المرصد

ذاكرة الدم والنار في فضاء رقمي مفتوح: إطلاق أكبر أرشيف تفاعلي لتوثيق الحرب على غزة

  • منصة مستقلة تجمع أكثر من 82 ألف مادة مرئية وفوتوغرافية تتيح البحث والتحميل المنفصل دون قيود
  • إتاحة الخرائط التفاعلية والتحقق الجغرافي بأرشفة ذكية تعتمد التسلسل الزمني وتتجاوز مقص الرقابة وخوارزميات الحظر
  • المشرفون على المشروع يستعينون بتقنية الـ “Torrents” لحماية الإرث البصري لشهود العيان ومصوري الميدان

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

في خطوة نوعية تهدف إلى كسر قيود الحجب الرقمي وتوفير مرجعية بصرية غير خاضعة لرقابة المنصات الكبرى، أعلن تقنيون وناشطون إعلاميون عن إطلاق منصة رقمية مستقلة تحت اسم      (ArchiveGenocide.com)  

تمثل هذه المنصة أكبر أرشيف رقمي مفتوح المصدر ومخصص بالكامل لتوثيق مجريات الحرب على قطاع غزة، وتتيح للباحثين، والصحفيين، والمؤسسات الحقوقية الدولية، فرصة الوصول المباشر والآمن لآلاف المواد الميدانية ودراستها دون تكبد عناء تحميل قواعد البيانات الضخمة والمعقدة.

ويأتي هذا التحرك التقني والإعلامي في وقت واجه فيه المحتوى الفلسطيني عبر الفضاء الرقمي موجات غير مسبوقة من التقييد، والحذف الممنهج، وخوارزميات الظل الشديدة (Shadowbanning) على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى.

ووفقاً لخبراء إعلاميين، فإن المنصة الجديدة لا تقدم مادة علمية أكاديمية بقدر ما تمثل أدوات رصد مهنية وحقلاً إعلامياً حياً يجمع الشتات البصري للمواد التوثيقية القادمة من الميدان، ويضعها في سياق تنظيمي يخدم الحقيقة الصحفية والعدالة القانونية.

رأس جبل الجليد.. غزة مرآة الأرقام

تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن القائمين على مشروع المنصة عن حجم الجهود المبذولة في الفهرسة والمعالجة الفنية، حيث جُمعت المواد من أكثر من 300 صحفي ومصدر ميداني خاطروا بحياتهم لتوثيق الوقائع.

ويتضمن الأرشيف في مرحلته الحالية المتاحة للجمهور إحصائيات دقيقة تترجم فظاعة المشهد على الأرض، منها 64,537 مقطع فيديو مؤرشف ومُعالج فنيًا، و17,905 صورة فوتوغرافية توثيقية بجودة عالية، بالإضافة إلى إحصائيات حية متصلة بقاعدة بيانات تفاعلية لأسماء الضحايا لتوثيق الهوية الإنسانية خلف الأرقام الصماء.

وأكد المشرفون على الأرشيف أن هذه الأرقام ليست نهائية، بل تمثل مرحلة أولى، مؤكدين أن عمليات التدقيق والفرز مستمرة على مدار الساعة لإضافة مئات المواد الأخرى التي تتدفق تباعاً، غير أن ضخامة الحجم الفني للمحتوى وحساسيته الأمنية والقانونية تتطلبان وقتاً إضافياً لضمان سلامة البيانات وجودتها الفنية.

أدوات متطورة لخدمة التحقيق الصحفي

يتجاوز موقع (ArchiveGenocide.com) فكرة “المستودع الرقمي الساكن” ليتخذ طابع المنصة التفاعلية الديناميكية، ومن منظور الدراسات الإعلامية الرقمية، توفر المنصة حزمة من الميزات التكنولوجية التي تسهل عمل غرف الأخبار ووحدات التحقق من المصادر المفتوحة (OSINT)، ومن أبرزها:

– التحميل المنفصل والمرن: تتيح المنصة للمستخدمين إمكانية استعراض وتحميل أي مقطع فيديو أو صورة بشكل مستقل ومنفصل، مما يلغي الحاجة لتحميل الأرشيف كاملاً، وهي معضلة طالما واجهت أطقم العمل الصحفي والحقوقي.

– فهرس ذكي وقابل للبحث: تزويد المنصة بمحرك بحث داخلي يعتمد على الكلمات المفتاحية والتصنيفات، مما يتيح الوصول السريع إلى الأحداث، والمجازر، والمناطق المستهدفة في ثوانٍ معدودة.

– التحقق والتوثيق الجغرافي: ربط المواد المنشورة ببيانات جغرافية دقيقة تحدد موقع التقاطها، وهو ما يمنح المادة مصداقية عالية أمام المحافل القانونية الدولية، ويقطع الطريق على محاولات التشكيك أو التزييف.

– الخريطة التفاعلية والزمنية: توفير خريطة تفاعلية حية تُحدث بشكل مستمر، لتربط بين المادة البصرية وموقعها الجغرافي تزامناً مع التسلسل التاريخي للأحداث، مما يتيح للمراقب فهم جغرافيا الحرب ومساراتها المتغيرة.

استراتيجية حماية الذاكرة من الإبادة الرقمية

وفي لفتة تعكس الوعي بالمهددات السيبرانية ومحاولات الاختراق أو الحجب، دعا القائمون على المشروع جموع المستخدمين والنشطاء إلى المساهمة الفعالة في حماية هذا الإرث البصري عبر تقنيات التخزين اللامركزي وتوزيع البيانات من خلال ملفات التورنت (Torrents)  ، حيث  تضمن هذه التقنية بقاء الأرشيف حياً ومتاحاً للجميع حتى في حال تعرض الخوادم المركزية للموقع الإلكتروني للهجوم أو الإغلاق القسري.

ويمثل إطلاق منصة (ArchiveGenocide.com) نقلة نوعية في الإعلام الحربي التوثيقي، إذ يعيد صياغة مفهوم “الأرشفة الشعبية والمستقلة” في مواجهة السرديات الكبرى الموجهة، كما يمثل محاولة جادة لبناء مرجع إعلامي وحقوقي صلب لا يمكن محوه، ليظل شاهداً تاريخياً متاحاً للأجيال القادمة ولطاولات العدالة الدولية على حد سواء.

وقد جاء في بيان القائمين على المشروع: “إن بقاء هذه المواد وإتاحتها للضمير العالمي هو معركة إعلامية بحد ذاتها، ونوجه تحية إجلال وفخر لكافة الصحفيين، والمصورين، والناشطين الميدانيين الذين خاطروا بأرواحهم، وتحدوا الرصاص والحصار لإخراج هذه المواد من غزة وتوثيق الحقيقة عارية كما جرت على الأرض.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى