مقالات

الإعلام .. كيف حوّل الزواج إلى “فوبيا” في عيون الشباب؟

حنان عطية

لم يعد السؤال الذي يسبق الزواج في مصر اليوم هو: كيف نبني بيتًا سعيدًا؟ بل أصبح لدينا سؤال آخر أكثر قلقًا يتسلل إلى عقول الشباب والفتيات والأسر: ماذا لو فشل الزواج؟ وماذا لو كان الطرف الآخر مختلفًا عما يبدو؟ وماذا لو تحولت سنوات المودة إلى ساحات من النزاع والمحاكم والاتهامات؟ وماذا لو تحول البيت الذي نحلم أن يكون واحة للأمان إلى حالة من المعاناة لا نعرف كيف تنتهي بأقل قدر من الخسائر؟

هكذا أخذت صورة الزواج في الوعي العام المصري تتغير شيئًا فشيئًا، فالمؤسسة التي ظلت في العقل الجمعي المصري مرتبطة بالسكن والمودة والرحمة وتكوين الأسرة، بدأت تتعامل معها بعض الخطابات الإعلامية والدرامية وكأنها مغامرة محفوفة بالمخاطر، أو عقدًا طويلًا لا يعرف الإنسان كيف يخرج منه إذا ساءت الأمور.

نقر أن هناك عوامل عدة على الأرض صنعت البيئة الخصبة لفكرة العزوف الجماعي عن الزواج لدي الجنسين، منها تردي الأوضاع السياسية عقب انقلاب يوليو 2013م، وما ترتب عليه من تدهور واسع في الحياة العامة والظروف الاقتصادية أدت إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والبطالة وتغير أنماط الحياة وتبدل منظومة القيم والخلافات الأسرية، كلها مع بعضها شكلت بيئة خصبة للظاهرة.

إلا أن الإعلام والدراما، بما يملكان من قوة، لا يقل تأثيرهما عن العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إذ لا يكتفيان بعرض الواقع بل يشاركان بشكل كبير في تشكيل الصورة التي يرى الناس الواقع من خلالها، وهنا تكمن المشكلة!

عندما يصبح الاستثناء أكثر حضورًا من القاعدة

الدراما بطبيعتها تبحث عن الصراع، أما البيت المستقر الذي يعيش فيه زوجان حياة عادية، يتقاسمان المسؤوليات، ويتجاوزان خلافاتهما بالحوار، ويختلفان ثم يتصالحان، فلا تعكس صورته المادة الدرامية في كثير من الأحيان، بل تكون الأولوية للأعمال المثيرة التي تتناول الخيانة والطلاق والعنف والابتزاز والصراع على المال.

وهكذا يصبح الاستثناء أكثر حضورًا من القاعدة، فنجد الزوج إما خائنًا أو متسلطًا أو أنانيًا أو عاجزًا عن تحمل المسؤولية، ونجد الزوجة إما ضحية مقهورة أو طرفًا في معركة مستمرة، بينما تختفي من المشهد تلك المساحات الواسعة من الحياة الزوجية التي تقوم على التعاون والصبر والتغاضي والتكافل وتحمل المسؤولية.

ومع تكرار الصورة تتحول الحكاية من مجرد حكاية إلى إحساس عام، فالفتاة التي تقرأ وتشاهد عشرات القصص عن امرأة تزوجت ثم تعرضت للخيانة أو العنف أو الإهانة، قد لا تتعامل مع كل قصة بوصفها حالة فردية، وإنما قد يبدأ عقلها في بناء سؤال مخيف: هل يمكن أن يحدث هذا معي؟!

والشاب الذي يشاهد باستمرار قصص رجال انتهت حياتهم الزوجية إلى ديون ونزاعات ومحاكم وصراعات على الأبناء، قد يبدأ هو الآخر في التساؤل: هل الزواج بداية للاستقرار أم بداية لمشكلات لا تنتهي؟

وهنا تنتقل الدراما من الشاشة إلى الحياة، حيث يمنح الإعلام الخوف شهادة بالواقعية، وكما أن الدراما تستطيع أن تصنع الخوف من الخيال، فإن الإعلام يمنحه شيئًا أكثر قوة وهي صفة الواقعية.

من خلال جريمة أسرية هنا، وقصة زوجة قُتلت هناك، وخلاف تحول إلى مأساة، وقضية طلاق تصدرت مواقع الأخبار، ومقطع مصور لخلاف زوجي ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تأتي البرامج الحوارية لتعيد القصة مرات ومرات، وتستضيف الأطراف، وتعرض التفاصيل، وتفتح أبوابًا واسعة للنقاش والجدل، هنا بالفعل يكون قد تم تصنيع القنبلة.

المشكلة ليست في نقل هذه الوقائع أو مناقشة مشكلات الأسرة؛ فالإعلام مطالب بكشف المشكلات وتحذير المجتمع منها، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستثناء المأساوي هو الصورة الأكثر حضورًا للحياة الأسرية.

فالمتابع لوسائل الإعلام والدراما لا يرى عبر الشاشة ملايين البيوت التي تستيقظ صباحًا وتمارس حياتها بصورة طبيعية، ولا يرى الزوج الذي يعود إلى بيته فيجد زوجته وأبناءه، ولا الزوجة التي تجد في زوجها سندًا، ولا الأب والأم اللذين تجاوزا عشرات الخلافات الصغيرة والكبيرة، لكن للأسف مثل هذه البيوت لا تدخل عادة في نشرات الأخبار أو قصص الدراما.

إنما الخبر هو الكارثة، والتريند هو الصدمة، والقصة الشاذة المثيرة هي التي تحقق أعلى مشاهدة، ومع الوقت تتكون لدى الجمهور صورة غير متوازنة حول الزواج كمساحة واسعة من الخطر، في حين أن الاستقرار  يكون استثناءً صامتا لا يراه أحد!.

حين يصبح الزوج متهمًا والزوجة ضحية!!

من أخطر ما يمكن أن تفعله الصورة الإعلامية المتكررة أن تحول الإنسان إلى نموذج نمطي، حيث يصبح الرجل في بعض الأعمال نموذجًا جاهزًا للخيانة أو القسوة أو التهرب من المسؤولية، وتصبح المرأة نموذجًا دائمًا للضحية أو الخصم أو الباحثة عن حقوقها في مواجهة رجل لا يؤتمن!

وحين تتكرر هذه النماذج، يتراجع الإنسان الحقيقي بكل ما فيه من تعقيدات، رغم أن هناك حقيقة أبدية على أرض الواقع مفادها أن الزوج ليس دائمًا جلادًا، والزوجة ليست دائمًا ضحية، وكلاهما قد يكون في أحيان كثيرة إنسانًا عاديًا يخطئ ويصيب، ويتعب ويغضب، فالقاعدة في الزواج أنه ليس مباراة بين رجل وامرأة، إنما هو شراكة بين إنسانين.

إلا أن بعض الخطابات الإعلامية والدرامية حولت هذه الشراكة إلى معركة دائمة حول من انتصر ومن خسر، ومن امتلك السلطة ومن انتزعها، ومن حصل على حقوقه ومن فقدها، وفي هذا المناخ يصبح الشاب حذرًا من المرأة قبل أن يعرفها، وتصبح الفتاة حذرة من الرجل قبل أن تلتقي به، ويبدأ مشروع الزواج نفسه في دفع ثمن أخطاء أشخاص آخرين.

من الخوف من التكاليف إلى الخوف من الزواج!

الذاكرة الجمعية كانت تختزن حالة الخوف التقليدي من تكاليف الزواج التي تتمثل في: الشقة، والأثاث، والمهر، والاحتياجات الأساسية، ومدى قدرة الشاب على تحمل مسؤوليات البيت، أما اليوم، فقد أصبح هناك خوف آخر أكثر عمقًا، وسؤال يطرح نفسه: ماذا سيحدث بعد الزواج؟

أصبح الشاب لا يحسب فقط تكلفة تأسيس البيت، بل يحسب تكلفة انهياره أيضًا، وأصبحت بعض الأسر لا تسأل فقط عن أخلاق الشاب وعمله وقدرته على تحمل المسؤولية، وإنما تفكر في سيناريو النهاية: ماذا لو حدث الطلاق؟ كيف ستكون الحقوق؟ كيف ستكون الإجراءات؟ ماذا سيحدث للأبناء؟ وكم يمكن أن تطول النزاعات؟

وفي المقابل، قد تنظر بعض الفتيات وأسرهن إلى الزواج من زاوية الخطر المحتمل، فتتراكم الشروط والضمانات والتحفظات باعتبارها وسائل للحماية من مستقبل مجهول، وهكذا يدخل الطرفان إلى الزواج وهما يحملان في داخلهما خوفًا من بعضهما، قبل أن يحمل كل منهما رغبة في بناء حياة مشتركة!

عندما يتحول الزواج إلى انتحار في المخيال الشعبي

ربما تكون أخطر نتيجة لهذا الخطاب كله أن بعض الشباب والفتيات بدأوا ينظرون إلى الزواج باعتباره مخاطرة غير مأمونة العواقب؛ فالفتاة قد تسمع عشرات القصص عن زيجات انتهت بمآسٍ، فيكبر بداخلها هاجس وتحدث نفسها أن الزواج ربما فخًا لا تعرف كيف تخرج منه.

والشاب قد يرى أمامه نماذج من النزاعات الزوجية، فيقول لنفسه: لماذا أدخل نفسي في تجربة قد تقلب حياتي رأسًا على عقب؟ وبوصول الخوف إلى هذه المرحلة، لم يعد السؤال: «من هو الشخص المناسب للزواج؟» بل أصبح لدى الكثيرين: «هل الزواج نفسه يستحق المخاطرة؟»، وهنا تكون الصورة الذهنية قد تحولت من الخوف من الشخص الخطأ إلى الخوف من المؤسسة نفسها، ومن الخوف من زواج فاشل إلى الخوف من الزواج، ومن الحذر الطبيعي إلى ما يشبه “فوبيا الارتباط”.

كشف العيوب أم غياب الصورة الأخرى؟

ومع هذا فإننا نؤكد أنه ليس المطلوب من الإعلام أن يكذب على الناس، ولا من الدراما أن تقدم عالمًا ورديًا لا وجود فيه للخلافات والمشكلات، فالزواج فيه اختلاف، وفيه تعب، وفيه أزمات، وفيه أخطاء، وقد ينتهي أحيانًا إلى الطلاق عندما يصبح استمرار الحياة المشتركة أكثر ضررًا من انتهائها، إلا أن الإعلام المسؤول لا يكتفي بعرض الجرح، وإنما يبحث أيضًا عن كيفية الوقاية منه، والدراما الناضجة لا تجعل المشكلة غاية في ذاتها، وإنما يمكن أن تجعل منها طريقًا لفهم الإنسان، وكيف ينشأ الخلاف، وكيف يمكن احتواؤه، ومتى يكون الحوار ممكنًا، ومتى تكون الاستعانة بالأسرة أو المختصين ضرورية، وكيف يمكن أن يتعلم الشباب قبل الزواج معنى المسؤولية والشراكة.

إننا بحاجة إلى أن نرى أيضًا الزوج الذي يعتذر، والزوجة التي تسامح، والأب الذي يتحمل، والأم التي تحتوي، والزوجين اللذين يختلفان ثم يجلسان إلى مائدة واحدة، والأسرة التي تمر بأزمة اقتصادية فتتعاون بدل أن تتصارع، نحتاج إلى دراما تجعل النجاح الأسري جديرًا بأن يُروى، لا أن تتركه في الظل لأنه أقل إثارة.

إعادة بناء الصورة لا تعني تجميل الواقع

إن إصلاح صورة الزواج في الوعي الجمعي لا يعني إخفاء جرائم الأسرة، ولا الدفاع عن أخطاء الأزواج، ولا مطالبة النساء بالصمت عن العنف أو الظلم، ولا مطالبة الرجال بتحمل ما لا يحتمل، بل يعني شيئًا أبسط وأعمق: أن يرى المجتمع الصورة كاملة، أن نعرف أن هناك زيجات فاشلة، لكن هناك أيضًا زيجات ناجحة، أن نعرف أن هناك أزواجًا مؤذين، لكن ليس كل الأزواج كذلك، أن نعرف أن هناك نساء مظلومات، لكن ليست كل النساء ضحايا، وأن نعرف أن الطلاق موجود، لكنه ليس المصير الحتمي لكل زواج.

الزواج ليس جنة مضمونة، لكنه كذلك ليس عملية انتحارية، إنه تجربة إنسانية تحتاج إلى اختيار رشيد، وتأهيل نفسي واجتماعي، ومسؤولية ورحمة وقوانين عادلة، ومؤسسات تحمي الأسرة وأفرادها، وإعلام يعرف أن الكلمة التي يكررها كل يوم قد تصبح يومًا جزءًا من الطريقة التي يرى بها جيل كامل حياته ومستقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى