رئيس “علماء المسلمين”: الإعلام هو “الجهاد الكبير”.. وأحداث غزة هدمت السردية الغربية
الدكتور علي القرة داغي في حوار لـ”مركز إنسان”:
- القرآن الكريم سَبَقَ العالم في بيان أهمية الرسالة الإعلامية ووصفِها بـ “الجهاد الكبير” قبل تشريع القتال
- الإعلام الإسلامي لا يزال يعيش أزمة انكفاء على الذات ويخاطب المسلمين وحدهم بدلاً من اختراق الفضاء العالمي
- المال والحرية ركيزتان أساسيتان لبناء إعلام إسلامي يمتلك الكفاءة والقدرة على مواجهة مراكز النفوذ العالمية
- هناك فجوة معرفية ولغوية عميقة بين الخطاب الدعوي التقليدي والأجيال الجديدة المستهلكة للتقنيات الرقمية
- الإنتاج الإسلامي يعاني تضخماً كمياً وتكراراً للأفكار في غياب التنسيق المشترك بين الدول العربية والمنظمات الإقليمية
- أطالب قادة دولنا بوضع استراتيجية شاملة للنهوض بالإعلام والدفاع عن قضايا الأمة ومحاربة الجهل والفقر
- إذا لم تتحرك الدول فالمسؤولية الشرعية تنتقل فوراً إلى العلماء والمفكرين والجماعات المعتدلة لملء الفراغ
- ضرورة التجديد المستمر في الخطاب الإعلامي مع الحفاظ على الثوابت لأنه مطلوب شرعا وعقلا وفطرة وواقعا
“إنسان للإعلام”- حوار: حامد راضي
دعا الدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الأمة الإسلامية وبخاصة القائمين على المشروع الإسلامي إلى بناء استراتيجية إعلامية شاملة وعابرة للقارات، تؤسس لنهضة حقيقية ترتكز على مفهوم “الجهاد الكبير” في الإعلام الذي جلاّه القرآن الكريم؛ كمقدمة ضرورية لتمهيد الأجواء وصناعة الوعي.
وأكد فضيلته، في حوار خاص لـ “مركز إنسان للدراسات الإعلامية”، أن أزمة الإعلام الإسلامي لا تكمن في غياب الحضور، بل في ضعف التأثير ومخاطبة الذات؛ مُرجعاً ذلك إلى غياب خطط استراتيجية مؤسسية قادرة على اختراق المجتمعات الغربية والشرقية بلغاتها الحية وأدواتها الحديثة، فضلاً عن ضعف الموازنات المخصصة لهذا الفضاء الحيوي مقارنة بغيره، وقصور وعي الممولين الذين يفضلون الأعمال الخيرية التقليدية على الاستثمار في صناعة الإعلام والوعي.
وشدد الدكتور “القره داغي” على أن التحولات الكبرى التي أعقبت “طوفان الأقصى” والإبادة الجماعية في غزة والضفة كشفت عن تآكل المنظومة الأخلاقية للغرب، وأحدثت يقظة غير مسبوقة في الرأي العام العالمي، مما يؤكد أن موازين القوى بدأت تتحرك.
وأوضح أن فاعلية هذا الصوت ومستقبله مرهونة بتوفر بيئة الحريات، والتنسيق والعمل المؤسسي الشامل لمواجهة الأفكار الدخيلة خارجيا، والتفكك الفكري والأسري داخلياً، والاستثمار الجاد في تقنيات الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي.، ودعا بقوة إلى تجديد الخطاب الإعلامي تجديدا شاملا مستمرا مع الحفاظ على ثوابته.
وفي ختام حديثه، وجّه الدكتور “القره داغي” رسائل محددة للقادة، والإعلاميين، والعلماء، والأغنياء، لرسم معالم خريطة الطريق الإعلامية القادمة.. وإلى تفاصيل الحوار:
- بالنظر إلى المشهد الإعلامي المعاصر، كيف تقيّمون موقع المشروع الإسلامي فيه؟ وهل يُعبّر هذا الموقع عن حضور حقيقي ومؤثر؟
هذا سؤال مهم حقيقةً، وأستطيع أن أقول: لا شك أن الإعلام مهم جداً، والقرآن الكريم سمّى الإعلام الذي ينشر الإسلام بالجهاد الكبير ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. وهذه الآية نزلت في مكة وليست في المدينة، ولم يكن القتال قد أُجيز أو أُذن به بعد: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
فالجهاد الكبير في نظر الإسلام هو جهاد الإعلام والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا نجد في القرآن وصف الجهاد بأنه “كبير” إلا لهذا الجهاد، وهذا أمر لافت يدل على سبق الإسلام في إدراك أهمية الإعلام.
