دراسات

قبل أن تصبح جزءاً من حملة مشبوهة.. دليل عربي لتفكيك أساليب التضليل الصهيونية

  • كيف يُحول التضليل الرقمي “الواقعة الصحيحة” إلى أداة لتزييف المعنى لدى المتلقي؟
  • شبكات التأثير وحسابات “التفاعل المصطنع” تستغل ثقة القرب للإيهام بوجود إجماع!
  • أساليب رقمية خادعة لتوجيه الغضب ونزع المشروعية الأخلاقية عن الطرف المظلوم
  • الاستجابة الغاضبة للمواد المستفزة تسهم بشكل غير مباشر في خدمة خوارزميات الانتشار
  • 4 خطوات للتحقق الفردي.. وضوابط لحماية البيانات الجماعية في الحروب المعلوماتية

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

تخيل أنك تفتح تطبيق المراسلات في هاتفك المحمول فتجد مقطعاً مرئياً قصيراً أرسله إليك شخص تثق به، مرفقاً بتعليق مستفز مثل: “شاهدوا ماذا يقولون عنا!”.

يظهر في المقطع شخص يسيء إلى بلدك أو دينك أو شعب تتضامن معه، تشعر بغضب عارم، وتندفع فوراً لمشاركته لكي يعلم الآخرون بحجم الجريمة أو التحريض، لكن خلف هذه الشاشة، وهناك قبل وصول المقطع إليك، أسئلة جوهرية لم يُجب عنها أحد: من الذي نشر المقطع أول مرة؟ وفي أي سياق زمني وقانوني صُوّر؟ وما الذي اقتُطع منه قبل النشر وبعده؟ والأهم من ذلك: هل التعليقات والتفاعلات الغاضبة المنهمرة تحته أصوات مستقلة لحسابات حقيقية أم هي استجابة منظمة صُممت لتدفعك تحديداً إلى التفاعل والتداول؟

هذه المقاربة النقدية التحليلية هي ما ينطلق منه دليل “قبل أن تصبح جزءاً من الحملة” الصادر عن الشبكة الليبية للتعاون والتنسيق، في سبتمبر 2026؛ حيث يهدف الدليل إلى تفكيك آليات الهندسة المعرفية وتكتيكات التضليل “الإسرائيلي” الرقمي، مقدماً للمواطن والصحفي العربي خريطة طريق لحماية الوعي الفردي والمؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي.

إعادة تشكيل العالم أمام المتلقي

بحسب الدليل، الذي أعده الدكتور محمد سالم عميش، كل مادة إعلامية تصل عبر المنصات الرقمية تتضمن عملية اختيار وإخراج واضحة: اختيار الواقعة التي تُعرض، والتأطير اللفظي الذي يرافقها، والصورة التي تخدم الهدف.

ولأن المنشور الرقمي لا يملك المساحة لعرض كل التفاصيل، يتحول التضليل في كثير من الأحيان من كذبة صريحة إلى “اختصار موجه” يحذف من المعلومات ما يحيل المعنى إلى الضد.  يعرض الدليل مثالاً توضيحياً بليغاً: لقطة لشخص يركض في الشارع وسماع صوت إطلاق نار. إذا عُرضت اللقطة تحت عنوان “إحباط هجوم إرهابي”، سينصرف ذهن المشاهد تلقائياً إلى وجود مهاجم وضرر جرى منعه، أما إذا عُرضت اللقطة نفسها تحت عنوان “إطلاق النار على شخص يحاول النجاة والفرار”، فسينصرف الفهم إلى التضامن مع الضحية. المقطع المصور ذاته لم يتغير، لكن التفسير المسبق في العنوان هو الذي فرض الهيكل الذهني للمشاهدة. 

خيارات التوجيه الإعلامي الأربعة

فهم عمليات الهندسة المعرفية- وفق الدليل- يتطلب فحص أربعة خيارات أساسية يمارسها مشغلو الحملات: 

1- اختيار البداية: من أي نقطة زمنية يبدأ سرد الحدث؟ وهل غُيبت الوقائع والتجاوزات السابقة التي تُعد المسبب الأصلي للفعل؟ 

2- توزيع المساحة: من هو الطرف الذي تُعرض معاناته وروايته وصوته الإنساني بتفصيل، ومن هو الطرف الذي يُمر عليه مر الكرام كأرقام مجردة؟ 

3- الترجمة والتسمية: الكلمات ليست محايدة؛ فاستخدام مصطلحات مثل “تهديد”، “رد مشروع”، أو “اشتباك” مقابل “عدوان” يغير الطبيعة الأخلاقية والقانونية للحدث. 

4- درجة اليقين: هل يوضح النص الفرق بين ما أثبتته مصادر مستقلة وما تقوله الجهة صاحبة المصلحة في الصراع

ومن أبرز الحالات الموثقة التي يستعرضها الدليل استراتيجية الترويج لمقارنات سياسية مكثفة، مثل استخدام عبارة “حماس هي داعش” في الخطاب الإعلامي والعسكري “الإسرائيلي” عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث وثق معهد الحوار الاستراتيجي (ISD) ترويج مسؤولين وحسابات مؤيدة لهذه المقارنة بلغات متعددة.

إن الوظيفة النفسية لهذا الأسلوب تعتمد على نقل الأحكام والأطر الذهنية الجاهزة والمرتبطة باسم “داعش” في الوعي العالمي والعربي وإلصاقها مباشرة بالطرف الجديد دون فحص أوجه الاختلاف الهيكلية والأيديولوجية والسياسية بين التنظيمين، مما يسهل تبرير العقاب الجماعي وإغلاق باب التحليل الموضوعي. 

حقيقة صغيرة تستنتج حكماً شمولياً

ليس شرطاً أن تكون المعلومة كاذبة بالكامل كي يتحقق التضليل؛ فالمعلومة قد تكون صحيحة بنسبة 100% ولكن الاستنتاج المحمّل عليها يتجاوز الأدلة المتاحة، مثل نشر مقطع حقيقي لشخص يتحدث بلغة عدائية، مرفقاً بعبارة: “هذا ما يعتقده هذا الشعب بكامله”، أو استخدام صورة صحيحة لتقديم مساعدات إنسانية محدودة بوصفها غطاءً كاملاً يبرئ السلوك العام للجهة المقدمة. 

وفق الدليل، نحن كبشر لا نستقبل الأخبار بآليات فحص مخبرية طوال الوقت، بل نعتمد على بيئتنا الاجتماعية للتحقق، نسأل ابن المنطقة، أو نتابع الصحفي، أو ننظر في تعليقات الآخرين. هنا تحديداً تتسلل شبكات التأثير لتستغل ثلاثة أشكال من الثقة البشرية: 

– ثقة القرب: الحساب الذي يمارس التضليل يقدم نفسه بوصفه ابن البلد، ويتحدث بلهجته، ويهتم بشؤونه اليومية والرياضية ليُعد واحداً من المجتمع.

– ثقة الخبرة: ادعاء صفة مستقلة كـ “صحفي مستقل”، “محلل رقمي”، أو “شاهد عيان”. 

– ثقة الجماعة: خلق انطباع بحشد هائل من التوافق عبر تعليقات متطابقة توحي بأن “الجميع متفقون”. 

ومن الحالات الموثقة لشبكات التفاعل المصطنع:

– شبكة Archimedes Group (مايو 2019): أعلن فيسبوك إزالة شبكة حسابات نشأت في “إسرائيل” استهدفت جمهوراً في تونس ودول أفريقية، حيث أدارت صفحات مزيفة ادعت أنها مؤسسات إخبارية محلية وتدخلت في الانتخابات والشؤون السياسية الداخلية. 

– موقع ElBalad (مارس 2021): أزال فيسبوك شبكة “إسرائيلية” استهدفت التلاعب بالإعلام المحلي وعرضت أنشطة منسقة خادعة عبر موقع إخباري لتوجيه الرأي العام. 

– حملة Zero Zeno لشركة STOIC (مايو 2024): كشفت شركة OpenAI عن عملية تأثير إسرائيلية أدارتها شركة STOIC، استخدمت الذكاء الاصطناعي لإنشاء حسابات وهمية ومقالات وتوليد تعليقات مصطنعة على منشوراتها لإيهام المتلقي بوجود تفاعل جماهيري حقيقي ومؤيد.  ويطلق الدليل على هذه الظاهرة اسم “تمرير الرواية عبر الوسطاء”، حيث ينشر موقع مجهول ادعاءً خاوياً، فتقتبسه صفحة إقليمية، ثم ينقله حساب موثق، ليجمعه موقع ثالث في تقرير يعنون: “تقارير تؤكد..”. وفي نهاية المطاف، يصل الخبر إلى المتلقي عن طريق صديق شخصي.

هنا، صعد عدد الناقلين وتضاعفت المصداقية المتوهمة، لكن الدليل الأصلي يظل واحداً – أو معدوماً بالأساس.

توظيف الغضب والاستثمار في الألم

يقول الدليل: إن حملات التضليل تستهدف مشاعر الإنسان النبيلة وانتماءاته العقائدية والوطنية. ولا تحتاج الحملة لاختلاق الخوف أو الغضب من العدم، بل تكفيها الاستفادة من مظلمة حقيقية أو حادثة أليمة لتوجيه القارئ عبر أربع نقلات خطيرة: 

– من المسؤولية إلى الهوية: تحويل الجريمة التي ارتكبها فرد أو تنظيم محدد إلى اتهام جماعي للشعب أو المذهب أو المكون بأكمله. 

– من التعاطف إلى التصديق المطلق: استغلال عدالة القضية للمطالبة بقرينة التصديق الفوري لكل مادة تُنشر باسمها دون تثبت. 

– من الاختلاف إلى الخيانة: تحويل مجرد السؤال البسيط عن المصدر أو المطالبة بالدليل إلى اختبار للولاء والوطنية. 

– من الخوف إلى الاختيار المفروض: إيهام المتلقي بوجود خيارين لا ثالث لهما: القبول التام بالرواية المعروضة أو السقوط في صف العدو. 

ويورد الدليل دراسة علمية للأكاديمي عمر الداودي (2025) حول تحليل الخطاب الرقمي للمتحدث باسم الجيش “الإسرائيلي” باللغة العربية (أفيخاي أدرعي)،  حيث أظهرت الدراسة توظيفاً مكثفاً للنصوص والمرجعيات الإسلامية والمناسبات الدينية لبناء “قرب ثقافي” محرف، وإسباغ مشروعية أخلاقية على الأفعال العسكرية ومحاولة سلبها عن الخصوم.

ويشدد الدليل على أن استخدام لغة دينية مألوفة أو استشهاداً صحيحاً لا يمنح المصدر صدقية تلقائية في ادعاءاته العسكرية والميدانية. 

من جانب آخر، تزامنت الحملات المعلوماتية أثناء الحرب على غزة مع بث مواد مصورة لدمار واسع تُرفق باستنتاجات توحي بأن “المواجهة حُسمت”، و”الجميع تخلوا عنكم”، و”لا فائدة من أي تحرك إغاثي أو إعلامي”.

يفكك الدليل هذه الاستراتيجية بمطالبة المتلقي بالفصل بين القسوة الميدانية للحدث والحكم الشامل على المستقبل؛ فالاستسلام النفسي هو الهدف النهائي للحملة، والمعركة المعرفية تهدف إلى سلب الإنسان قدرته على الفعل.

كيف تتغذى الحملة على غضب معارضيها؟

ويكشف الدليل كيف تتغذى الحملة على غضب معارضيها؟ فعندما تصادف منشوراً مستفزاً أو حواراً محرضاً ضد قوميتك أو دينك، فإن ردك الغاضب بإعادة نشر المنشور يحقق بصورة غير مباشرة الأهداف التسويقية للحملة؛ فالمادة أصبحت الآن مكشوفة أمام جمهورك الذي لم يكن ليرى المنشور الأصلي. 

تتكرر هذه الفخاخ في صور متعددة، منها على سبيل المثال: إعادة نشر الإساءة كاملة بحجم ضخم، والدعوة لمهاجمة الحساب مما يرفع من خوارزميات نشاطه، أو نقل الشائعة بصيغة تساؤل “هل هذا صحيح؟” ليترسخ الادعاء في أذهان المتابعين وتضيع النسبة والتفنيد لاحقاً. 

ما الذي أضافته أدوات التوليد الرقمي؟

لم يعد التضليل يقتصر على كتابة مقال كاذب، بل إن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وسعت القدرات الاستهدافية في أربعة مجالات: 

– غزارة المحتوى وتعدده: إنتاج مئات الصيغ اللغوية المختلفة لفكرة واحدة لمنع كشف التكرار الحرفي. 

– ملاءمة الأسلوب والبيئة المحلية: صياغة نصوص بلهجات محلية دقيقة وتجاوز الأخطاء الإملائية والركاكة. 

– بناء الشخصيات الرقمية (Avatars): توليد صور وجوه شخصيات وهمية غير موجودة في الواقع عبر شبكات GANs وإنشاء سير ذاتية متكاملة. 

– اصطناع الشواهد المباشرة: التزييف العميق للأصوات (Deepfake Voice) وفبركة المقاطع المرئية.

وكما يُستخدم الذكاء الاصطناعي للتزييف، يُستخدم مفهوم “الذكاء الاصطناعي” بالقدر نفسه كسلاح للتنصل من المسئولية، فبمجرد انتشار مقطع مرئي توثيقي يُدين طرفاً معيناً، يسارع المشغلون إلى إطلاق تعليقات مكثفة: “هذا مقطع مصنوع بالذكاء الاصطناعي!”. إن الشك غير المستند إلى أدلة تقنية يتحول إلى أداة لقتل الحقائق وإفراغ الأدلة من قيمتها

4 خطوات لتفنيد المواد الرقمية المشبوهة

يقدم الدليل المسار العملي الذهبي لتفنيد أي مادة رقمية مشبوهة في أربع خطوات رئيسية: 

1- أوقف المشاركة مؤقتاً: كتم الدافع النفسي لإعادة النشر فوراً؛ فعبارة “إن صح الخبر” لا تعفي من مسؤولية التضليل. 

2- اعرف المنشأ الأول: اتبع الروابط لتصل إلى الحساب أو الموقع الذي أطلق الادعاء لأول مرة وافحص خلفيته. 

3- البحث عن الأصل والتغطية المستقلة: مقارنة النص أو الترجمة بالنص الأصلي الكامل والبحث عن وسيلة إخبارية مستقلة ذات نظام تحريري موثوق. 

4- اتخاذ القرار بدقة الأدلة: تصنيف النتيجة ضمن أربع خانات محددة (الادعاء مدعوم / المادة صحيحة لكن العرض مضلل / الادعاء خاطئ مناقض للحقيقة / الأدلة غير كافية للحسم فيُعلّق النشر).

 الاستدراج الرقمي عبر المراسلات الخاصة

يحذر الدليل بشدة من أسلوب “استدراج الثقة”، حيث يتواصل حساب مجهول يدعي أنه صحفي أجنبي أو باحث مجتمعي أو متضامن مع قضية، ويبدأ بكيل الثناء على المتلقي ثم يطلب منه معلومات تفصيلية تدريجية: أسماء المشاركين في نشاط ما، صور الميدان، أرقام هواتف، أو مواعيد اجتماعات.

قد تشكل هذه التفاصيل المتفرقة ملاطاً استخباراتياً خطيراً يهدد سلامة الأشخاص، لذلك فالتحقق من صفة المتواصل يجب أن يتم عبر قنوات المؤسسة الرسمية المستقلة، مع الامتناع التام عن مشاركة بيانات الآخرين بدون إذنهم. 

ولحماية الدوائر الاجتماعية والمؤسسية والمجموعات المغلقة للعائلات والجيران يوصى الدليل بالاتفاق المسبق على خمس قواعد ذهبية: 

1- اشتراط إرفاق المصدر الأصلي مع أي خبر يتضمن تحذيراً أو اتهاماً. 

2- الوقف الفوري لنشر أسماء وصور الأشخاص المتهمين قبل ثبوت الحقيقة قضائياً أو رسمياً.  3- مناقشة الأفعال المحددة ورفض تحميل المسؤولية الجماعية للعائلات أو الشعوب أو المذاهب.  4- نشر التصحيح في المكان نفسه الذي شهد تداول الخطأ وبنفس الدرجة من الوضوح. 

5- الاعتذار الصريح للأشخاص الذين طالتهم الإساءة لحفظ الكرامة وإصلاح العلاقات.

 إطار الاستجابة المؤسسية للحروب المعلوماتية

يجب تحديد قناة إبلاغ موثوقة، وتأمين الحسابات الرسمية، وتعيين مسؤول التحقق وبديله، وتدريب الفريق عبر محاكاة واقعية.

وأثناء الحملة يجب توثيق البلاغ، ونشر تحديث أول سريع ينوه بما أُثبت وما هو قيد الفحص مع التزام بموعد التحديث التالي، وتصميم مواد توضيحية تناسب المنصات المتعددة. 

أما بعد الحملة فمن المهم تقييم سرعة ودقة الاستجابة، وتحديث سجل الحوادث الرقمي، ومعالجة الثغرات التقنية دون المساس بخصوصية البيانات. 

في النهاية أكد الدليل أهمية الوعي المعرفي كخط دفاع أولـ فليس المطلوب هو أن يتحول المتلقي العربي إلى شخص شكاك يرفض كل الحقيقة، بل إلى مواطن رقمي واٍعٍ يملك أدوات التفكير النقدي، ويعرف كيف يُميز بين الواقعة الميدانية والاستنتاج السياسي الموجه.

 إن الانتماء للقضايا العادلة والدفاع عن حقوق الشعوب يتطلبان حماية هذا الانتماء نفسه من التوظيف والممارسات المضللة، فالحقيقة لا تحتاج إلى شائعة لتدعمها، والعدالة لا تتطلب تزييف الدليل.

يقول معد الدليل في النهاية: في المرة القادمة التي تقف فيها أمام شاشة هاتفك المحمول وتستعد لتسجيل “مشاركة”، تمهل قليلاً واسأل نفسك: هل تنقل دليلاً أم تساهم في تنفيذ جزء من حملة مشبوهة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى