المرصد

الإعلام المصري وأزمات المنطقة.. أولويات أمنية واقتصادية على حساب البعد الإنساني

  • الإعلام تحول من منبر للضحايا إلى صدى مُوجّه لخدمة أولويات السلطة
  • السودان.. تقزيم الكارثة الإنسانية وتأطير الضحايا كعبء أمني وضغط اقتصادي
  • غزة.. تناقض الموقف بين رفض التهجير والتكسب المالي من دماء العالقين
  • اليمن.. اختزال المأساة والمجازر في حسابات خسائر قناة السويس وأمن الملاحة
  • سوريا.. منح الأولوية لـسيادة الدولة ومصالح النظام على حساب التغيير السياسي

“إنسان للإعلام” – فريق التحرير:

تكشف قراءة المشهد الإعلامي والصحفي في مصر ، خلال السنوات الأخيرة، عن تحول في التعاطي مع كبريات الأزمات الإقليمية في السودان وغزة واليمن وسوريا، فقد فرضت الرواية الرسمية المهيمنة تسلسلاً صارماً للأولويات الإخبارية والتحليلية، يقدم حسابات الأمن القومي، والسيادة، والاستقرار الداخلي، والمصالح الاقتصادية المباشرة، على حساب البعد الإنساني ومعاناة الشعوب المغدورة التي جرى تهميشها وإزاحتها إلى مساحات هامشية.

يستعرض هذا التقرير كيف تحولت الصحافة المصرية من أداة لنقل الحقيقة والانتصار لقضايا الضحايا إلى مجرد صدى لتوجهات السلطة ومؤسساتها الأمنية والدبلوماسية،  ففي السودان، جرى تحويل تدفق اللاجئين والفارين من أتون الحرب من قضية إنسانية تستوجب التضامن إلى “تهديد أمني وعبء اقتصادي” يضغط على الخدمات والبنية التحتية، بالتوازي مع تقييد حرية الصحفيين السودانيين المنفيين.

 وفي غزة، تتجلى الفجوة الهائلة بين الرفض السياسي المعلن لمخططات التهجير القسري إلى سيناء بوصفه خطاً أحمر، وبين الواقع الميداني الذي ينطوي على استغلال مادي وتكسب بمليارات الدولارات من العالقين عبر شركات وسيطة نافذة ومقربة من أجهزة الدولة تفرض مبالغ باهظة لقاء الخروج عبر معبر رفح.

أما في اليمن، فقد جرى اختزال حرب مدمرة ومجاعة متفشية في إطار ضيق يركز حصرياً على تأثر حركة الملاحة في البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس.

وفي سوريا، ظل الخطاب الصحفي متمسكاً بمنطق “سيادة الدولة والاستقرار” ومحاربة الجماعات المسلحة، ثم جاءت تغطيته للسقوط السريع للنظام عاطفية وظرفية.

وبهذا عمل الإعلام المصري كأداة تبريرية تكرس فجوة عميقة بين المهنية المستقلة وبين ما تنتجه ماكينة التوجيه الرسمي.

السودان: الأمن والثروة أهم من الإنسان

وفق تقرير BBC Monitoring عن الرواية الإعلامية المصرية بشأن السودان يوثق أنوسائل الإعلام المصرية ركزت في البداية على الكارثة الإنسانية والنزوح، ثم تحول التركيز سريعًا إلى حضور اللاجئين السودانيين في مصر وأثرهم على الاقتصاد المتعثر؛ وهذا يدعم فرضية تحويل الضحية إلى “عبء أمني واقتصادي”، ومن ضحية حرب أهلية طاحنة تستوجب التعاطف الشامل إلى مجرد عبء لجوء وضغط متزايد على الموارد والخدمات والبنية التحتية المحلية.

وهذا ما تعكسه بوضوح مانشيتات الصحف القومية التي تربط ملف السودان دائمًا بضرورة ضبط الحدود وحماية الأمن القومي المصري، متجاوزةً التوثيق العميق لجرائم الميليشيات والمجاعة المتفشية لصالح التقارير الدبلوماسية الباردة التي تعالج الأزمة من منظور السيطرة الأمنية وتُنظر إلى أعداد الفارين بعين الريبة أو التوجس الاقتصادي، وكأن السودانيين ليسوا سوى أرقام إضافية تُثقل كاهل الميزانية العامة وتستوجب إجراءات تنظيمية مشددة وتقييدًا للوضع القانوني.

ويضيف تقرير لمنظمة “مراسلون بلا حدود ” بعدًا مهمًا، هو أن مصر تستضيف أكبر عدد من الإعلاميين السودانيين المنفيين، لكنها في الوقت نفسه بيئة خطرة لعملهم؛ ففي 2023 اقتحمت الأجهزة المصرية مكاتب قناة Sudan Bukra واحتجزت عاملين فيها وضيفًا، مع ضغوط وتخويف استهدفت فريق 24 Sudania  

غزة: تناقضات رفض التهجير وتقييد الخروج

في غزة يبرز التناقض بحدة بالغة حين يُرفض مخطط التهجير القسري إلى سيناء بوصفه خطًا أحمر للأمن القومي وتهديدًا سياديًا استراتيجيًا لا يمكن التنازل عنه، وهو موقف رسمي وشعبي محمود في ظاهره، غير أنه يترافق مع واقع ميداني مؤلم يظل فيه خروج المصابين والطلاب والراغبين في النجاة عبر معبر رفح مقيدًا ومكلفًا ورهينًا بشبكة معقدة من التنسيقات الباهظة والشركات الوسيطة التي تجعل من الألم الفلسطيني سلعة مربحة وتجارة سياسية تدر أموالًا طائلة على جهات نافذة.

 وكشف تحقيق أجرته شبكة NPR أن خدمة “تنسيق السفر” التي كانت تتيح لفئة محدودة من أهالي غزة الخروج عبر معبر رفح كانت تديرها شركة “هلا للاستشارات والسياحة”، المملوكة لرجل الأعمال القبلي من شمال سيناء إبراهيم العرجاني، أحد أقرب الشخصيات إلى أجهزة الدولة المصرية،  أن رسوم العبور بلغت نحو 5,000 دولار للبالغ و2,500 دولار للطفل دون السادسة عشرة، في وقت كانت فيه حدود القطاع مغلقة أمام الغالبية العظمى من السكان.

ولم تكن “هلا” مجرد شركة سياحة عادية؛ فهي إحدى ثماني شركات تعمل تحت مظلة مجموعة العرجاني، التي امتدت أعمالها من النقل والإنشاءات إلى الخدمات المرتبطة بالمعبر. وقد وثّقت تقارير صحفية أن العرجاني بنى نفوذه عبر علاقات وثيقة بالجيش والمخابرات المصرية، إذ ساهم في بناء جسور مع القبائل في سيناء خلال مواجهات القوات المصرية مع الجماعات المسلحة، وهي العلاقات التي جعلته لاحقًا صاحب النفوذ الأبرز في ملف حركة الدخول والخروج عبر رفح.

وتضع التحقيقات العرجاني في موقع “رجل الدولة” بامتياز، فقد عيّنه السيسي عام 2022 عضوًا في هيئة تنمية سيناء، وهي جهاز حكومي يتحكم في أنشطة التطوير والإنشاء في شبه الجزيرة، فيما تربطه تقارير أخرى بعلاقات مباشرة بالرئاسة والمخابرات العامة.

أما المعالجة الإعلامية المصرية فتكتفي بتصدير صورة المساعدات الإنسانية العابرة وتصريحات الدعم الدبلوماسي دون الاقتراب من معالجة المعاناة اليومية للغزيين العالقين بين مطرقة القصف وسندان الابتزاز الإداري والمادي.

اليمن: إيرادات قناة السويس تسبق المجازر

أما في الشأن اليمني، فإن الخطاب الإعلامي المصري يختزل الحرب والدمار الهائل في زاوية ضيقة تتمثل في تهديد الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر وتأثيراتها المباشرة على إيرادات قناة السويس المصرية، مما يجعل الإنسان اليمني ومعاناته الإنسانية الكبرى غائبة تمامًا عن صدارة الاهتمام الإخباري إلا بالقدر الذي تتقاطع فيه الأزمة مع حركة التجارة العالمية وحسابات الخزينة المصرية.

ويظهر تقرير BBC Monitoring عن التغطية المصرية لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر أن البرامج الحوارية المصرية ركزت أساسًا على تهديد حركة الملاحة وقناة السويس والاقتصاد المصري، لا على حجم الحرب الإنسانية في اليمن نفسها.

سوريا: الدولة والسيادة قبل التغيير والإنسانية

يوثق تحليل INSS أن مصر أكدت باستمرار دعمها للدولة السورية وسيادتها ووحدتها الإقليمية، مع التركيز على مكافحة الجماعات الإسلامية؛ أي أن الإطار المصري يبدأ من الدولة والسيادة، لا من حساب المسؤولية عن القمع أو الاحتلال أو التهجير.

يذكر التحليل أيضا أن الإعلام المصري عبّر عن صدمته من سرعة سقوط نظام الأسد وانهيار الجيش، مع تعاطف مع الشعب السوري “المتروك بلا حماية”؛ وهذا مفيد لإظهار أن التعاطف الإنساني كان غالبًا عاطفيًا أو ظرفيًا، لا تحليلًا مستقلًا للتحول السياسي.

من هنا يبدو للباحث والمتابع أن الإعلام المصري المرتبط بالدوائر الرسمية لا يتعامل مع هذه الأزمات بوصفها قضايا إنسانية عادلة تستوجب الانتصار للضحية أينما كان، بل كملفات أمنية واقتصادية وسياسية يتم تطويعها وتأطيرها وفق مقتضيات السلطة العليا وأولوياتها المتقلبة، وهو ما يكشفه التتبع الميداني والمقارن لمضمون المواد الصحفية المنشورة خلال الربع الثالث من عام 2026، حيث يتراجع صوت الضحية ويصمت الأنين الإنساني تمامًا لصالح الصفقات والسياسات والاستراتيجيات الإقليمية الكبرى.

حتى أدوات الرصد والتدقيق والتحليل تتحول إلى مجرد صدى باهت لرواية الدولة التي تضع بقاء النظام واستقراره ومصالحه الاقتصادية فوق كل اعتبار بشري وأخلاقي، مما يكرس فجوة واسعة وعميقة بين ما ينبغي أن يكون عليه الخطاب الصحفي المهني المستقل وبين ما تنتجه ماكينة الإعلام الرسمي من تبريرات وأطر موجهة تخدم في نهاية المطاف مصالح النخبة الحاكمة على حساب وعي الجمهور وحقه الأساسي والكامل في معرفة الحقيقة المجردة.

الخلاصة أن الصحافة المصرية تحولت إلى مجرد صدى لقرارات غرف القرار المغلقة التي لا ترى في مآسي الإقليم سوى أرقام في معادلات الأمن القومي الضيق

.____________________

المصادر :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى