وثائق مسربة: منصة عربية شهيرة تعمل كواجهة إعلامية للكيان الصهيوني!
- تحقيق صحفي “إسرائيلي” يكشف ارتباط “جسور نيوز” بمشروع تديره شخصيات مقربة من الموساد والشاباك
- المنصة تابعة لمركز أمريكي يهدف للتطبيع وتتلقى تمويلاً من جهات تدعم سياسات “إسرائيل” في المنطقة
- الوثائق تفضح “فبركة” تقارير من غزة لنفي وجود مجاعة وتكشف تنسيقاً سرياً لتحسين صورة إسرائيل في الأردن
“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:
كشف تحقيق صحفي موسع نشرته مجلة “972+” الإسرائيلية، بالتعاون مع موقع “لوكال كول”، عن وثائق ومراسلات مسربة تكشف وجود صلات مباشرة بين منصة “جسور نيوز” الناطقة بالعربية، ومشروع إعلامي تقوده شخصيات ومؤسسات مقربة من المؤسسة العسكرية والاستخبارية “الإسرائيلية”؛ بهدف التأثير في الرأي العام العربي، والترويج لروايات تخدم سياسات الاحتلال في المنطقة.
يستند التحقيق إلى آلاف الرسائل والوثائق التي جرى تسريبها عقب عملية اختراق إلكتروني استهدفت “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” (INSS)، وهو أحد أبرز مراكز الأبحاث الأمنية، ويعمل بصورة وثيقة مع أجهزة الاستخبارات، بما فيها “الموساد” و”الشاباك” (الشين بيت) وشعبة الاستخبارات العسكرية.
وقد تمت عملية الاختراق بواسطة قراصنة يُعتقد أنهم مرتبطون بالمخابرات الإيرانية، وقاموا بتسريب ملايين الملفات علنًا من صناديق البريد الإلكتروني للسياسيين الإسرائيليين والوزارات والمؤسسات البارزة، وأصبحت هذه الوثائق متاحة للصحفيين عبر منصة التوزيع اللامركزي للوثائق السرية (Distributed Denial of Secrets).
ويدير هذا المعهد برنامجًا بحثيًا حول ما يسميه “المحور الشيعي”، الذي يضم إيران وحلفاءها، بمن فيهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، ونظام الأسد في سوريا قبل انهياره.
ومن بين آلاف الملفات والرسائل المسربة من هذا البرنامج، ظهرت الأدلة الكاشفة التي تشير إلى الجهة الحقيقية التي تقف وراء “جسور نيوز” ومهمتها الفعلية في المنطقة.
أجندة التطبيع والتمويل
تشير الوثائق المسربة إلى أن منصة “جسور نيوز”، التي تقدم نفسها على أنها وسيلة إعلام عربية مستقلة تعكس “نبض الشارع العربي”، تمثل في الواقع جزءًا من مشروع إعلامي أوسع تقوده منظمة “مركز التواصل من أجل السلام” (Center for Peace Communications – CPC). وهي منظمة أمريكية غير ربحية تأسست عام 2019 وتتخذ من نيويورك مقراً لها، وتدعم الحوار والتطبيع بين العرب وإسرائيل، وتُظهر السجلات الضريبية للمركز أن غالبية مموليه يدعمون مشاريع يهودية ومؤسسات مؤيدة لإسرائيل.
ويرأس هذا المركز الباحث الأمريكي من أصول عراقية جوزيف براود (Joseph Braude)، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ويعلن المركز أن رسالته تعزيز الأمن والازدهار ومكافحة ما يصفه بـ”التطرف وخطاب الكراهية” (في إشارة لمن يعادون إسرائيل). ومن أبرز برامجه ومشاريعه:
- Whispered in Gaza: سلسلة شهادات مصورة لناشطين وسكان من قطاع غزة ينتقدون حكم حركة حماس.
- The Arab Council: شبكة تضم شخصيات عربية تدعو للتعاون الإقليمي مع إسرائيل.
- The Erbil Conference: مؤتمر أربيل الذي عقد عام 2021 ودعا لتطبيع العلاقات بين العراق وإسرائيل.
- The Salem Initiative: مبادرة لتعزيز الحوار العربي الإسرائيلي، والتعاون المشترك في قطاعات المياه، والتعليم، وإزالة الألغام، والإعلام.
ويضم مجلس إدارة المركز ومستشاروه شخصيات أمريكية وإسرائيلية معروفة، أبرزها دنيس روس، الدبلوماسي الأمريكي والمفاوض السابق في عملية السلام، وجوناسان شاتزر، نائب رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) وهي منظمة يهودية، إلى جانب باحثين وإعلاميين عرب وسوريين وعراقيين.
وبينما يصف العديد من الباحثين العرب هذا المركز بأنه منصة للترويج للتطبيع والتأثير في الرأي العام، يزعم المركز أنه منظمة مدنية مستقلة وينفي عمله لصالح أي جهاز استخباراتي.
قنوات التنسيق مع “إسرائيل”
أوضح تحقيق مجلة “972+” أن وثائق المعهد المقرصنة تضمنت إشارات صريحة إلى اجتماعات وتنسيقات بين مسؤولي المركز وجهات أمنية “إسرائيلية”؛ بهدف دعم أنشطة إعلامية تستهدف المجتمعات العربية، ونشر “الفكر المؤيد للغرب وإسرائيل” داخل دول المنطقة، إلى جانب إدارة حملات إعلامية تستهدف خصوم إسرائيل وعلى رأسهم حماس وحزب الله وإيران.
ولفت التحقيق إلى أن إحدى الوثائق تحدثت صراحة عن ربط رئيس المركز جوزيف براود بـ”الجهات المختصة داخل المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية” لدعم مشاريع المركز الإعلامية، وتأكيدها أن منصة “جسور نيوز” تشكل الأداة الرئيسية التي تُبث عبرها المواد الإعلامية المنتجة ضمن هذا المشروع المشترك.
و ما لا يعرفه كثيرون أن منصة “جسور” ليست سوى الاسم الثالث لمشروع تطبيعي انطلق قبل سنوات باسم “المجلس العربي للتكامل الإقليمي”، ثم تغيّر إلى “الاندماج الإقليمي”، واستقر على “جسور”.
ورغم تغيّر الأسماء، إلا أن الهدف ظل ثابتًا وهو كسر الحاجز النفسي والثقافي بين العرب و”إسرائيل”، والترويج لما يُسمى “التعايش” و”السلام” دون الحديث عن الحقوق الفلسطينية أو الاحتلال.
صناعة الشعبية والانتشار السريع
تعرّف “جسور نيوز” نفسها، عبر موقعها الإلكتروني، بأنها منصة إعلامية مستقلة لا تنتمي إلى أي جهة سياسية. ومنذ انطلاقها في مارس 2024، حققت انتشاراً سريعاً للغاية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تجاوز عدد متابعيها مليون متابع على منصة “فيسبوك”، ونشرت ما يقارب ستة آلاف مقطع فيديو عبر “يوتيوب” حصدت أكثر من 80 مليون مشاهدة خلال فترة قصيرة.
ويرى معدّا التحقيق أن هذا الانتشار السريع جاء ضمن استراتيجية إعلامية منظمة اعتمدت على إنتاج محتوى مرئي قصير يركز على استطلاعات الرأي والمقابلات الميدانية والقصص الاجتماعية لترسيخ صورة الوسيلة الإعلامية القريبة من الشارع. وزعمت رئيسة تحرير المنصة “هديل عويس” (وهي ضيفة دائمة على قناة العربية السعودية) في مقابلة سابقة مع صحيفة “هآرتس”، أن سر نجاح “جسور” يكمن في اعتمادها على “صوت الناس” بدل البرامج السياسية التقليدية.
ويكشف التحقيق أن هذه الصورة تخفي نشاطاً مغايراً؛ إذ تعمدت المنصة تكرار إبراز أصوات عربية مؤيدة للتطبيع أو داعية للتفاوض مع “إسرائيل”، ونشر مقابلات تتضمن انتقادات لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، مقابل غياب شبه كامل للأصوات التي تنتقد السياسات الإسرائيلية أو توثق الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال.
وفيما يخص الجوانب المالية، نقل الموقع الإسرائيلي عن مصادر في سوريا أن الرواتب الشهرية التي يدفعها موقع “جسور” تبلغ 600 دولار أمريكي، بالإضافة إلى أجور العمل الحر التي تصل إلى 100 دولار أمريكي لكل تقرير، أما في قطاع غزة، فتتراوح الأجور بين 200 و400 دولار أمريكي لكل تقرير مصور.
وتتلقى هديل عويس تمويلاً غير مباشر من جهات ذات صلة بما يُعرف بـ”خلية أفيحاي”، وهي وحدة إسرائيلية تُعنى بالحرب النفسية والتأثير على الرأي العام العربي.
تزييف واقع مجاعة غزة
استند التحقيق إلى مراسلات سرية تعود إلى مايو 2024، عندما تواصل أحد كبار المحررين في “جسور نيوز” مع ناشط فلسطيني من قطاع غزة مناهض لحماس، طالباً منه تصوير مشاهد محددة من الحياة اليومية داخل القطاع.
وبحسب الرسائل التي اطلعت عليها مجلة “+972″، طالبت المنصة بتصوير أسواق تظهر فيها كميات وفيرة من الخضروات والفواكه والمواد الغذائية، وأشخاص يتسوقون بنشاط، وأمهات يشترين حليب الأطفال، ومواطنين يطهون الطعام ويتناولونه، فضلًا عن تصوير أطفال يلعبون بالمياه بهدف إظهار أن الأمور تسير بشكل جيد في غزة ولا توجد مجاعة أو حرب إبادة.
وجاءت هذه الطلبات الموجهة في توقيت كانت فيه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تحذر من اتساع نطاق المجاعة في قطاع غزة، والانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية نتيجة الحصار والحرب.
واعتبر معدّا التحقيق أن هذه المشاهد المطلوبة كانت تهدف إلى إنتاج محتوى يعكس صورة مغايرة للواقع المأساوي، بما يسهم في دحض والتشكيك في التقارير الدولية.
وأكد التحقيق أن المصدر الفلسطيني رفض تزويد المنصة بالمواد المطلوبة، ولم يتم العثور على أي مقاطع مشابهة نُشرت عبر حسابات “جسور نيوز” خلال تلك الفترة.
التغطية المشبوهة بمناطق الاحتلال
كشف التحقيق أن “جسور نيوز” كانت من بين الوسائل الإعلامية القليلة التي سُمح لها بالعمل داخل مناطق في رفح الشرقية تخضع لسيطرة جيش الاحتلال، وهي مناطق مُنع من الصحفيون الفلسطينيون الوصول إليها ومعظم وسائل الإعلام الدولية والإسرائيلية.
وجاء صعود المنصة في الظهور قرب نهاية عام 2025 عندما بدأت في تقديم تقارير منتظمة من داخل أجزاء من غزة، ونشرت سلسلة تقارير ومقابلات حصرية مع قادة مجموعات فلسطينية مسلحة مناهضة لحماس تتلقى دعماً وتسليحاً من إسرائيل، ومنهم قائد ميليشيا “القوات الشعبية” العميلة ياسر أبو شباب قبل مقتله، وشخصيات أخرى مثل شوقي أبو نصيرة وحسام الأسطل.
كما نشرت تقريراً قارنت فيه بشكل مباشر بين ممارسات الاعتقال والتعذيب في سجون حماس في غزة وسجون نظام الأسد في سوريا، تحت عنوان “لا يختلف عن سجن صيدنايا” (المسلخ البشري).
وفي المقابل، يوضح التحقيق أن المنصة لم يسبق لها نشر أي تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة واسعة النطاق التي يتعرض لها الفلسطينيون والسوريون في السجون الإسرائيلية ومراكز الاعتقال العسكرية.
ويرى أن هذا التوجيه يهدف لتقديم هذه التشكيلات المسلحة كبديل محلي لحركة حماس في قطاع غزة، تماشياً مع الرؤية الإسرائيلية لإدارة القطاع بعد الحرب.
الاجتماع السري في قبرص
كشفت الوثائق المسربة تفاصيل اجتماع سري عُقد في قبرص خلال سبتمبر 2025، بمشاركة باحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وصحفيين وباحثين ومؤثرين من “إسرائيل” والأردن، إضافة إلى نائب السفير الإسرائيلي لدى الأردن. ونظم الاجتماع كل من مركز (CPC) وقناة “جسور” بقيادة جوزيف براود وفريقه، وركز على مناقشة سبل تحسين صورة إسرائيل داخل الأردن، وإنتاج محتوى إعلامي موجه للجمهور الأردني.
وأشارت الوثيقة إلى أن غالبية المشاركين الأردنيين يشاركون بصورة علنية أو غير علنية في أنشطة “جسور”، وأن المجتمعين اتفقوا على تشكيل فرق عمل لإنتاج مقاطع فيديو تستهدف دحض نظريات المؤامرة المعادية لإسرائيل، ونشر مواد تتضمن شخصيات “إسرائيلية” تشيد بالعلاقات مع الأردن والأسرة الحاكمة.
مخططات التشويه والردود الممتنعة
يعود تأسيس المنصة إلى الأفكار الواردة في كتاب أصدره جوزيف براود عام 2019 بعنوان: “سياسة ثقافية للشراكة العربية الإسرائيلية”، دعا فيه إلى إطلاق حملة إعلامية وثقافية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الثقافي العربي لصالح الشراكة مع “إسرائيل”، من خلال التعاون مع حكومات وأجهزة أمنية ومؤسسات إعلامية محلية، وتحولت أفكار الكتاب لاحقاً إلى مشاريع عملية برزت من خلال إطلاق وتوسيع منصة “جسور نيوز”.
وفي ختام التحقيق، نقل الكاتبان عن متعاونين سابقين مع المنصة في سوريا وغزة صدمتهم؛ إذ أكدوا أنهم لم يكونوا على علم بعلاقات “جسور” بمركز (CPC) أو بالوثائق الاستخبارية الإسرائيلية، وظنوا أنهم يعملون لجهة مستقلة تؤمن بحرية التعبير.
وعند مواجهة الأطراف المعنية، رفضت رئيسة التحرير هديل عويس الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بتمويل المنصة أو مضمون الوثائق المسربة، مكتفية بالقول: “جسور نيوز ” تفخر بإيصال أصوات جرى إسكاتها في أنحاء العالم العربي، وتقف وراء جميع تقاريرها الصحفية”.
كما رفض جوزيف براود التعليق على الوثائق، واعتبر أن مركزه يعمل لتعزيز التنمية والسلام الإنساني دون التطرق لطبيعة العلاقة بالأمن الإسرائيلي.
ويتناقض رفض المنصة الكشف عن مصادر تمويلها وإصرارها على الاستقلالية مع ما كتبه براود في كتابه عام 2019 حول أهمية “تشويه سمعة الجهات المعادية”، والذي أكد فيه أن هذا المخطط “يستلزم إعداد ملفات لكل قناة مستهدفة، لا تقتصر على وصف محتواها فحسب، بل تشمل أيضاً تحقيقاً في ملكيتها وهيكلها الإداري وموظفيها”.
يكشف هذا التحقيق المدعم بالوثائق المسربة الوجه الجديد لمعارك السيطرة على الوعي وصناعة الرأي العام في الفضاء الرقمي العربي، فلم تعد الرسائل السياسية الموجهة تأتي عبر قنوات رسمية أو ناطقين عسكريين علنيين، بل باتت تتسلل بذكاء عبر منصات رقمية تخفي هويتها التمويلية خلف لافتات جاذبة وبرامج تفاعلية قصيرة ترفع شعار “صوت الشارع”.
إن انكشاف الروابط الوثيقة بين منصة تحظى بملايين المشاهدات ومراكز تخطيط أمني إسرائيلية يضع المتلقي العربي وصنّاع الإعلام الملتزم أمام مسؤولية مضاعفة للتحقق من ملكية ومصادر تمويل الشبكات الإخبارية، حماية للوعي العام من الاختراق المنظم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقراءة التقرير الأصلي من المصدر اضغط هنا




