اتفاقية «مكة» تحت المجهر التركي: قراءة صحفية في تداعيات الهجمات الحوثية
- «صباح»: 4 عوامل تضغط على الحوثيين.. ودخول أنقرة يغير ميزان الحسابات اليمنية
- «أكشام»: انتقادات اتفاقية مكة محاولة “إسرائيلية” وغربية مبكرة لإجهاض التحالف
- «دوغرو خبر»: الصراع يخدم «الصهيونية».. والحوثيون فاعل عسكري لا يمكن تجاهله
- «حرييت»: هجمات الحوثيين ستختبر الحدود الفاصلة بين الدعم التقني والتدخل المباشر
- «يني شفق»: بموجب الاتفاقية يمكن استدراج تركيا وباكستان لصراع مذهبي يخدم إسرائيل
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
مع استمرار هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، تصاعد الاهتمام الإعلامي التركي بالشأن اليمني؛ فلم يقتصر تناول الصحافة التركية على نقل تفاصيل الهجمات أو المواقف الرسمية منها، بل امتد إلى مناقشة تداعياتها على التوازنات الإقليمية، وطبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، ومستقبل الدور التركي والباكستاني في إطار الاتفاقية الجديدة.
مع ذلك، تباينت زوايا التناول؛ فركزت بعض الصحف على التحولات الإقليمية التي قد تؤثر في قدرة الحوثيين على مواصلة نهجهم السابق، في حين ركزت أخرى على الهجمات باعتبارها اختباراً مبكراً لمدى فاعلية اتفاقية مكة وآلياتها الدفاعية، وما قد تفرضه من التزامات على تركيا وباكستان.
كما اتجهت بعض الآراء إلى مناقشة المخاطر المترتبة على انخراط الدول الثلاث بصورة مباشرة في الصراع اليمني، والتحذير من أن تتحول الاتفاقية إلى عامل يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.
يستعرض هذا التقرير نماذج من تناول عدد من الصحف والكتّاب الأتراك لهذه التطورات، مع التركيز على مدى ارتباطها باتفاقية مكة، وطبيعة الدور المتوقع لتركيا في المرحلة المقبلة، إلى جانب المواقف المختلفة من العلاقة بين الحوثيين وإيران وتداعيات التطورات اليمنية على التوازنات الإقليمية.
4 عوامل تضغط على الحوثيين
نشرت صحيفة «صباح» التابعة للإسلاميين مقالاً للكاتب أرجان توتار بعنوان: «أربعة عوامل تضغط على الحوثيين وتوازن تركيا»، استهله باستعراض تطورات سابقة في الحرب اليمنية، مشيراً إلى أن الحوثيين تمكنوا في مراحل مختلفة من التقدم من صنعاء باتجاه البحر الأحمر، قبل أن يتراجعوا لاحقاً.
كما ذكّر بحصار الحوثيين لمدينة تعز عام 2016، بالتعاون مع القوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وما رافق ذلك من أزمة إنسانية، فضلاً عن سيطرة الحوثيين على مناطق مثل حيفان وقطع طرق الإمداد بين تعز وعدن.
وأوضح أن التحالف الذي قادته السعودية تمكن خلال عام 2016 من استعادة عدد من المناطق، لكنه لم يتمكن من القضاء على الحوثيين بصورة كاملة، وربط ذلك بوجود أربعة عوامل رئيسية كانت توفر للحوثيين، بحسب طرحه، مساحة للمناورة والصمود، تشمل: السياسة الأمريكية التي ساعدت الحوثيين في مرحلة سابقة، والعلاقة بين السعودية والإمارات داخل الحرب اليمنية التي اختلفت كلياً، والعقوبات الأمريكية والأوروبية السابقة التي لم تكن كافية لقطع مصادر التكنولوجيا والتمويل التي يحتاج إليها الحوثيون لبناء قدراتهم العسكرية، وأخيراً أن الولايات المتحدة لم تكن قد تمكنت من إضعاف إيران والقوى التابعة لها بالدرجة التي تحققت لاحقاً.
ويربط المقال بين تراجع العوامل الأربعة السابقة وبين التغيرات التي طرأت على البيئة التي يتحرك فيها الحوثيون، معتبراً أن التطورات العسكرية الأخيرة تأتي في سياق هذه التغيرات وليست أحداثاً منفصلة عنها، إذ لم تعد هذه العوامل موجودة بالشكل السابق، بالتزامن مع دخول تركيا إلى المعادلة اليمنية، وهو ما اعتبره تحولاً يجعل وضع الحوثيين أكثر صعوبة.
وبعد استعراض العوامل التي يقول الكاتب إنها كانت توفر للحوثيين مساحة للحركة، ينتقل إلى القول بأن دخول تركيا إلى المعادلة يغير ميزان الحسابات السياسية، ويجعل استمرار الحوثيين في النهج السابق أكثر صعوبة.
ونقل الكاتب ثلاثة احتمالات طرحها خبراء، بحسب المقال، تتمثل في: احتمال أن تتجه حرب إيران ومضيق هرمز نحو طهران، أو أن تتحول الحرب الأهلية اليمنية إلى صراع ذي طابع دولي، أو أن يصبح الحوثيون أول اختبار لما وصفه بـ«ميثاق مكة”.
وفي ختام المقال، ذكر “توتار” أن انتهاء العوامل الأربعة التي ساعدت الحوثيين سابقاً، إلى جانب دخول تركيا إلى المعادلة، قد يدفع الجماعة نحو التفاوض.
ووفقاً للكاتب، فإن المرحلة المقبلة قد تفتح أمام الحوثيين إمكانية الوصول إلى تسوية تحفظ لهم مخرجاً سياسياً، بدلاً من استمرار الصراع بالطريقة السابقة.
كما طرح “توتار ” إمكانية الاستفادة من نماذج السلام والاستقرار التي يشير إليها في سوريا والعراق وتطبيقها على اليمن، بحيث يتم إدماج الحوثيين في النظام السياسي اليمني ومنحهم مكاناً على ما وصفه بـ«طاولة اليمن الجديد”[1].
“لماذا يزعجهم إتفاق مكة؟”
ونشر الكاتب أزوان بيلجين مقالاً بعنوان “لماذا يزعجهم اتفاق مكة؟”، في جريدة «أكشام القومية»، ركز فيه على الانتقادات المبكرة لاتفاق مكة، ومحاولات إظهار فشله قبل اكتمال بنيته المؤسسية، مشيراً إلى أن بعض وسائل الإعلام والسياسيين في إسرائيل، إلى جانب بعض المعلقين في الداخل، بدأوا بعد هجمات الحوثيين على السعودية في الحديث عن فشل التحالف، رغم أن الاتفاق لم تكتمل بعد مؤسساته وآليات عمله ولم يدخل حتى مرحلة التصديق البرلماني.
وأوضح “بيلجين” أن اعتبار عدم تفعيل الاتفاق ضد الحوثيين دليلاً على فشله يتجاهل، بحسب رأيه، أن مواثيق الدفاع المشترك لا تُفعّل عادةً ضد الجهات من غير الدول، واعتبر أن هذه الدعاية تهدف أيضاً إلى ترسيخ فكرة أن دول المنطقة لا يمكنها الاستغناء عن إسرائيل والغرب، وأن اتفاق مكة لن يوفر الحماية للدول التي تنضم إليه.
ولفت الكاتب إلى أن محاولة إجهاض التحالف في بدايته تكشف، من وجهة نظره، حجم القلق الذي تثيره إمكاناته لدى إسرائيل والغرب، لكنه أكد في الوقت نفسه أن التحالف سيواجه اختبارات حقيقية تتعلق ببنيته المؤسسية وآليات اتخاذ القرار وتعريف التهديدات والإرادة السياسية للدول الأعضاء، وخلص إلى أن القيمة الفعلية للاتفاق ستتحدد بعد اكتمال مؤسساته، من خلال مدى قدرته على توفير الأمن والردع وتوسيع هامش الحركة الجيوسياسية لدول المنطقة[2].
«من يصدق من بشأن اليمن؟»
ونشرت صحيفة «دوغرو خبر»، المحسوبة على التيار المحافظ، مقالاً للكاتب يوسف عارف أوغلو بعنوان: «من يصدق من بشأن اليمن؟» تناول فيه المشهد اليمني من زاوية مختلفة، إذ لم يركز الكاتب فقط على تحديد الطرف الذي ينبغي اعتباره محقاً في الصراع، وإنما بدأ من التساؤل حول المعيار الذي يجب أن يُحكم من خلاله على أطراف النزاع.
ذكر “أوغلو” أن هناك، في الرواية المتعلقة بالجانب السعودي، حديثاً عن الدولة والدبلوماسية والأمن ودول الخليج، بينما توجد في الرواية المقابلة، قضية غزة والمقاومة اليمنية والاتهامات الموجهة إلى الحوثيين بسبب علاقتهم بإيران.
ومن هنا طرح الكاتب سؤاله المركزي في المقال: «أين الحقيقة؟»، مؤكداً أن الأحداث التي بدأت منذ عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على صنعاء، ثم تدخل التحالف بقيادة السعودية في اليمن في مارس 2015، أدت إلى المجاعة والجوع والبؤس والأزمة الإنسانية.
كما أشار إلى الغارات الجوية وسقوط المدنيين وتدمير البنية التحتية، معتبراً أن هذه التطورات تمثل، في رؤيته، جزءاً من المسؤولية التي يتحملها الجانب السعودي وشركاؤه.
وربط “أوغلو” بين الحرب في اليمن وبين الهجمات التي تشهدها غزة وسوريا ولبنان، وانتقد بشدة الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن السعودية ودول الخليج تتخذ مواقف تخدم، بحسب رأيه، الولايات المتحدة والصهيونية.
كما ربط هذه الملفات بقضية القدس والمسجد الأقصى، منتقداً ما يراه تناقضاً في مواقف بعض الدول والأنظمة تجاه هذه القضايا.
ولم يكتفِ الكاتب بتحميل السعودية المسؤولية عن جانب من نتائج الحرب اليمنية، بل انتقل إلى التشكيك في الدور الذي تقدمه المملكة لنفسها بوصفها خادمة للأماكن المقدسة، وفي هذا السياق، أورد عبارات حادة جداً تجاه السعودية، ورفض وصفها بأنها «خادمة للكعبة»، بل استخدم تعبيراً معاكساً لذلك، معتبراً أنها لا تستحق هذا الوصف، مستشهداً في مقاله بمواقفها تجاه الحجاج ورفع العلم الفلسطيني.
وانتقد السياسات السعودية والإقليمية، معتبراً أن الخلافات بين المسلمين، وخصوصاً الانقسام السني الشيعي، تصب في مصلحة الولايات المتحدة والصهيونية.
وفي المقابل، قدم “أوغلو” تقييماً مختلفاً للحوثيين، إذ وصفهم بأنهم «لاعب عسكري وسياسي قوي» في اليمن، وربط ذلك بالدور الذي أدوه تجاه غزة، مستنداً في هذا السياق إلى الهجمات التي نفذها الحوثيون ضد “إسرائيل” واستهدافهم سفناً أمريكية في البحر الأحمر، معتبراً أن هذه المواقف جعلتهم، في نظره، طرفاً عسكرياً وسياسياً لا يمكن تجاهله في المشهد اليمني.
وأكد “أوغلو” أن العلاقة بين اليمن وإيران والدعم الإيراني للحوثيين يمكن فهمهما ضمن الظروف الخاصة باليمن، ووصفهما بأنهما أمران «طبيعيان وضروريان» في تلك الظروف، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أنه لم يقدم هذا الطرح باعتباره تبرئة مطلقة للحوثيين، إذ قال صراحة إنه لا يريد تمجيدهم أو مدحهم «بأعين مغمضة»، وشدد على ضرورة النظر أيضاً إلى أي أخطاء أو أوجه قصور سياسية أو مذهبية أو عسكرية قد تكون موجودة لديهم.
وأعلن “أوغلو” رفضه اختزال القضية في سؤال: «هل الحوثيون محقون أم السعوديون؟»، موضحاً أن هذا السؤال، رغم مشروعيته الظاهرية، ليس السؤال الأهم، بل هناك أسئلة يرى أنها أكثر ارتباطاً بجوهر القضية، ومن بينها: من يستفيد من الموقف السعودي؟ ومن سيستفيد من إشعال فتنة سنية شيعية جديدة داخل الأمة؟ ومن يدافع عن حقوق الطفل اليمني؟ ومن يدعم المظلوم في غزة ومن يعرقل دعمه؟
وقال إنه يحاول من خلال هذه الأسئلة نقل النقاش من هوية أطراف الصراع إلى نتائج مواقفهم على المدنيين والمظلومين، وهو ما يمثل محوراً أساسياً في مقاله.
ولفت إلى أن الصراعات في إيران وسوريا ولبنان واليمن وغزة لا ينبغي النظر إليها فقط من خلال الاصطفافات السياسية أو المذهبية، متسائلاً عمن يدفع الثمن في النهاية وسط هذه الحروب.
واختتم الكاتب مقاله بتوسيع مفهوم القضية اليمنية لتصبح جزءاً من رؤية أوسع تجاه قضايا المسلمين في المنطقة، موضحاً أن حقيقة المسلم لا ينبغي أن تكون مرتبطة بقصر في الرياض أو بشعار في اليمن، وإنما بالإنسان الذي يعاني من الحرب والظلم[3].
“هل هو أول اختبار لتحالف مكة؟»
وبعنوان: «باسم من يحارب الحوثيون؟ هل هو أول اختبار لتحالف مكة؟»، نشرت صحيفة “حرييت” الليبرالية، مقالاً للكاتبة “هاندا فرات”، قدمت فيه قراءة موسعة للهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون على السعودية، واضعة هذه الهجمات ضمن إطار أوسع من مجرد الصراع اليمني السعودي، موضحة أن “الصاروخ الذي يُطلق من اليمن باتجاه السعودية لا ينبغي النظر إليه باعتباره تهديداً للسعودية وحدها، بل باعتباره تطوراً يمكن أن يؤثر في التوازنات الإقليمية والبنية الأمنية الجديدة في المنطقة”.
وطرحت الكاتبة ثلاثة أسئلة رئيسية تحاول من خلالها تفسير التطورات: لصالح من يتحرك الحوثيون؟ وإلى أي مدى يفرض تحالف مكة على تركيا التزامات جديدة؟ وهل تستطيع أنقرة الدفاع عن السعودية من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران؟
وفي الإجابة على هذه الأسئلة، رفضت “فرات” اختزال العلاقة بين الحوثيين وإيران في صيغة مفادها أن طهران تأمر والحوثيين ينفذون، مبينة أن مفهوم «الوكيل» في حروب الوكالة الحديثة أكثر تعقيداً؛ فقد تتقاطع مصالح الدولة الداعمة مع مصالح الجماعة المسلحة من دون أن تتطابق معها بصورة كاملة.
وأكدت أن الحوثيين، رغم استفادتهم من الدعم الإيراني ووجود توافق كبير بين أجندتهم وبعض جوانب الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، يحتفظون أيضاً بأجندتهم اليمنية الخاصة وقدرتهم على اتخاذ القرار، ولفتت إلى أهمية هذا التفريق، موضحة أن اعتبار كل هجوم حوثي هجوماً إيرانياً مباشراً قد يؤدي إلى تغيير طبيعة الرد عليه، وربما يحول صراعاً محلياً إلى حرب مباشرة بين دول.
وذكرت “فرات” أن المواجهة بين السعودية والحوثيين ليست جديدة، مشيرة إلى أن استهداف منشآت الطاقة أظهر أن الصراع يمكن أن يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي.
لكن الكاتبة ترى أن التطور الجديد لا يتعلق بالهجمات نفسها فقط، وإنما بتغير البنية الأمنية الإقليمية، موضحة أن السعودية لم تعد تواجه الحوثيين وحدها، لأن هناك الآن اتفاقية الدفاع المشترك التي تربط تركيا والسعودية وباكستان.
وبينت أن مفهوم الدفاع الجماعي الذي تتضمنه الاتفاقية يجعل أي هجوم على أمن أحد الأطراف موضع اهتمام الأطراف الأخرى، ولذلك يصبح السؤال، وفق طرحها، ليس فقط ماذا ستفعل الرياض، وإنما ماذا ستفعل أنقرة وإسلام آباد؟ ومن هنا وصفت فرات تحالف مكة بأنه أمام واحدة من أولى أزماته الجدية.
وشددت “فرات” على ضرورة التعامل بحذر مع معنى «الدعم التقني»، معتبرة أن هناك فرقاً كبيراً بين توفير أنظمة الدفاع الجوي أو الرادارات أو الإنذار المبكر أو المعلومات الاستخباراتية أو قدرات الحرب الإلكترونية، وبين إرسال الجنود الأتراك للمشاركة المباشرة في القتال، مؤكدة أن هذه المستويات المختلفة من الدعم لا ينبغي التعامل معها باعتبارها شيئاً واحداً، لأن مشاركة الجيش التركي بصورة مباشرة في القتال تمثل، وفق تحليلها، عتبة مختلفة تماماً.
وناقشت الكاتبة الجانب القانوني في موقف تركيا، موضحة أن توقيع اتفاقية دفاع دولية لا يعني تلقائياً أن القوات المسلحة التركية ستُرسل إلى الخارج، وأشارت إلى المادة 92 من الدستور التركي، مبينة أن هناك مرحلتين قانونيتين ينبغي التفريق بينهما:
- الأولى: تتعلق بالتصديق على اتفاقية مكة ودخولها حيز التنفيذ بالنسبة لتركيا.
- الثانية: تظهر إذا أدى تطبيق الاتفاقية إلى الحاجة إلى تكليف جنود أتراك بمهمة خارج البلاد.
وأكدت أن القول إن «توقيع الاتفاقية يعني أن تركيا أصبحت ملزمة تلقائياً بإرسال قوات» سيكون استنتاجاً غير صحيح، كما أن القول في الاتجاه المعاكس إن تركيا «لا يمكنها تحت أي ظرف إرسال قوات» سيكون بدور حاسم أكثر من اللازم قبل معرفة الأحكام النهائية للاتفاقية وطبيعة المهمة القانونية.
وطرحت سؤالاً ترى أنه الأهم في المرحلة المقبلة: هل ستطلب الرياض من أنقرة دعماً تقنياً فقط، أم ستصل في مرحلة ما إلى طلب مساهمة عسكرية فعلية؟
وحول الدور الباكستاني، أكدت «فرات» أن وجود باكستان في التحالف يمثل عنصراً مهماً في الحسابات الإقليمية، نظراً لامتلاك باكستان سلاحاً نووياً وجيشاً قوياً، وإلى علاقاتها العسكرية التاريخية مع السعودية، فضلاً عن كونها دولة مجاورة لإيران ولديها علاقات استراتيجية مع الصين وتنافس تاريخي مع الهند، وبناءً على ذلك، أوضحت أن مشاركة إسلام آباد في تحالف مكة ليست مجرد خطوة دبلوماسية عادية.
وفي المقابل، لفتت إلى المعضلة التي تواجه باكستان، وهي كيفية دعم أمن السعودية من دون الدخول في مواجهة مع إيران.
وترى الكاتبة أن المعضلة الاستراتيجية أمام أنقرة وإسلام آباد متقاربة: تحقيق الردع من دون الانجرار إلى الحرب، موضحة أن طريقة قراءة إيران للتحالف تمثل عاملاً أساسياً في تحديد مسار التطورات؛ فمن وجهة نظر جغرافية، تقع تركيا غرب إيران، والسعودية جنوبها، وباكستان شرقها، وبالتالي فإن اجتماع هذه الدول الثلاث في بنية أمنية تتجه نحو المأسسة سيكون موضع اهتمام مباشر في طهران، لكن ذلك لا يكفي للقول إن التحالف تشكل ضد إيران.
وطرحت الكاتبة أربعة سيناريوهات للمرحلة المقبلة:
الأول: يتمثل في الردع التقني، من خلال تقديم تركيا دعماً للسعودية في الدفاع الجوي والرادارات والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية ومواجهة الطائرات المسيّرة والاستخبارات، بالتوازي مع مساهمة دفاعية من باكستان، وهذا السيناريو يحافظ على الطابع الدفاعي للتحالف.
الثاني: يتمثل في تحول التحالف إلى آلية دبلوماسية إلى جانب دوره الأمني، بحيث تقدم تركيا وباكستان الدعم للسعودية، مع استخدام قنوات الاتصال مع إيران، فيما تستخدم طهران نفوذها على الحوثيين للمساعدة في الحد من التصعيد.
الثالث: يرتبط بوقوع هجوم حوثي كبير على منشآت الطاقة الحيوية السعودية أو هجوم يتسبب في خسائر بشرية كبيرة، الأمر الذي قد يدفع الرياض إلى طلب دعم عسكري أكثر شمولاً، وهذه الحالة ستكون اختباراً حقيقياً لنصوص اتفاقية مكة.
الرابع: وهو الأكثر خطورة، يتمثل في تحول المنطقة إلى حالة من الاستقطاب بين كتل أمنية، بحيث ترى إيران تحالف مكة باعتباره حزاماً أمنياً موجهاً ضدها، فتعمل بدورها على تعزيز شراكاتها، بينما تعيد الولايات المتحدة وإسرائيل والصين تحديد مواقفها وفقاً للتوازن الجديد.
وقالت “فرات” إن القضية لا تقتصر على اليمن، بل تتصل بشبكة أوسع من الممرات والمصالح الإقليمية والدولية، تشمل البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز، وأن الأمر يتعلق في النهاية بأمن الطاقة وأسعارها وطرق التجارة البحرية، موضحة أن التكلفة الاقتصادية لأي صراع في اليمن يمكن أن تنتقل آثارها إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات.
وفي ختام المقال، ذكرت “فرات” أن تحالف مكة يفتح أمام أنقرة مجالاً استراتيجياً مهماً، لكنه يضع تركيا أمام ضرورة إدارة توازن دقيق، موضحة أن متابعة الصواريخ التي تُطلق من اليمن لا تكفي وحدها لفهم التطورات، بل ينبغي مراقبة ما ستطلبه الرياض من أنقرة، والحدود التي ستضعها باكستان لمشاركتها، وطريقة تعامل طهران مع تحالف مكة، مؤكدة أن القضية الأساسية بالنسبة إلى تركيا تتمثل في الاستفادة من قوة الردع التي توفرها البنية الأمنية الجديدة، مع تجنب الانجرار إلى حرب لم تخترها أنقرة بنفسها[4].
«اتفاقية مكة: هل هي نمر من ورق؟»
وفي مقال نشرته صحيفة «يني شفق» المؤيدة للحكومة، بعنوان «اتفاقية مكة: هل هي نمر من ورق؟»، تناول الكاتب سليمان سيفي اتفاقية مكة من زاوية مختلفة تركز بصورة أساسية على مدى هشاشة الاتفاقية، وما إذا كان يمكن أن تتحول إلى أداة تخدم حسابات إقليمية تتجاوز أهدافها المعلنة.
وأوضح أن النقاش حول الاتفاقية اكتسب أهمية بعد الحوار الذي جرى في نيويورك بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والسفير الأمريكي السابق جيمس جيفري، مشيراً إلى أن جيفري اعتبر التطورات بين السعودية واليمن اختباراً عملياً سيكشف ما إذا كانت اتفاقية مكة مجرد «نمر من ورق»، بينما رد فيدان بأن من المبكر استخدام حادثة واحدة للحكم على اتفاقية ما زالت في مراحلها الأولى، مستشهداً بحقيقة أن المادة الخامسة في حلف الناتو نفسه لم تُفعّل سوى مرة واحدة.
وأكد “سيفي” أن الاتفاقية، من وجهة نظره، تمثل في الوقت نفسه فرصة كبيرة لتركيا ومصدراً لهشاشة شديدة، ويرى أن الاتفاقية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نتاجاً للتحرك التركي والسعودي والباكستاني وحده، بل إن الولايات المتحدة، بحسب تحليله، تقف خلفها أيضاً.
وقدم الكاتب قراءة للدور الأمريكي، إذ اعتبر أن الولايات المتحدة خرجت من المواجهة مع إيران وهي تعاني من تراجع في المكانة والمصداقية، فضلاً عن تعرض شبكاتها في الشرق الأوسط والخليج للاضطراب، وفي حال تمكن ترامب من تجاوز الانتخابات، قد تبحث عن تقليص وجودها المباشر في الشرق الأوسط، مع الإبقاء على ترتيبات إقليمية تعتمد فيها على قوى أخرى بدلاً من الانسحاب الكامل.
وبيّن الكاتب أن تركيا وباكستان تبدوان، في هذا التصور، دولتين مناسبتين للقيام بهذا الدور إلى جانب السعودية، موضحاً أن ما تريده الولايات المتحدة من هذه البنية، وفق تحليله، هو أن تتموضع بين إسرائيل وإيران وأن تؤدي دوراً في موازنة الطرفين.
كما لفت “سيفي” إلى رد فعل إسرائيل بعد إعلان اتفاقية مكة، مشيراً إلى تعزيزها تحركاتها واتفاقياتها العسكرية مع اليونان وقبرص الجنوبية، واعتبر أن هذه الخطوات يمكن فهمها باعتبارها احتياطاً تجاه احتمال أن تُستخدم آليات الاتفاقية ضد إسرائيل، خصوصاً أن الاتفاقية تتضمن حكماً حاسماً شبيهاً بالمادة الخامسة، رغم أنها لا تحدد بصورة صريحة من هو «العدو» الذي تستهدفه.
وذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك، إذ رأى أن إسرائيل لن تكتفي بالاستعداد لمواجهة احتمال استهدافها، وإنما قد تعمل على دفع الاتفاقية باتجاه مناهضة إيران بدلاً من أن تكون موجهة ضد إسرائيل، وهذه إحدى أهم النقاط التي يخشى منها الكاتب في تطور طبيعة الاتفاقية.
أما بالنسبة إلى تركيا، فأوضح “سيفي” أن حساب أنقرة، وفق رؤيته، يتمثل في استغلال تراجع الدور الأمريكي في المنطقة بما يخدم المصالح الوطنية التركية، وربط ذلك بثلاث ساحات يعتبرها ذات أهمية بالنسبة لتركيا: سوريا ولبنان في الغرب، والعراق في الشرق.
وأشار إلى أن سوريا تمثل، في تصوره، الساحة الأكثر حيوية، وأن تركيا استطاعت بعد مراحل صعبة أن تثبت موطئ قدم لها هناك. وفي المقابل، اعتبر أن إسرائيل أصبحت المنافس الرئيسي لتركيا في هذه الساحة. أما العراق، فأوضح أن الحسابات فيه أكثر تعقيداً، وأن إيران هي الطرف الذي تنافسه تركيا هناك، وهي في الوقت نفسه، بحسب وصف الكاتب، «العدو اللدود» لإسرائيل.
من هنا، شدد الكاتب على ضرورة أن تتعامل تركيا بحذر شديد مع ملفات سوريا والعراق، لأن الخطأ في إحدى الساحتين، بحسب رؤيته، يمكن أن ينعكس سلباً على الساحة الأخرى، واستخدم تعبير «حمل البيض دون كسره» للتأكيد على ضرورة إدارة هذه الملفات بحسابات دقيقة.
وفي الجزء الأكثر ارتباطاً بالتطورات الأخيرة بين السعودية واليمن، لفت “سيفي” إلى أن إسرائيل، بحسب تقديره، تعمل بصورة مكثفة من أجل عرقلة تركيا، وأن الصراع السعودي اليمني وفر لها أرضية مناسبة لذلك، واعتبر الكاتب أن الهجوم السعودي على اليمن كان «خطأ كبيراً»، سواء تم عن وعي أو من دونه.
وطرح سؤالاً محوريّاً حول ما إذا كانت السعودية قد استشارت تركيا وباكستان قبل مهاجمة اليمن، وبيّن أن هناك احتمالين يثيران القلق لديه:
- الأول: أن تكون السعودية قد تصرفت دون الرجوع إلى الدولتين، اعتماداً على أحكام اتفاقية مكة.
- الثاني: وهو الاحتمال الذي يراه الكاتب أكثر خطورة، أن تكون السعودية قد حصلت بالفعل على موافقة تركيا وباكستان قبل التحرك.
ويرى “سيفي” أن تحقق الاحتمال الثاني سيعني، من وجهة نظره، أن الأحداث بدأت تسير في الاتجاه الذي تريده إسرائيل، وأن اتفاقية مكة ستتحول عملياً إلى أداة ذات طابع مناهض لإيران، وحذر الكاتب بشدة من أن تدخل تركيا وباكستان عسكرياً في اليمن إلى جانب السعودية، مؤكداً أن تجربة الإمارات والسعودية، وكذلك التجربة الأمريكية التي وصفها بالفشل، لا تعطي أساساً للاعتقاد بأن المهمة ستكون سهلة.
وأوضح أن القصف الجوي وحده، بحسب رؤيته، لن يحسم الصراع، بينما ستكون أي عملية برية في اليمن، بالنظر إلى جغرافية البلاد، شديدة التكلفة وقد تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة.
ونوّه إلى وجود مؤشرات، بحسب تقديره، تثير الشك في وجود تدخل إسرائيلي في الهجوم السعودي على اليمن، معتبراً أن دخول تركيا وباكستان في هذه المواجهة بصورة مباشرة سيؤدي إلى استفادة إسرائيل، بينما ستتحمل تركيا وباكستان الجزء الأكبر من الخسائر، وفق تحليله.
وحذر الكاتب بصورة خاصة من التداعيات الإقليمية المحتملة، موضحاً أن انخراط تركيا وباكستان في صراع عسكري باليمن قد يؤدي، في حال تطور الأحداث، إلى تصاعد التوترات بين إيران وكل من تركيا وباكستان، وذهب إلى أن ذلك قد يفتح المجال أمام صراع سني-شيعي طويل الأمد في المنطقة، وهو سيناريو يرى الكاتب أنه يخدم إسرائيل.
وفي ختام المقال، عبّر “سيفي” عن ارتياحه لرد هاكان فيدان على جيمس جيفري، معتبراً أن الرد يعكس إدراكاً للمخاطر التي ناقشها في مقاله، مؤكداً أن تركيا تمتلك من الخبرة والتراكم ما يكفي لتجنب ما وصفه بـ”الفخاخ الرخيصة”[5].
[1] أرجان توتار، «أربعة عوامل تضغط على الحوثيين وتوازن تركيا»، صحيفة “صباح”، 26 سبتمبر 2026، https://2u.pw/oR5Twh
[2] ازوان بيلجين ، “لماذا يزعجهم إتفاق مكة”، صحيفة “أكشام”، 21 سبتمبر 2026، https://2u.pw/OzAdsw
[3] يوسف عارف أوغلو ، «من يصدق من بشأن اليمن؟»، صحيفة “دوغرو خبر”، 22 سبتمبر 2026، https://2u.pw/DNQc76
[4] هاندا فرات، «باسم من يحارب الحوثيون؟ هل هو أول اختبار لتحالف مكة؟»، صحيفة “حرييت”، 22 سبتمبر 2026، https://2u.pw/gXHj9b
[5] سليمان سيفي، «اتفاقية مكة؛ هل هي نمر من ورق؟»، صحيفة “يني شفق”، 28 سبتمبر 2026، https://2u.pw/QxeyWe




