سقوط القوة الناعمة.. ديكتاتورية “السيسي” ومأزق المصداقية الأمريكية
د. سليمان صالح
من حق الشعب الأمريكي أن يعرف الحقائق التي تؤثر على صورة أمريكا واتجاهات الشعوب نحو سياستها الخارجية، لكن هل فقد الشعب الأمريكي هذا الحق؟
ظهر خلال سنوات حكم ترامب مفهوم فجوة المعرفة الشعبية بالسياسة الخارجية، الذي يشير إلى خطورة عدم إتاحة المعلومات للجمهور الأمريكي عن تأثير السياسة الخارجية على اتجاهات الشعوب نحو أمريكا، وهيمنة الرواية الرسمية على تفسير العلاقات الدولية.
وارتبط هذا المفهوم بالدعم الأمريكي للنظم السلطوية الذي أدى إلى تراجع الثقة في الولايات المتحدة، وزيادة المواقف المعادية لها في الدول التي تعاني من القهر وانتهاك حقوق الإنسان.
خيبة أمل متبادلة
تمكنت أمريكا من بناء صورتها الذهنية التي تشكل أهم مصادر قوتها الناعمة على أنها دولة ديمقراطية تؤيد حقوق الشعوب في بناء نظمها الديمقراطية، لكن الأحداث كشفت زيف الدعاية الأمريكية وأنها تؤيد النظم الديكتاتورية التابعة لها، والتي تمارس القهر ضد شعوبها، وأنها تتعامل مع قضية الديمقراطية بمعايير مزدوجة.
ولقد حذر كتاب أمريكيون من خطورة تأييد أمريكا لنظام السيسي، وأن هذا التأييد يضر بصورة أمريكا؛ ويزيد العداء لها، وسأعرض لك بشكل مختصر بعض النماذج من أهمها ما كتبه أندرو أكسوم، الباحث الأمريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون سياسة الشرق الأوسط، في مجلة «ذا أتلانتيك»؛ ومن أهم الأفكار التي ركز عليها أن مؤيدي عبد الفتاح السيسي في واشنطن على وشك أن يصطدموا بالواقع؛ فنظامه ضعيف بصورة مقلقة، وأن مصر وأمريكا محكوم عليهما بأن تخيبا أمل بعضهما.
إعادة إنتاج الثورة!
يمكن أن نربط ذلك بسؤال طرحته جريدة «ذا نيويوركر» هو: إذا كانت أمريكا اعتمد على السيسي بوصفه مصدرًا للاستقرار، بينما يفشل باستمرار في توفير وظائف مستدامة للشباب المصريين، فأي نوع من الاستقرار يقدمه؟!!
لذلك طالبت ميشيل دن، الباحثة في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بإعادة التفكير في العلاقة الأمريكية المصرية، وتساءلت: كيف يقوض القمع الاستقرار المصري، وماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل؟!
فالقمع الذي تدعمه أو تتسامح معه السياسة الأمريكية قد يصبح هو نفسه عاملًا لتقويض الاستقرار.. فمستوى القمع في عهد السيسي تجاوز مستوى القمع في عهد مبارك!
لذلك تطرح ميشيل دن سؤالًا: هل يمكن أن يؤدي دعم نظام أكثر قمعًا من النظام الذي أسقطته ثورة 2011 إلى إعادة إنتاج الظروف التي أدت إلى الثورة؟
المظالم لا تحقق الاستقرار
أما معهد “كاتو” فيحذر من أن الدعم الأمريكي للسيسي يثير التساؤلات حول التزام الولايات المتحدة بالديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فبعد أكثر من عشر سنوات من سقوط مرسي ما زالت أمريكا تدعم نظامًا طاغوتيًا!!
وتضيف دراسة معهد كاتو إن هذا الدعم الأمريكي الثابت يورط الولايات المتحدة بصورة مباشرة في السياسات القاسية التي تنتهجها ديكتاتورية مصر؛ فصانعو السياسة الأمريكيون وضعوا ثقتهم في الاعتقاد بأن الحكومات السلطوية هي وحدها القادرة على الحفاظ على الاستقرار والنظام في الشرق الأوسط.. لكن هذا الافتراض غير سليم، لأن سياسات هذه الأنظمة نفسها تنتج وتعيد إنتاج كثير من المشكلات والتوترات والمظالم في المنطقة.
ويتحدث هوفمان، وهو باحث رئيس في دراسة معهد كاتو، عن أسطورة الاستقرار السلطوي، فيقول: إن السيسي يجسد هذه الأسطورة، إذ يقدم نفسه لواشنطن باعتباره “واحة للأمن والاستقرار” في الشرق الأوسط، بينما يعمل بصورة نشطة على تقويض كليهما.
دفع مصر إلى التدهور
ثم يضيف هوفمان إن المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر تدعم الانتهاكات المتعددة التي يرتكبها السيسي، والتي تعمل بدورها على تغذية المظالم التي تؤدي إلى اضطرابات جماهيرية، وتوفر أحيانًا بيئة خصبة للتطرف.
ومع استمرار تدهور الأوضاع داخل مصر نتيجة تصاعد القمع واقتصاد آخذ في الانهيار، ناجم بصورة أساسية عن الفساد وسوء الإدارة المزمن، فإن الضغوط القادمة من أسفل تصبح بدورها عرضة لخطر الانفجار إلى السطح.
ومن المرجح أن تواجه الدولة أية اضطرابات بعنف كبير، بسبب المصالح الهائلة التي سيكون الجيش معرضًا لخسارتها إذا أُجبر على مغادرة السلطة بعد أن تولى السيطرة المباشرة على البلاد!
أمريكا تمول الديكتاتورية!
لذلك يرفض هوفمان الحجة التقليدية التي تبرر الدعم الأمريكي باعتباره وسيلة للحفاظ على الاستقرار؛ حيث يقول: على مدى عقود، وجهت افتراضات خاطئة علاقة واشنطن بالقاهرة، وكذلك السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بصورة أوسع، وأسهمت فعليًا في تمويل ديكتاتوريين بينما ينتهجون سياسات تتعارض بصورة مباشرة مع القيم والمصالح الأمريكية.
ويتوصل هوفمان إلى نتيجة مهمة هي إن إغلاق المجال أمام التعبير العلني عن المعارضة يجعل احتمال حدوث شيء أكثر فوضوية بكثير من أحداث 2011 أكثر ترجيحًا!
ربط الديكتاتورية بأمريكا
يضيف هوفمان إن السكان الذين يتعرضون لقمع متصاعد بصورة مستمرة سوف يميلون بصورة طبيعية إلى الربط بين الديكتاتورية وأمريكا، وأن الانقلاب أعاد بناء الدولة العميقة، وفرض النظام قيودًا شديدة على المعارضة، واعتقل عشرات الآلاف، وأجرى محاكمات جماعية وأصدر أحكام إعدام جماعية.
ويمكن أن نربط ذلك بنتائج دراسة معهد بروكنجز، ومن أهمها إن الأنظمة الديكتاتورية طورت ووسّعت الآليات القانونية والتنظيمية والتكنولوجية للقمع والسيطرة الاجتماعية لمنع التعبئة من أسفل، وأن التعبير عن الاحتجاج الاقتصادي أصبح جريمة جنائية، وأن القمع في عهد حكومة السيسي بلغ مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث للبلاد.
وأضافت دراسة معهد بروكينجز إن هناك شعورًا سائدًا في مصر هو أن الولايات المتحدة تقوم بتشجيع نظام السيسي؛ وأن الولايات المتحدة وأوروبا سمحتا للسيسي بسحق المعارضة العامة تحت شعار مكافحة الإرهاب والاستقرار.
هل ينفجر السخط الجماهيري؟!
لكن أضافت مجلة “فورين أفيرز” إن سقوط نظام الأسد أعاد تذكير الباحثين بأن الاستياء الذي أنتج الربيع العربي لم يختفِ.
وأشارت إلى أن مصر وتونس شهدتا عودة أنظمة سلطوية تركت المشكلات الاقتصادية تتفاقم، وإن السخط الذي دفع الربيع العربي لم يختفِ قط.
يوضح ذلك أن هناك دراسات أكاديمية حذرت من أن الجمع بين القمع السياسي، وإغلاق المجال العام، والتدهور الاقتصادي، والاعتماد على الدعم الخارجي لا ينتج بالضرورة استقرارًا مستدامًا، بل قد يحول المظالم الكامنة إلى موجات جديدة من الاحتجاج. وقد انتقلت هذه التحذيرات إلى رصد مؤشرات فعلية على عودة السخط الجماهيري.
هل يقلد “ترامب” ديكتاتوره المفضل؟!
لكن يبدو أن ترامب تأثر بديكتاتوره المفضل وقلده في تجاهل العلم والعلماء ودراسات الجدوى، فضاعت تحذيرات الأكاديميين، وتم التعتيم على نتائج الدراسات العلمية؛ فبالرغم من تحذير المؤسسات البحثية الأمريكية استمر ترامب في دعمه لنظام السيسي الديكتاتوري، ومنحه غطاءً دولياً.
وقد أدى الدعم الأمريكي إلى زيادة قدرة نظام السيسي على الاستمرار في سياسات القمع الداخلي..
لذلك فإن دعم أمريكا لنظام السيسي يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في تفسير العداء لأمريكا لدى المصريين والعرب، وهكذا تحولت علاقة أمريكا مع نظام سلطوي إلى عبء على صورتها، وأصبحت تواجه تحديًا يتعلق بمصداقيتها وصورتها الذهنية؛ حيث إن المساعدة الأمريكية لنظام السيسي تُحمّل الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عن السياسات القاسية للديكتاتورية المصرية.
لكن الأخطر من ذلك أن وسائل الإعلام الأمريكية لم توفر للجمهور المعرفة عن خطورة دعم أمريكا لنظام السيسي على صورتها الذهنية وقوتها الناعمة، وركزت على الإرهاب، وأمن إسرائيل ومنع الهجرة، وفي هذه الأطر قدمت وسائل الإعلام تغطيتها للشؤون المصرية، ولم تطرح سؤالًا مهمًا هو: ماذا سيحدث لصورة أمريكا إذا ارتبطت واشنطن في الوعي الشعبي المصري بنظام ديكتاتوري يقهر شعبه حتى لا يحتج ويثور ضد الأزمة الاقتصادية والسياسية؟!
وسيكتشف الشعب الأمريكي أنه خسر حقه في معرفة الحقائق عن تطور عداء الشعوب المقهورة له بسبب السياسة البراجماتية للنظام الأمريكي الذي أيد الديكتاتورية لأنها تحقق أمن إسرائيل، وتخلى عن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن دعم أمريكا للديكتاتورية دمر مصداقيتها وصورتها الذهنية وقوتها الناعمة!




