قضايا وتحليلات

الصحافة كمرآة للاستخبارات: كيف تعكس سرديات واشنطن وطهران صراع الأجهزة السيادية؟

  • تقارير الصحف الأمريكية تكشف تباين استخباراتي حاد في تقدير مستقبل الحكم الإيراني
  • وثائق استخباراتية ترصد تبني القيادة الإيرانية الجديدة استراتيجية استنزاف طويلة الأمد
  • تقديرات سرية تؤكد احتفاظ طهران بكتلتها الصاروخية الحرجة وقدرتها على الصمود الاقتصادي
  • نزاع مؤسسي بين الـ CIA ومدير الاستخبارات الوطنية أدى إلى ارتباك الرواية الموجهة للإعلام
  • خبراء الأمن القومي: ثلاثة عوامل فنية تتسبب في تباين السرديات المنشورة حول الملف الإيراني

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

تتسم العلاقة بين الصحافة ومجتمعات التجسس بالتعقيد؛ إذ تعتمد وسائل الإعلام بشكل رئيسي في صياغة سردياتها على ما تُسربه لها الأجهزة السيادية من معلومات، سواء أكانت حقائق موجهة أم رسائل تضليلية سيكولوجية.

لذلك، فإن التغطيات الصحفية الغربية للأزمات الدولية لا تمثل مجرد رصد إخباري محايد للمجريات السياسية، بل غالباً ما تتحول إلى مرآة عاكسة ومباشرة للديناميات الداخلية الشائكة التي تحكم أجهزة الاستخبارات.

ويبرز الصراع الأمريكي الإيراني كحالة نموذجية لتفسير هذا الارتباط؛ حيث يضم مجتمع الاستخبارات الأمريكي أكثر من 18 وكالة تصدر تقييمات متباينة أو أولية تتطور بمرور الوقت، فحين تظهر سرديات صحفية متضاربة حول المشهد الإيراني، فإن ذلك لا يعكس ارتباكاً مهنياً إعلامياً بقدر ما يترجم غياب الرؤية الموحدة بالكامل داخل أروقة مجتمع الاستخبارات الأمريكي، وهو ما يظهر ضمناً في تقارير الصحف الكبرى التي تنقل عن تلك المصادر المتعددة.

تباين التقييمات الاستخباراتية

تجلّى تباين التقييمات الاستخباراتية بشكل صارخ في الروايات المتناقضة التي قدمتها صحيفتا “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” حول مستقبل التوازن السياسي في إيران عقب مقتل المرشد علي خامنئي.

ففي حين ركزت السرديات التقليدية سابقاً على صعود “البراغماتيين”، قدمت صحيفة “واشنطن بوست” عبر الصحفيَّيْن “سوزانا جورج” و”غريغ ميلر” صورة استخباراتية مغايرة، فأشارت – استنادا إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وإيرانيين- إلى أن النظام الإيراني لم يخرج من أتون الحرب أكثر اعتدالاً، بل أعاد إنتاج نفسه سياسياً عبر جيل جديد من القيادات الأمنية والعسكرية الشابة والأكثر تماسكاً واستعداداً لاستخدام القوة، ملتفاً حول مجتبى خامنئي.

ووفقاً لهذا التقييم، فإن مجتبى خامنئي يدير القرارات الاستراتيجية الكبرى عبر شبكة وسطاء، بينما تشكلت قيادة جماعية لإدارة الملفات التنفيذية تفرض نفوذها بقوة وتتراجع معها مكانة القيادات المدنية.

في المقابل، قدمت صحيفة “نيويورك تايمز” رواية مغايرة تماماً تعكس انقساماً داخلياً في تقديرات الأجهزة الاستخباراتية؛ إذ نقلت عن مسؤولين إيرانيين وأعضاء في الحرس الثوري أن الجناح البراغماتي تمكن من فرض قراراته الأساسية لإنقاذ الاقتصاد وإنهاء المواجهة، بما شمل قبول وقف إطلاق النار والتوقيع على اتفاق إطاري مع إدارة ترامب بعد مفاوضات مباشرة مع “جي دي فانس”.

وتكشف الصحيفة أن سلطة المرشد الجديد لم تعد مطلقة؛ إذ يدار النظام جماعياً بواسطة الحرس الثوري، وأن موافقة مجتبى خامنئي على الاتفاق جاءت نتيجة ضغوط لتفادي أزمة مالية حادة، لينتهي الأمر بموافقة المرشد بعد تصويت المجلس الأعلى للأمن القومي بأغلبية 12 صوتاً مقابل صوت واحد معارض.

ويتفق التقريران على البعد الأمني المحيط بمجتبى خامنئي؛ إذ يربطان غيابه عن الظهور العلني وجنازة والده برفض الأجهزة الأمنية خوفاً من اغتيال أمريكي أو إسرائيلي، ما يجعل هذا الغياب اختباراً استخباراتياً لرصد موازين القوى، حيث يكمن الانقسام الحقيقي اليوم حول كيفية ضمان بقاء النظام لا حول شرعيته.

هيكلية الحكم الجديدة في طهران

بناءً على المعطيات الاستخباراتية التي أوردتها “واشنطن بوست”، فإن هيكلية الحكم الجديدة في طهران باتت محكومة ببروز جيل أمني بامتياز تمكن من إقصاء النفوذ التقليدي للشخصيات المدنية.

وتنحدر الشخصيات الصاعدة في هذا المشهد من خلفيات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية التي أدارت ملفات قمع الاحتجاجات الداخلية ودعم الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله وحماس.

ويستعرض التقرير أمثلة دقيقة لهذه التعيينات السيادية، وفي مقدمتها تولي محمد باقر ذو القدر منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ليصبح عصب التنسيق الأمني للسياسات العليا، وصعود أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري مما يعكس توجهاً أكثر راديكالية في إدارة القوة العسكرية، وتعيين محسن رضائي مستشاراً عسكرياً للمرشد الجديد ليمثل حلقة الوصل الاستراتيجية بين القيادة العليا والقوات المسلحة.

ويرصد التقرير تراجعاً حاداً في الوزن السياسي للشخصيات المدنية والتكنوقراط؛ حيث فقد الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي نفوذهما المعهود مقارنة بالجنرالات، ورغم استمرار مشاركتهما الظاهرية في الملفات الدبلوماسية، إلا أن سلطة القرار الفعلي باتت محصورة في المربع الأمني المحيط بالمرشد الجديد.

عقيدة تفاوضية جديدة لإيران

ويربط التقرير الاستخباراتي بين سلوك الجيل الجديد من القادة الإيرانيين وبين الخبرة الميدانية التي اكتسبوها من مراقبة الحروب الأمريكية الطويلة في العراق وأفغانستان.

وقد استخلص هؤلاء القادة قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة -برغم تفوقها العسكري- يمكن استنزافها سياسياً وعسكرياً على المدى الطويل.

وتتجلى هذه العقيدة في نقطتين أساسيتين: أولهما توظيف الممرات البحرية، حيث تنقل الصحيفة عن مسؤول أوروبي، يتواصل بشكل مستمر مع طهران، أن القيادة الجديدة تشعر بثقة عالية تفوق مرحلة ما قبل الحرب، وتعتبر أنها اكتشفت القيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز كورقة ضغط تمنحها قدرة فرض الشروط الاستراتيجية والتلويح بها لتهديد مصالح حلفاء واشنطن في الخليج، والجزئية الثانية ترتبط بالخطوط الحمراء للملف النووي، حيث وضع مجتبى خامنئي حدوداً صارمة للتفاوض مع واشنطن، رافضاً الانخراط في أي نقاشات جوهرية تخص البرنامج النووي الإيراني قبل التثبيت الكامل والدائم لوقف إطلاق النار، مع الإبقاء على هامش سياسي للمناورة يسمح له بالتراجع عن التفاهمات الإطارية إذا ما تغيرت الظروف الإقليمية.

مرونة اقتصادية وعسكرية إيرانية

على نقيض الخطابات السياسية الغربية العلنية التي دأبت على الترويج لفكرة أن القدرات العسكرية الإيرانية قد شُلت أو أُضعفت بصورة حاسمة، كشفت التقييمات الاستخباراتية عن وقائع ميدانية مغايرة، فقد أوردت “واشنطن بوست” تفاصيل وثيقة استخباراتية سرية تفيد بأن إيران لا تزال تحتفظ بالكتلة الحرجة والأكثر أهمية من ترسانتها الصاروخية الاستراتيجية ومنظومات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى.

ويشير هذا التقييم الفني إلى أن بنية الترسانة العسكرية لطهران تم تصميمها لتتحمل الضربات الارتدادية، مما يجعلها قادرة على مواصلة عمليات الاستنزاف وإدارة مواجهة عسكرية لفترات زمنية طويلة برغم الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.

ولم يقتصر التقييم على الجانب العسكري الفني، بل امتد ليشمل البنية الاقتصادية؛ حيث خلصت تقديرات مجتمع الاستخبارات إلى أن طهران تمتلك من المرونة الهيكلية ما يؤهلها للصمود الاقتصادي لعدة أشهر متواصلة في مواجهة أي حصار بحري أمريكي شامل، وهو ما يدحض السردية السياسية الرسمية لواشنطن التي كانت تتوقع انهياراً سريعاً للقدرات الشاملة للدولة الإيرانية.

إخفاق رواية التدمير الكامل

شكلت الفاعلية الحقيقية للضربات العسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني مساحة أخرى للتضارب بين لغة السياسيين والتقارير الاستخباراتية التي تناقلتها وسائل الإعلام،  فقد نقلت شبكة “CNN” ولاحقاً “واشنطن بوست” تقييماً أولياً صادراً عن وكالة استخبارات الدفاع (DIA) يوضح أن الضربات المشتركة ألحقت أضراراً مادية بالغة بالمنشآت الإيرانية، لكنها لم تؤدِّ إلى تقويض البرنامج أو تدميره بنيوياً، بل أسفرت عن إرجاع وتأخير الجدول الزمني للبرنامج لعدة أشهر فقط.

وتعارضت هذه البيانات الفنية بشكل قطعي مع التصريحات الإعلامية للرئيس دونالد ترامب التي جزم فيها بحدوث “تدمير كامل” للقدرات النووية الإيرانية.

وأرجعت التقارير الصحفية هذا التناقض إلى طبيعة الإعداد؛ إذ كان تقرير وكالة استخبارات الدفاع أولياً ولم يتم تنسيقه أو دمج معطياته مع بقية الشركاء في مجتمع الاستخبارات.

 وفي مقابل هذا التقرير الفني المسرب، سارعت الإدارة السياسية في البيت الأبيض للدفاع عن روايتها الرسمية، معتبرة أن التقييم المسرب لا يمثل الكلمة الفصل، ومشددة على أن حجم الدمار الفعلي يتجاوز بكثير ما خلصت إليه تلك التقديرات الأولية.

نزاع مؤسسي استخباراتي أمريكي

لا تقف الاختلافات الصحفية عند حدود تحليل المضمون المعلوماتي للملف الإيراني، بل تمتد لتكشف عن صراعات هيكلية عميقة وكواليس معقدة داخل منظومة الاستخبارات الأمريكية ذاتها.

 وفي هذا الإطار، كشفت وكالة “رويترز” عن نزاع مؤسسي حاد وقع بين قطبين رئيسيين في مجتمع الأمن القومي الأمريكي: وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI)

ووصل هذا الخلاف التنظيمي إلى مرحلة متطورة غير معتادة، حيث امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن المشاركة في إعداد بعض التقييمات الاستخباراتية المشتركة، لا سيما تلك التقديرات الحساسة المرتبطة بملفات الحرب والسيناريوهات المفتوحة مع إيران.

 ويؤكد خبراء الإعلام والدراسات الأمنية أن هذا الشرخ المؤسسي أثر بشكل مباشر في كفاءة تنسيق المواقف وتوحيد القراءات داخل مجتمع الاستخبارات، وهو ما تفسره الأوساط التحليلية بأنه السبب الرئيسي وراء تدفق روايات صحفية متضاربة تتلقاها الصحف الكبرى من مصادر متباينة داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن.

ماذا وراء تباين السرديات؟

وفقاً لخبراء الإعلام والأمن القومي، فإن رصد هذا التباين في التغطيات الصحفية يُعزى إلى عدة محددات موضوعية تحكم إنتاج المعلومة الاستخباراتية، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:

  • تعددية جهات الإعداد الفنية: يتباين المنظور التحليلي بحسب طبيعة العقيدة الأمنية للجهة التي صاغت التقييم، سواء كانت وكالة استخبارات الدفاع (DIA)، أو وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أو المجلس الوطني للاستخبارات (NIC)
  • عامل التوقيت الزمني للمعلومة:  تتسم التقييمات الأولية بالمرونة؛ إذ تخضع للتعديل والتغيير المستمر فور ورود بيانات ومعلومات استخباراتية جديدة ومحدثة.
  • الفصل الإجباري بين التقييم والسياسة: يبرز دائماً فارق بنيوي بين التقييم الاستخباراتي المحترف المرتكز على الأدلة والاحتمالات، وبين الموقف السياسي الرسمي الذي يعتمد لغة حاسمة وجازمة بهدف تبرير القرارات الاستراتيجية أو طمأنة الرأي العام الداخلي.

هكذا، يظهر بوضوح أن الصحافة لا تنقل فقط أخبار الأزمات الدولية، بل تعيد رسم الخرائط الذهنية للصراعات بناءً على موازين القوى داخل أجهزة الاستخبارات ذاتها. والتباين الصحفي الأمريكي في معالجة الملف الإيراني يعكس حقيقة أن مجتمع الاستخبارات ليس كتلة صماء، بل هو بيئة ديناميكية تتداخل فيها الحسابات الفنية بالمصالح السياسية.

وفي سياق التحليل الإعلامي، فإن قراءة ما وراء السطور في تقارير الصحف الكبرى هو الأداة الأساسية لتفكيك الشيفرات الاستخبارية وفهم الكيفية التي تدار بها الأزمات الكبرى، حيث تصبح الصفحة الأولى في الصحيفة هي الميدان الأول لمعارك التجسس وتوجيه الرأي العام الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى