دراسات

حرية الصحافة العربية بين النصوص الدستورية والواقع الميداني: دراسة مقارنة مع المواثيق الدولية

  • كيف تلتف القوانين الإجرائية في الدول العربية على الضمانات الدستورية لحرية التعبير؟
  • مؤشر الحرية الصحفية 2026: تراجع حاد يضع البيئات العربية ضمن النطاقات شديدة الخطورة
  • الحروب والأزمات الأمنية تهدد سلامة الصحفيين في غزة ودول المواجهات المسلحة
  • غياب تشريعات حق الوصول للمعلومات في المنطقة العربية وحجب المصادر وتعطيل الشفافية
  • تشريعات الفضاء السيبراني والأمن القومي.. أطر تلاحق العمل الصحفي في دول الخليج
  • المصطلحات الفضاضة تقيد النشر والإعلام والحريات الصحفية في دول المغرب العربي
  • قوانين الجرائم الإلكترونية ومكافحة الشائعات فرضت رقابة ذاتية على الصحفيين وقيدت استقلالية المؤسسات

“إنسان للإعلام”- قسم الدراسات:

المقدمة:

تُشكّل حرية الصحافة مقوماً بنيوياً ودعامة أساسية لترسيخ الحكم الرشيد والمجتمعات الديمقراطية؛ لما تضطلع به من دور محوري في ضمان الحق في المعرفة، وتكريس مبادئ الشفافية والمساءلة السياسية، بجانب حماية منظومة الحقوق والحريات العامة.

وتتأسس هذه الحرية على مرجعية حقوقية دولية واضحة، كرّستها المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأكدتها المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، باعتبار أن حرية التعبير وتداول المعلومات ونقلها عبر الحدود حق أصيل للإنسان لا يصح تقييده إلا وفق ضوابط قانونية صارمة ومحددة. 

وفي السياق العربي، شهد المنظور التشريعي والميداني لحرية الصحافة تحولات متباينة وسياقات ممتدة؛ إذ يُلاحظ وجود مفارقة هيكلية بين المبادئ الدستورية والقوانين التطبيقية، فبينما تحرص غالبية الدساتير العربية على النص صراحةً على ضمان حرية التعبير والنشر وحظر الرقابة المسبقة، تكشف الممارسة العملية والأطر التشريعية التنفيذية (كالتشريعات العقابية، وقوانين المطبوعات والنشر، وقوانين الجرائم الإلكترونية) عن قيود إجرائية ومادية متزايدة.

وتتضاعف حدة هذه الإشكالية في ظل الرقابة الرسمية والضغوط الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى التحديات الناشئة عن البيئة الرقمية وتطبيقات الفضاء السيبراني.

بناءً على ما سبق، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين الأطر التشريعية المنظمة للعمل الصحفي في المنطقة العربية وواقع ممارستها الميدانية؛ وذلك من خلال مقاربة نقديّة مقارنة تقيس مدى ملاءمة القوانين الوطنية للمعايير والمواثيق الدولية.

كما تهدف إلى تقصي العوامل والبنى التشريعية والإدارية التي تعوق استقلالية العمل الصحفي، وصولاً إلى استشراف معالم بيئة قانونية ومؤسسية ضامنة لحرية الإعلام، وتحقق التوازن بين حرية التعبير ومتطلبات حماية النظام العام ومقتضيات الأمن القومي دون تعسف.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها اتساع الفجوة وتعمق التناقض بين الضمانات الدستورية المقررة لحرية الصحافة والإعلام في الدول العربية، وبين التطبيق التشريعي والميداني الفعلي لها، ففي الوقت الذي تحرص فيه التشريعات التأسيسية (الدساتير) على إقرار حرية التعبير والنشر وحظر الرقابة المسبقة، متوافقةً شكلياً مع المواثيق الدولية، تأتي القوانين الفرعية والإجرائية -ولا سيما تشريعات النشر، وقوانين مكافحة الإرهاب، والجرائم الإلكترونية، والتدابير الإدارية الاستثنائية- بنصوص وصياغات فضفاضة تفوّض السلطات التنفيذية والضبطية صلاحيات تقييدية واسعة، مما يفرغ الحماية الدستورية من مضمونها الإجرائي، وينعكس سلباً على واقع حرية الصحافة وسلامة الفاعلين الإعلاميين.

وفي ضوء ذلك، تتحدّد الإشكالية الرئيسة للدراسة في التساؤل المحوري الآتي:

إلى أي مدى تُفضي المنظومة التشريعية والقوانين الإجرائية في الدول العربية إلى خلق فجوة هيكلية بين الضمانات الدستورية والمواثيق الدولية من جهة، وواقع الممارسة الصحفية الميدانية من جهة أخرى؟

وينبثق عن هذا التساؤل الرئيس مجموعة من التساؤلات الفرعية:

  1. ما طبيعة الأطر والتشريعات الوطنية المنظمة للعمل الصحفي والإعلامي في نماذج دول الدراسة (تشريعات النشر، الجرائم الإلكترونية، القوانين الجزائية)؟
  2. ما واقع الحريات الصحفية والممارسة الميدانية في المنطقة العربية وفقاً للمؤشرات الحقوقية والتقارير الدولية؟
  3. ما درجة مواءمة وتوافق القوانين الوطنية المنظمة للصحافة والإعلام في الدول العربية مع أحكام المعايير والمواثيق الدولية (ولا سيما المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية)؟
  4. ما أبرز التحديات التشريعية والسياسية والأمنية الرقمية التي تحد من استقلالية المؤسسات الإعلامية وتوفير بيئة عمل آمنة للصحفيين؟
  5. ما السبل والآليات التشريعية والمؤسسية الكفيلة بردم الفجوة بين النص والتطبيق وترسيخ بيئة صحفية حرة ومسؤولة؟

أهداف الدراسة:

تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف الأكاديمية والتطبيقية التالية:

  1. تأصيل الإطار المفاهيمي والحقوقي لحرية الصحافة وحدود الضوابط التنظيمية المسموح بها دولياً.
  2. تشخيص وتفكيك البيئة التشريعية والقانونية المنظمة للإعلام والصحافة في النماذج العربية محل الدراسة واكتشاف بؤر التقييد الإجرائي.
  3. رصد وتحليل واقع الحريات الصحفية الميدانية في الدول العربية والوقوف على أثر التشريعات في تقييد الأداء المهني أو ملاحقة الفاعلين الإعلاميين.
  4. إجراء قياس مقارن لمدى مواءمة القوانين الوطنية المعمول بها مع أحكام ومعايير المواثيق والعهود الدولية المعتمدة.
  5. بلورة رؤية استشرافية وتوصيات إجرائية لتطوير المنظومات التشريعية العربية، بما يضمن استقلالية وسائل الإعلام، وحماية الصحفيين، وتأمين الحق في تداول المعلومات.

منهجية الدراسة:

تعتمد الدراسة المنهج المقارن إلى جانب المنهج التحليلي النقدي مع استخدام الأدوات الرصدية والتحليلية، وتتضح أبعاد هذا التكامل المنهجي في الآتي:

  • المنهج التحليلي النقدي، لفك ثنايا النصوص التشريعية والقانونية (كالتشريعات العقابية، وقوانين الإعلام والجرائم الإلكترونية) وتحليل مضامينها الفضفاضة وبيان أثرها على تقييد الحريات.
  • المنهج المقارن، لمقابلة ومقارنة النصوص التشريعية والقوانين الوطنية المعمول بها في الدول العربية بالمعايير والأطر الحقوقية الدولية (وخاصة المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية)، وكذا لمقارنة التباينات التشريعية بين الدول العربية المختلفة.
  • أداة الرصد والتحليل الميداني، للاستناد إلى مؤشرات التقارير الحقوقية والدولية (مثل تقارير مراسلون بلا حدود ومراكز حماية الحريات الصحفية) لرصد واقع الحريات وتحديد القيود الميدانية والتطبيقية.

مخطط الدراسة وعناصرها الهيكلية:

لتغطية أبعاد إشكالية البحث والإجابة عن تساؤلاته المنهجية، جرى تقسيم الدراسة إلى ستة مباحث رئيسة تسبقها مقدمة وتتبعها خاتمة وتوصيات، وذلك على النحو الآتي:

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والمرجعي لحرية الصحافة

  • المطلب الأول:  ماهية حرية الصحافة، مقوماتها، وأبعادها الوظيفية في النظام الديمقراطي.
  • المطلب الثاني: التأصيل الحقوقي لحرية التعبير والإعلام في المواثيق والعهود الدولية.
  • المطلب الثالث: المفهوم الإجرائي للتشريعات المنظمة للحريات الصحفية ونطاق ضبطها.

المبحث الثاني: التشريعات والقوانين الوطنية المنظمة للحريات الصحفية في المنطقة العربية

  • المطلب الأول: الأطر التشريعية المنظمة للعمل الصحفيوالإلكتروني في دول مجلس التعاون الخليجي.
  • المطلب الثاني: البيئة القانونية للصحافة والنشر في دول المغرب العربي وتونس.
  • المطلب الثالث: المنظومة التشريعية للإعلام والجرائم الإلكترونية في دول المشرق العربي (مصر، الأردن، العراق).

المبحث الثالث: واقع الحريات الصحفية في المنطقة العربية

  • المطلب الأول:  قراءة في مؤشرات الحرية الصحفية والتقارير الحقوقية الدولية والإقليمية.
  • المطلب الثاني:  أثر النزاعات المسلحة والظروف الأمنية على البيئة الصحفية وسلامة الصحفيين.
  • المطلب الثالث : تداعيات الأطر القانونية على استقلالية المؤسسات الإعلامية وهامش الرقابة الذاتية.

المبحث الرابع: المعوقات البنيوية المؤثرة في بيئة العمل الصحفي العربي

  • المطلب الأول: المعوقات التشريعية والقضائية (استخدام العبارات الفضفاضة، والاحتجاز الإجرائي، والعقوبات السالبة للحرية).
  • المطلب الثاني: الضغوط والقيود السياسية والأمنية على تداول المعلومات وحظر النشر.
  • المطلب الثالث: التحديات الاقتصادية والرقمية الناشئة وانعكاساتها على استقلال القطاع الإعلامي.

المبحث الخامس: مقارنة بين التشريعات الوطنية المعمول بها والمعايير الدولية لحرية التعبير

  • المطلب الأول: مدى توافق قيود النشر الوطنية مع شروط الضرورة والمشروعية الدولية.
  • المطلب الثاني: فجوة الحق في الوصول إلى المعلومات وتداولها بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية.
  • المطلب الثالث: إشكالية تجريم قضايا النشر والعقوبات السالبة للحرية مقارنة بالاتجاهات التشريعية الحديثة.

المبحث السادس: رؤية استشرافية لإصلاح وتطوير التشريعات الإعلامية

  • المطلب الأول: المراجعات الدستورية والتنظيمية وإلغاء النصوص المجرمة للأداء الصحفي المهني.
  • المطلب الثاني: مأسسة استقلالية الهيئات التنظيمية وتكريس حماية البيئة الصحفية والحق في المعلومات.

الخاتمة والتوصيات:  حصر لأهم نتائج الدراسة الميدانية والتحليلية، وتقديم توصيات موجّهة للمشرّعين، والهيئات القضائية، والنقابات المهنية.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والمرجعي لحرية الصحافة:

ينطلق هذا المبحث من ضرورة التأصيل المفاهيمي والمرجعي لـ “حرية الصحافة” والأطر التشريعية المنظمة لها، باعتبارها الركيزة الأساسية لتقييم واقع الممارسة العملية والمقارنة بالمعايير الدولية.

المطلب الأول: ماهية حرية الصحافة، مقوماتها، وأبعادها الوظيفية

أولاً: المفهوم والتعريف: يُقصد بحرية الصحافة (Freedom of the Press) الحق الأصيل الممنوح للمؤسسات الإعلامية والفاعلين الصحفيين في البحث عن المعلومات، واستقائها، وتداولها، ونشرها عبر مختلف الوسائل دون رقابة مسبقة أو استتباع إداري غير مشروع من قِبل السلطات العامة أو المراكز السلطوية، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية والقواعد المهنية المعتمدة.

وتُشكل حرية الصحافة تجسيداً عملياً وتطبيقا بنيوياً لحرية التعبير عن الرأي، ودعامةً جوهرية لإرساء قواعد الشفافية، وترسيخ المساءلة المجتمعية، وتأمين حق المواطنين في الوصول إلى الحقائق[1] .

ثانياً: العناصر الهيكلية لحرية الصحافة: تتكامل حرية الصحافة عبر حزمة من العناصر والمقومات البنيوية، التي بدونها تتفرغ من محتواها الإجرائي، وتتمثل في:

  1. الحق في الوصول إلى مصادر المعلومات: تمكين الفاعلين الإعلاميين من جمع البيانات والمعلومات المتعلقة بالشأن العام بحرية ودون قيود تعسفية.
  2. حظر الرقابة المسبقة: ضمان نشر المحتوى الصحفي والبث الإعلامي دون الحاجة إلى موافقات أمنية أو إدارية سابقة.
  3. استقلالية المؤسسات الإعلامية: تحصين المنافذ الإعلامية ضد الهيمنة الاحتكارية أو التوجيه التحريري الإجباري من أجهزة السلطة التنفيذية.
  4. الحماية القانونية والمهنية للصحفيين: تأمين السلامة المادية والنفسية للصحفيين، وحمايتهم من التهديد أو الاعتقال والملاحقة القضائية على خلفية أدائهم المهني.
  5. ضمان حق الجمهور في المعرفة: كفالة وصول أفراد المجتمع إلى تدفق حر ومتعدد للأخبار والأفكار الموثوقة.

ثالثاً: الأبعاد الوظيفية والقيود المشروعة: تكتسب حرية الصحافة أهمية استثنائية نظرًا لأدوارها الوظيفية المتعددة؛ فهي تُعزز المشاركة السياسية والمواطنة الفاعلة، وتُسهم في كشف الفساد ومراقبة أداء المؤسسات العامة، وتدعم تشكيل رأي عام مستنير قائم على معطيات دقيقة.

وعلى الرغم من محورية هذا الحق، فإن أدبيات القانون الدولي تذهب إلى أن حرية الصحافة ليست حقاً مطلقاً، بل ترد عليها ضوابط واستثناءات محددة لحماية المصالح المشروعة، بشرط ألّا تصادر أصل الحق، وتتلخص هذه الضوابط في:

  • احترام الخصوصية وحرمة الحياة الشخصية.
  • حظر التشهير والقذف والافتراء الجرمي.
  • الامتناع عن التحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز العنصري والديني.
  • الالتزام بمقتضيات حماية الأمن القومي والنظام العام والآداب العامة وفق ضوابط التناسب والضرورة التي تحددها المواثيق الدولية والوطنية.

المطلب الثاني: التأصيل الحقوقي المرجعي في المواثيق والعهود الدولية

ترتكز حرية الصحافة على مرجعية حقوقية دولية ملزمة وموجهة للتشريعات الوطنية، من أبرز معالمها:

  1. المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: (1948)نصت على أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التمسك برأيه دون تدخل، وفي التماس الأفكار والمعلومات وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود”
  2. المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: (1966) أطّرت الحق في حرية التعبير، وأوضحت الشروط الدقيقة والقيود الاستثنائية التي يجوز فرضها بوجب القانون متى كانت ضابطة لحماية حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق العامة.

ويتطلب تجسيد هذه المرجعيات الدولية على أرض الواقع توفير مقومات إجرائية ومؤسسية شاملة، أبرزها: وجود بيئة تشريعية وتنظيمية تضمن التعددية الإعلامية وتمنع الاحتكار، وتوفر إرادة سياسية حقيقية لترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء، إلى جانب إقرار قوانين نافذة تكفل الحق في الوصول إلى المعلومات وتداولها.

المطلب الثالث: التشريعات المنظمة للحريات الصحفية في المنطقة العربية

يُقصد بـ التشريعات المنظمة للحريات الصحفية المنظومة المتكاملة من النصوص الدستورية والقوانين الاتحادية والوطنية واللوائح التنفيذية التي تُعنى بتأطير العمل الصحفي والإعلامي؛ من حيث تحديد حقوق الفاعليين الإعلاميين وواجباتهم، وتنظيم إشهار المؤسسات الإعلامية وترخيصها، وتحديد المسؤوليات النشرية والجزائية بما يضمن التوازن بين حرية التعبير وحماية النظام العام.

ورغم التباينات التشريعية بين الدول العربية، إلا أن هيكلية الأطر القانونية المنظمة للصحافة تعتمد على منظومة من المصادر التشريعية المتداخلة:

  • النصوص الدستورية: باعتبارها القانون الأسمى المُنظّم للحقوق والحريات العامة.
  • قوانين الصحافة والمطبوعات والنشر: التي تنظم النشر الورقي والمؤسسات الصحفية التقليدية.
  • تشريعات الجرائم الإلكترونية والإعلام الرقمي: التي توسعت الدول في إصدارها لتأطير الفضاء السيبراني والنشر الرقمي.
  • قوانين العقوبات: التي تتضمن أحكام القذف والتشهير وإفشاء الأسرار والجرائم الواقعة على أمن الدولة.
  • الاتفاقيات الدولية والإقليمية: المستندة إلى الإعلان العالمي والعهود الدولية المقرة إقليمياً ومحلياً[2] .

المبحث الثاني: التشريعات والقوانين الوطنية المنظمة للحريات الصحفية في المنطقة العربية:

تتسم البيئة التشريعية المنظمة للحريات الإعلامية في المنطقة العربية بوجه عام بوجود فجوة واسعة بين النصوص الدستورية الكافلة لحرية التعبير وبين القوانين الإجرائية والتنفيذية التي تفرض قيوداً واسعة تحد من الممارسة الميدانية الفعلية.

وتستعرض الدراسة في هذا المبحث النماذج التشريعية الوطنية مقسمة جغرافياً وإقليمياً:

المطلب الأول: الأطر التشريعية المنظمة للعمل الصحفي والإلكتروني في دول مجلس التعاون الخليجي

اعتمدت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أطراً تشريعية ورقابية مشددة عززت من خلالها هيمنة السلطة التنفيذية على المشهد الإعلامي التقليدي والرقمي:

مملكة البحرين:

  • ينظم قانون الإعلام لعام 2002 أحكام النشر والتعبير، متضمناً عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات وغرامات مالية مرتفعة.
  • تمنح المادة (19) من قانون الإعلام وزارة الإعلام صلاحية المصادرة والاحتجاز الإداري للمطبوعات والمنشورات التي تقدّر السلطات أنها غير مناسبة.
  • تكرست هيمنة الدولة على المجال الإعلامي عقب تعليق نشاط وسائل الإعلام الإخبارية الخاصة بموجب التحديثات التشريعية لعام 2017.
  • وثقت تقارير منظمة «مراسلون بلا حدود» وجود ما لا يقل عن 15 صحفياً داخل السجون البحرينية على خلفية قضايا مرتبطة بالتعبير والنشر.

دولة الكويت:

  • ينظم قانون المطبوعات والنشر لعام 2006 أطر العمل الصحفي، ويتضمن نصوصاً تجيز حظر المطبوعات وفرض عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر.
  • تصاعدت القيود على حرية التعبير في السنوات الأخيرة، وتجلى ذلك في أحكام قضائية صدرت بناءً على قوانين النشر، كالحكم الصادر بحق عبد الله الصالح عام 2017 بتهمة الإساءة لإحدى دول الخليج[3] .

المملكة العربية السعودية:

  • يُعد «نظام المطبوعات والنشر» الصادر عام 2003 الإطار الأساسي لتنظيم الصحافة والنشر المطبوع والإلكتروني؛ إذ يفرض قيوداً مرتبطة بمفاهيم النظام العام، والأمن الوطني، والوحدة الوطنية، والشريعة الإسلامية، مع رصد منظمات حقوقية لأكثر من 30 نصاً قانونياً تتضمن عبارات فضفاضة تُتيح تفسيرات موسعة تقيد حرية النشر.
  • ينظم «نظام مكافحة جرائم المعلوماتية» الصادر عام 2007 النشر الرقمي عبر شبكة الإنترنت والتواصل الاجتماعي، ويتضمن عقوبات مشددة على المحتوى المخالف للنظام العام أو القيم الدينية أو الحياة الخاصة؛ وتُطبق أحكامه لملاحقة الصحفيين والمدونين.
  • تشير التقارير الحقوقية إلى استخدام هذه التشريعات في سجن ما لا يقل عن 37 صحفياً، وتظل قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بإسطنبول مؤشراً بارزاً على المخاطر الواقعية.

الإمارات العربية المتحدة:

  • يعكس «قانون المطبوعات والنشر» الصادر عام 1980 التأسيس التقليدي لرقابة النشر.
  • يُعد «المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية» إطاراً تجريمياً ينص على تجريم نشر الأخبار أو المعلومات التي تُقدر الجهات المختصة أنها تخالف المصلحة الوطنية أو الأمن والنظام العام.
  • يحدد «المرسوم بقانون اتحادي رقم (55) لسنة 2023 بشأن تنظيم الإعلام» التزامات المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى والترخيص، ويمنح صلاحيات واسعة للرقابة تتضمن عقوبات تصل إلى الغرامة المالية (في الحد الأدنى 1000 درهم وفي الحد الأعلى مليوني درهم) والسجن لمدة تصل إلى سنتين، مما عمّق بيئة الرقابة الذاتية.

سلطنة عُمان:

  • تخضع وسائل الإعلام والمحتوى الرقمي لرقابة رسمية، مع ملكية الحكومة للصحف اليومية الرئيسية.
  • شهدت البيئة الإعلامية منذ عام 2016 تصاعداً في الإجراءات الرقابية أدى إلى إغلاق 3 منافذ إعلامية وسجن أكثر من 13 صحفياً وفق التقارير الحقوقية [4].

المطلب الثاني: البيئة القانونية للصحافة والنشر في دول المغرب العربي وتونس

الجمهورية الجزائرية:

  • القانون رقم (23-14) المتعلق بالإعلام (2023): ينص على حرية النشاط الإعلامي مقترنة بالالتزام بمصطلحات واسعة كـ «السيادة الوطنية»، «الوحدة الوطنية»، «الأمن والدفاع الوطني»، «النظام العام»، و«الثوابت الدينية والثقافية»، مما يتيح سلطة تقديرية واسعة للمساءلة [5] .
  • قانون الصحافة المكتوبة والإلكترونية رقم (23-19) لسنة 2023: يفرض نظام التصريح المسبق لإنشاء المواقع والصحف، ويحظر نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة أو المساس بالرموز الوطنية تحت طائلة العقوبات التأديبية والجزائية.
  • قانون النشاط السمعي البصري رقم (23-20): يخضع القنوات والإذاعات لرقابة سلطة ضبط مستقلة شكلياً.
  • قانون العقوبات وقوانين الجرائم الإلكترونية:  يتضمن نصوصاً تجرّم القذف وإفشاء الأسرار والمساس بالدفاع الوطني وتُطبق على المحتوى الرقمي.

الجمهورية التونسية:

  • تمسّكت النقابة الوطنية للصحفيين والمنظمات الحقوقية بـ «المرسوم (115) لسنة 2011» باعتباره المرجع الأساسي الضامن لحرية الصحافة والطباعة والنشر عقب الثورة [6].
  • تراجعت هذه الضمانات بصدور «المرسوم (54) لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال»، الذي يجرّم نشر «الأخبار أو الإشاعات الكاذبة» عبر الفضاء الرقمي بعقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية.
  • تفعّل السلطات «الفصل (86) من مجلة الاتصالات» (تجريم الإساءة للغير عبر الشبكات العمومية) والنصوص الجزائية المتعلقة بالإساءة للموظفين العموميين لملاحقة الصحفيين بدلاً من إحالة قضايا النشر إلى المرسوم (115)

المملكة المغربية:

  • يتضمن دستور 2011 ضمانات صريحة لحرية التعبير (الفصل 25)، والحق في الحصول على المعلومات (الفصل 27)، وحرية الصحافة وحظر الرقابة القبلية (الفصل 28).
  • يحدد «القانون رقم (88.13) المتعلق بالصحافة والنشر (2016)» قيوداً تشمل حظر نشر معلومات الدفاع الوطني، وإمكانية حجز المطبوعات، مع إلغائه عقوبة الحبس في الجرائم الصحفية المباشرة واستبدالها بالغرامات [7].
  • ينظم «القانون رقم (90.13)» اختصاصات المجلس الوطني للصحافة في مجالات التأديب وإصدار البطاقة المهنية.
  • يُستخدم «القانون الجنائي المغربي» للالتفاف على قانون الصحافة في القضايا المتعلقة بالتشهير، أو المساس بالحياة الخاصة، أو قضايا أمن الدولة والنشر المضلل.

المطلب الثالث: المنظومة التشريعية للإعلام والجرائم الإلكترونية في دول المشرق العربي (مصر، الأردن، العراق)

جمهورية مصر العربية:

بالرغم من الضمانات الدستورية المتقدمة في دستور 2014 (كمنع الرقابة القبلية وحظر عقوبات الحبس في جرائم النشر في المادة 71)، شهدت مرحلة ما بعد يوليو 2013 التوسع في إصدار منظومة تشريعية تقييدية بلغت زهاء 200 نص قانوني:

  • قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم (92) لسنة 2016 وقانون رقم (180) لسنة 2018: أنشآ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمستندات فضفاضة مثل «حماية الهوية الثقافية» و«مقتضيات الأمن القومي»، ومنح صلاحيات حجب المواقع الإلكترونية، ووقف النشر والبث.
  • قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (175) لسنة 2018: أتاح حجب المواقع وملاحقة المحتوى الرقمي، مع إخضاع التحريض أو الطعن في الأعراض للمجلة الجزائية بموجب المادة (29)
  • قانون الكيانات الإرهابية رقم (8) وقانون مكافحة الإرهاب رقم (94) لسنة 2015: أتاحا إدراج الصحفيين والمؤسسات على قوائم الإرهاب وتجميد الأموال، وألزمت المادة (35) من قانون الإرهاب وسائل الإعلام بالاعتماد الحصري على بيانات وزارة الدفاع الرسمية في تغطية العمليات العسكرية وإلا ستقع تحت طائلة العقوبة الجنائية[8].
  • قانون العقوبات: يتضمن المادة (188) المتصلة بنشر أخبار «تكدير السلم العام»، مع غياب قانون متكامل لتنظيم تداول المعلومات[9].

المملكة الأردنية الهاشمية:

  • قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023: يجرّم نشر الأخبار الكاذبة، الذم والقدح، واغتيال الشخصية، وخطاب الكراهية عبر النشر الرقمي والتوافق الاجتماعي بعقوبات مالية وجنائية مشددة.
  • قانون المطبوعات والنشر رقم (8) لسنة 1998 وتعديلاته: يحدد مسؤوليات الناشرين ورؤساء التحرير وشروط الترخيص.
  • قانون الإعلام المرئي والمسموع رقم (26) لسنة 2015 ونظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026: يخضعان الأنشطة الإعلامية الاحترافية والبث لرقابة وإشراف هيئة الإعلام.
  • قانون العقوبات الأردني: يُطبق في قضايا الذم والقدح وإفشاء الأسرار والجرائم الواقعة على أمن الدولة[10].

جمهورية العراق:

  • يكفل دستور 2005 في المادة (38) حرية التعبير، والصحافة والطباعة والنشر، والاجتماع السلمي.
  • تعطل هذه الضمانات قوانين إجرائية، مثل «قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969» (نصوص القذف وإهانة السلطات)، و«قانون حماية الصحفيين لسنة 2011» الذي تقيد ضماناته عبارات «في حدود القانون”
  • تخضع وسائل الإعلام لـ «تعليمات هيئة الإعلام والاتصالات» التنظيمية وقوانين أمن الدولة الاستثنائية، وسط جدل مستمر بشأن مشاريع قوانين الجرائم الإلكترونية وحرية التعبير[11].

المبحث الثالث: واقع الحريات الصحفية في المنطقة العربية:

المطلب الأول: مؤشرات الحرية الصحفية والتقارير الحقوقية الدولية والإقليمية

تؤكد التقييمات الحقوقية أن الحريات الإعلامية في المنطقة العربية تعيش حالة تقييد حاد وهيكلي:

  • مؤشر «مراسلون بلا حدود» العالمي لعام 2026: صنف غالبية الدول العربية ضمن فئتي «صعب» أو «خطير للغاية»، مع تسجيل المنطقة أدنى متوسط إقليمي في المؤشر خلال الـ 25 عاماً الماضية.

 كما أكد المؤشر تراجُع الحق في الوصول للمعلومات وتعاظم القوانين التجريمية وسياسات الأمن القومي منذ 2001.

تصنيفات الدول العربية في مؤشر 2026:

– مصر: احتلت المرتبة (170) من أصل 180 دولة (تراجعاً من المركز 166 عام 2023)، وصُنفت ضمن فئة «شديدة الخطورة»، مع رصد اعتقال أكثر من 350 صحفياً منذ 2013 واحتجاز أكثر من 40 صحفياً حالياً، ومن ثم فهي إحدى كبريات سجون الصحفيين عالمياً[12].

– دول شمال إفريقيا والخليج: تراجعت تونس للمركز (137)، وصنفت دول خليجية في فئة «صعب» مثل السعودية (162)، عُمان (134)، الكويت (128)، بينما تقدمت قطر للمرتبة (79) عالمياً والأولى خليجياً.

  • تقرير مركز حماية وحرية الصحفيين: شمل الأردن، فلسطين، لبنان، تونس، والمغرب، وخلص إلى أن الإعلام العربي محاصر ومقيد أو مهدد بصورة خطيرة[13].
  • تقرير «بي بي سي نيوز عربي» ودراسة «شبكة ضياء“: أكدا تراجُع الأردن 15 مركزاً ليصل للمرتبة (147) بسبب حجب المواقع والرقابة الرقمية، وأكدا اتساع الفجوة بين الدساتير والواقع الميداني القائم على الهيمنة، المنع، الضغوط المادية (السجن والتعذيب) [14].

المطلب الثاني: أثر النزاعات المسلحة والظروف الأمنية على البيئة الصحفية وسلامة الصحفيين

ترتبط مؤشرات التدهور الحاد للصحافة في الدول العربية بالنزاعات المسلحة والحروب المباشرة.

وقد صُنفت دول النزاع في مراتب متأخرة جداً على المؤشر العالمي لعام 2026: العراق (162)، السودان (161)، اليمن (164)، وفلسطين (156).

  • قطاع غزة وفلسطين: أشار تقرير “بي بي سي” ومؤشرات 2026 إلى أن فلسطين تشهد أسوأ المراحل؛ حيث أدت الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023 إلى استشهاد أكثر من 250 صحفياً، منهم ما لا يقل عن 70 صحفياً استُهدفوا بشكل مباشر أثناء تأدية واجبهم المهني.
  • التحولات السياسية (سوريا): أدى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى تقدم ترتيب سوريا في المؤشر الدولي من المركز (177) إلى (141) بعد سنوات طويلة من البقاء في ذيل القائمة[15].

المطلب الثالث: تداعيات الأطر القانونية على استقلالية المؤسسات الإعلامية وهامش الرقابة الذاتية

أدى توظيف البيئة التشريعية القمعية وقوانين الجرائم الإلكترونية إلى هيمنة السلطات التنفيذية والأمنية على التغطيات الصحفية، وتقويض دور الصحافة الرقابي، مما دفع الفاعليين الإعلاميين إلى ممارسة مستويات عالية من «الرقابة الذاتية» تجنباً للملاحقات القضائية أو الحبس، أو الهجرة ونقل النشاط الإعلامي إلى المنصات الرقمية والفضاءات البديلة[16].

المبحث الرابع: المعوقات البنيوية المؤثرة في بيئة العمل الصحفي العربي:

المطلب الأول: المعوقات التشريعية والقضائية

  • اعتماد التشريعات الوطنية على صيغ ومصطلحات مرنة وفضفاضة (مثل: تكدير السلم العام، المساس بالثوابت، الإساءة للمؤسسات، الأخبار الكاذبة)، مما يُوسّع من نطاق التجريم والتفسير القضائي في غير صالح للصحفي.
  • استمرار النص على العقوبات السالبة للحرية (الحبس والسجن) والاحتجاز الإجرائي والوقائي في قضايا النشر والتعبير بدلاً من المساءلة المدنية.

المطلب الثاني: الضغوط والقيود السياسية والأمنية على تداول المعلومات وحظر النشر

  • فرض حظر النشر الإداري والأمني في القضايا ذات الإهتمام العام وحصر التغطية بالروايات الرسمية الصادرة عن وزارات الدفاع أو الأجهزة الأمنية.
  • غياب التشريعات والإرادة السياسية النافذة لضمان حق الوصول إلى المعلومات، مما يُغلق المصادر الرسمية أمام الصحافة الاستقصائية.

المطلب الثالث: التحديات الاقتصادية والرقمية الناشئة وانعكاساتها على استقلال القطاع الإعلامي

تعاني المؤسسات الصحفية المستقلة من ضغوط اقتصادية، وسيطرة احتكارية أو تبعية للمؤسسات الحكومية، إلى جانب الاستهداف الرقمي المتمثل في حجب المواقع الإلكترونية، ومراقبة المحتوى الرقمي بموجب قوانين مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية حديثة الإصدار.

المبحث الخامس: مقارنة بين التشريعات الوطنية المعمول بها والمعايير الدولية لحرية التعبير:

يستند هذا المبحث إلى مقارنة المنظومات الوطنية العربية بأحكام القانون الدولي للإعلام، والمادة (19) من الإعلان العالمي حقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وذلك وفق المحاور المحددة أدناه:

محور المقارنةالمعايير والمواثيق الدوليةالقوانين والتشريعات الوطنية العربية
الأساس القانونيالمادة 19 (إعلان عالمي وعهد دولي): إباحة الحق أصلنصوص دستورية تكفل الحرية مع إحالتها لقوانين تقيدها
القيود الاستثنائيةشروط مشددة: النص القانوني، الضرورة، والتناسبصياغات فضفاضة وعامة تمتد لتجريم الأداء المهني
الوصول للمعلوماتحق أصيل مكفول للجمهور والصحفيين للوصول للوثائق الرسميةتشريعات غائبة أو غير مفعلة، مع فرض السرية وحظر النشر
عقوبات قضايا النشرالتوجه لمنع العقوبات السالبة للحريةالإبقاء على الحبس والسجن والغرامات التعجيزية
استقلالية الوسائلكفالة الاستقلال عن التوجيه الحكومي وتكريس التعدديةرقابة إشرافية، وهيمنة تنفيذية، واحتكار ملكية الإعلام
حماية الصحفيينتوفير البيئة الآمنة وسرية المصادرقصور آليات الحماية القانونية واستمرار الاحتجاز الميداني.

النتيجة التحليلية للمقارنة: أكدت دراسة «المركز العربي للدراسات» (2023) أن القوانين المفسرة والتطبيقية في الدول العربية تخالف في مجملها المواثيق الدولية، وأن المضامين الدولية لحرية الإعلام لا تجد صداها التطبيقي في البناء التشريعي العربي[17].

المطلب الأول: مدى توافق قيود النشر الوطنية مع شروط الضرورة والمشروعية الدولية

من الواضح في المقارنة السابقة أن أن المعايير والمواثيق الدولية تضع شروطا مشددة فيما يخص قيود النشر، ومنها: وجود نص قانوني، ووجود ضرورة حقيقية، وتناسب القيود مع حالات الضرورة، بينما في الدول العربية تتسع الصياغات الفضفاضة والعامة لتقييد النشر، والتي تصل إلى تجريم الأداء المهني ذاته[18].

المطلب الثاني: فجوة الحق في الوصول إلى المعلومات وتداولها بين التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية

تكفل المواثيق الدوليةحق الحصول على المعلومات كحق أصيل مكفول للجمهور والصحفيين على السواء، ويشمل الوصول للوثائق الرسمية.

في المقابل، تغيب التشريعات التي تتيح حق الوصول للمعلومات في الدول العربية، وإذا وجدت تكون معطلة أو غير مفعلة، مع فرض السرية وحظر النشر بصفة دائمة.

المطلب الثالث: إشكالية تجريم قضايا النشر والعقوبات السالبة للحرية مقارنة بالاتجاهات التشريعية الحديثة

في المواثيق والمعايير الدوليةيغلب توجه منع العقوبات السالبة للحرية، وتوفيرلبيئة آمنة لعمل الصحفيين وكفالة سرية المصادر، في حين تُبقي التشريعات العربية على الحبس والسجن والغرامات التعجيزية، وتظل آليات الحماية القانونية للصحفيين قاصرة مع استمرار الاحتجاز الميداني[19].

المبحث السادس: رؤية استشرافية لإصلاح وتطوير التشريعات الإعلامية:

المطلب الأول: المراجعات الدستورية والتنظيمية وإلغاء النصوص المجرمة للأداء الصحفي المهني

  1. مواءمة القوانين الوطنية والمفسرة صراحة مع المعايير الدولية والضمانات الدستورية.
  2. التصفية التشريعية للنصوص الفضفاضة التي تجرم النشر (مثل: إثارة البلبلة، والإساءة) والتخلّص التام من العقوبات السالبة للحرية في جرائم الرأي والنشر، والاستعاضة عنها بالمسؤولية المدنية المتناسبة عند الضرورة القصوى.

المطلب الثاني: مأسسة استقلالية الهيئات التنظيمية وتكريس حماية البيئة الصحفية والحق في المعلومات

  1. ضمان استقلالية هيئات تنظيم الإعلام والمجالس العليا عن السلطة التنفيذية وتمثيل المجتمع المدني والصحفيين بها.
  2. إسناد قضايا النشر للقضاء العادي المستقل والمتخصص ومنع إحالة الصحفيين لمحاكم الأمن أو الطوارئ.
  3. إقرار سن تشريعات نافذة لتداول المعلومات وتسهيل إشهار الصحف والمواقع دون عوائق إدارية.
  4. توفير حماية قانونية للمصادر الصحفية، وتحديث تشريعات الإعلام الرقمي لحماية التعبير المشروع ومكافحة التضليل دون حجب تعسفي.

الخاتمة والتوصيات

أولاً: الخاتمة

خلصت الدراسة إلى أن إشكالية حرية الصحافة في العالم العربي تظل قضية ذات صلة وثيقة بمسار الإصلاح السياسي والحكم الرشيد.

وأثبت التحليل القانوني والميداني أن مجرد نص الدساتير على حرية التعبير لا يكفل ممارستها ما لم تقترن بإصلاح القوانين الإجرائية والفرعية؛ حيث أظهرت النماذج العربية اتساع الفجوة بين النص الدستوري القائم على الإباحة والتطبيق التشريعي القائم على التقييد، وبين القوانين المفسرة للدستور والممارسات الفعلية؛ مما أسهم في تراجع المؤشرات واستمرار احتجاز الصحفيين وتقييد استقلالية المؤسسات الإعلامية.

ثانياً: توصيات الدراسة

بناءً على النتائج التي توصلت إليها الدراسة، تبرز التوصيات التالية الموجهة للمشرّعين والهيئات القضائية والمنظمات المهنية:

  1. للمشرّع الوطني:
  2. مراجعة شاملة للتشريعات المنظمة للإعلام والجرائم الإلكترونية وقوانين العقوبات لإلغاء العقوبات السالبة للحرية والمصطلحات الفضفاضة.
  3. إصدار قانون متكامل ونافذ لحرية تداول والحصول على المعلومات تلتزم به مؤسسات الدولة.
  4. للسلطة القضائية والهيئات التنظيمية:
  5. حصر النظر في قضايا النشر أمام المحاكم المدنية العادية وضمان المحاكمة العادلة وحظر استخدام قوانين الإرهاب للطاقم الصحفي.
  6. تكريس استقلال الهيئات والمجالس المنظمة للإعلام وتجريم الرقابة والحجب الإداري دون حكم قضائي بات.
  7. للنقابات والمؤسسات الصحفية:
  8. دعم مواثيق الشرف والتنظيم الذاتي المهني، وتوفير برامج الحماية القانونية والتأهيل للصحفيين في مجالات الإعلام الرقمي والصحافة الاستقصائية.
  9. تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لبناء مؤشرات عربية مستقلة تقيس الحريات الصحفية وتدافع عن سلامة الإعلاميين.  

المصادر:

[1]  حرية التعبير والصحافة – حق من حقوق الإنسان ، الموقع الرسمي للأمم المتحدة ، 3 مايو 2025 ، https://goo.su/8DUmzm

[2]  “تعريف مفهوم التشريعات القانونية المنظمة للحريات الصحفية في العالم العربي ” ، مركز الجزيرة للدراسات ، 3 أكتوبر 2017 ، https://goo.su/KSx7xN

[3]  “تدقيق في حالة “حرية الصحافة” في دول مجلس التعاون الخليجي” ، موقع  منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية ، 31 يناير 2024 ،  https://www.adhrb.org/ar/?p=9595

[4]  “حرية الصحافة في البلدان العربية” ، شبكة ضياء ، 28 ديسمبر 2025 ، https://diae.net/64791

[5]  “إرساء قواعد توازن بين الحرية والمسؤولية تتطابق مع أحكام الدستور ، الاذاعة الجزائرية ، 03/04/2023  ، https://short-url.cc/1tveb

[6]  “التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية 03 ماي 2026 ، النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين” ، 2مايو 2026 ، https://short-url.cc/1tv8G

[7]  ” نصوص قانونية تنظم الاعلام المغربي “، موقع وزارة الشباب والثقافة والتواصل ، https://2u.pw/h0g0K5

[8]  “أزمة الحريات الإعلامية في مصر وإشكالياتها القانونية والسياسية” ، الجزيرة نت ، 20 ديسمبر 2017، https://goo.su/Tn5AlbJ

[9]   ” قانون الصحافة.. مسمار أخير في نعش الإعلام المصري” ، الجزيرة نت ، 19 يوليو 2018 ، https://linksshortcut.com/KGupQ

[10]  “صدور نظام تنظيم الإعلام الرقمي في الجريدة الرسمية ” ، وكالة الانباء الاردنية ، 23 أبريل 2026 ، https://short-url.cc/1tv68

[11]  “التشريعات القانونية الخاصة بحرية التعبير في العراق”  ، مرصد الحريات الصحفية ، https://short-url.cc/1z2F5

[12]  “مراسلون بلا حدود: مصر تتراجع 4 مراكز على مؤشر حرية الصحافة”،المنصة ،4 مايو 2024 ، https://manassa.news/news/17441

[13]  “إعلام في خمس دول عربية: الحريات مهددة والتشريعات مقيدة وتدخلات وهيمنة الحكومات مستمرة” ، العربي الجديد ، 23 مايو 2022، https://2u.pw/SHTjNQ

[14]  “حرية الصحافة: هل الدول العربية تُعدّ الأكثر قمعاً للصحفيين؟” ، بي بي سي نيوز عربي، 26 مايو/ أيار 2025، https://goo.su/ZQjr5

[15]  “تصنيف 2026: حرية الصحافة في أدنى مستوياتها منذ 25 عاماً” ، مراسلون بلاحدود ، يناير 2026 ، https://2u.pw/DtDrky

[16]  “حرية الصحافة في البلدان العربية” ، شبكة ضياء ، 28 ديسمبر 2025 ، https://diae.net/64791

[17]  “الصحافة المكتوبة وحرية الرأي والتعبير بين المواثيق الوطنية والدولية” ، المركز العربي للدراسات، 29  أغسطس 2023، https://democraticac.de/?p=91963

[18]  “الإعلام في التشريعات والمواثيق الدولية” ، مجلة ابحاث قانونية ، https://short-url.cc/1tvgI

[19]  . “مقارنة بين التشريعات العربية والمعايير الدولية في تطبيق الحريات الصحفية” ،موقع “article19” ، 6 مايو 2014 ، https://short-url.cc/1tvhp

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى