المرصد

مصر| تحركات حكومية مبكرة للسيطرة على انتخابات الصحفيين 2027

  • النظام يستعد للإجهاز على النقابة بعد خروج “البلشي” من سباق النقيب
  • «رشوان» يعلن دعمًا استثنائيًا للمعاشات والعلاج بقيمة 30 مليون جنيه
  • «الجارحي» يؤكد عدم قانونية ترشح وزير الإعلام ويدشن حملة لمواجهته
  • تحركات النظام تهدف إلى إغلاق ملف الصحفيين المعتقلين والحريات نهائيا
  • «الكيانات الموازية».. معركة جديدة تديرها السلطة ضد “تيار الاستقلال”

“إنسان للإعلام”- تقرير خاص:

تؤكد الشواهد المتسارعة داخل الشارع الصحفي المصري أن السلطة الحاكمة لم تنتظر فتح باب الترشح الرسمي لانتخابات التجديد النصفي بنقابة الصحفيين المقررة في مارس 2027 لتبدأ استعداداتها للتحكم في مسارها وفرض سيطرتها عليها.

فقبل نحو خمسة أشهر كاملة من الموعد المقرر، شرعت أجهزة النظام في فرض ممارسات للتضييق على مجلس النقابة الحالي ذي الأغلبية المنتمية لـ “تيار الاستقلال”. ولم يتوقف الأمر عند حدود التضييق الميداني والمهني على المجلس، بل امتد ليشمل الطرح المبكر لأسماء مرشحين محتملين محسوبين بالكامل على السلطة، وتحريك الاتصالات السريعة والمحسوبة داخل الكتل النقابية، ومحاولة جس نبض الجمعية العمومية؛ في مشهد يعكس ملامح طبيعة المعركة المقبلة ومسعى “السيسي” وأجهزته لإعادة نقابة الصحفيين إلى حظيرة السيطرة الشاملة،  عبر الدفع بصحفيين يدينون بالولاء التام للمؤسسات الرسمية، وفي مقدمتهم وزير الدولة للإعلام الحالي ضياء رشوان.

صراع رؤيتين حول هوية العمل النقابي

 تكتسب هذه الانتخابات خصوصية استثنائية لأن النقيب الحالي خالد البلشي لن يكون قادرًا على الترشح لدورة ثالثة متتالية وفق القواعد المنظمة لولاية النقيب، بعد أن فاز بالمنصب للمرة الأولى في مارس 2023 ثم أُعيد انتخابه في مايو 2025، ليصبح مقعد النقيب مفتوحًا أمام منافسة جديدة في 2027.

غير أن أهمية المعركة لا تتوقف عند تغيير شخص النقيب؛ فمنذ انتخابات 2023 باتت النقابة ساحة للتنافس بين رؤيتين متناقضتين للعمل النقابي؛ الأولى يمثلها البلشي وتيار الاستقلال وتضع استقلال القرار النقابي، وملفات الحريات، والحبس في قضايا النشر، والصحف المتوقفة في صدارة الأولويات،  أما الثانية فتعطي وزنًا أكبر للعلاقة المؤسسية مع الدولة، وقدرة النقيب على الوصول لدوائر صنع القرار، وتوفير الخدمات والمزايا الاقتصادية للصحفيين.

ولهذا تبدو انتخابات 2027 امتدادًا لمواجهة أوسع بين تيار الاستقلال والشخصيات ذات العلاقات القوية بالمؤسسات الرسمية، في ظل توقعات بمعركة طاحنة تجهز لها السلطة الانقلابية منذ بداية العام الحالي.

رشوة الـ30 مليوناً والإشكاليات القانونية

 في قلب هذا الجدل، ظهر اسم ضياء رشوان، نقيب الصحفيين الأسبق ووزير الدولة للإعلام حاليًا، كأكثر الأسماء إثارة للجدل بعد أن ابتعد عن السباق لفترة

وزاد الجدل حوله بعد إعلان الحكومة في يوليو 2026 تخصيص دعم استثنائي بقيمة 30 مليون جنيه لصندوقي المعاشات والعلاج بالنقابة؛ بناءً على مذكرة تقدم بها رشوان لوزير المالية، وهي الخطوة التي أتبعتها النقابة بإعلان زيادة معاشات الصحفيين 500 جنيه شهريًا اعتبارًا من معاشات يوليو.

هذا التطور أعاد فتح النقاش حول العلاقة بين الدعم الحكومي والعمل الانتخابي؛ ففي حين يروج أنصار رشوان بأن وجود شخصية ذات صلات مباشرة بالحكومة يساعد في توفير الموارد وحل ملفات الخدمات والعلاج والمعاشات، تؤكد التجربة -بحسب منتقديه- أن رشوان تجاهل خلال فترة توليه منصب النقيب التركيز على قضية الحريات الصحفية وملف الصحفيين المعتقلين،  كما أن الامتيازات الممنوحة للصحفيين في عهده لم تكن في أفضل حالاتها.

وفي المقابل، أثار احتمال ترشحه اعتراضات نقابية ترى أن وجوده في منصب حكومي تنفيذي يطرح إشكالية تمس استقلال النقابة، حيث نقلت تقارير حديثة عن وكيل النقابة محمد الجارحي موقفًا رافضًا لفكرة أن يتولى وزير منصب نقيب الصحفيين، مع تأكيده أن موقفه من الترشح الشخصي سابق لأوانه.

كما أثار أعضاء الجمعية العمومية قضية التفرغ الكامل للمهام النقابية، مستحضرين النموذج الذي قدمه البلشي في التفرغ للعمل النقابي، بجانب السوابق المتعلقة بنقل الصحفيين المتولين لمناصب تنفيذية إلى جدول غير المشتغلين، والواقعة السابقة الخاصة برشوان نفسه عندما كان رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات ورفضت المحكمة الإدارية العليا دعاوى استبعاده من انتخابات 2019 باعتباره مستمرًا في ممارسة العمل الصحفي. بالتالي، فإن الجدل يتجاوز فرص “رشوان” ليدور حول سؤال قانوني ونقابي: هل وضعه كوزير دولة للإعلام يتعارض مع شروط ممارسة المهنة والقيد في جدول المشتغلين؟ عموما، لا يمكن التعامل مع ترشحه كأمر محسوم رغم عودة اسمه للتداول بقوة، حيث لم يعلن رسميا حتى الآن خوضه الانتخابات، وإلى حين الإعلان ستظل المعركة تدور حول جدلية استمرار تجربة الإدارة المستقلة القائمة منذ 2023 أو نجاح السلطة الانقلابية في إعادة منصب النقيب لحظيرتها.

بدائل النظام.. جبهة واحدة بعدة أسماء

تُطرح في الأوساط الصحفية أسماء أخرى محسوبة على السلطة، وتتحرك جميعها ضمن الموقف السياسي للنظام، يبرز في مقدمتهم النقيب الأسبق عبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام السابق، والذي كان المنافس الأبرز للبلشي في انتخابات 2025 وحصل على 2562 صوتاً مقابل 3346 صوتاً للبلشي.

ومن الأسماء الحكومية المطروحة أيضاً خالد ميري، رئيس تحرير “الأخبار” السابق ومنافس البلشي في انتخابات 2023 (حيث حصل ميري على 2211 صوتاً مقابل 2450 للبلشي)، كما يبرز اسم علاء ثابت، رئيس تحرير “الأهرام” السابق، والذي تضعه التحليلات في قائمة الأضعف لعدم تمتعه بحضور نقابي واضح،  ويُطرح كذلك اسم رفعت رشاد، مدير عام صحيفة “الأخبار” صاحب التجارب المتعددة في الترشح.

 وهؤلاء يمثلون المدرسة المرتبطة بالمؤسسات الصحفية القومية وسيتكتلون في جبهة السلطة إذا خاضوا الانتخابات.

في الوقت نفسه، سرت أنباء عن أن الصحفي عبد العظيم حماد رفض عرضاً قدمه مقربون من النظام لخوض الانتخابات على منصب النقيب على قوائم الحكومة.

استعدادات تيار الاستقلال.. وفرص التوافق النقابي

 على الجانب الآخر، تتردد أسماء عدد من النقابيين أصحاب الخبرة المدافعين عن استقلال القرار النقابي وحماية مساحة الحريات والملفات المهنية، في مقدمتهم جمال عبد الرحيم، سكرتير عام النقابة الذي تنتهي مدته في مارس 2027، ويمتلك خبرة طويلة وحضوراً داخل الجمعية العمومية، وإن كان انتقاله لمقعد النقيب يمثل تحدياً يحتاج تحالفات أوسع من انتخابات العضوية.

 ويبرز اسم محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس النقابة المرتبط بملفات مهنية منها ملف الحريات، والذي يُعتبر امتداداً لتجربة البلشي، وهناك أيضاً محمد خراجة، عضو مجلس النقابة السابق.

كما يتوقع كثيرون أن ينتهي المطاف بتيار الاستقلال إلى ترشيح وكيل النقابة الحالي والمشرف على مشروع العلاج محمد الجارحي، المعروف بمواقفه الداعمة للعمل النقابي وخدماته الصحية. .

ومؤخراً، أثارت مذكرة قدمها الجارحي بشأن ضبط عضوية النقابة وتنقية جداول القيد جدلاً واسعاً؛ حيث نفى ارتباطها بترشح رشوان أو هاني يونس، لكنه أعلن موقفه الواضح الرافض لترشح وزير لمنصب النقيب.

وتكشف هذه التحركات عن جانب مهم يتعلق بقواعد العضوية والجداول الانتخابية وتعريف الصحفي المشتغل التي تؤثر في تركيبة الجمعية العمومية..

كما يحاول أعضاء تيار الاستقلال إقناع النقيب الأسبق يحيى قلاش بخوض الانتخابات، إلا أن مصادر أكدت رفضه الفكرة جملة وتفصيلاً مراعاة لتقدمه في السن.

وتظل المشكلة الأساسية أمام تيار الاستقلال ليست غياب الأسماء، بل احتمالية تعدد المرشحين المحسوبين عليه وتوزيع الأصوات داخل الكتلة ذاتها، على عكس انتخابات 2023 عندما قدم البلشي نفسه كمرشح جامع للراغبين في التغيير.

العوامل الخمسة لإشعال السباق الانتخابي

انطلقت مبكراً شرارة الصراع المبكر لأسباب جوهرية متداخلة:

  1. خلو المقعد حكماً للمرة الأولى منذ سنوات أمام سباق لا يشارك فيه النقيب الحالي لوجود مانع قانوني يحدد الولاية بدورتين متتاليتين.
  2. نجاح تجربة “البلشي” في تغيير حسابات المرشحين، بعدما أثبتت انتخابات 2023 و2025 أن المنصب يمكن أن يذهب لشخصية لا تنتمي للقيادات التقليدية للمؤسسات القومية، مما جعل مسألة “مرشح الاستقلال” مقابل “مرشح الدولة” أكثر حضوراً.
  3. تدهور الوضع الاقتصادي للصحفيين، مما جعل المعاشات والعلاج والبدل وفرص العمل وتحسين الأوضاع ملفات ضاغطة ومحركة للجمعية العمومية.
  4. التوظيف السياسي للدعم الحكومي الأخير البالغ 30 مليون جنيه، والذي أثار نقاشات حول أثر العلاقة مع الدولة وتوقيت الإعلان على المنافسة المقبلة.
  5. حملات التراشق المستمرة ومساندة النظام الحاكم للمهاجمين لمجلس النقابة الحالي، في محاولة للتخلص من موقفه الحاسِم في التصدي لملف الصحفيين المعتقلين الذي يسبب إزعاجاً بالغة للسلطة التي تسعى لطيه.

معادلة الخدمات والاستقلال والسيناريوهات المفتوحة

 رغم التناقض بين أولوية الحريات والحقوق المهنية لدى تيار الاستقلال، وأولوية قنوات الاتصال الحكومية لتحصيل المكاسب لدى التيار المحسوب على النظام، فإن الجمعية العمومية ليست كتلة سياسية متجانسة وتصوت بناءً على اعتبارات متعددة، مما يجعل الانتخابات اختباراً لمدى القدرة على الجمع بين حفظ استقلال النقابة وتحسين الأوضاع المادية.

 وتقف الانتخابات المقبلة أمام أربعة سيناريوهات مفتوحة:

  • السيناريو الأول: دخول ضياء رشوان السباق، مما يضع مسألة الجمع بين المنصب الحكومي والنقابي في الصدارة، ويعيد تشكيل الخريطة، خاصة مع التكهنات بدعمه رسمياً في ملف بدل التكنولوجيا، وتحويل الانتخابات لنقاش حول طبيعة العلاقة مع السلطة التنفيذية.
  • السيناريو الثاني: عدم ترشح رشوان والدفع بمرشح آخر من الدوائر الرسمية (كسلامة أو ميري أو ثابت أو رشاد)، فتكون المنافسة غير سهلة لتشتت الأصوات.
  • السيناريو الثالث: توافق قطاع واسع من تيار الاستقلال على مرشح واحد للحد من تشتت الأصوات.
  • السيناريو الرابع: دخول أكثر من مرشح لتيار الاستقلال، مما يشتت أصوات الكتلة ويعطي مساحة أكبر للمرشحين القادمين من خلفيات مؤسسية.

تؤكد هذه المعطيات أن انتخابات مارس 2027 تتجاوز المنافسة النقابية لتكون نقاشاً حول دور النقابة المستقبلي بين كونها مؤسسة خدماتية تفاوض الدولة، أو قلعة لحماية المهنة والدفاع عن حرية الصحافة، أو محاولة الجمع بينهما، وسط تحركات مبكرة لم تحسمها القوائم والبرامج النهائية بعد، مع بقاء الجمعية العمومية كطرف حاسم.

“الكيانات الموازية” والالتفاف على شرعية النقابة

 في سياق الصراع المتشعب، أعاد مقترح إنشاء كيان يجمع المؤسسات الصحفية الإلكترونية في مصر الجدل حول مستقبل تنظيم الصحافة الرقمية، بعد طرح وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان الفكرة خلال لقاء مع رؤساء وملاك المواقع الإلكترونية، وتأييد خالد صلاح رئيس تحرير منصة “يوليو” الموالي للسلطة لها

وتقوم الفكرة ظاهرياً على إنشاء إطار يجمع المؤسسات الإلكترونية لمعالجة مشكلاتها والتحدث بصوت واحد لا ككيان يمثل الأفراد، مع نفي رشوان استهداف إنشاء نقابة بديلة.

وفي المقابل، أثار المقترح مخاوف داخل مجلس النقابة من تحوله لكيان موازٍ، حيث أكد وكيل النقابة محمد سعد عبد الحفيظ أن الدستور والقانون لا يتيحان إنشاء نقابة موازية، أما خالد صلاح فقد ربط تأييده بتنظيم الصحافة الرقمية مع بقائها تحت مظلة النقابة. معارضو المقترح يؤكدون أنه دبر بليل للعبث بالفاصل بين تمثيل الملاك وتمثيل الصحفيين وحقوقهم المهنية، وخلق بديل تعتمد عليه الدولة للالتفاف على مواقف النقابة وقضايا المعتقلين.

موقف مجلس النقابة لمواجهة الاختراق

لخص نقيب الصحفيين خالد البلشي موقف مجلس النقابة، في مقابلة مع تليفزيونية، عبر عدة نقاط حاسمة:

  • رفض أي كيان خارج النقابة:  رفض صريح لأي دعوة لتنظيم حقوق العاملين في الصحافة المطبوعة أو الإلكترونية خارج مظلة نقابة الصحفيين باعتبارها المظلة المهنية الوحيدة.
  • التمييز بين كيان الملاك وحقوق العمال: التأكيد على أن إنشاء إطار يمثل الملاك له صيغة مختلفة، وأن الحديث عن “كيان للمؤسسات” ينظم حقوق الصحفيين هو خلط خطير بين مصالح أصحاب العمل والعاملين يؤثر سلباً على التفاوض الجماعي.
  • توسيع مظلة الحماية من الداخل: التأكيد على أن النقابة لا تغلق الباب أمام الصحفيين الإلكترونيين بل تدعو لتوسيع مظلتها لتشملهم، وأن علاج عدم شمولهم يجب أن يتم من داخل النقابة والجمعية العمومية.
  • إطلاق حوار نقابي واسع:  عقد نقاشات داخلية بمشاركة الصحفيين وممثلي المواقع وشيوخ المهنة لمد الحماية النقابية للصحفيين الإلكترونيين وطرح الحلول على الجمعية العمومية.

ويتجاوز الجدل حول الكيانات الموازية تنظيم الصحافة الرقمية ليطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل النقابة ودورها؛ حيث يرى منتقدو سياسات النظام وجود محاولة مجهزة لانتزاع آخر قلاع الحريات في مصر والتأثير عليها عبر بوابة الامتيازات، ضمن معادلة سلطوية تختصر في شعار “الامتيازات مقابل الحريات””.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى