مقالات

بين إخفاء المعلومات في حرب إيران والوصاية الإسرائيلية.. هل اقترب سقوط أمريكا؟

  • تهميش المؤسسات الرقابية والإعلام في حرب إيران ضاعف أزمة الديمقراطية الأمريكية
  • الوصاية الإسرائيلية على قرارات البيت الأبيض تزيد من احتمالات تفكك الولايات المتحدة

د. سليمان صالح

إن تأثير الحروب لا يتوقف عند إحصاء الخسائر والمكاسب، وادعاءات النصر وتحقيق الأهداف، لكن الحروب تشكل مستقبل الدول، وقدرتها على بناء صورتها، وبناء علاقاتها الخارجية ومكانتها الدولية؛  فالانتصار العسكري أو السياسي المادي قد يتحول إلى هزيمة معنوية أو سياسية عندما تنكشف الحقائق التي حاولت السلطة إخفاءها، أو تتغير الرواية التي صدقتها الجماهير أثناء الحرب. وقد أشارت إلى ذلك الباحثة الأمريكية الراحلة حنا أرندت (Hannah Arendt) في دراستها عن حرب فيتنام؛ حيث ناقشت كيف يمكن للحكومات أن تبني سياساتها على روايات غير دقيقة أو مضللة، ثم تجد نفسها أمام أزمة شرعية عندما تظهر الحقائق.

تداعيات التضليل وسقوط الأنظمة

كما أن انكشاف الحقيقة بعد سنوات قد يهدم الثقة التي كانت أساس الانتصار السياسي؛ فالكثير من النظم تعتقد أنها حققت انتصارات بمقاييس القوة المادية، لكن عندما تظهر الحقائق والوثائق والشهادات تدرك الجماهير أن السلطات خدعتها، وروجت روايات كاذبة، وأخفت الحقائق.. وتلك بداية السقوط والانهيار.

والعدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، والحرب الأمريكية ضد إيران تشكل حالة مهمة للدراسة تبرهن على خطورة التزييف والتضليل، فإسرائيل تمكنت من تسويق روايتها الكاذبة، وفرضها على الجماهير نتيجة لسيطرتها على معظم وسائل الإعلام الأمريكية، ومع ذلك اعترف ترامب بأن الجماهير أصبحت تكره دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأنه تمكن من إنقاذ النتن ياهو.. لكن الكثير من الحقائق عن المذابح التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة سوف تظهر وتشكل صدمة لكل الأحرار في العالم، وستتزايد الكراهية ضد أمريكا وإسرائيل.

أما ترمب فقد تمكن حتى الآن من إخفاء الكثير من الحقائق عن حربه ضد إيران، وتسويق روايته عن نصره الزائف.. لكن ما تأثير ذلك على مستقبل أمريكا؟!

دروس التاريخ والانكشاف الأخلاقي

لكي ندرك خطورة الكذب على الجماهير يمكن أن نعود إلى ما قاله دانيال إلسبيرج (Daniel Ellsberg)، أحد أشهر المحللين العسكريين والناشطين السياسيين في تاريخ أمريكا -الذي سرّب وثائق البنتاجون للصحافة الأمريكية عام 1971- إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة قدمت للجمهور صورة مختلفة عن الواقع في حرب فيتنام.. وبعد نشر الوثائق أصبح ما كان يتم تقديمه بوصفه نجاحًا استراتيجيًا دليلاً على سوء التقدير والتضليل، فكشف الحقيقة غير الطريقة التي نظر بها الأمريكيون إلى الحرب بأكملها.

لكن مشكلة الطغاة أنهم لا يقرأون التاريخ، ولا يفهمون دروسه، ولا يدركون تأثيره على المستقبل، وهذا ما أشار له جون كيجان (Sir John Keegan)، أحد أبرز المؤرخين العسكريين البريطانيين في النصف الثاني من القرن العشرين، في دراساته عن التاريخ العسكري، حيث يقول: “قد ينتصر جيش في ساحة المعركة، لكن الرواية التاريخية قد تحكم عليه بالفشل إذا ظهرت حقائق جديدة عن أهداف الحرب أو تكلفتها أو مبرراتها”.

كما أن النصر العسكري المادي يمكن أن يتحول إلى جريمة ضد الإنسانية، عندما يسمع العالم صوت الذين تعرضوا للمذابح والإبادة والقهر والقتل وسفك الدماء وتدمير الحضارة.

لذلك يقول المفكر والمحلل السياسي الأمريكي نعوم تشومسكي: إن الحكومات قد تكسب الحرب عسكريًا لكنها تخسرها أخلاقيًا أو تاريخيًا عندما تظهر الوثائق والحقائق التي كانت مخفية أثناء النزاع.

أزمة الديمقراطية وتراجع الرقابة

أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية الأمريكية هو الدخول في حرب بينما تكون المعلومات محجوبة، أو خارج النقاش العام الحقيقي، وهذا الاستنتاج توصل له مؤرخون وصحفيون ومراكز أبحاث من اتجاهات فكرية مختلفة، سواء كانوا مؤيدين أو معارضين لسياسات الولايات المتحدة الخارجية.

وعلى سبيل المثال توصل معهد كاتو الأمريكي من دراسة أجراها الباحث براندان بوك إلى أن حرب إيران قد تكون “أول حرب أمريكية في مرحلة ما بعد الديمقراطية”، حيث جرت في غياب النقاش العام في الكونغرس والإعلام حول قرار الحرب.

واعتبر أن مؤسسات الرقابة الديمقراطية لم تقم بدورها التقليدي في مناقشة قرار الحرب والسلم،  وأن الكونغرس تخلى عن واجبه في الحفاظ على النقاش العام؛ وحذر من أن ضعف الشفافية والنقاش يضر بالنظام الديمقراطي الأمريكي نفسه.

لذلك عبر أعضاء من الكونجرس عن قلقهم من استمرار العمليات العسكرية دون رقابة من الكونجرس، وطالبوا بتقييد صلاحيات الرئيس في استمرار الحرب، وباستعادة السلطات الدستورية للكونجرس في قضايا الحرب.

تضليل الإعلام وتهميش المؤسسات

وفي تقرير نشرته صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” بعنوان “كيف أصبح الكونجرس فكرة ثانوية في الحرب مع إيران”، أشار إلى تراجع دور السلطة التشريعية في مراقبة الحرب واتخاذ القرارات العسكرية، وأن تهميش المؤسسات الرقابية أثناء الحرب قد يخلق سابقة خطيرة.

أما صحيفة “واشنطون بوست” فأشارت إلى أن الكونجرس فشل في ممارسة سلطاته الدستورية المتعلقة بالحرب، وأن الرؤساء الأمريكيين أصبحوا أكثر قدرة على اتخاذ قرارات عسكرية دون قيود حقيقية من السلطة التشريعية.

ويوضح تحليل مضمون بعض المقالات التي نشرتها الصحف الأمريكية أن بعض الكتاب أصبحوا يحذرون من مخاطر تكرار أخطاء الحروب، وتحولها إلى صراع مفتوح، حيث يرى ستيفن فيرتهايم: أن القرارات العسكرية الكبرى يجب أن تُناقش علنًا وبشفافية، لأن التاريخ الأمريكي أظهر مخاطر المعلومات المضللة أو غير المكتملة قبل الحروب.

واتهم بعض الكتاب الإعلام الأمريكي بعدم نقل الصورة كاملة عن الحرب، وأن التغطية السائدة للحرب على إيران أخفت حقائق مهمة وشوهت بعض الوقائع واستخدمت لغة مخففة عند وصف آثار الحرب، وأن حجب المعلومات أو انتقاءها يؤدي إلى تضليل الرأي العام الأمريكي، فلقد أصبحت وسائل الإعلام الأمريكية تغطي الحرب كما لو كانت حالة طقس؛ وهذا نقيض الحكم الذاتي الذي يعد به الدستور.

وبذلك يكون الشعب الأمريكي قد خسر الديمقراطية التي كان يفخر بها على العالم، ويستخدمها كمبرر للسيطرة على الشعوب؛ حيث يقول بول كين في “واشنطون بوست”: “إن الفراغ الناتج عن فشل الكونجرس في القيام بواجباته الدستورية ملأته رئاسة تزداد قوة، وأن حجب القرار الحقيقي عن المؤسسات المنتخبة يغيّر طبيعة النظام السياسي الأمريكي نفسه”.

وهكذا تحول ترامب إلى ديكتاتور، فقام بإلغاء دور الكونجرس، وقيّد النقاش العام، واحتقر وسائل الإعلام التي أصبحت تتابع تصريحاته دون نقد، وبدون توضيح خطورتها على مستقبل أمريكا، وبذلك خسر الشعب الأمريكي حرية الإعلام التي شكلت أساس قوته وتقدمه.

مستقبل أمريكا واحتمالات الانهيار

يقول ستيفن فيرتهايم إن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً كارثياً في العراق، ثم طرح سؤالاً: هل هي على وشك تكراره في إيران؟! أما “واشنطن بوست” فذكرت بأن مبررات حرب العراق المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل تبين أنها غير موجودة، واعتبرت ذلك درساً تاريخياً حول مخاطر اتخاذ قرارات الحرب على أساس معلومات ناقصة أو خاطئة.

ولقد تخلى الكونغرس عن واجبه في الحفاظ على النقاش العام حول أهم سؤال يمكن أن تواجهه الجمهورية: الاختيار بين الحرب والسلام؛ لكن فيرتهايم أشار إلى دور دولة الاحتلال الإسرائيلي في شن الحرب على إيران فقال: “يمكن لحليف منفلت أن يعرقل جهود أمريكا، ويحدد أجندتها الوطنية، ويضر بحياتها المدنية”.

وهذه عبارة نادرة لأنها تتحدث مباشرة عن الضرر الذي قد يلحق بالمجتمع الأمريكي نفسه، نتيجة السيطرة الإسرائيلية، فهل فقدت أمريكا استقلالها، وأصبحت إسرائيل تتحكم في قراراتها، ودفعتها لشن الحرب على إيران؟

ربما يشكل ذلك السؤال صدمة للشعب الأمريكي الذي سيكتشف أن إسرائيل تتحكم في قرارات رئيسه المغرور بقوته، والذي يتعامل مع العالم بصلف واستعلاء واستكبار، ويخضع بذلة وانكسار أمام النتن ياهو.

أما جي روزن فقد وجه اتهاماته لوسائل الإعلام الأمريكية، التي تخلت عن دورها في المساءلة والاستقصاء، واكتفت بنقل تصريحات المسؤولين، كذلك حذر جلين جرينوالد من أن السرية الحكومية الواسعة تقلل قدرة المواطنين على تحديد موقفهم، وأن الديمقراطية تعتمد على تدفق المعلومات.

وهؤلاء الكتاب يعبرون عن حالة غضب عام سوف تتزايد خلال الشهور القادمة، عندما يكتشف الشعب الأمريكي أنه كان ضحية للخداع والتجهيل والتضليل وتزييف الوعي.

ويمكننا أن نذكر بأنه عندما انهار الاتحاد السوفيتي ظهرت الحقائق عن المذابح المروعة، وما عانته الشعوب من ويلات القهر والظلم والفقر، فلم تجد الشعوب أمامها سوى الانفصال لبناء مستقبلها، فهل يفعل الشعب الأمريكي ذلك عندما يكتشف الحقائق، ويدرك أنه تم التلاعب به، واستخدامه في إفقار العالم، وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية والحضارة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى