فعاليات

“صمود الوعي”.. خارطة طريق لاستدامة القضية الفلسطينية إعلاميا ورقمياً


في ورشة متخصصة نظّمها “مركز إنسان للإعلام” و “منتدى فلسطين الدولي”:

  • خبراء يضعون بروتوكولات تحريرية ذكية للتصدي لحرب التضليل والشائعات الرقمية حول فلسطين
  • المعركة تشمل الذاكرة وتفسير  الأحداث.. والمشاهدات وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى معرفة مستدامة
  • تجاوز لغة الأرقام وأنسنة القصص الإخبارية لضمان التأثير العالمي ومواجهة التعتيم والتضليل
  • ضرورة الرقابة البشرية على الذكاء الاصطناعي لضبط المحتوى وحمايته من خوارزميات الحجب
  • مبادرات “ذاكرة لا تختفي” و”فلسطين في 100 جامعة” و”غرفة تحقق”.. خطوات عملية فورية للاستدامة
  • مشروع “رواق الحقيقة” .. نموذج رائد في الأرشفة الرقمية لتوثيق سير الصحفيين الشهداء وتضحياتهم

 “إنسان للإعلام” –خاص:

أكدت ورشة عمل تفاعلية متخصصة أن معركة فلسطين ليست على الأرض فقط، بل هي معركة حقيقية على الذاكرة وتفسير الأحداث، مشددة على أن أرقام النشر والمشاهدات لا تكفي وحدها ما لم تتحول إلى معرفة مستدامة.

وأوضحت مخرجات الورشة – التي نظمها “مركز إنسان للدراسات الإعلامية” بالتعاون المشترك مع “منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال”، السبت 24 أكتوبر 2024، تحت عنوان “صمود الوعي: أدوات وآليات لإبقاء القضية الفلسطينية حية”- أن القصة الإنسانية الموثقة تمثل السلاح الحقيقي في مواجهة التعتيم وحرب التضليل، محذرة في الوقت ذاته من الاعتماد المطلق على أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقتضي مراجعة بشرية صارمة لكونها تسرع آليات العمل لكنها لا تدقق المعطيات.

و بحضور نخبة من الإعلاميين والناشطين، قدمت للورشة مي الورداني، مديرة مركز إنسان للدراسات الإعلامية، مؤكدة في كلمتها الافتتاحية أهمية الشراكة الإستراتيجية بين الجهات الإعلامية المهتمة بالقضية الفلسطينية؛ لإطلاق فعاليات نوعية تهدف أساساً إلى مغادرة مربع التفاعل اللحظي والموسمي نحو بناء وعي صلب ومستدام، يحافظ على حضور القضية حتى في أوقات تراجع التغطية الإخبارية أو تلاعب خوارزميات المنصات.

الرواية المستدامة مقابل الخبر العابر

واستهل استشاري الإعلام الرقمي، المهندس خالد صافي أعمال الورشة بالمحور الأول الذي ركز على تفكيك مفهوم “الرواية الإعلامية”، مبيناً أن الخبر العابر يكتفي بنقل ما حدث اليوم عبر صورة أو مقطع ينتهي التفاعل معه خلال ساعات، في حين تعمل الرواية المستدامة على تنظيم الوقائع الموثقة ضمن سياق يمنح الضحايا صوتاً وكرامة ويجعل المعنى الإنساني مفهوماً للعالم. وطرح نموذجاً عملياً من ست خطوات لبناء القصة المؤثرة وهي: (الإنسان، الواقعة، السياق، الدليل، المعنى الإنساني والعالمي، والمتابعة والفعل)، محذراً من أن القصة التي لا تُوثق ولا تُتابع تظهر ثم تختفي سريعاً رغم ملايين المشاهدات.

 وشهدت النقاشات تركيزاً على ضرورة الانتقال “من الرقم إلى القصة”؛ فلا يُكتفى بعناوين مجردة مثل “أطفال غزة محرومون من التعليم”، بل تُبنى المادة على أربعة مستويات تشمل البعد الإنساني، والموثق، والبنيوي، والمستقبلي لضمان تحويل المأساة إلى ملف قضايا متكامل

واستشهد المُحاضر بدراسات علمية (مثل دراستي Green & Brock وSmall & Slovic ) التي تُثبت أن الانغماس العاطفي والذهني للجمهور العالمي يتحقق بالتركيز على “الضحية المحددة” وتفاصيلها بدلاً من حشد الأرقام والإحصاءات الصادمة والمجردة.

حرب التضليل وفخ الإرهاق الإخباري

وفي المحور الثاني، تناول  المهندس خالد صافي  أبعاد “صمود الوعي” في مواجهة أربع مشكلات متداخلة تضعف التفاعل بمرور الوقت: التضليل، التشتت، الإرهاق الإخباري، والشعور بالعجز.

وركزت النقاشات على خطورة “الانسحاب التدريجي” للجمهور، والذي يبدأ بالتعرض المتكرر للأخبار المؤلمة، ليتلوه إحساس بالعجز يتلخص في مقولة “لقد رأيت هذا كثيراً، ولكن ماذا أفعل؟”، وينتهي بتراجع الانتباه والصمت التام.

واستعرض “صافي” اتجاهات تجنب الأخبار عالمياً بناءً على بيانات تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية لعام 2026، والذي كشف أن 42% من الجمهور يتجنبون الأخبار أحياناً أو غالباً، بينما يشعر 62% بالقلق من التضليل الرقمي.

 ولمواجهة ذلك، جرى تفكيك الأنماط الستة للتضليل (مثل الفيديوهات القديمة، المقاطع المجتزأة، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي)، وتقديم بروتوكول للرد الذكي يعتمد على البدء بالحقيقة أولاً، ثم شرح الدليل، ونشر بطاقات مختصرة ومترجمة.

وشدد “صافي” على أنه “لا يكفي أن تكون المعلومة في صالح موقفنا حتى ننشرها؛ بل يجب أن تكون صحيحة، لأن الخطأ الواحد من ناشر مؤيد لقضية عادلة يفقدها الثقة”، داعياً إلى تنويع المحتوى واحترام حاجة الجمهور للاستراحة دون اللجوء لأسلوب “ابتزاز العواطف”.

الأدوات الرقمية والأرشفة المستقلة

وفي محور الورشة الثالث، انتقل المشاركون إلى الجانب التقني؛ حيث حُسمت جدلية اختيار المنصات بالتأكيد على أولوية تحديد الجمهور المستهدف ثم توزيع الأدوات؛ ليُترك إنستغرام وتيك توك للاكتشاف السريع، ويوتيوب والبودكاست للشرح المعمق، بينما يمثل الموقع الإلكتروني والأرشيف الذاكرة المستقلة طويلة الأمد.

وركز النقاش على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد إنتاج وبحث لتسريع المهام اليومية مع التشديد على منع منحها سلطة اختلاق الوقائع دون مراجعة بشرية دقيقة. وفي سياق حماية المحتوى، ناقشت الورشة بروتوكول استمرارية الفرق الإعلامية (المستند لتقارير مركز حملة لعام 2026)، والذي يشمل تفعيل المصادقة الثنائية، واستخدام مديري كلمات المرور، والاحتفاظ بنسخ خارج المنصات.

وأفردت الورشة مساحة للأرشفة الرقمية كبنية تحتية لحماية الذاكرة عبر نموذج من أربع طبقا،  وعرَض المهندس صافي جهوده في تأسيس أرشيف رقمي متعدد اللغات لتوثيق سير الصحفيين الشهداء وعائلاتهم لضمان بقاء تضحياتهم محفوظة للأجيال القادمة، وهو ما تجسد في مشروع “رواق الحقيقة”.

أفكار خارج الصندوق ومؤشرات التأثير

واختُتمت الورشة بمحور رابع نقل المشاركين من قياس “المشاهدات المجرّدة” إلى قياس درجات التأثير الخمس: ( الوصول، الفهم، التفاعل النوعي، الفعل، والأثر المستدام) وأسفرت التطبيقات التفاعلية عن ثلاث مبادرات نوعية قابلة للتنفيذ الفوري:

  • مبادرة “ذاكرة لا تختفي”:  أرشيف رقمي متعدد اللغات يعتمد على ملفات موضوعية توثق قصص العائلات والمدارس والمستشفيات بمصادر وتواريخ دقيقة قابلة للتحديث.
  • مبادرة “فلسطين في 100 جامعة”: تشكيل مجموعات طلابية مستقلة تتلقى حزماً معرفية جاهزة (مصادر أولية وأسئلة نقاشية) لإدارة معارض حية داخل الفضاءات الجامعية.
  • مبادرة “غرفة تحقق مشتركة”:  فريق تطوعي موزع من الصحفيين والباحثين لتبادل مهام التحقق من الشائعات وتصنيفها بناءً على حجم انتشارها باستخدام جدول موحد لتسجيل الأدلة.

وعقب انتهاء المحاور الرئيسية، فُتح باب النقاش الختامي، حيث أجاب المهندس خالد صافي على استفسارات الحضور حول آليات ممارسة التوثيق والتحقق العملي أثناء الأزمات والحروب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى