بالذكاء الاصطناعي.. حملة إماراتية سرية لتشويه “الإخوان” والتلاعب بملف السودان!
- أنثروبيك” تكشف استخدام أبوظبي تطبيق “كلود” لتفكيك جماعة “الإخوان” عالميا والتأثير على ملف السودان أمميا
- الإمارات أنشأت 300 حساب وهمي لصناعة رأي عام مُعاد للإخوان في الدول العربية وكل من ينتمي لـ“الإسلام السياسي” في الغرب
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
كشف تقرير حديث أصدرته شركة “أنثروبيك”، الشركة المتخصصة والمطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي الشهير “كلود”، تفاصيل وأبعاد تفكيك حملة إلكترونية رقمية سريّة وموسعة ارتبطت بمسؤولين في الحكومة الإماراتية.
وتبيّن أن التكتيك المنفذ اعتمد على توظيف التقنيات المتقدمة لاستهداف وتشويه صورة جماعة “الإخوان المسلمين”، إلى جانب تضليل الرأي العام العالمي بشأن الحرب الدائرة في السودان، فضلاً عن المحاولات السريّة للتدخل المباشر في آليات المساءلة والمراقبة التابعة للأمم المتحدة؛ بغرض تبرئة أبوظبي من اتهامات التدخل في الصراع السوداني أو المشاركة في الانتهاكات.
أوضح تقرير “أنثروبيك” أن الإمارات استخدمت تطبيق “كلود” لتزييف تقارير حقوقية دولية ضد “الإخوان”، وإعداد رسائل موجهة تستهدف مسؤولي الأمم المتحدة الذين انتقدوا الدور الإماراتي في السودان.
وأكدت الشركة أنها لم تكتفِ فقط برصد هذا النشاط، بل قامت بحظر جميع الحسابات المرتبطة بالعملية، وشاركت البيانات المجمعة مع الشركاء التكنولوجيين والجهات المختصة.
كما شددت على أن الأمر لم يكن مجرد استخدام عابر لكتابة منشورات منفردة، بل كان عملية منظمة متعددة المسارات أُطلق عليها الرمز GTG-84002، وقادها مسؤولون حكوميون إماراتيون .
تفكيك “الإخوان” هدف إماراتي محوري
بحسب المعطيات الفنية الواردة في التقرير، استخدم المشغّل الإماراتي للعملية تطبيق “كلود” لتخيل وإنشاء شخصية افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أُطلق عليها اسم ” Dead shot”، أي “الطلقة المميتة” أو “القناص الماهر”.
وكانت هذه الشخصية تعمل عبر منصة خاصة بالمشغّل وتتصل بملف تعليمات مركزي أو ما يُعرف بـ “العقيدة التشغيلية”، حيث صدرت لها أوامر متكررة عبر مئات الجلسات البرمجية لتنفيذ مهمة محددة الأهداف والأبعاد.
وتلخصت هذه المهمة المركبة في تنفيذ “عملية منسقة، إقليمية وعابرة للأطلسي؛ لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالمياً”، وهو ما يشكل النقطة الأكثر أهمية وحساسية في القضية.
فالذكاء الاصطناعي لم يُستخدم فقط لإنتاج نصوص دعائية تقليدية، بل أصبح جزءاً أصيلاً من بيئة تشغيلية واسعة تتولى تحديد الأهداف، وصياغة الروايات، وإعداد الملفات الموجهة، وإخفاء الجهات الحكومية التي تقف خلف المحتوى، وتوزيعه عبر شبكات حسابات غير حقيقية.
شبكة حسابات وهمية لصناعة التأثير
كشفت “أنثروبيك” أن العملية تضمنت إنشاء وإدارة شبكة رقمية تضم نحو 300 حساب مؤثر غير حقيقي على مختلف منصات التواصل الاجتماعي.
لم يتعامل التقرير مع هذه الحسابات باعتبارها مجرد أدوات آلية للنشر المتكرر، بل صنفها كشبكة مخصصة لتضخيم وتأكيد الروايات الدعائية التي تنتجها المنظومة الاستخباراتية الإماراتية.
وأظهرت الوثائق والتقارير الداخلية للعملية أن القائمين عليها وصفوا “استقلالية” هذه الشبكة الرقمية بأنها “أعظم أصولها الاستراتيجية”.
واعتبرت شركة “أنثروبيك” هذا التوصيف دليلاً واضحاً على أن الهدف المحوري كان يكمن في إخفاء الطبيعة الحكومية للعملية، وإظهار المحتوى المضلل وكأنه صادرة عن مستخدمين عاديين أو جهات أهلية مستقلة، مما يمنح الذكاء الاصطناعي قدرة غير مسبوقة على التخفي وتوسيع نطاق التمويه.
استغلال الهويات الحقوقية لتبرير الدعاية
وثّق التقرير تفاصيل عملية معقدة شملت إنشاء منظمة غير حكومية وهمية قامت بنسخ وتزييف الهوية المؤسسية لمنظمة سويسرية حقيقية قائمة بالفعل، وتمت الاستعانة بهذه الهوية المزيفة ونسب التقارير الحقوقية الصادرة عنها، رغم أنها تقارير أُعدت مسبقاً في أروقة جهات مرتبطة بالدولة، لإضفاء طابع رسمي ومستقل عليها أمام المنظمات الدولية.
واستُخدم تطبيق “كلود” لتحويل الموضوعات والوثائق السياسية الصادرة عن الجهات الحكومية إلى تقارير مهنية تبدو وكأنها وثائق حقوقية صادرة عن مؤسسات مستقلة.
وتجاوزت هذه الخطوة الحدود التقليدية للغسيل الإعلامي والدعاية الإلكترونية إلى ما يُعرف بـ “غسل الرسائل السياسية”، حيث يجري نقل الخطاب الحكومي إلى مؤسسات القرار الدولي بعد تغليفه بهوية حقوقية ومدنية مستعارة لا تثير الشكوك.
استهداف مباشر لمجلس حقوق الإنسان
المسار الأكثر حساسية في العملية تمثل في تحضير وإعداد شهادات مكتوبة بالوكالة، كان يخطط لأن يلقيها شخصان مجهولان خلال أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
ولم تكتفِ المنظومة بصياغة هذه النصوص بدقة، بل فرضت عليها محددات صارمة وجازمة، أبرزها وأهمها ألا تتضمن هذه الشهادات المكتوبة أي إشارة إلى دولة الإمارات.
وأكد تقرير شركة “أنثروبيك” أن الغاية الأساسية كانت إيصال المواد والادعاءات التي تخدم طرفاً معيناً في الصراع السوداني إلى أروقة الأمم المتحدة، على أساس أنها شهادات صادرة عن شهود عيان محليين ومستقلين.
ويكشف هذا التفصيل الخطير أن توظيف الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في منصات التواصل مثل “إكس”، بل امتد ليتطاول على الآليات الرسمية الدولية المخصصة لصنع المواقف وإقرار المساءلة القانونية.
تنميط البرلمانيين والمقررين الأمميين
بينت التقنيات المكتشفة أن المشغّلين استخدموا تطبيق “كلود” لإجراء أبحاث واستقصاءات وتنسيق عمليات تنميط وتشويه تفصيلية استهدفت 18 عضواً في البرلمان الأوروبي إلى جانب نخبة من الصحفيين البارزين.
وشمل ذلك إعداد ملفات شخصية متكاملة لترصد مواقف هؤلاء النواب والإعلاميين واكتشاف نقاط التأثير التي يمكن النفاذ منها للتحكم في توجهاتهم.
بالتوازي مع ذلك، ركزت العملية على صياغة ملفات مضادة استهدفت المندوبين والمقررين الخاصين في الأمم المتحدة الذين وجهوا انتقادات علنية ومباشرة للدور الإماراتي في الحرب السودانية.
ووُصفت هذه الملفات بـ “الملفات المضادة للمساءلة”، وهو مفهوم يعكس أن الحملة لم تكن موجهة ضد خصوم سياسيين أو ضد جماعة “الإخوان” فحسب، بل امتدت لتستهدف الهيئات والشخصيات الدولية الساعية لمساءلة أبوظبي.
الدفاع الرقمي عن الرواية السودانية
أكد التقرير أن جماعة “الإخوان المسلمين” لم تكن الهدف الوحيد والمنفرد لهذه العملية الرقمية المنسقة، بل ارتبطت الحملة بشكل مباشر بالصراع في السودان ومحاولات الالتفاف على آليات المساءلة الدولية، بالتزامن مع مواجهة أبوظبي اتهمات متكررة بدعم “قوات الدعم السريع” بالأسلحة والعتاد، وهي الاتهامات التي تصر الإمارات على نفيها جملة وتفصيلاً.
وبحسب التقرير، فإن إعداد ملفات الهجوم على المقررين الأمميين كان يستهدف بالأساس الدفاع عن الرواية الإماراتية الرسمية بشأن ملف السودان، وتقويض الأصوات المستقلة التي تسعى لتحميل أبوظبي المسؤولية الحقوقية أو السياسية عن هذا الصراع الممتد.
دور الذكاء الاصطناعي في إدارة الحملة
تكشف هذه التطورات عن تحول جوهري ونوعي في كيفية إدارة حملات الدعاية والتضليل باستخدام الذكاء الاصطناعي، فقد أُدير تطبيق “كلود” من قبل الإمارات لتنفيذ حزمة مهام متزامنة شملت إنتاج النصوص، وإعداد التقارير، وصياغة الشهادات، وتطوير الأدبيات الدعائية، وبناء الملفات الشخصية للأهداف، وتنظيم المعلومات الاستخباراتية، واقتراح الروايات المضادة.
وأكدت شركة “أنثروبيك” أن المنظومة اعتمدت على أخذ الموضوعات والملفات المجهزة مسبقاً من المشغّل، ثم استغلال “كلود” لتحويلها إلى موجزات استخباراتية وتبليغات تقنية رسمية المظهر.
ومكّن ذلك التكتيك التقني من إعداد وثائق وشهادات وقوائم استهداف شملت ملفات معدة للتسليم المباشر لكبار المسؤولين الإماراتيين، ليتحول النموذج التقني إلى مساعد تنفيذي لإدارة الحملات السياسية والإعلامية.
إخفاء المصادر كاستراتيجية عمل رئيسية
الأخطر في تفاصيل التقرير لا يتعلق بحجم المحتوى أو عدد الحسابات المقدر بـ 300 حساب فحسب، بل بالآلية المعقدة المستخدمة لتمويه المصدر الأصلي للرسائل.
وفي سياق مشابه، تلجأ أجهزة متخصصة في “إسرائيل” ودول المنطقة إلى استغلال المنظومات التقنية المصطنعة للوصول إلى النتيجة ذاتها بكلفة مالية وزمنية ضئيلة جداً مقارنة بالتكتيكات التقليدية القديمة.
فحين تندمج شبكة الحسابات الموجهة مع المؤسسة الحقوقية المزيّفة والشهادات المصنوعة أمام الأمم المتحدة، يصبح من الصعوبة بمكان على المتابع العادي اكتشاف أن هذه الأطراف المتعددة تُدار من مركز قيادة واحد.
ولهذا السبب اعتبر المشغّلون أن “استقلالية” الحسابات الرقمية هي الورقة الاستراتيجية الأهم، لأن النجاح تطلب إقناع الجمهور بالرواية الموجهة مع إخفاء هوية صناعها الحكوميين بالكامل.
تقييم نتائج ونطاق انتشار الحملة
على الرغم من قوة الاكتشافات الفنية، أوضحت شركة “أنثروبيك” أنها لا تملك أدلة جازمة تؤكد وصول الشهادات المزيفة أو ملفات الاستهداف إلى الجمهور المستهدف أو نجاحها في تغيير القرارات والسياسات.
وقامت الشركة بتصنيف العملية في المستوى الثالث وفق مقياس “Breakout Scale”، مؤكدة أن الأنشطة عبرت عدة منصات لكنها لم تبلغ مستويات انتشار جماهيري أو تأثير سياسي مؤكد.
وبالتالي، فإن القول بنجاح الإمارات الكامل في خداع الأمم المتحدة يظل أمراً نسبياً وتحت التقييم الفني، لكن أهمية هذه الواقعة تكمن في كشفها عن مرحلة جديدة من “التضليل الاصطناعي” المتقدم؛ حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على فبركة صور أو منشورات، بل أصبح قادراً على بناء وتنسيق منظومة استخباراتية وإعلامية كاملة تبدأ بتحديد الخصوم السياسيين وتنتهي بمحاولة التأثير المباشر على قرارات المؤسسات الرسمية الدولية.
أبعاد الصراع الإماراتي ضد “الإخوان“
تأتي هذه الأنشطة المكتشفة في إطار مسار طويل ومتواصل من الهجوم الأمني والإعلامي الحاد على جماعة “الإخوان المسلمين”، التي تصنفها أبوظبي رسمياً كمنظمة إرهابية منذ سنوات.
والجديد في تقرير “أنثروبيك” هو نقل هذا النزاع التقليدي إلى ساحات التكنولوجيا المتقدمة وتوظيف نماذج الذكاء الاصطناعي لتصنيع روايات تبدو مستقلة وتسريبها عبر واجهات رقمية ومؤسساتية ودولية.
ولم تكتفِ أبوظبي بتناول الملف من جانب أمني محلي منذ تصنيف الجماعة وجماعة “الإصلاح” الإماراتية ضمن قوائم الإرهاب في نوفمبر 2014، بل وسعت تحركاتها للضغط على الحكومات الغربية للتضييق على الإسلام السياسي.
وبرز هذا التوجه في إصدارات مراكز الأبحاث، مثل كتاب “جماعة الإخوان المسلمين في دولة الإمارات العربية المتحدة.. الحسابات الخاطئة” الصادر عن “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”.
استهداف المنظومة السياسية بالدول الغربية
شهدت السنوات الأخيرة أيضا صعود مركز “تريندز” للبحوث والاستشارات كإحدى المنصات الإماراتية البارزة لمواجهة “الإخوان” دولياً، حيث نظم المركز ندوة في مجلس الشيوخ الفرنسي عام 2025 لوضع استراتيجية لوقف تمويل الجماعة، وأطلق عام 2026 “مؤشر تأثير الإخوان المسلمين العالمي” لنقل المواجهة إلى دوائر البحث الغربية.
كما شارك السفير الإماراتي لدى الاتحاد الأوروبي في يونيو 2026 بمؤتمر داخل البرلمان الأوروبي بعنوان “الإخوان المسلمون: تهديد حقيقي لأوروبا” لدفع الغرب لتصنيف الجماعة، ومؤخرا في 10 سبتمبر 2026، شهدت العاصمة البريطانية لندن أعمال الجزء الأول من فعاليات النسخة السادسة من منتدى «تريندز» السنوي حول الإسلام السياسي، بجلسة عُقدت في مجلس اللوردات البريطاني؛ “لمواصلة بحث أطر المواجهة لجماعة الإخوان المسلمين، والتعاون البحثي والتشريعي بين الدول الأوروبية في هذا الإطار”، بحسب ما نشرته وسائل إعلام إماراتية.
وكشفت وثيقة سرية مسربة في يناير 2026 عن خطة إماراتية للتأثير على المقاربة الفرنسية تجاه ملفات الإسلام السياسي، بالتوازي مع كشف تحقيقات صحفية أوروبية لتعاون الإمارات مع شركة الاستخبارات السويسرية “Alp Services” لإعداد قوائم تضم أكثر من ألف شخصية ومؤسسة في أوروبا لربطها بـ “الإخوان”.
وشملت تلك القوائم سياسيين وأكاديميين وصحفيين لا صلة لبعضهم بالجماعة، ووثقت منظمة “فريدوم هاوس” استخدام الإمارات لمؤثرين وحسابات آلية لمهاجمة المنتقدين.
الذكاء الاصطناعي كأداة صراع مستقبلية
تتحرك الإمارات في هذا الملف انطلاقاً من رؤية رسمية تعتبر “الإسلام السياسي” مشروعاً عابراً للحدود ينازع الدولة على الشرعية والنفوذ، وتهدف أبوظبي من خلال هذه الاستراتيجيات الشاملة إلى تغيير البيئة التشريعية والسياسية في أوروبا والولايات المتحدة لتضييق الخناق على المنظمات الإسلامية وتقليص قدرتها على العمل المجتمعي والمؤسسي.
وتحول الخطاب الرسمي الإماراتي تدريجياً نحو التركيز على مصطلحات من قبيل “تمويل الإخوان” و”شبكات النفوذ العابرة للحدود” لتوسيع دائرة الاشتباه، غير أن هذه السياسات تواجه انتقادات حقوقية حادة تحذر من خلط الإسلام السياسي بالإسلام بشكل عام، وتضييق المجال المدني على المسلمين في الغرب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر التقرير:
- رصد إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي والتصدي لها: سبتمبر 2026 (تقرير إنثروبيك في 154 صفحة)، الرابط: https://2h.ae/PSrCi




