دراسات

الهيمنة الرقمية وإعادة تشكيل المجال العام: تأثير الشبكات الاجتماعية على الصحافة المصرية بعد ثورة يناير

  • منصات التواصل تقود نقل الحقائق وتحرير المشهد الإعلامي وإعلاء الأصوات الناقدة
  • توسع “إعلام الشعب” في عهد الرئيس محمد مرسي وتمكين المواطن كصانع للأخبار
  • تغير بيئة العمل في غرف الأخبار وتسارع دورة الإنتاج وتوسع أدوات الوسائط المتعددة
  • عودة الهيمنة الأمنية وإحكام القبضة الرقابية واحتكار ملكية الوسائل بعد انقلاب 2013
  • ترسانة تشريعية جديدة تحاصر المجال الرقمي بحجب المواقع وتوظيف اللجان الإلكترونية
  • شيطنة المعارضة وتغذية الانقسام المجتمعي عبر التعبئة الأيديولوجية وتصاعد خطاب الكراهية
  • الحلول المنهجية لإصلاح الإعلام تبدأ بالتكامل التقني وإطلاق الحريات وإلغاء الرقابة

“إنسان للإعلام”- قسم الدراسات:

مقدمة الدراسة

شهدت البيئة الإعلامية المصرية، في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، تحولات هيكلية عميقة طالت بنية العمل الصحفي، وآليات إنتاج الأخبار وتداولها، إضافة إلى إعادة تشكيل العلاقة التفاعلية بين وسائل الإعلام والجمهور.

وقد اقترنت هذه التحولات بالنمو المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) ويوتيوب،  التي تحولت من مجرد أدوات للتواصل إلى فواعل رئيسية في صناعة المشهد الإخباري وتوجيه النقاش العام.

وتجلت هذه التحولات في بروز نمط “الإعلام الهجين” الذي ألغى أحادية التدفق الإخباري؛ حيث تحول الجمهور من موضع “المتلقي السلبي” إلى دور “المشارك والصانع للمحتوى” عبر ما يُعرف بصحافة المواطن (Citizen Journalism).

بالتالي، فرض هذا الواقع الجديد على المؤسسات الصحفية التقليدية إعادة هيكلة بيئات عملها عبر غرف الأخبار المدمجة، وتعزيز حضورها الرقمي، والاعتماد على النشر الفوري، بجانب السعي نحو تنويع القوالب الصحفية بإدماج وسائط الفيديو، والإنفوجرافيك، والبث المباشر.

وتستمد هذه الدراسة أهميتها الأكاديمية والعملية من استكشاف طبيعة التفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين الصحافة التقليدية والمنصات الرقمية في مصر؛ إذ لا تقتصر على تحليل التحولات التقنية في أساليب التغطية ومصادر الأخبار وعادات التلقي فحسب، بل تمتد لتفحص التحديات المهنية والأخلاقية الضاغطة، وفي مقدمتها تراجع أدوار “حراس البوابة” (Gatekeepers)، وشيوع الأخبار الزائفة.

يضاف إلى ذلك التحول الحاد في البيئة السياسية والتشريعية في أعقاب أحداث يوليو 2013، وما أعقبها من انكماش ملموس في مساحات المجال العام وتضييق الحرية الصحفية، مما يعيد طرح الأسئلة حول قدرة الصحافة التقليدية على الصمود والحفاظ على استقلاليتها في ظل التجاذب بين ضغوط السلطة وهيمنة الخوارزميات الرقمية.

إشكالية الدراسة

أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار استخدامها في مصر، عقب ثورة 25 يناير، إلى تغيرات ملحوظة في البيئة الإعلامية، وإعادة تشكيل العلاقة بين الصحفي والمؤسسة الإعلامية والجمهور.

وبناءً على ذلك، تتمحور مشكلة الدراسة حول التساؤل الرئيس الآتي:

– إلى أي مدى أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إحداث تحولات في الصحافة والإعلام المصري بعد الثورة؟ وما طبيعة تأثيرها في الصحافة التقليدية؟

ويتفرع عن هذا التساؤل الرئيس الأسئلة الفرعية الآتية:

  • ما أبرز التحولات التي شهدها الإعلام المصري بعد ثورة 25 يناير؟
  • إلى أي مدى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا للأخبار لدى الجمهور المصري؟
  • ما أبرز التحديات المهنية والأخلاقية التي صاحبت الاعتماد المتزايد على هذه الوسائل، في ظل النظام الاستبدادي الذي تأسس بعد انقلاب 3 يوليو؟

أهداف الدراسة

تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  1. التعرّف على أبرز التحولات التي شهدها الإعلام المصري بعد ثورة 25 يناير.
  2. دراسة أثر وسائل التواصل الاجتماعي في الصحافة التقليدية.
  3. رصد التغيرات التي طرأت على إنتاج الأخبار ونشرها وتداولها بعد انقلاب 3 يوليو 2013.
  4. التعرّف على مدى اعتماد الجمهور المصري على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار والمعلومات، في ظل تراجع مساحات الحريات الصحفية والعامة.

منهج الدراسة

تعتمد الدراسة أساسًا على المنهج الوصفي التحليلي؛ لملاءمته لدراسة الظواهر الإعلامية والاجتماعية، ووصف خصائصها، وتحليل أبعادها المختلفة.

عناصر الدراسة

1- الإطار المفاهيمي والنظري للدراسة.

2- البيئة الإعلامية المصرية قبل ثورة 25 يناير وبعدها.

3- أثر وسائل التواصل الاجتماعي في الصحافة التقليدية بعد الثورة.

4- انعكاسات التحول الرقمي على الممارسات الصحفية المصرية.

5- تأثير نظام «انقلاب 3 يوليو» في الصحافة الرقمية والورقية ووسائل التواصل.

6- الخاتمة والتوصيات.

أولًا: الإطار المفاهيمي والنظري

تبدأ هذه الدراسة بالتعريف بالإطار المفاهيمي الناظم لموضوعها، من خلال تحديد المفاهيم الرئيسية الآتية:

1. مفهوم الإعلام التقليدي

يُقصد بالإعلام التقليدي مجموعة وسائل الاتصال الجماهيري التي سبقت ظهور شبكة الإنترنت والتقنيات الرقمية، وتُستخدم لنقل الأخبار والمعلومات والآراء والمحتوى الثقافي والترفيهي إلى جمهور عريض.

ويُعرف أيضًا بالإعلام القديم (Old Media) أو الإعلام الموروث (Legacy Media) ويشمل أساسًا: الصحافة المطبوعة، والإذاعة، والتلفزيون، إلى جانب بعض الوسائل المطبوعة والإعلانية.

ويتميز الإعلام التقليدي في صورته الكلاسيكية باتجاه الاتصال أحادي الجانب (من المؤسسة الإعلامية إلى الجمهور)، مع محدودية التفاعل الفوري.

ومن أبرز وسائله:

  • الصحافة المطبوعة: وتضم الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات.
  • الإذاعة: وتعتمد على البث الصوتي للوصول إلى جمهور واسع.
  • التلفزيون: ويجمع بين الصوت والصورة في تقديم الأخبار والبرامج والمواد الترفيهية.
  • السينما: وتُعد في بعض التصنيفات من وسائل الاتصال الجماهيري التقليدية.
  • الإعلانات التقليدية: كاللوحات الإعلانية الشارعية، والملصقات، والمطبوعات الإشهارية.

ومن أهم خصائص الإعلام التقليدي: طبيعة الاتصال أحادي الاتجاه غالبًا، ووجود مؤسسات إعلامية منظمة وهياكل إدارية مركزية، والاعتماد على تقنيات غير رقمية كالطباعة والبث الإذاعي والتلفزيوني، فضلاً عن الدور المحوري والمهني للصحفيين والمحررين بصفتهم حراس بوابة (Gatekeepers) لإنتاج المحتوى، وتأثيره التاريخي المباشر في تشكيل الرأي العام والنقاش المجتمعي[1].

2. مفهوم وسائل التواصل الاجتماعي

تُعرف وسائل التواصل الاجتماعي بأنها مجموعة من المنصات والتطبيقات الرقمية التي تعمل عبر شبكة الإنترنت، وتتيح للمستخدمين التواصل والتفاعل، وإنشاء المحتوى ونشره ومشاركته، سواء كان نصوصًا أو صورًا أو مقاطع فيديو أو ملفات صوتية.

وتختلف هذه الوسائل عن وسائل الإعلام التقليدية في أن المستخدم لا يقتصر دوره على تلقي المعلومات فحسب، بل يتعداه إلى إنتاج المحتوى، والتعليق عليه، ومشاركته، والتفاعل المباشر مع أطراف العملية الاتصالية.

ومن أهم خصائصها: التفاعلية العالية، وسهولة مشاركة المحتوى، وسرعة الاتصال وتداول المعلومات، وبناء المجتمعات الافتراضية. ومن أبرز أمثلتها: فيسبوك، وإنستغرام، وإكس (تويتر سابقًا)، ويوتيوب، وسناب شات، وواتساب؛ مع اختلاف طبيعة كل منصة وأنماط استخدامها ونوعية المحتوى الذي تركز عليه[2].

3. مفهوم التحول الرقمي في الإعلام

يُقصد بالتحول الرقمي في الإعلام العملية الشاملة التي تعيد من خلالها المؤسسات الإعلامية تنظيم وتطوير أساليب إنتاج المحتوى وتحريره ونشره وتوزيعه والتفاعل مع الجمهور، بالاعتماد على التقنيات الرقمية؛ كالمنصات الإلكترونية، والهواتف الذكية، وشبكات التواصل الاجتماعي، وتحليل البيانات، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي.

وتتمثل أبرز مظاهر التحول الرقمي في الإعلام في:

  • رقمنة إنتاج المحتوى: استخدام الأدوات والبرمجيات الرقمية في إعداد الأخبار وتصويرها ومونتاجها ونشرها.
  • تعدد منصات النشر: توزيع المحتوى عبر المواقع الإلكترونية، والتطبيقات الرقمية، والهواتف الذكية، وشبكات التواصل.
  • تطور غرف الأخبار: دمج الصحافة التقليدية والرقمية فيما يُعرف بغرف الأخبار المدمجة (Converged Newsrooms)، وتغير الأدوار والمهارات المهنية المطلوبة.
  • تعزيز التفاعل مع الجمهور: إتاحة خيارات التعليق، والمشاركة، وإنتاج المحتوى، والتفاعل المباشر.
  • الاعتماد على البيانات والتقنيات الحديثة: التوسع في صحافة البيانات (Data Journalism)، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة الصحفية.
  • تغيّر نماذج الأعمال: التحول نحو الاشتراكات الرقمية، والمحتوى المدفوع، والإعلانات الرقمية الموجهة.
  • تغيّر سلوك الجمهور: نمو استهلاك الأخبار عبر الهواتف المحمولة والمنصات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية على حساب الوسائط التقليدية.

وتكتسب عملية التحول الرقمي أهميتها من قدرتها على توسيع نطاق الوصول إلى الجمهور، وتسريع إنتاج الأخبار ونشرها وتحديثها الفوري، تقديم المحتوى في صيغ متعددة الوسائط (Multimedia) تجمع بين النص والصورة والفيديو والصوت والرسوم التفاعلية، فضلاً عن الاستفادة من البيانات الضخمة لفهم اهتمامات القراء ورفع كفاءة العمل داخل المؤسسات الصحفية[3].

ثانيًا: البيئة الإعلامية المصرية قبل ثورة 25 يناير وبعدها

شهدت خريطة الإعلام المصري تحولات جذرية منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، مرورًا بعهد الرئيس الدكتور محمد مرسي، وصولًا إلى عهد السيسي.

وبرزت هذه التحولات في طبيعة تعامل السلطة مع الصحافة بشقيها الورقي والإلكتروني، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية؛ إذ تراوح هذا التعامل بين التودد والتقييد ومنح الحرية المشروطة.

ولم يكن غريبًا أن يرتدي الإعلام في عهد مبارك ثوب “المطيع”؛ إذ خضع لتأثير سلطة الرقابة ورأس المال وأذرع النظام، مما أدى إلى تقييد حركته وغياب الرؤية الإعلامية المستقلة، وظهور أبواق إعلامية كرست جهودها للدفاع عن النظام.

وتعرضت الصحافة خلال حكم مبارك لقيود وأزمات متعددة، أبرزها التضييق على الصحف المستقلة والحزبية، وتشديد عقوبات جرائم النشر، واستمرار اعتقال الصحفيين.

ولم يكن هامش الحرية المتاح منحة حقيقية، بقدر ما كان وسيلة لامتصاص الغضب الشعبي تجاه سياسات النظام وإخفاقاته.

ومن أبرز الأزمات إصدار القانون رقم 93 لسنة 1995، الذي أقره مجلس الشعب ونُشر في الجريدة الرسمية في اليوم التالي، في سابقة أثارت انتقادات واسعة لدى الصحفيين والمثقفين والمهتمين بقضايا الفكر والرأي.

وتضمن القانون ست مواد، معظمها تعديلات على بعض مواد قانون العقوبات والإجراءات الجنائية وقانون إنشاء نقابة الصحفيين، وتصدت له نقابة الصحفيين حتى إسقاطه.

ورغم وجود هامش من الحريات الصحفية، فإنه لم يكن كافيًا لإحداث تطوير حقيقي في الأداء المهني.

ومع نهاية عهد مبارك، برزت شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما “فيسبوك”، في نشر الوعي وكشف قضايا الفساد، وأسهمت في إطلاق شرارة ثورة 25 يناير وحشد ملايين الشباب، في ظل تحول كثير من وسائل الإعلام التقليدية إلى أبواق للنظام وإقصائها الأصوات المعارضة والثورية والشبابية[4].

1. ثورة 25 يناير: التحول السياسي والتطور التقني في الإعلام

أحدثت ثورة 25 يناير تحولًا كبيرًا في المشهد الإعلامي المصري، ومهدت للتحرر من القيود التي فرضها نظام مبارك، وأسهمت في ظهور قطاع إعلامي أكثر انفتاحًا ومهنية، إلى جانب التوسع في تأسيس وسائل إعلام خاصة، تأثر بعضها بمواقف ملاكها من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق.

وكانت شبكات التواصل الاجتماعي أحد أبرز أدوات الثورة؛ إذ وفرت منصات جديدة للتعبير عن الرأي، وتحدت المؤسسات الإعلامية التقليدية، وأسهمت في تنظيم الأنشطة المناهضة للحكومة.

وأكدت دراسة “الإعلام المصري في خضم الثورة”، الصادرة عن مركز كارنيغي، أن الثورة أعادت الأصوات الناقدة إلى وسائل الإعلام التقليدية، وأن عددًا كبيرًا من المؤسسات الإعلامية تبنى سردية الثورة ومبادئها، في حين حاول بعضها التشكيك في نضال الثوار وأهدافهم.

وأشارت الدراسة إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي وفرت منبرًا للآراء المختلفة، وساعدت النشطاء على التعبير عن مواقفهم، وتوثيق الأحداث وانتهاكات حقوق الإنسان، رغم ما شابها من استقطاب.

كما تصاعدت المطالب بإصلاح الإعلام الحكومي، وبدأت بعض وسائل الإعلام التقليدية، ومنها التلفزيون المصري، في إتاحة مساحة للمعارضين والثوار.

وشهدت الفترة التالية للثورة توسعًا ملحوظًا في دائرة الحريات الصحفية، بلغ ذروته خلال عهد الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني، الذي شهدت فترة حكمه تغييرات في قواعد التعامل مع الإعلام والأحداث، وتراجعًا في الخطوط الحمراء، إلى جانب خطوات نحو إصلاح التشريعات المنظمة للإعلام وبنيته، دعمًا لمسار التحول الديمقراطي.

كما حققت البرامج الحوارية انتشارًا واسعًا، وتزايدت مشاركة المواطنين عبر الاتصالات الهاتفية ثم شبكات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أتاح نقاشًا عامًا حول موضوعات كانت تُعد من المحظورات، وقدم نموذجًا جديدًا للمشاركة المجتمعية والديمقراطية لم يكن مألوفًا قبل الثورة[5].

وأثرت الثورة، وكذلك فترة حكم أول رئيس مدني، بصورة عميقة في المشهد الإعلامي، فلم تقتصر آثارها على الوعي السياسي والاجتماعي، بل امتدت إلى الممارسات المهنية وأساليب التغطية الإخبارية وحرية الصحافة.

ويمكن إجمال أبرز مظاهر هذا التأثير في الآتي:

  • تحرير الإعلام من الرقابة: أسهمت الثورة في تخفيف القيود التي فرضها النظام السابق، ووفرت بيئة أكثر انفتاحًا أتاحت للصحفيين تغطية الأحداث بدرجة أكبر من الحرية.
  • تنامي دور التواصل الاجتماعي: أصبحت منصات مثل “فيسبوك” و”تويتر” أدوات رئيسية لنقل الأخبار والتفاعل مع الجمهور، وهو ما فرض على الإعلام التقليدي مواكبة سرعة الإعلام الرقمي ودقته.
  • تعدد الوسائل وتنوع المحتوى: ظهرت قنوات وصحف جديدة عكست اتجاهات سياسية واجتماعية متنوعة، وإن أتاح هذا الانفتاح لبعض الأطراف استغلال المشهد الإعلامي لخدمة أجندات خاصة.
  • تأثير المال السياسي: عانت المؤسسات الإعلامية من أزمات اقتصادية، مما أتاح للمال السياسي تمويل بعض المنصات وتوجيهها بما يخدم أهدافًا سياسية، ومن أمثلة ذلك قنوات مثل “سي بي سي” و”النهار”، التي أسهمت، وفق بعض التقديرات، في دعم أجندة المجلس العسكري والحكومات المتعاقبة بعد الثورة[6].

2. الإعلام في عهد الرئيس محمد مرسي

شهدت فترة حكم الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي (2012–2013) تحولات بارزة في مجال حرية الصحافة والإعلام، اتساقًا مع مطالب ثورة 25 يناير وتأكيدًا للحريات العامة.

ومن أبرز قراراته، في 23 أغسطس 2012، إلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين في جرائم النشر، دعمًا لحرية الرأي والتعبير.

وامتدت الإجراءات إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية للصحفيين؛ فتضاعف المعاش الصحفي من 400 إلى 800 جنيه، وزاد بدل التكنولوجيا من 610 إلى 752.5 جنيه، ثم إلى 1200 جنيه لاحقًا.

كما مثل دستور 2012 نقلة مهمة في ضمان حرية الصحافة والإعلام؛ فكفلت المادة 45 حرية الرأي والفكر والتعبير، وضمنت المادة 46 حرية الإبداع، وأقرت المادة 47 الحق في الحصول على المعلومات.

أما المادتان 48 و49، فقد أكدتا حرية الصحافة والإعلام، وحظرتا وقف الصحف أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي، ومنعتا الرقابة على النشر، وأقرتا حرية إصدار الصحف بالإخطار وإمكان ملكيتها للأفراد والاعتباريين، وهو تطور لافت في تاريخ الإعلام المصري.

كما اتجه الإعلام في عهد مرسي إلى أن يكون “إعلام الشعب” بدلاً من “إعلام السلطة”، من خلال السعي إلى تحويل الإعلام الرسمي من أداة بيد الحكومة إلى منبر يعبر عن المجتمع، ومنح وسائل الإعلام هامشًا أوسع لمناقشة القضايا الوطنية دون تدخل حكومي مباشر[7].

ثالثًا: أثر وسائل التواصل الاجتماعي في الصحافة التقليدية بعد الثورة

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي وتطور الإعلام الرقمي تحولًا عميقًا في الصحافة المصرية بعد ثورة 25 يناير؛ فلم تُلغِ الصحافة الورقية، وإنما أعادت تشكيل علاقتها بالجمهور ومصادر الأخبار والأجندة التحريرية، فضلاً عن أساليب إنتاج المحتوى وتوزيعه. ويمكن إجمال أبرز هذه الآثار في الآتي:

  • تراجع احتكار الصحافة التقليدية للمعلومة: قبل الثورة، كانت الصحف ووسائل الإعلام التقليدية تملك قدرًا كبيرًا من التحكم في الأخبار المتاحة للجمهور.

ومع انتشار فيسبوك وتويتر ويوتيوب، أصبح المواطن قادرًا على نشر الأخبار والصور ومقاطع الفيديو مباشرة، فتحول إلى مصدر للمعلومة.

وتشير دراسة لمركز الجزيرة للدراسات إلى أن الشباب المصري بعد الثورة نظروا إلى شبكات التواصل باعتبارها إعلامًا بديلًا يتميز بسرعة نقل الأحداث والتفاعل معها، مقابل تراجع الثقة في الإعلام التقليدي بسبب محدودية تغطيته لبعض القضايا الحساسة.

كما أظهرت دراسة ميدانية على 400 شاب مصري عام 2015 أن الإنترنت جاء في المرتبة الأولى بنسبة 56% من حيث الاستخدام، مقابل 18% للصحف.

  • التأثير في أجندة الصحف التقليدية: تجاوز تأثير وسائل التواصل منافسة الصحف على الجمهور إلى التأثير في الموضوعات التي تتناولها.

وقد أكدت دراسة بعنوان “تأثير وسائل الإعلام الحديثة على تشكيل أجندة وسائل الإعلام التقليدية” العلاقة بين شبكات التواصل والصحف المصرية، من خلال تحليل محتوى 108 أعداد من ثلاث صحف مصرية، و36 يومًا من الهاشتاجات على تويتر، وإجراء مقابلات مع تسعة من القيادات الصحفية.

وبذلك لم تعد العلاقة تسير في اتجاه واحد من الصحفي إلى الجمهور، بل أصبح ما يتداوله الجمهور رقميًا قادرًا على جذب اهتمام الصحفيين والتأثير في الأجندة الصحفية.

  • ظهور صحافة المواطن كمنافس للصحفي المحترف: أتاح انتشار وسائل التواصل للمواطن العادي تصوير الأحداث وإرسال الصور والفيديوهات ونشرها فورًا.

ومن أبرز النماذج المصرية “شبكة رصد”، التي بدأت عبر فيسبوك واعتمدت على شبكة من المواطنين الصحفيين.

وخلال اليوم الأول من تغطية الثورة بلغ عدد متابعيها نحو 300 ألف، كما تلقت لاحقًا آلاف الرسائل من مواطنين يقدمون معلومات من مواقع مختلفة.

واستفادت مؤسسات إعلامية كبرى من أخبارها وصورها، مما غير دور الصحفي من كونه المصدر الوحيد للمعلومة إلى دور يقوم على البحث والتحقق والاختيار والتحليل.

  • تغيير سرعة وشكل العمل الصحفي: فرضت وسائل التواصل على الصحافة التقليدية إيقاعًا جديدًا يقوم على سرعة النشر، والتحديث المستمر، واستخدام الصور والفيديو والرسوم والروابط، والتفاعل المباشر مع القراء، ومتابعة القضايا المتداولة رقميًا، ونشر المحتوى عبر منصات متعددة بدلاً من الاقتصار على النسخة الورقية. وتشير دراسة مركز الجزيرة إلى أن عددًا من وسائل الإعلام التقليدية أنشأ صفحات ومنصات على شبكات التواصل لإتاحة محتواه للجمهور والتفاعل معه بصورة فورية.
  • انتقال جزء من الجمهور إلى المنصات الرقمية: أدى انتشار الإنترنت ووسائل التواصل إلى تغيير عادات استهلاك الأخبار؛ فلم يعد القارئ مضطرًا إلى انتظار الصحيفة في اليوم التالي، بل أصبح قادرًا على متابعة الأحداث لحظة بلحظة عبر الهاتف.

ورغم التراجع الكبير في توزيع الصحف المصرية وانخفاض عدد الإصدارات، فإن أزمة الصحافة الورقية لا تُعزى إلى الإعلام الجديد وحده، بل تتداخل معها عوامل سياسية واقتصادية ومهنية، أبرزها تراجع الحرية والمصداقية والأزمة الاقتصادية. ومن ثم، أسهمت وسائل التواصل في تغيير سوق الصحافة، لكنها ليست السبب الوحيد في أزمتها.

  • تراجع الثقة في بعض الصحف والبحث عن بدائل: كشفت دراسة ميدانية منشورة في المجلة المصرية لبحوث الرأي العام عام 2019، على عينة من 401 مفردة، أن 46.9% لا يتابعون الصحف اليومية القومية أو الخاصة، وأن نحو ثلاثة أرباع غير المتابعين أرجعوا ذلك إلى افتقاد الصحف للمصداقية.

كما أشارت الدراسة إلى أن الاستخدام المكثف للإنترنت ووسائل التواصل، ولا سيما بين الشباب، عزز وعيهم بمعايير المصداقية المطلوبة في الصحافة.

  • ظهور مشكلات الشائعات والاستقطاب: لم تكن وسائل التواصل بديلًا مثاليًا للصحافة؛ فالسرعة وسهولة النشر أتاحتا أيضًا انتشار الأخبار غير الدقيقة والشائعات والاستقطاب السياسي.

وقد أظهرت دراسات الإعلام المصري بعد الثورة اتساع التعددية الإعلامية بعد عام 2011، بالتوازي مع انتشار معلومات غير صحيحة ومحتوى شديد الاستقطاب، الأمر الذي عزز أهمية الدور المهني للصحافة في التحقق من المعلومات المتداولة رقميًا بدلاً من إعادة نشرها.

  • تحول العلاقة بين الصحفي والجمهور: انتقل الجمهور، بعد انتشار وسائل التواصل، من دور المتلقي إلى المشاركة في صناعة الخبر من خلال التعليق والمشاركة والتصوير وإرسال المعلومات والتفاعل مع الصحفيين[8].

وبناءً على ما سبق، أصبحت الشبكات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من منظومة الإعلام الجديد، وقنوات مفتوحة لتبادل الآراء والمعلومات والأفكار، ولا سيما بين الشباب.

وقد وظفها كثير منهم لدعم مطالب العيش والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، وهي مطالب لم تتحقق بصورة كاملة بعد ثورة يناير وأحداث 30 يونيو.

كما تفاوت حجم تعرض الشباب المصري لوسائل الإعلام المختلفة بعد ثورة يناير؛ فجاءت الشبكات الاجتماعية في المقدمة، تلتها المواقع الإلكترونية، ثم الصحف والمجلات، التليفزيون، وأخيرًا الإذاعة، ويرتبط ذلك بطبيعة الأحداث التي شهدتها مصر منذ عام 2011 وحتى الآن.

كذلك أسهم الإعلام الجديد في إعادة تشكيل خريطة العمل الاتصالي بفضل خصائصه، مثل عالمية الانتشار، وسرعة الوصول إلى المعلومات، والتفاعل، وتعدد الوسائط، وانخفاض التكلفة، مما أتاح للشباب الاستفادة من نطاق واسع من الخدمات والوظائف التي توفرها هذه الوسائل.

رابعًا: انعكاسات التحول الرقمي على الممارسات الصحفية المصرية

أصبحت انعكاسات التحول الرقمي على الممارسة الصحفية في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 ملموسة بوضوح؛ إذ مثلت الثورة نقطة تسارع مهمة في انتقال الصحافة المصرية من النموذج التقليدي إلى نموذج أكثر رقمية وتفاعلية وشبكية.

ومع أن التحول الرقمي لم يبدأ مع الثورة، فإنه اكتسب بعدها زخمًا كبيرًا، خصوصًا مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية والهواتف الذكية.

ومن أبرز انعكاسات هذا التحول:

  1. تغير مصادر المعلومات وظهور المواطن كمصدر إخباري: اتسعت دائرة مصادر المعلومات، فلم يعد الصحفي يعتمد أساسًا على المصادر الرسمية والمؤسساتية، بل أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والمواطنون ومستخدمو الإنترنت مصادر مهمة للأخبار والصور ومقاطع الفيديو.

وأظهرت دراسة لاتجاهات الصحفيين المصريين خلال المرحلة الانتقالية أن الصحفيين لاحظوا تغيرًا واضحًا في مصادر المعلومات، نتيجة قدرة المواطنين على إنتاج المعلومات ونشرها رقميًا.

  • تغير المتطلبات المهنية: أصبح الصحفي مطالبًا بالبحث في مصادر متعددة، ومقارنة الروايات المختلفة، والتحقق من المحتوى الذي ينتجه الجمهور قبل نشره.
  • تحول الصحفي من ناقل للمعلومة إلى متحقق ومنسق لها: أدى تدفق المعلومات عبر المنصات الرقمية إلى تغيير وظيفة الصحفي؛ فلم يعد دوره يقتصر على الوصول إلى المعلومة، بل امتد إلى التحقق منها، وتقييم مصداقيتها، ووضعها في سياقها، وربطها بمصادرها.

وقد اكتسب ذلك أهمية خاصة في البيئة المصرية المضطربة بعد الثورة، التي شهدت انتشار الشائعات والروايات المتعارضة، وأكدت دراسات الممارسة الصحفية خلال المرحلة الانتقالية استمرار أهمية المصداقية، وصحة النقل عن المصادر، والالتزام بأخلاقيات المهنة.

وبذلك تطور مفهوم حارس البوابة الصحفية (Gatekeeper) من اختيار الأخبار إلى التحقق من المحتوى الرقمي وفرزه وتقييمه.

  • زيادة سرعة إنتاج الأخبار ونشرها: فرض التحول الرقمي إيقاعًا زمنيًا جديدًا على العمل الصحفي؛ فلم تعد المؤسسات تنتظر دورة إصدار الصحيفة الورقية، وإنما أصبحت مطالبة بتحديث مواقعها ومنصاتها باستمرار ونشر الأخبار فور وقوعها، بما أدى إلى بروز صحافة الـ24 ساعة.
  • تغير العلاقة بين الصحفي والجمهور: انتقل الاتصال من نموذج أحادي الاتجاه إلى نموذج تفاعلي؛ فلم يعد القارئ مجرد متلقٍ، بل أصبح قادرًا على التعليق والمشاركة وإعادة النشر وإرسال المعلومات والصور ومقاطع الفيديو إلى المؤسسات الصحفية[9].
  • تراجع احتكار المؤسسات الصحفية لتحديد الأجندة: قبل انتشار الإعلام الرقمي، كانت المؤسسات الصحفية الكبرى تملك قدرة أكبر على تحديد القضايا المطروحة في المجال العام، أما بعد الثورة، فقد أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في ظهور أجندات موازية تجذب اهتمام الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
  • ظهور الصحافة التشاركية والصحافة المواطنية: أسهمت البيئة الرقمية في انتشار الصحافة المواطنية والتشاركية والشبكية، وخلال ثورة يناير لم تعد عملية إنتاج المعلومات حكرًا على الصحفيين؛ فقد شارك المواطنون والناشطون في نشر الصور ومقاطع الفيديو والشهادات المباشرة من مواقع الأحداث، وهو ما تناولته دراسات الثورة المصرية في بحث العلاقة بين الصحافة التقليدية والمحتوى الذي ينتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي[10].
  • التحول نحو الصحافة متعددة الوسائط: أصبح الصحفي مطالبًا بالتعامل مع النص والصورة والفيديو والصوت والإنفوغرافيك والمنصات الاجتماعية ضمن عملية إنتاج واحدة، فلم تعد الكتابة الصحفية وحدها كافية، بل باتت المهارات الرقمية المتعددة ضرورة مهنية.

وأظهرت دراسة تطبيقية على مؤسسات الأهرام والدستور والمصري اليوم اضطرار المؤسسات الصحفية إلى تبني تكنولوجيا المعلومات والاتصال والإنترنت لتطوير المحتوى وتعزيز التواصل مع الجمهور.

  • تغير بيئة العمل داخل غرف الأخبار: أعاد التحول الرقمي تنظيم العمل الصحفي، فأصبحت غرف الأخبار مطالبة بالتنسيق بين الصحيفة الورقية والموقع الإلكتروني وحسابات المؤسسة على شبكات التواصل الاجتماعي، مع زيادة التكامل بين المحررين والمصورين ومحرري الفيديو ومصممي الإنفوغرافيك ومسؤولي المنصات الرقمية.
  • بروز تحديات أخلاقية جديدة: أفرز التحول الرقمي إشكاليات مهنية وأخلاقية، أبرزها نشر الأخبار قبل اكتمال التحقق، وانتشار الشائعات والأخبار الكاذبة، واستخدام محتوى المواطنين دون توضيح مصدره، وإعادة تداول المعلومات دون التحقق منها، والخلط بين الخبر والرأي، وتأثير المشاهدات والتفاعلات في اختيار الموضوعات، وضغط السرعة والسبق على الدقة[11].

وفي السياق السابق، خلصت دراسة حديثة بعنوان “التحول الرقمي وانعكاسه على أداء العاملين في غرف الأخبار الذكية”، نشرتها مجلة “لارك”، إلى أن التحول الرقمي يسهم في رفع كفاءة الأداء الصحفي، وتسريع دورة إنتاج الأخبار، وتحسين دقتها وموضوعيتها.

كما كشفت عن تحول تدريجي من غرف الأخبار التقليدية إلى بيئات رقمية مرنة متعددة المنصات، تقوم على التكامل بين النص والصوت والصورة والفيديو.

وأكدت الدراسة أن العاملين ذوي المهارات الرقمية العالية يحققون أداءً مهنيًا أفضل، وأن الانتقال إلى غرف الأخبار الذكية أصبح ضرورة لمواكبة متغيرات الإعلام التفاعلي[12].

خامسًا: تأثير نظام «انقلاب 3 يوليو» في الصحافة الرقمية والورقية ووسائل التواصل

مع تولي عبد الفتاح السيسي السلطة في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013، شهدت وسائل الإعلام المصرية انتكاسة مهنية، نتيجة إجراءات قيدت حرية الصحافة والإعلام، وفرضت قيودًا متزايدة على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن أبرز سمات هذه المرحلة:

  • حجب المواقع: منذ عام 2017، تصاعدت عمليات حجب المواقع الإلكترونية المعارضة للسلطة، وشملت في بدايتها 21 موقعًا إخباريًا وصحفيًا، من بينها “مدى مصر” ومواقع تابعة لشبكة الجزيرة، إلى جانب منصات مرتبطة بالمعارضة. وكان الحجب قد بدأ فعليًا في ديسمبر 2015 بتقييد الوصول إلى موقع “العربي الجديد”.
  • تشديد الرقابة على الإعلام: عقب تعثر الثورة في تحقيق أهدافها، اشتدت الرقابة على مختلف وسائل الإعلام، بالتوازي مع تنامي هيمنة الأجهزة الأمنية على آليات العمل داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية[13].
  • الإطار التشريعي والقانوني: شهدت السنوات التالية لتولي السيسي السلطة إصدار تشريعات فرضت قيودًا واسعة على الحريات الإعلامية. وتشير تقارير دولية إلى تراجع حرية الصحافة في مصر؛ فقد وصف تقرير “مراسلون بلا حدود” مصر بأنها من أكثر الدول قمعًا للصحفيين، مشيرًا إلى قوانين فرضت رقابة واسعة على الإعلام[14].

وقد صدر أكثر من 200 نص قانوني مقيد لحرية الإعلام، رغم النص الدستوري، شكليًا، على ضمان حرية التعبير.

واستُخدمت هذه التشريعات لفرض رقابة صارمة على المحتوى، وترهيب الصحفيين والمدونين والمذيعين، الأمر الذي شجع على الرقابة الذاتية وفرض “خطوط حمراء” حول قضايا عديدة.

ومن أبرز هذه التشريعات قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، الذي نظم عمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وتضمن عبارات فضفاضة، مثل “حماية الهوية الثقافية المصرية” و”مقتضيات الأمن القومي” و”حماية حقوق الجمهور”، وهي مفاهيم قابلة لتفسيرات موسعة قد تقيد حرية التعبير[15].

  • إحكام السيطرة الأمنية: أصبح التدخل الأمني حاضرًا داخل المؤسسات الإعلامية، بما أفضى إلى رقابة مباشرة على المحتوى المنشور، وظهرت ممارسات مثل “صحافة البيانات” و”رسائل السامسونج” بوصفها وسائل لتوجيه المعلومات داخل المؤسسات.

وأصبح الخروج عن الخط الرقابي عرضة للحجب أو الملاحقة بتهم، منها نشر أخبار كاذبة. وأسهم ذلك في تكريس “الصوت الواحد” وتراجع التعددية الإعلامية[16].

  • الاستحواذ على ملكية وسائل الإعلام: أعادت السلطة رسم خريطة ملكية المؤسسات الإعلامية، من خلال استحواذ رجال أعمال، بينهم أحمد أبو هشيمة ومحمد الأمين وحسن راتب ونجيب ساويرس، على مؤسسات متعددة، قبل أن تتركز ملكية قطاع واسع من الإعلام والإنتاج الفني في “الشركة المتحدة”، المرتبطة بالمخابرات العامة. وعلى الرغم من اتساع نفوذها، سجلت الشركة خسائر مالية قدرت بنحو 20 مليار جنيه، أعقبتها تغييرات إدارية، من بينها إبعاد العقيد أحمد شعبان وتعيين طارق نور، ثم إبعاده لاحقًا، بما يعكس اضطرابًا في إدارتها[17].
  • انقلاب الإعلام على الثورة والثوار: في ظل المناخ السياسي والسياسات الإعلامية ذات الطابع الشمولي، تراجعت المهنية والموضوعية لدى قطاعات واسعة من الإعلام، واتخذت موقفًا عدائيًا من ثورة يناير وثوارها، بما انسجم مع توجهات السلطة الحاكمة.
  • تراجع ترتيب مصر عالميًا: انعكست هذه السياسات في انتقادات المنظمات الحقوقية والإعلامية الدولية؛ فقد صنفت “مراسلون بلا حدود” مصر في المرتبة 170 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه الصحافة والعاملين فيها. وهكذا اتجهت مصر، وفق هذا التقييم، عكس مسار التطور العالمي في الحريات الصحفية والإعلامية، بما أدى إلى تضييق المجال العام وحجب المجتمع عن جانب من الواقع[18].

وفي سياق هذا المحور، خلصت دراسة “الإعلام المصري بعد 30 يونيو: أزمة بنيوية أم مرحلة عابرة؟”، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، إلى أن الإعلام المصري، الحكومي والخاص، أصبح بعد ثورة 25 يناير، ثم الإطاحة بالرئيس د. محمد مرسي، جزءًا من حالة الاستقطاب السياسي.

وبعد 30 يونيو 2013، تحول إلى أداة مباشرة في الصراع السياسي، فتراجعت القيم المهنية ومساحة الحريات، خصوصًا أمام الأصوات المخالفة للسلطة أو للإعلام الموالي لها.

ويرى البعض أن الأزمة بنيوية ترتبط بنمط الملكية والإطار التشريعي، فيما يعدها آخرون مرحلة مؤقتة فرضتها الظروف الاستثنائية[19].

وتبرز أهم ملامح الخطاب الإعلامي بعد 30 يونيو فيما يلي:

  1. إعلام الصوت الواحد: اتجه الإعلام إلى تبني خطاب مؤيد للإطاحة بمرسي وخارطة المستقبل، مع تغييب الأصوات المعارضة، وتمحور الخطاب حول تمجيد المؤسسة العسكرية، وتخوين منتقديها، وشيطنة الإخوان المسلمين وأنصارهم، وتقديم عبد الفتاح السيسي بوصفه القائد الذي أنقذ الدولة.
  2. تصاعد خطاب الكراهية: اتخذت بعض وسائل الإعلام خطابًا تحريضيًا ضد المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكل المعارضين، وهو ما اعتبره بعض المراقبين شكلًا من أشكال الفاشية الجديدة.
  3. تراجع القواعد المهنية: أدى تصاعد التسييس والتوظيف الدعائي إلى تحول وسائل إعلام عديدة إلى منصات للاستقطاب السياسي والمجتمعي، على نحو فاق ما كان سائدًا في عهد مبارك[20].
  4. اتساع استهداف رموز الثورة: لم يقتصر الخطاب الإعلامي المعادي على الإخوان المسلمين، بل امتد إلى رموز ثورة 25 يناير من غير المنتمين إليهم.
  5. تغليب الدعاية على الخبر: غلب الخطاب الدعائي على أداء كثير من الصحف والفضائيات الحكومية والخاصة، واتسم بالمبالغة والسطحية في مهاجمة الإخوان والمعارضين وشيطنتهم، وامتد ذلك إلى معارضي السلطة الانتقالية، حتى من خصوم الإخوان.
  6. استخدام الخوف وتضخيم المخاطر: اعتمد الإعلام على خطاب يركز على المخاطر الأمنية والإرهاب، ويقدم مواجهة المعارضة والدفاع عن الدولة باعتبارهما أولوية مطلقة، بما عزز مناخ الخوف والاستقطاب.
  7. النزعة الانتقامية: سادت لدى قطاعات من الإعلام نبرة تشف وثأر تجاه الإخوان المسلمين والمعارضة، عكست نزعة انتقامية واضحة.
  8. ظاهرة «المذيع الخطيب”:  توسعت ظاهرة المذيع الذي يتجاوز دوره الإخباري إلى الوعظ والتوجيه وتحديد ما ينبغي للجمهور فعله أو تجنبه، بعيدًا عن المعايير المهنية.
  9. الحرية المفقودة:  خلص كثيرون إلى أن المهنية والحرية كانتا أبرز ضحايا هذا الواقع الإعلامي التعبوي[21].

يتضح أن الإعلام المصري تراجع بعد انقلاب 2013 عن مسار الانفتاح الذي أعقب ثورة يناير، وعاد إلى قدر كبير من الخضوع للسلطة.

وأصبح الإعلام الرقمي والتقليدي أكثر ارتباطًا بالتوجيهات الرسمية، مع تراجع الحريات والتعددية والمعايير المهنية، فضلاً عن ضعف التطور التقني مقارنة بما كان مأمولًا، ولم تنج منصات التواصل من التضييق، حيث استهدف النظام روادها بعدد كبير من التشريعات وضعتهم تحت طائلة القانون في حالة مهاجمة النظام.

سادسًا: الخاتمة والتوصيات

خلصت الدراسة إلى أن الإعلام المصري شهد، في أعقاب ثورة 25 يناير، تحولات عميقة بفعل المتغيرات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية، وكان لوسائل التواصل الاجتماعي دور بارز في إعادة تشكيل البيئة الإعلامية.

وأسهمت هذه الوسائل في تسريع تداول المعلومات، وتوسيع فرص التفاعل والمشاركة، وإتاحة مصادر جديدة للأخبار، فضلاً عن انتقال الجمهور من دور المتلقي إلى المشاركة في إنتاج المحتوى وتداوله.

وفي المقابل، فرض هذا التحول تحديات كبيرة على الصحافة التقليدية، ولا سيما الورقية، التي أصبحت مطالبة بالتكيف مع تغير عادات الجمهور وأنماط استهلاك الأخبار، فلم يعد إصدار الصحيفة ورقيًا كافيًا، بل بات الحضور الرقمي الفعال والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي ضرورة للوصول إلى الجمهور.

غير أن المكاسب التي حققتها الثورة تعرضت للانتكاس عقب انقلاب 3 يوليو 2013، وعاد الإعلام إلى الخضوع لنظم القمع والاستبداد.

كما أظهرت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تؤدي بالضرورة إلى إلغاء الصحافة التقليدية، وإنما تدفع المؤسسات الصحفية إلى تطوير أدواتها وأساليب عملها. وتظل المهنية، والتحقق من المعلومات، والدقة، والموضوعية، عناصر أساسية لاستمرار الصحافة، إلى جانب قدرتها على المواءمة بين خبرتها المهنية المتراكمة ومتطلبات البيئة الرقمية الجديدة.

وبناءً على ذلك، يرتبط مستقبل الإعلام المصري بقدرة المؤسسات الصحفية على الجمع بين الخبرة المهنية للصحافة التقليدية والإمكانات التقنية والتفاعلية للإعلام الرقمي، والتحرر من التبعية للسلطة، واستعادة الحريات الصحفية والمهنية.

وفي ضوء نتائج الدراسة، يمكن تقديم التوصيات الآتية:

  1. تطوير المنصات الرقمية: تحديث المنصات الرقمية للمؤسسات الصحفية المصرية بما يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة.
  2. التدريب والتأهيل المهني: تدريب الصحفيين على أدوات الصحافة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط.
  3. التحقق ومكافحة التضليل: تعزيز مهارات التحقق من المعلومات ومواجهة الأخبار الكاذبة والشائعات والمحتوى المضلل.
  4. ضبط المعايير التحريرية: وضع قواعد مهنية واضحة لاستخدام محتوى وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا للأخبار والمعلومات.
  5. جودة وتفاعلية المحتوى: تطوير المحتوى الرقمي بما يعزز قدرته على جذب الجمهور وتحقيق التفاعل المباشر معه.
  6. الالتزام بالمعايير الحرفية: تعزيز حضور المؤسسات الصحفية على منصات التواصل الاجتماعي مع الالتزام التام بالمعايير المهنية.
  7. التربية الإعلامية: نشر مهارات التربية الإعلامية والرقمية بين الجمهور، بما يساعده على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة.
  8. البحث الأكاديمي: تشجيع الدراسات الأكاديمية المعنية بمستقبل الصحافة المصرية في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
  9. دمج التقنيات الحديثة: توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تطوير العمل الصحفي، مع الحفاظ على الرقابة البشرية والمعايير المهنية والأخلاقية.
  10. استدامة النماذج الاقتصادية: تطوير نماذج اقتصادية مستدامة للصحافة الرقمية، بما يعزز استقلال المؤسسات الصحفية ويحد من أنماط الملكية الموحدة الخاضعة للسلطة.
  11. التكامل المؤسسي: تعزيز التكامل بين الصحافة التقليدية والمنصات الرقمية بدلاً من التعامل معهما باعتبارهما وسيلتين متنافستين.
  12. أخلاقيات النشر: الالتزام بأخلاقيات النشر الرقمي وحماية الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية عند التعامل مع محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.
  13. استعادة التعددية والاستقلالية: التحرر من الرقابة السلطوية والتبعية للأجهزة السيادية، واستعادة التعددية الإعلامية وإنهاء سياسات الصوت الواحد.

المصادر:

[1] “مفهوم الإعلام التقليدي”، موقع IGI Global، تاريخ الدخول: 22 أكتوبر 2022، متوفر على: https://goo.su/XcaeqmP

[2]  “المفاهيم في بحوث الميديا الاجتماعية في المنطقة العربية: رهانات التعريفات”، مركز الجزيرة للدراسات، 11 أبريل 2023، متوفر على: https://goo.su/W7cYe

[3] “أثر التحول الرقمي على هيكلية غرف الأخبار وسلوك الجمهور”، مركز الجزيرة للدراسات، 4 يوليو 2024، متوفر على: https://goo.su/WdIT7D 

[4] “الإعلام قبل الثورة وبعدها”، المرصد المصري للصحافة والإعلام، 25 يناير 2017، متوفر على: https://goo.su/Av7LRI

[5] رشا عبدالله، “الإعلام المصري في خضم الثورة”، مركز كارنيغي، 16 يوليو 2014، متوفر على: https://shortlink.win/1DLl3

[6]  “الإعلام المصري بعد 25 يناير… قصة الصعود والهبوط”، العربي الجديد، 25 يناير 2022، متوفر على: https://n9.cl/thcoy

[7]  “حرية الصحافة والإعلام بين الرئيس مرسي والسيسي”، الشارع السياسي، 19 يونيو 2022، متوفر على: https://politicalstreet.org/5209/

[8] مجدي الداغر، “شبكات التواصل الاجتماعي بمصر: بديل إعلامي يواجه الاستقطاب”، مركز الجزيرة للدراسات، 12 يوليو 2015، متوفر على: https://shortlink.win/1x-HK

[9]  “الممارسة الصحفية في المشهد الإعلامي الرقمي بين هيمنة التقنية وتحول الهويات المهنية”، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، 10 مارس 2020، متوفر على: https://asjp.cerist.dz/en/article/111402

[10]  محمد عبده محمد يوسف، “أثر استخدام الصحفيين المصريين لمنصات الإعلام الرقمية في تطوير أدائهم المهني: دراسة ميدانية على القائمين بالاتصال”، مجلة بحوث كلية الآداب بجامعة المنوفية، 2 يوليو 2022، متوفر على: https://shortlink.win/1x-Nn

[11]  “الإعلام والتحول الرقمي”، موقع عرب ميديا، 21 مارس 2021، متوفر على: https://shortlink.win/1x-Nw

[12]  خالد جبار عباس، “التحول الرقمي وانعكاسه على أداء العاملين في غرف الأخبار الذكية: دراسة مسحية”، مجلة لارك، كلية الإعلام بجامعة بغداد، عدد يونيو 2023، متوفر على: https://shortlink.win/1x-NI

[13]  “الخارطة الإعلامية المصرية بعد الثورة.. أرقام وتشريعات وقضايا”، موقع معهد العربية للدراسات، 12 فبراير 2013، متوفر على: https://n9.cl/ui33f

[14] “مراسلون بلا حدود: عشرية السيسي السوداء كانت الأسوأ على حرية الصحافة”، موقع مراسلون بلا حدود، 2 يوليو 2023، متوفر على:   https://cutt.us/DsFzk

[15]  “قراءة في نصوص قانون تنظيم الإعلام ومناقشات لجنة إعداد دستور 2014″، مركز مسار للبحوث والدراسات، فبراير 2021، متوفر على: https://cutt.us/ilCVS

[16] نفس المصدر السابق.

[17] “خريطة احتكار المخابرات لسوق الإعلام في مصر”، العربي الجديد، 1 يونيو 2021، متوفر على: https://linksshortcut.com/vAVct

[18] “مراسلون بلا حدود: عشرية السيسي السوداء كانت الأسوأ على حرية الصحافة”، موقع مراسلون بلا حدود، 2 يوليو 2023، متوفر على: https://cutt.us/DsFzk

[19]  “الإعلام المصري بعد 30 يونيو: أزمة بنيوية أم مرحلة عابرة؟”، مركز الجزيرة للدراسات، 20 فبراير 2014، متوفر على: https://goo.su/H15o30

[20]  “الإعلام المصري بعد 25 يناير… قصة الصعود والهبوط”، العربي الجديد، 25 يناير 2022، متوفر على: https://n9.cl/thcoy

[21]  “الإعلام المصري ونفق الاستقطاب والتجاذب السياسي بعد ثورة 25 يناير”، مركز الزيتونة للدراسات، 23 يناير 2014، متوفر على: https://www.alzaytouna.net/thank-you

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى