الفرصة للإطاحة بهذا النظام وإزاحته عبر انتخابات يطلقون قنابل الدخان ويهربون داخل سحبها الكثيفة. وبالتوازى مع ذلك تستمر ماكينة عصر الأكاذيب فى عملها بمنتهى الكفاءة، فتسمع ثغاء عن بيع الأهرامات وقناة السويس ومياه النيل وينسجون الحواديت المسلية ثم يتعاملون معها على أنها حقائق دامغة، الأمر الذى يفجر أنهارا من السخرية من هذا الإفك، والشفقة على هذا الانحدار فى افتراض أنهم يخاطبون شعبا من المجانين». وراح “قنديل” يستنكر استدعاء هؤلاء للجيش رغم أنهم احتفلوا قبل شهور بإزاحته: «الذين احتفلوا قبل شهور بزوال حكم العسكر بعد ستين عاما من هيمنته على البلاد كما يقولون، يبوسون أقدام المؤسسة العسكرية الآن لكى تعود وتعيد عقارب الساعة إلى بدايات الخمسينيات، وينشطون فى اختراع الفكاهات، من جمع توكيلات للجيش بإدارة البلاد، إلى حشد الوقفات العكاشية للتشجيع على الانقلاب، والتحريض على هدم المبنى على رءوس من فيه. ثم بعد ذلك يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة المدنية والديمقراطية»!. ويضيف: «لقد بلغ الإفلاس السياسى حدا جعل عتاة الليبرالية يريدونها عسكرية، لكن الأفدح هو هذا الإفلاس الفكرى الذى ذابت معه الفواصل بين الخطاب العكاشى (نسبة إلى توفيق عكاشة) وخطاب رموز النضال فى التحرير، فيصفقون ويهتفون احتفالا بكل إخفاق اقتصادى ويقيمون المهرجانات الصاخبة فرحا بكل قطرة تنزفها مصر ماليا أو أمنيا».

ونجد ان  القوى العلمانية التي رأت في إعلان الرئيس مرسي الدستوري في نوفمبر 2012 بأنه كان انقلابا رغم أنه تم تعديله بحوار حقيقي بعد أقل من أسبوع، وكان الإعلان نفسه مؤقتا لحين الاستفتاء على الدستور الذي جرى بعده  بخمسة وثلاثين يوما  (25 ديسمبر2012) لم يروا في الإطاحة برئيس منتخب وتجميد الدستور كله في 03 يوليو 2013 انقلابا، ولم يروا حتى في تعديلاته الدستورية في إبريل 2019م انقلابا، ورغم أنه ارتكب مئات المذابح الجماعية، وأجهض ثورة يناير ، ونسف المسار الديمقراطي، وصنع نسخة متطرفة من الحكم العسكري، ثم فرط في حصة مصر من مياه النيل بشرعنة سد النهضة بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م، ثم فرط في تراب مصر الوطني بالتنازل عن سيادة مصر على جزيرتي “تيران وصنافير” في إبريل 2016م، ثم تبنى سياسات صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م، وأغرق مصر في ديون لا حصر لها، حتى أصبح بند خدمة الديون وحده في مشروع الموازنة (2022/2023) أكبر من موارد الدولة، كما أفقر عشرات الملايين من المصريين وينحاز بكل سفور إلى الرسمالية المتوحشة وحيتانه من الجنرالات ورجال الأعمال على حساب الغالبية الساحقة من المصريين؛  معتقلات تتملئ بعشرات الآلاف من العلماء والرموز السياسية من كل التوجهات، انتخابات مزورة، إعلام مؤمم، أحزاب مقيدة، حرب ضارية على الحريات ومنظمات المجتمع المدني؛ ورغم كل هذه الكوارث؛ يهرول العلمانيون إلى الجنرال بمجرد أن غمز إليهم واستدعاهم إلى حوار مسرحي هم أول من يعلم أنه حوار شكلي!

بالطبع العلمانيون ليسوا قماشة واحدة؛ وليسوا سواء، وإن كان غالبيتهم متطرفون حد الهوس، لكن ذلك لا يمنع وجود أصوات عاقلة متزنة ترى المشهد على حقيقته؛ فالحقوقي البارز بهي الدين حسن، ينظر إلى الحوار الذي أطلقه السيسي بأنه «دعوة إلى مسرحية يُجرى فيها توزيع الأدوار وفق رؤية المؤلف الأوحد الذي سيضع أيضا خاتمة المسرحية بنفسه، وذلك مع الأطراف التي ستقبل بدور ككومبارس في تلك المسرحية العبثية». وحول المخرجات المتوقعة لمبادرة السيسي، أضاف: “لن يسهم ذلك الحوار المسرحي المُعلب في تحسين أحوال المصريين السياسية أو الاقتصادية، بل سيؤدي فقط لتكريس الأزمة، وتجميل زائف مؤقت لصورة النظام البائس في مصر، والإفراج المحتمل عن آحاد آخرين (من بين عشرات ألوف السجناء السياسيين) بما يُسهّل قبول الرئيس الأمريكي جو بايدن مصافحة السيسي خلال الشهر المقبل (يونيو 2022)”.  

هذه المقارنة الكاشفة، وهذه المواقف المخزية للقوى العلمانية، دفعت الكاتب الكبير وائل قنديل إلى توثيق ذلك من جديد في مقاله ( حوار وطني تحضيرًا لامتحان بايدن) والمنشور بصحيفة «العربي الجديد» اللندنية في 11 مايو 2022 فكتب: «يدهشك في الأمر أن من الذين يتبرّعون بإعلان الاستجابة، وإنْ كانت مشروطة، لدعوة نظام السيسي لحوار على أرضية الثلاثين من يونيو (2013) كانوا يقفون ضد فكرة الحوار، من حيث المبدأ، مع الرئيس المنتخب محمد مرسي، بل ويعتبرون الاستجابة لدعوة الحوار، مشروطةً أو غير مشروطة، خيانة للوطن وللثورة، وعارًا يلحق بالذين يشاركون بالحوار المنقول على الهواء مباشرة، في ذلك الوقت، والذي يحضرُه الرئيس بنفسه مستمعًا ومنصتًا وموافقًا على النتائج والمخرجات التي يتوصل إليها المجتمعون. مدهشة فعلًا حالة المماحكة التي تختبئ خلف اشتراطاتٍ يعلم واضعوها أن المعني بها لن يعيرها اهتمامًا، وخصوصًا عندما تأتي هذه المماحكات من بعض الذين كانوا يباهون بأنهم يرفضون المشاركة في حوار، بناءً على دعوة الرئيس مرسي، بل ويسخرون من الدعوة والداعين لها، بحجّة أن الرئيس مرسي يحاور مرسي، وبدافع الخشية على وسامتهم الثورية من حوار كهذا مع رئيسٍ منتخب. أتذكّر أن الحوار مع مرسي في تلك الأيام أثمر تراجعًا عن إعلانه الدستوري، الذي حقق به مطلبًا كان مرفوعًا طوال الوقت في ميادين بمصر، وهو إقالة نائب عام ضد الثورة، وفرض المشاركون بالحوار على الرئاسة بيانًا يتضمّن مفردة “الإلغاء” للإعلان الدستوري، وليس تعديله، كما حقق مكاسب كان من الممكن البناء عليها للنجاة من جحيمٍ كان يُصنع في غرف مظلمة، بتطوّع وتفرّغ كاملين ممن أسميتهم وقتذاك “رموز جماعة الحرب حتى يوم القيامة” الذين حقّقوا سقوطا ذريعا أمام اختبارٍ فرضته ظروف تداهم الوطن بأسره، شعبه قبل حكومته، فتفلتوا من فكرة الالتقاء حول مشترك وطني وقومي، مردّدين الكلام المضحك ذاته عن أنهم لن يمنحوا الفرصة للنظام لكي ينهل من وسامتهم الطاغية، ويتجمل من خلال صورة فوتوغرافية معهم فى القصر الرئاسي. تلحّ هذه المشاهد على الذاكرة مع هذا التطوّع لإضفاء جدّية على لعبة هزلية مؤقتة، هي في ظني ليست أكثر من محاولة لارتداء قناعٍ واقٍ من عاصفة انتقادات ومساءلة أميركية قادمة في النصف الثاني من يونيو/ حزيران المقبل، يعلم المتفاعلون أنه فور اجتياز امتحان بايدن سيزيح هذا النظام قناعه، ويستعيد ملامحه الحقيقية .. هذا إن التفت النظام إلى هذه الهدايا المجانية أو أعارها اهتمامًا من الأصل». "3"

الأسباب الحقيقية التي دفعت السيسي للحوار

وعن الأسباب الحقيقية التي دفعت السيسي لهذا الحوار  يكشف الكاتب عبد الله السناوي في مقال له ان الظروف التي يعيشها الشعب المصري وتضررالكثير من طوائفه من السياسات الاشلة خاصة الاقتصادية ، دفعت السيسي لإطلاق هذا الحوار ، واكد السناوي أنه في مطلع عام (2016) طرحت فكرة بالغة الجدية على «السيسى»، أن يقود بنفسه حوارا وطنيا مع نخب المجتمع المصرى، من مثقفين كبار، وسياسيين ونواب وشبان، والمجلس القومى لحقوق الإنسان، والمجلس القومى للمرأة واتحادات العمال والفلاحين وممثلى النقابات المهنية، وأن تصدر قرارات رئاسية وفق ما يتوافق عليه معهم.

بدأت التجربة مع المثقفين، وكان الحوار صريحا ، طلب السيسي  بعده أن يجتمع وزير الثقافة فى ذلك الوقت «حلمى النمنم» بالمثقفين لصياغة القرارات والاقتراحات التى ترددت فى الاجتماع ، ثم تكفلت الحوادث العاصفة التى ضربت البلاد فى أبريل (2016) إثر اتفاقية «تيران» و«صنافير» إلى تعطيل لغة الحوار ورفع منسوب تسمم المجال العام لحدود بالغة السلبية استدعت ضمن أسباب أخرى أجواء الأزمة المخيمة ، وكان شبه مستحيل أن تنعقد جلسته التالية مع المجلس القومى لحقوق الإنسان، الذى أخذ يستعد بقوائم لديه عن أحوال المعتقلين وطلبات الإفراج.

وأكد السناوي أن فى اللحظة الراهنة تتصدر الأزمة الاقتصادية المتفاقمة المشهد المصرى، وتستدعى بقدر خطورتها كل ما لدى البلد من مخزون خبرات وكفاءات للنظر فى أسباب وطرق مواجهتها بإعادة النظر فى السياسات والأولويات وألا تتحمل الطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى أعباء جديدة غير محتملة من أى إجراءات اضطرارية جديدة ، واضاف  إذا كانت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة أولوية أى حوار مفترض، فإن المدخل إليه الإصلاح السياسى قبل أى شىء آخر.

وطالب السناوي بتحسين البيئة العامة المسمومة كشرط أساسى  وضرورى لنجاح الحوار الوطنى، وإطلاق سراح المحبوسين احتياطيا، كل المحبوسين احتياطيا  ، وإلغاء قانون الحبس الاحتياطى خطوة مهمة ثانية لرفع المظالم، حيث تحول بذاته إلى عقوبة ، والإسراع فى إنفاذ الوعد الرئاسى بإطلاق سراح المحكومين فى قضايا رأى عبر تشكيل لجنة متنوعة سياسيا لهذا الغرض سوف تكون خطوة حاسمة فى رفع منسوب الرهان السياسى على نجاح الحوار الوطنى المنتظر."4"

عودة رجال مبارك للساحة السياسية

ومع انطلاق جلسات الحوار الوطني ومحاولات النظام صبغها بالروح الديمقراطية،  وجدنا عودة قوية لرجال مبارك من جديد، خاصة بعد أعلان أسماء امناء الحوار ورؤساء اللجان المقدر عددهم ب44 شخصية لإدارة لجان أول حوار وطني ينظم   في عهد   السيسي، وسط حضور قوي لرموز نظام الرئيس الراحل حسني مبارك.

ويتضمن الحوار محاور اجتماعية واقتصادية وسياسية. واختيار هذه الشخصيات يعني التمهيد لبدء الجلسات الفعلية للحوار وفق ما تقول وكالة الأناضول للأنباء.

وأفاد بيان صدر من إدارة مجلس الحوار الوطني بأن المجلس انتهى في سادس اجتماعاته إلى اختيار 44 مرشحا بالتوافق للمحاور الرئيسة الثلاثة واللجان الفرعية التابعة لها.

وأضاف البيان "توافق المجلس خلال الجلسة على اختيار حسام بدراوي مستشارا للحوار الوطني لعرض رؤية مصر 2030"، ويشار إلى أن بدراوي كان مسؤولا بارزا في الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان الذراع الحزبي للرئيس الأسبق مبارك، وهو مؤيد للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. "5"

كما تم تعيين علي الدين هلال (أحد رجالات مبارك) مقررا للمحور السياسي بالحوار الوطني الذي دعا له السيسي ، وقد أثار سماح  السيسي، بالحضور القوي واللافت لبعض الرموز المؤثرين في عهد حسني مبارك، في المشهد السياسي والاقتصادي المصري المرتبك في هذه الآونة، الجدل بين نشطاء ومعارضين مصريين ، وخلال الأيام الماضية، ظهر بعض رموز عهد حسني مبارك بالفضائيات المصرية، مع تعيينهم في مواقع هامة قريبة من النظام وتخدم توجهاته.  وظهر هلال مع الإعلامي القريب من جهات أمنية أحمد موسى بفضائية "صدى البلد" المحلية، ولذات الهدف وهو الترويج للحوار الوطني.

الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير خارجية مصر الأسبق في عهد حسني مبارك، عمرو موسى، (86 عاما)، عاد للمشهد مجددا من باب الإعلام، والترويج للحوار الوطني بعد سنوات من تراجع أدواره رغم مشاركته في دعم انقلاب السيسي، وفي كتابة دستور 2014.

واستضافه منسق "الحوار الوطني" ضياء رشوان، موسى، في برنامجه "مصر جديدة"، بفضائية "إي تي سي" في 9 أيلول/ سبتمبر الحالي، للحديث عن الحوار الوطني، مفجرا الكثير من الجدل بحديثه وظهوره، وإعلانه رغبته المشاركة في الحوار الوطني.

الخبير الاقتصادي الدولي، وزير الاستثمار في عهد مبارك من (2004- 2010)، الدكتور محمود محيي الدين، يشغل حاليا منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030، وممثل مصر رفيع المستوى في الأمم المتحدة ، يقدم محيي الدين، استشارات اقتصادية لنظام السيسي، نظرا لعمله في البنك الدولي وكونه مديرا تنفيذيا بصندوق النقد الدولي، كما أنه مناط به دور "رائد المناخ للرئاسة المصرية" لمؤتمر المناخ (COP27)، المقرر في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم بشرم الشيخ ، وهو المؤتمر الذي يوليه السيسي اهتماما خاصا، ويشارك فيه ممثلون عن نحو 190 دولة.

ورغم العودة المتأخرة لرجالات عهد حسني مبارك خلال عهد السيسي في المجال السياسي، فإنه في الجانب الاقتصادي، يعتمد السيسي بشكل كبير على بعض رجال أعمال مبارك، إذ بدا مثيرا الظهور الواسع والدور الكبير لرجلي الأعمال أحمد عز وهشام طلعت مصطفى.

وبشأن دلالات سماح السيسي بظهور رجالات عهد حسني مبارك، الآن، قالت رئيسة "المجلس الثوري المصري" الدكتورة مها عزام: "السبب الرئيسي وراء هذه التطورات هو الأزمة الاقتصادية التي تجابه مصر نتيجة لفشل سياسات نظام السيسي الاقتصادية"، وأوضحت أنه "إلى حد كبير هذا الفشل جاء نتيجة انعدام الخبرة الاقتصادية المقترن بالفساد في المنظومة العسكرية"، ولفتت إلى أن هذه التطورات تأتي متزامنة "مع تطورات خارجية بدءا من جائحة (كورونا) والتداعيات الاقتصادية السلبية لمصر الناتجة من حرب روسيا وأوكرانيا، والتي أدت لمزيد من تدهور سعر الجنيه، والدخل السياحي، وانعكاس هذا التدهور على مستوى المعيشة لعامة الشعب".

وترى عزام، أن "فشل السيسي جاء مع تقلص قاعدته السياسية، وهو يجابه ضغوطا اقتصادية شديدة، وحلفاؤه الإقليميون والدوليون يؤمنون بأن عليه توسيع قاعدة سلطته مع آخرين يشاركون في مصلحة مماثلة في تجنب التغيير الحقيقي الذي أمل أغلبية المصريين في تحقيقه عام 2011" ، وقالت إنه "من أجل الحفاظ على مصالح العسكر والنخب الاقتصادية؛ أصبح من الواضح بشكل متزايد لكلا الطرفين (رجال مبارك والسيسي) أنه لا بد من الوصول لتسوية بينهما".

من جانبه، يعتقد مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والاستراتيجية الدكتور ممدوح المنير، في حديث لـ"عربي21"، أن "السيسي فشل في بناء ظهير سياسي له، واكتفى بإحضار الجيش إلى الواجهة" ، وأضاف: "نعم حزب (مستقبل وطن) – وغيره – حاول السيسي جعله ظهيره السياسي، ولكنه فشل بامتياز، اللهم إلا من تزوير الانتخابات النيابية، كما تحدثت تقارير دولية عن ذلك"، ويرى أنه "بالتالي استحضار رجال مبارك من جديد؛ محاولة يائسة للاستفادة من خبراتهم في صناعة الظهير السياسي الذي يوازي حضور وتأثير (الحزب الوطني) سابقا في الحياة السياسية أيام مبارك"."6"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى