تآكل سرديات “الذكاء الاصطناعي” رغم الإنفاق الخيالي.. “إسرائيل” تفشل في غسل وعي الأمريكيين
- تصاعد النظرة السلبية لـ”إسرائيل” لدى 60% من الأمريكيين بسبب حرب الإبادة في غزة
- “هآرتس” تكشف ضعف التفاعل الرقمي وتواضع أعداد المتابعين لحملات التأثير الحكومية
- النظرة السلبية باتت غالبة بين الفئات العمرية الشابة بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية
- تراجع قدرة الدعاية “الإسرائيلية” التقليدية على التضليل بعد لفظها من المجتمع الأميركي
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
في ظل تراجع نفوذها التاريخي وتصاعد السخط الشعبي داخل الولايات المتحدة بسبب حرب الإبادة في غزة، وجدت “إسرائيل” نفسها أمام مأزق إستراتيجي يهدد ركائز دعمها المالي والسياسي.
ولمواجهة هذا الانهيار المتسارع في صورتها العامة، لجأت تل أبيب إلى استراتيجيات هجومية مكثفة شملت حملات دعائية رقمية ضخمة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتجييش شبكات من الوكلاء والشركات، غير أن الوثائق المسربة والتقارير الصحفية تؤكد أن هذه الماكينة الدعائية منيت بفشل ذريع، لتصطدم بتحول جذري وعميق في المزاج العام الأميركي لا سيما بين الأجيال الشابة، وسط تساؤلات جادة حول جدوى هذه المليارات المهدرة في استعادة تعاطف يتلاشى باستمرار.
ميزانيات ضخمة
كشفت تقارير صحفية، أبرزها ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، عن إطلاق “إسرائيل” حملة واسعة النطاق تستهدف التأثير في الرأي العام الأميركي، عبر استخدام رسائل نصية مولدة بالذكاء الاصطناعي أُرسلت إلى ملايين الهواتف خلال الأشهر الماضية.
ووضعت الحكومة الإسرائيلية ميزانية هائلة تتجاوز 700 مليون دولار لعام 2026 لتوسيع جهود تحسين صورتها دولياً، بحسب ما أعلن عنه وزير الخارجية غدعون ساعر.
وفي السياق ذاته، استعانت الحكومة بست شركات تسويق وعلاقات عامة على الأقل، وسجلت نحو 36 شخصاً -معظمهم يعملون في مجال التسويق- كوكلاء أجانب لصالح “إسرائيل” في الولايات المتحدة.
ولم تتوانَ الدعاية الإسرائيلية عن استخدام أساليب مضللة؛ فمثلاً، دفع الكيان نحو مليوني دولار لوضع إعلانات على مواقع أمريكية تضمن بعضها تصريحات تحريضية للسفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن، مايكل أورن، ادعى فيها أن “الشباب المسلم يُعلَّمون أن أقدس ما يمكنهم القيام به هو طعن مسيحي في قلبه”، في محاولة مكشوفة لاستجداء تعاطف الشارع المسيحي الأميركي.
وثائق قانونية
على الرغم من ضخ الأموال، كشفت وثائق قانونية نشرتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في 22 يوليو 2026، عن فشل ذريع لحملات التأثير المُمولة حكومياً في الولايات المتحدة، موضحة أن الحملة -التي أُنشئت عبر عشرات الحسابات على منصات “إكس”، “فيسبوك”، “إنستغرام”، “تيك توك”، و”يوتيوب” لترديد الرواية الإسرائيلية بين أوساط اليمين الأميركي- لم تنجح في جذب متابعين أو تحقيق انتشار مؤثر؛ إذ لم يتجاوز عدد متابعي أنجح حساباتها 855 شخصاً، واقتصر التفاعل على نطاق ضيق للغاية.
ورغم هذا الفشل، أقدمت “إسرائيل” على مضاعفة ميزانية إحدى أبرز هذه الحملات ثلاث مرات لتتجاوز 40 مليون دولار سنويًا (بينما تشير تقارير أخرى إلى اتفاقات بقيمة تتجاوز 45 مليون دولار يقودها براد بارسكيل، المستشار السابق لدونالد ترامب).
استهدفت هذه الحملة -الموجهة رسميًا تحت غطاء “مكافحة معاداة السامية”- أوساط اليمين والجمهوريين المسيحيين عبر شبكة مواقع إلكترونية ترجح كفة محركات البحث والذكاء الاصطناعي لصالح الرواية الإسرائيلية، وتروج لمحتوى يبرر الحرب على إيران، ويهاجم الأمم المتحدة وقطر ومنظمات حقوق الإنسان.
اتهامات واسعة
وقد أثارت هذه الأنشطة المشبوهة انتقادات وشكوكا داخل الأوساط اليمينية نفسها، ودفعت بنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى التصريح بأن “إسرائيل” تخسر معركة الرأي العام.
وفي بودكاست “جو روغان إكسبيرينس”، اتهم فانس مسؤولين إسرائيليين بمحاولة التأثير المباشر في الرأي العام الأميركي وتقويض جهود إنهاء الصراع مع إيران لإبقاء الحرب مستمرة.
اعتمدت هذه الحملات على أساليب خداع ناعمة، شملت إرسال رسائل للأميركيين عبر منظمة تحمل اسم “أصدقاء من أجل السلام”، ومن خلال حسابات وهمية بأسماء نسائية مثل “إيما” و”سارة”، تطرح أسئلة استدراجية حول العلاقات الثنائية والمحادثات مع إيران.
وفي المقابل، يدافع مؤيدو هذه الحملات عنها باعتبارها رداً ضرورياً على ما يصفونه بحملات تضليل تقودها إيران والحركات المناهضة لـ “إسرائيل.”
تراجع حاد
تتزامن هذه الإخفاقات الدعائية مع تحول جذري في نظرة الشارع الأميركي؛ إذ أظهر استطلاع لمؤسسة “بيو” أن نحو 60% من الأميركيين ينظرون إلى “إسرائيل” بصورة سلبية، مرجعين ذلك أساساً إلى إبادة غزة وتداعيات التصعيد مع إيران.
وقد تصاعد هذا الاتجاه السلبي صعوداً ملحوظاً من 43% في مارس 2022 إلى 53% في أبريل 2025، وصولاً إلى النسبة الحالية.
والأكثر لفتًا للانتباه هو أن هذه النظرة السلبية باتت هي الغالبة بين الفئات العمرية الشابة (بين 18 و49 عاماً) بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، إضافة إلى أن 59% من الأميركيين لا يثقون في قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على اتخاذ قرارات صحيحة.
وفي مؤشر صارخ على كسر المحرمات الإعلامية، بلغ عدد مشاهدات فيديو عمدة نيويورك، زهران ممداني، وهو يسرد جرائم نتنياهو ويؤكد تمنيه اعتقاله (لو امتلك الصلاحية القانونية)، نحو 70 مليون مشاهد أمريكي. ويرى المراقبون أن وصول هذا الخطاب إلى هذا الرقم الضخم في معقل اللوبي الصهيوني والدولة المُموّلة والمسلحة لـ “إسرائيل” يعكس تحولاً استثنائياً لا يمكن تجاهل دلالاته العميقة.
جذور الأزمة
يُعزى هذا التحول إلى عوامل بنيوية وتاريخية أعمق من مجرد الخلافات السياسية العابرة بين الحكومات، فالتوتر المتكرر بين نتنياهو ورؤساء أميركيين متعاقبين (كلينتون، بوش الابن، أوباما، وتورط ترامب في تباينات علنية مؤخراً أدت لإلغاء نتنياهو زيارته لواشنطن بعد تعثر ترتيبها) يعكس هوة متسعة بين القيادات.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، ريتشارد بيتس، أن السياسة الأميركية تجاه “إسرائيل” لم تعد تُحسم بالعلاقات الشخصية أو الحسابات الاستراتيجية الضيقة، بل باتت رهينة اتجاهات الرأي العام.
وأشار بيتس إلى أن الدعم المطلق لـ “إسرائيل” بعد الحرب العالمية الثانية وحرب 1967 كان يُنظر إليه كـ “واجب أخلاقي” في ظل غياب أي لوبي عربي مؤثر، غير أن الأجيال الأميركية الجديدة باتت خالية من ذلك الإرث النفسي والسياسي، وتأثرت بعمق بما ترتكبه “إسرائيل” في غزة.
رغم ذلك، يرى بيتس أن النخب السياسية التقليدية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا تزال تحافظ على الانحياز التلقائي لـ “إسرائيل”، إذ لم يبرز حتى الآن مرشح رئاسي يتبنى دعوة جذرية لتغيير مسار المساعدات الأميركية أو وقف الدعم الدبلوماسي.
ورغم صعود أصوات برلمانية منتقدة، إلا أن المعركة الحقيقية تدور رحاها في عمق المجتمع الأميركي الذي بات يلفظ السردية الإسرائيلية تدريجياً، معلناً بداية عهد جديد تفقد فيه الدعاية التقليدية قدرتها على التضليل.
وتؤكد المعطيات الراهنة أن محاولات غسيل الوعي التي تقودها “إسرائيل” باتت عاجزة عن ردم الهوة المتسعة بين دوائر صنع القرار التقليدية والمزاج الشعبي المتغير في الولايات المتحدة.
ومع تآكل المصداقية واصطدام الملايين من أموال الدعاية بوعي جمعي ناشئ يرفض سياسات الإبادة والتصعيد، تتكشف هشاشة السردية الإسرائيلية أمام الرأي العام الأميركي.
هذا التحول البنيوي ينذر بتحولات بعيدة المدى في طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، مما يجعل رهان تل أبيب على الحملات المضللة مجرد محاولة خاسرة لإيقاف مسار تاريخي يتحتم تجاوزه.