ومنذ فترة وحتى اليوم اكتشفنا أهمية الإعلام، وكيف استطاع اللوبي الصهيوني من خلال الإعلام أن يجعل العالم الغربي بالذات، وحتى العالم الشرقي، تابعين له إلى حد كبير.
الحمد لله، الآن اختلفت الأمور قليلاً بسبب جرائمهم في غزة ولبنان وفي كل مكان؛ فقضية الإعلام مهمة جداً، ولو تابعنا هذا الوصف القرآني، لكان من المفترض أن تولي الأمة الإسلامية هذه العناية التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للجهاد الإعلامي.
- برأيكم، هل يدرك أصحاب المشروع الإسلامي اليوم هذه الأهمية القصوى للإعلام، ويعطونها حقها من العمل والاهتمام؟
مع الأسف الشديد، وبصراحة، لم يكن الاهتمام بالإعلام على مستوى العالم الإسلامي بالمستوى المطلوب، ولا بمستوى “الجهاد الكبير”، فإذا كانت مئات المليارات تُخصص الآن للجهاد القتالي، فكان من المفروض أن يُخصص جزء متناسب للجهاد الإعلامي؛ لأنه هو الذي يمهد الأجواء.
والغرب- إلى أن كُشفت الإبادة في غزة- كان يظن بنسبة كبيرة جداً أن اليهود مظلومون، وأن العرب ظالمون، وأن أرض فلسطين هي أرضهم، وأن الفلسطينيين غرباء. انظر كيف انقلبت الأمور، بينما العالم كله يعلم أنه لم يكن لهم وجود فيها منذ ألفي سنة، ولا سيما خلال القرون الأخيرة.
ولو نظرنا إلى الأمر من هذا الوجه، فلا أعتقد أن الإعلام العربي والإسلامي قد أثر التأثير المطلوب ، ما عدا بعض الوسائل المؤثرة ،ولكن الحمد لله انكشفت فضائح الصهاينة ، وأما بالنسبة للمشروع الإسلامي فلم ينل حظه من الإعلام أو أُعطِي الأهمية المناسبة لهذا الوصف العظيم في القرآن الكريم، وهذا لا يعني أنه لا يوجد لدينا إعلام، بل لدينا إعلام جيد لا بأس به، لكنه ليس على المستوى الذي يريده الله سبحانه وتعالى، ولا على المستوى الذي اكتشفه الأعداء وسيطروا علينا من خلاله.
- برأيكم، هل تكمن المشكلة الأساسية في ضعف التأثير الإعلامي نفسه، أم في الآليات والأدوات المتبعة لقياس هذا التأثير؟
أحسنتم، متى يكون الإعلام مؤثراً؟ عندما نتخذ جميع الوسائل الفنية والتقنية والمالية، وكذلك المؤثرات الصوتية واللغوية والبصرية، هذا مطلوب؛ فالتأثير من سنن الله سبحانه وتعالى، ولا يأتي فجأة، بل يأتي من خلال الأخذ بسنن الله في التأثير والسببية.
فلذلك أقول: إن التأثير ليس قوياً، لأننا لم نولِ الأسباب والوسائل والأدوات العناية الكافية. انظروا الآن مثلاً إلى قناة “الجزيرة”.. كيف وصلت إلى هذا المستوى الاحترافي؟ الحقيقة، قبل “الجزيرة”، كنا نأخذ معظم معلوماتنا من القنوات الأجنبية. ومنذ ظهور “الجزيرة” أصبح لدينا إعلام عربي مؤثر، ولكن “الجزيرة” وسيلة إعلامية عامة وليست مخصصة للمشروع الإسلامي، وإن كانت تخدمه بشكل أو بآخر، لكنها تمثل خيمة عامة.
ولو وُجدت وسائل إعلامية قوية للمشروع الإسلامي والدفاع عن الإسلام، فأنا أعتقد أن القضية كانت ستختلف، وأضرب لكم مثلاً: الذين هاجموا الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء عبر الرسوم المسيئة أو الأفلام المسيئة، أحدهم ــ وهو مخرج الفيلم المسيء وكان نائب رئيس حزب يميني هولندي ــ أسلم عندما تعرف على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
- انطلاقاً من هذا المثال، كيف تنظرون إلى الدلالات العميقة التي تحملها هذه الواقعة؟
هذا يدل على أننا لو أوصلنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل مؤثر ولائق إلى الغرب والشرق، لما حدث ما حدث من حرق القرآن أو الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا أكبر دليل على أننا لم نستطع بعد، ولا يزال إعلامنا الإسلامي يخاطب نفسه. نحن نخاطب المسلمين فقط، لكن أين خطابنا للعالم الخارجي؟ ليست لدينا لغة خاصة نخاطب بها العالم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
- في ظل التجاذبات الراهنة، إلى أي مدى تعتقدون أن الصورة الذهنية للمشروع الإسلامي قد صُنعت وشُكّلت من الداخل، أم أنها فُرضت وقُيدت بقوالب جاهزة من الخارج؟
بلا شك، كانت الصورة في السابق تُصنع من الخارج بشكل كبير جداً، أما اليوم فأعتقد أن هناك شيئاً من التقدم، وأستطيع أن أقول: إن الصورة بدأت تُصنع من الداخل أيضاً، ولكن لا يزال للخارج دور كبير في إعطاء الصورة المطلوبة عن المشروع الإسلامي.
لا يمكن إنكار أن الخطاب الإسلامي حاضر في الفضائيات والمنصات الرقمية، لكن هل هذا الحضور يُترجم فعلاً إلى تأثير؟ بلا شك له تأثير، لكن السؤال: إلى أي مدى؟ حتى داخل العالم الإسلامي نفسه لدينا مشكلات حقيقية، ولم يستطع الإعلام أن يصل إليها ويعالجها، مثل قضية التفكك الأسري، وقضايا الإلحاد، والشبهات التي تُثار حول الإسلام بشكل كبير.
هذه المشكلات لم تُحل، وبالتالي لا ننكر أن هناك إعلاماً، لكنه بصراحة ليس على المستوى المطلوب. نريد إعلاماً مؤثراً، قادراً على توصيل الفكرة والمعلومة والحلول والعلاج إلى داخل المجتمع الإسلامي وخارجه.
- هل نعاني اليوم في فضاء الإنتاج الفكري والإعلامي من أزمة تضخم كمّي في المقابل الضعف في الجودة والكيف، أم أن جذور المشكلة أعمق من ذلك بكثير؟
أعتقد أن ما تفضلتم به جزء من المشكلة، فعلاً هناك تكرار كبير جداً، حتى على مستوى الرسائل العلمية والدكتوراه والماجستير والبحوث، بل وفي بعض الأحيان توجد سرقات فكرية، وهذه مشكلة كبيرة.
وكذلك في الإعلام، هناك تكرار، وهذا يحتاج إلى تنسيق عام؛ ففي بعض الأحيان قد يُنتج مسلسل أو فيلم إسلامي، ثم نجد دولة أخرى أو جماعة أخرى تقدم العمل نفسه. ليس هناك تنسيق داخل العالم الإسلامي، ومع الأسف الشديد، لم تستطع الدول العربية أن تنسق لا في السياسة ولا في الإعلام، وكذلك منظمة التعاون الإسلامي، وإن كانت لها جهود لا شك فيها، لكنها جهود لا تُذكر أمام حجم المشكلات والتحديات.
- كيف تفسرون نجاح وبروز بعض النماذج الإعلامية والمنصات الفردية في تحقيق حضور واسع، في مقابل تعثر الكثير من المشاريع الإعلامية المؤسسية؟
لا شك أن هناك أشخاصاً استطاعوا تسخير الإعلام لمصلحة الدعوة والفكر الإسلامي، وهذا موجود والحمد لله، لكن هذه النجاحات ليست شاملة ولا كاملة، وعددهم محدود. نحن اليوم نتحدث عن ما يقارب ملياري مسلم، وبعشرات بل مئات اللغات، والدعاة الذين نجحوا، معظمهم نجح داخل اللغة العربية، والأمة العربية إذا قورنت بالأمة الإسلامية فهي نسبة محدودة، وإذا قورنت بسبعة مليارات إنسان فالنسبة أقل بكثير.
لذلك، نحن لا نريد أن يخاطب العربي عربياً آخر فقط، بل نريد خطاباً بالفارسية والكردية والأمازيغية وغيرها، وخطابا للمجتمعات الناطقة بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية والألمانية؛ فهذه اللغات العالمية لا نزال عاجزين عن إيصال رسالتنا إليها بالشكل المطلوب.
- في ظل التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة، هل ترون أن الخطاب الإسلامي المعاصر يمتلك القدرة والأدوات لمخاطبة الأجيال الجديدة باللغة والمفاهيم التي يفهمونها؟
حتى لا نظلم أحداً، هناك بعض الدعاة والعلماء والمفكرين نجحوا في مخاطبة الجيل الحاضر بلغته، لكنهم قلة.
أما الأكثرية فلا تزال تعيش داخل الدائرة التقليدية القديمة، وهذا قد يفيد النخبة، لكنه لا يفيد الجماهير العامة من الشباب والجيل الحالي، الذي يختلف تماماً عن جيلنا؛ فلغتهم مختلفة، وطريقة فهمهم مختلفة.
- ما الذي نحتاجه فعلياً لمد جسور التواصل مع هذه الأجيال وكسب عقولها وقلوبها؟
نحتاج بصراحة إلى خطة استراتيجية للأمة الإسلامية؛ لأن العالم اليوم أصبح كقرية واحدة، فلو وضعت جامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي استراتيجية شاملة، أو حتى لو بدأت دول الخليج مثلاً بمشروع مشترك، فهذا ممكن.
نحن بحاجة إلى جهود كبيرة، منظمة ومرتبة، يقودها خبراء، ويكون هدفها إيصال المشروع الإسلامي بكل أبعاده إلى الأجيال الجديدة باللغة والأدوات التي يفهمونها.
- إلى أي حد أثرت التحولات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الخطاب الإسلامي وتوجيه بوصلته؟
اليوم هذا الخطاب جديد بالنسبة للشباب، ومنذ سنوات قليلة أصبح الجيل متأثراً بالفضاء الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وعالم الإنترنت.
وحقيقةً، إلى الآن لم نستطع – كمسلمين- أن نضع الخطط الكافية لتوجيه أبنائنا من خلال هذه الصناعة الجديدة، صحيح هناك جهود جيدة من أفراد وبعض المؤسسات، لكننا لا نزال بحاجة ماسة إلى استثمار هذه الأدوات والتقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي بالشكل المطلوب.
- كيف تقرؤون طبيعة العلاقة القائمة بين الإعلام الإسلامي ومراكز النفوذ والقوة الإعلامية العالمية؟ وهل تصنفونها في إطار التنافس، أم أنها تعكس اختلالاً حاداً في موازين القوى؟
حالياً التوازن مختل؛ لأننا أضعف، مع الأسف الشديد، لكن أبشركم أن الموازين بدأت تتحرك لصالح المراكز الإسلامية الجادة والفكر الإسلامي، خاصة في ظل اليقظة الأخلاقية والسياسية التي ظهرت في الغرب، وبخاصة في أمريكا، نتيجة ما حدث في غزة والضفة والسجون.
هذه الأحداث نبهت العالم، وقبلها كان هناك تراجع واضح في المنظومة السياسية والأخلاقية الغربية، واليوم نرى نوعاً من اليقظة داخل الشعوب الغربية، وهذه من مبشرات الخير؛ حتى في فرنسا تغيّرت شعارات انتخابية نتيجة آثار “طوفان الأقصى” وردود الفعل على الإبادة.
ولذلك قلت في تغريدة سابقة: “إن نتنياهو يخدم مشروع هدم دولة إسرائيل، لأنه يسير في الاتجاه المعاكس”.
- عند المنعطفات الحادة والأزمات الكبرى، يرى البعض أن الصوت الإسلامي يبدو أقل حضوراً وأضعف فاعلية في التأثير على مجريات الأحداث.. كيف تفسرون ذلك؟
أنا لا أقول هذا دفاعاً عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لكن الاتحاد كان حاضراً بمواقف مشرفة وواضحة في قضايا غزة والحرب الأخيرة. وقد بينا أن هذه الحرب الصهيونية الأمريكية مدانة، ومخالفة للقيم والقوانين والإنسانية.
وكذلك فإن الرد الإيراني على دول الخليج والدول الإسلامية لم يكن له ما يبرره، بل أدى إلى مزيد من تفكيك الأمة، وكنا نأمل أن تجمع المصائب الأمة، لكنها للأسف زادت من تمزيقها.
- برأيكم، ما هي المقومات الأساسية التي يحتاجها الإعلام الإسلامي ليتجاوز واقعه الحالي ويكون أكثر فاعلية وتأثيراً في الساحة العالمية؟
يجب أن يكون ضمن استراتيجية شاملة، ولو كان لي رأي في هذا المجال، لطالبت الملوك والرؤساء والأمراء بوضع خطة استراتيجية للنهوض بالإعلام الإسلامي، والدفاع عن قضايا الأمة، من فلسطين إلى الفقر والجهل والاستبداد والتخلف العلمي والتقني؛ فالإسلام شامل، وهذه القضايا كلها مترابطة.
- إذا لم تتحرك الدول، هل تمتلك المجتمعات والمؤسسات الأهلية والمدنية القدرة والأهلية للنهوض بهذا الدور وملء الفراغ؟
بلا شك هذا واجب شرعي، فإذا لم تقم به الدولة، يجب على العلماء والإعلاميين والمفكرين والجماعات الإسلامية والأحزاب الوطنية والقومية المعتدلة أن يسعوا لملء هذا الفراغ بقدر المستطاع، لكن كما قال سيدنا عثمان رضي الله عنه: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”
ومع ذلك، هناك مشاريع فردية ومؤسسية جيدة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدعم، لأن الإعلام يحتاج إلى المال، والإعلام بطبيعته مستهلك في بداياته.
وللأسف، الفكر الإسلامي أصابه خلل في هذا الجانب؛ إذ أن الأغنياء مستعدون لبناء المساجد وكفالة الأيتام، وهذا خير، لكنهم لا يدعمون الإعلام بالقدر الكافي، رغم أن الإعلام هو “الجهاد الكبير”.
- بالانتقال إلى البيئة التشغيلية للإعلام، ما أثر القيود السياسية والقانونية على فاعلية الإعلام الإسلامي وقدرته على المنافسة؟
الإعلام لا يزدهر إلا في ظل الحرية، والقرآن أشار إلى ذلك في أول ما نزل من الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
وفي نظري، ميزان القراءة يقوم على كفتين: الأولى: أن تكون القراءة باسم الربوبية، أي في إطار الإيمان والأخلاق، والثانية: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، أي أن تكون القراءة في ظل كرامة الإنسان، ومن أهم صور الكرامة حرية التعبير.. لذلك، يزدهر الإعلام كلما وُجدت الحرية، ويضعف كلما ضاق الخناق والاستبداد.
- في ظل هذه التحديات، هل يمكن أن يتبنى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مشروعاً إعلامياً متكاملاً بأدوات عصرية تناسب تطلعات الأجيال الجديدة؟
نحن في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نولي الإعلام عناية كبيرة بقدر الإمكانيات المتاحة، لكن إمكانياتنا المادية محدودة، والإعلام يحتاج إلى المال إلى جانب الحرية.
ونحن نشجع المؤسسات والعلماء، وأسهمنا بالفعل في الإشراف على بعض الأعمال والأفلام الإسلامية وتشجيعها.
- ختاماً، ما هي رسالتكم للشعوب، وللقادة، وللمؤسسات العاملة في فضاء المشروع الإسلامي؟
أولاً أوجه رسالة إلى قادة الأمة العربية والإسلامية بأن يولوا العناية القصوى للإعلام النافع الذي يخدم قضايا الأمة الداخلية والخارجية، وأن يضعوا خططاً استراتيجية على مستوى العالم العربي والإسلامي.
ثم أوجه رسالة إلى الإعلاميين بأن يتحدوا على كلمة سواء، وأن يضعوا خططاً مشتركة، لأنهم إذا اتفقوا استطاعوا أن يفعلوا الكثير، حتى مع قلة الإمكانيات، كما أطالبهم بالتجديد المستمر في الإعلام معنى ومحتوى، وأسلوبا وأدوات، وأساليب.. إلخ، فالتجديد مطلوب شرعا،وعقلا وفطرة وواقعا.
كما أوجه رسالة إلى العلماء ليقوموا بواجبهم في التوعية، سواء عبر خطب الجمعة أو وسائل الإعلام أو وسائل التواصل.




