مقالات

الصورة في زمن الحرب.. حين تصبح الحقيقة ضحيةً للتزييف

حنان عطية

مع التقدم المذهل في عالم التداول المعلوماتي، أصبحت الصورة الناقل الأسرع والأكثر حضورًا لتفاصيل الأحداث، وبات الحدث الذي يخلو من صورة أو مشهد بصري يفتقد- في نظر كثير من المتلقين- جانبًا من جوانب الإثبات والمصداقية والتأثير.

فلم تعد الصورة مجرد شاهد صامت على ما جرى، بل تحولت إلى عنصر فاعل في صناعة الخبر وتشكيل الوعي به، حتى غدت في أحيان كثيرة أقرب إلى أن تكون الحدث ذاته.

وقد شهد الواقع الإعلامي المعاصر صعودًا لافتًا للصورة على حساب الكلمة الخبرية؛ فهي تنفذ إلى المتلقي في لحظة، وتختصر مشهدًا كاملًا في إطار واحد، وتستثير المشاعر قبل أن يبدأ العقل في تحليل التفاصيل. فالخوف والفرح والصدمة والمأساة والانتصار، كلها مشاعر تستطيع الصورة أن تستدعيها بضغطة بصرية خاطفة، بينما تحتاج الكلمة إلى وقت أطول كي تبني أثرها وتشرح دلالاتها.

ولعل قوة الصورة تكمن، قبل كل شيء، في قدرتها على منح الحدث إحساسًا بالراهنية والحضور؛ فحين يرى المتلقي مشهدًا من قلب الحدث، يشعر بأنه يقترب منه ويعاينه، لا أنه يتلقى رواية عنه.

ومن هنا نشأت تلك العلاقة النفسية بين الرؤية والتصديق؛ إذ يبدو ما تراه العين أكثر رسوخًا في الوعي مما تنقله الكلمات. غير أن هذه المصداقية الظاهرية تحمل في داخلها مفارقة خطيرة؛ فقد تكون الصورة صادقة في تفاصيلها، لكنها مضللة في سياقها، وقد يكون المشهد حقيقيًا، بينما تكون الرواية التي أُحيط بها زائفة.

الصورة والتحول الرقمي

عمّقت المنصات الرقمية هذا التحول؛ إذ أصبح المحتوى البصري أكثر قدرة على جذب الانتباه والانتشار، في عالم تتنافس فيه الأخبار على ثوانٍ معدودة من وقت المتلقي. وفي فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الصورة والفيديو بوابة العبور الأولى إلى الخبر، بينما قد يتراجع النص الطويل أمام سرعة التصفح وتدفق المحتوى.

لكن تعاظم سلطة الصورة لا يعني سقوط الكلمة؛ فالصورة- مهما بلغت قوتها- تظل أسيرة اللحظة التي التقطتها والإطار الذي احتواها. إنها تخبرنا غالبًا بما حدث، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن الأسئلة الأهم: لماذا حدث؟ ومن يقف وراءه؟ وما خلفياته؟ وما نتائجه وأبعاده السياسية، والقانونية، والاقتصادية، والاجتماعية؟

هنا تستعيد الكلمة الخبرية مكانتها؛ فهي التي تمنح الصورة سياقها، وتربط اللحظة بجذورها، وتضع الحدث في إطاره الزمني والسياسي والإنساني. وهي الأداة التي تستطيع نقل الأفكار المجردة، وشرح القرارات والتشريعات والاتفاقات والتفاهمات، وتقديم الأرقام والوقائع التي لا تستطيع عدسة الكاميرا اختزالها في مشهد.

بل إن التحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق أعادت النظر في مقولة إن «العين لا تكذب»؛ فالصورة لم تعد دليلًا نهائيًا بذاتها، وأصبح التحقق من مصدرها وزمنها وسياقها ضرورة لا تقل أهمية عن التحقق من صحة النص ومصدر المعلومة.

الحرب.. معركة أخرى على الصورة

في الحروب والصراعات، لم تعد المعركة تدور على الأرض فقط؛ فثمة معركة أخرى تدور في فضاء الصورة والمعلومة والرواية، وهو ما أفسح المجال أمام ما يمكن تسميته بـ “معركة الصورة”.

وفي هذه المعركة، قد تتحول الصورة من شاهد على الجريمة إلى أداة لصناعة رواية عنها، وقد تُستخدم صورة مفبركة أو مشهد مصطنع، لا لإثبات واقعة لم تحدث فحسب، وإنما لتهيئة الرأي العام لمعركة أكبر على الحقيقة نفسها.

ومن أخطر الأساليب التي مارسها الاحتلال الصهيوني – على سبيل المثال – ترك الصور المضللة تنتشر بين الجمهور ووسائل الإعلام؛ فالغاية قد لا تكون الخداع الآني وحده، وإنما زرع الشك في المجال المعلوماتي، بحيث تصبح الحقيقة، عندما تظهر لاحقًا، أسيرةً للشك الذي زرعته الصورة المفبركة الأولى.

وعندئذ يصبح من السهل على مرتكب الجريمة الحقيقية أن يقول: إذا كانت هذه الصورة مفبركة، فكل الصور الأخرى مفبركة أيضًا؛ وإذا ثبت كذب رواية واحدة، فلماذا نصدق الروايات التي تتحدث عن الضحايا والقتلى والمجازر؟

وهكذا لا تعود المعركة حول إثبات واقعة بعينها، بل تنتقل إلى مستوى أخطر: إسقاط الثقة في الأدلة كلها.

إن أخطر ما تفعله الصورة المزيفة ليس أنها تكذب بشأن حدث لم يقع، وإنما أنها قد تسرق المصداقية من حدث وقع بالفعل. فالقاتل لا يحتاج دائمًا إلى إقناع العالم بأن الجريمة لم تقع؛ يكفيه أحيانًا أن يجعل العالم غير قادر على معرفة ما إذا كانت قد وقعت أم لا.

وحين تختلط الصور الحقيقية بالمفبركة، والوقائع بالشائعات، والمقاطع الحديثة بالقديمة، تصبح الضحية مطالبة بإثبات موتها، والشاهد مطالبًا بإثبات شهادته، والصورة مطالبة بإثبات أنها صورة. وهنا تتحول حرب المعلومات إلى معركة على حق العالم في تصديق الحقيقة.

غزة.. الصورة في قلب معركة الروايات

لم تكن غزة بحاجة إلى صور مزيفة لتروي حجم الكارثة؛ فالواقع نفسه كان أكثر قسوة من أي صورة يمكن اختلاقها. آلاف القتلى والجرحى، وأحياء سُويت بالأرض، ومستشفيات امتلأت بالمصابين، وملايين النازحين، فيما كانت عدسات الصحفيين وهواتف المواطنين توثق ذلك على مدى شهور.

لكن معركة أخرى بدأت منذ الساعات الأولى للسابع من أكتوبر، وهي معركة الصورة والرواية التي بدأها الصهاينة بنشر وتوزيع صور غير حقيقية لضحايا صهاينة، لصناعة أسبقية روائية قبل أن تبدأ الإبادة في غزة.

وأدرك الاحتلال الصهيوني أن المعركة لا تدور على الأرض وحدها، وإنما في وعي العالم أيضًا؛ ولذلك تحولت الصورة إلى أداة مركزية في تقديم روايته عن الهجوم والمقاومة. وبدأت في الأيام الأولى للحرب رواية «الأربعين طفلًا رضيعًا» الذين زُعم أن حماس قطعت رؤوسهم، ثم ظهرت مواد بصرية مضللة تخدم الرواية نفسها.

إلا أن الحقيقة والوقائع تؤكد أن ما حدث ويحدث في غزة لا يحتاج إثبات الكارثة إلى صورة مصطنعة؛ فملايين الصور الحقيقية والشهادات والتقارير توثقها. ولذلك كانت المعركة الأساسية على الصورة هي معركة تفسير الحدث، وتحديد المسؤولية، وصناعة صورة الخصم.

كيف نكشف زيف الصورة؟

في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يصنع مشهدًا لم يحدث، أو يأخذ صورة حقيقية ويمنحها قصة كاذبة، أصبح التعامل مع الصورة الخبرية يحتاج إلى عين ترى، وعقل يشكك، وأدوات تبحث عن الحقيقة خلف الإطار.

ولهذا فإن الصورة الصادمة لا ينبغي أن تكون سببًا كافيًا لتصديقها، بل سببًا إضافيًا للتحقق منها، خصوصًا عندما تكون مشحونة بالغضب أو الخوف أو الانتصار. فكلما كانت الصورة أكثر إثارة للمشاعر، ازدادت الحاجة إلى التمهل قبل تداولها.

ومن أهم مفاتيح التحقق التأكد من المكان الذي التُقطت فيه الصورة؛ فالتفاصيل الصغيرة التي قد تمر على العين العابرة يمكن أن تكون بمثابة بصمة للمكان: شكل مئذنة مسجد، أو واجهة مبنى، أو تصميم عمود إنارة، أو طريق، أو جسر، أو شجرة مميزة، أو سلسلة جبلية تظهر في الأفق.

ويمكن مقارنة هذه المعالم بالخرائط والصور الجوية المتاحة، لمعرفة ما إذا كان المكان الظاهر في الصورة يطابق المكان الذي تنسب إليه الرواية.

ولا يقتصر الأمر على معالم المكان؛ فالشمس نفسها يمكن أن تتحول إلى شاهد. فاتجاه الظلال وطولها قد يساعدان في تقدير وقت التقاط الصورة. فإذا زعمت الرواية أن المشهد وقع عند الفجر، بينما تشير الظلال واتجاه الضوء إلى وقت متأخر من النهار، فإن هناك خللًا يستحق التوقف عنده والتحقيق.

التفاصيل الصغيرة قد تفضح الصورة

قد تبدو الصورة المصطنعة للوهلة الأولى متقنة إلى درجة يصعب معها اكتشاف التلاعب، لكن التفاصيل الدقيقة قد تكشف ما حاول صانعها إخفاءه؛ فقد تظهر تشوهات في أصابع اليد، أو أخطاء في ملامح الوجه، أو تفاصيل جسدية لا تنسجم مع طبيعة المشهد.

وقد تظهر علامات أخرى في الخلفيات، مثل الكتابات المشوهة على اللافتات، أو الحروف التي تبدو بلا معنى، أو أنماط متداخلة بصورة غير منطقية في الملابس والأسطح، أو أسوار ومبانٍ تتكرر تفاصيلها بطريقة غير طبيعية.

لكن هذه العلامات ليست أحكامًا قاطعة، وإنما مؤشرات تستدعي مزيدًا من الفحص؛ فالتقنيات الحديثة تتطور بسرعة، وبعض الصور المصطنعة أصبحت أكثر إقناعًا من أن تُكشف بمجرد النظر إليها.

لا تصدق الصورة وحدها

الحقيقة الصحفية لا تُبنى من صورة منفردة، وإنما من تقاطع الأدلة. فإذا نسبت صورة إلى حادثة وقعت في وقت محدد، فمن المهم مقارنة الرواية مع الأخبار المنشورة في الوقت نفسه، وشهادات شهود العيان، والصور الأخرى التي التُقطت من المكان، والبيانات الرسمية أو التقارير المستقلة.

ويمكن كذلك الاستعانة بالظروف الجوية؛ فإذا كانت الصورة تزعم وقوع أمطار غزيرة في مدينة ما في يوم معين، فإن مراجعة سجلات الطقس لذلك اليوم قد تساعد في تأكيد الرواية أو إثارة الشك حولها.

ومن المهم أيضًا البحث عن المصدر الأول للصورة: من نشرها أولًا؟ ومتى؟ وهل كان موجودًا في موقع الحدث؟ وهل نشر صورًا أخرى من المكان نفسه؟ وهل الحساب الذي نشرها معروف وموثوق، أم أنه حساب حديث مجهول الهوية؟

فالوصول إلى المصدر الأول قد يكشف أحيانًا أن الصورة ليست من الحدث أصلًا، وإنما صورة قديمة أُعيد استخدامها، أو صورة من بلد آخر، أو مشهد حقيقي أُعطي تعليقًا جديدًا لخدمة رواية معينة.

الكلمة.. الحصن الأخير للصورة

ومع كل هذا التعاظم في سلطة الصورة، لا يمكن للصحافة أن تستغني عن الكلمة؛ فالصورة تلتقط لحظة، لكنها لا تشرح وحدها لماذا حدثت، ومن يقف وراءها، وما خلفياتها، وما نتائجها السياسية والقانونية والإنسانية.

ولهذا فإن العلاقة بين الصورة والكلمة ليست علاقة صراع ينتهي بانتصار إحداهما على الأخرى، وإنما هي علاقة تكامل. فالصورة هي بوابة الخبر؛ تمنحه حضوره وحرارته وقدرته على جذب الانتباه، بينما الكلمة هي بناء الخبر؛ تمنحه المعنى، والسياق، والتفسير، والعمق.

الحقيقة لا تسكن في صورة واحدة

في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع مشهدًا لم يحدث، وتستطيع فيه صورة حقيقية أن تُنتزع من سياقها وتُمنح قصة كاذبة، لم يعد السؤال الصحفي هو: «هل لدينا صورة؟»، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من أين جاءت الصورة؟ ومتى التُقطت؟ وأين؟ ومن التقطها؟ وهل تتوافق مع الوقائع الأخرى؟ وهل يمكن التحقق منها عبر مصادر مستقلة؟

فالصورة قد تكون بداية التحقيق، لكنها لا ينبغي أن تكون نهايته؛ فالحقيقة لا يصنعها إطار واحد، وإنما تتشكل من تلاقي الصورة مع الشهادة، والموقع مع الزمن، والوثيقة مع السياق، والمصدر مع مصادر أخرى مستقلة.

فقد كان يقال قديمًا: «الصورة لا تكذب»، أما في عصر التزييف الرقمي، فقد أصبح الأصح أن نقول: الصورة قد تكذب، لكن الحقيقة لا ينبغي أن تُترك للصورة وحدها. وليست كل صورة دليلًا، وليست كل صورة مفبركة كذبة كاملة؛ فأخطر التضليل هو ذلك الذي يأخذ شيئًا حقيقيًا، ثم يمنحه مكانًا أو زمانًا أو قصة لم تكن له.

ولهذا فإن حماية الحقيقة تبدأ من لحظة بسيطة: أن نتوقف قبل أن نشارك، وأن نسأل قبل أن نصدق، وأن نتحقق قبل أن نحكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى