المرصد

الصهاينة وحرب الرواية الرقمية.. معهد أبحاث وهمي لتضليل أدوات الذكاء الاصطناعي!

  • تل أبيب تحاول هندسة روايتها لمجازر غزة بالتأثير غير المباشر على نماذج الذكاء الاصطناعي
  • نشر آلاف الأبحاث المفبركة لتشكيل ذاكرة مغلوطة حول غزة وتضليل الباحثين بشأن جرائم “إسرائيل”

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

كشف تحقيق لصحيفة «الغارديان» عن حملة منظمة مرتبطة بحكومة الكيان الصهيونى، استهدفت التأثير في المحتوى الذي تصل إليه أنظمة الذكاء الاصطناعي عند الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالكيان الصهيونى والحرب على غزة.

تضمنت الحملة إنشاء موقع يحمل اسم «معهد هانوفر للسياسة العامة» ويقدم نفسه بوصفه مؤسسة بحثية أمريكية، ثم نشر مئات التقارير ذات الطابع البحثي حول غزة و”إسرائيل” وفلسطين.

ووفقا للغارديان فإن موقع «معهد هانوفر للسياسة العامة» لم يقدم عنوانًا قانونيًا واضحًا أو قائمة بأسماء العاملين فيه، كما لم تحمل تقاريره أسماء مؤلفين، ولم يظهر-وفق التحقيق- أن المعهد يمثل مؤسسة بحثية قائمة بالمعنى التقليدي.

رغم ذلك، صُمم الموقع بصورة تحاكي مواقع مراكز الأبحاث، واستخدم لغة أكاديمية وتقارير طويلة وعناوين على هيئة أسئلة مباشرة، مثل: «هل نفذ الصهاينة إبادة جماعية في غزة؟» و«هل معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية؟» و«هل طرد الصهاينة الفلسطينيين من أراضيهم؟”

وأظهر تحقيق «الغارديان» أن الموقع نشر، بين 6 و14 أغسطس/آب 2026، 124 تقريرًا تجاوز مجموعها 560 ألف كلمة، وبلغ معدل النشر ذروته في 12 و13 أغسطس/آب، عندما نشر الموقع 73 تقريرًا في يومين، بإجمالي يقارب 354 ألف كلمة.

ولم تكن كثافة النشر وحدها هي اللافتة؛ فقد بدت المواد ببنية شبه أكاديمية، واستندت إلى مراجع حقيقية، من بينها تقارير للأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمات حقوقية، وهو ما يمنح المحتوى مظهرًا بحثيًا جادا رغم عدم وضوح الجهة البحثية التي تقف وراءه.

محتوى موثق في شكله منحاز في طريقة عرضه

و أشار تحليل المواد المنشورة إلى استخدام متكرر لصياغات تقلل من قوة الاتهامات الموجهة إلى الكيان الصهيونى، فعلى سبيل المثال: رصد التحقيق تكرار صياغة تفيد بأن المحاكم لم تصدر حكمًا نهائيًا بشأن بعض الاتهامات، حتى عندما تكون منظمات حقوقية أو جهات دولية قد خلصت إلى استنتاجات مغايرة !

كما استخدمت التقارير بصورة متكررة عبارات تحفظ بشأن أرقام الضحايا والمساعدات، من خلال نسبة الأرقام إلى «طرف في الأحداث»، بما يؤدي إلى وضع أرقام صادرة عن جهات مختلفة في مستوى واحد من الشك.

ووفق «الغارديان»، ظهرت إحدى هذه الصياغات في 55 تقريرًا من أصل 124، وسجل التحقيق أيضًا استخدام دراسة واحدة عن التعليقات المعادية للسامية على صفحات إعلامية أوروبية على نطاق واسع، إذ جرى الاستشهاد بها 454 مرة في 88 تقريرًا، بما في ذلك مواد تتناول موضوعات لا ترتبط مباشرة بالدراسة الأصلية.

100ألف دولار لصناعة محتوى بـ”الهوى الصهيونى”

تكشف ملفات التسجيل بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة عن مشروع بقيمة 100 ألف دولار يتعلق بإنتاج وتوزيع مواد موثقة المصدر عن الكيان الصهيونى،

فقد كشفت ملفات تسجيل الوكلاء الأجانب عن مدفوعات كبيرة لشركات أمريكية تعمل ضمن الحملة الأوسع، من بينها 15 مليون دولار لشركة Clock Tower X وقرابة 9.9 مليون دولار لشركة  Targeted Communications Globa.

وتوضح الأرقام أن مشروع «هانوفر» لا يمثل حملة منفردة، بل جزءًا من استراتيجية أكبر تستخدم شركات علاقات عامة وإنتاج محتوى ومنصات رقمية للتأثير في البيئة الإعلامية والمعلوماتية المتعلقة بالكيان الصهيونى.

الجانب الأكثر أهمية في المشروع يتمثل في استخدام أدوات تهدف إلى تحسين فرص ظهور المحتوى في إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي.

وبحسب التحقيق، كان موقع «هانوفر» يستخدم في بدايته ملفًا تقنيًا يعرف باسم llms.txt، وهو ملف مصمم لتقديم إرشادات لأنظمة الذكاء الاصطناعي حول محتوى الموقع وطريقة التعامل معه، وكان الملف الأصلي مرتبطًا بمنصة تجارية تدعى «Res»، وهي منصة تقدم خدمات لتحسين ظهور المحتوى في إجابات نماذج مثل ChatGPT وPerplexity  وClaude وGemini

كما سجَّل مؤسس منصة «Res» لدى وزارة العدل الأمريكية بصفته متعاقدًا من الباطن في المشروع الإسرائيلي، وعرّف دوره بأنه «استراتيجي رقمي”.

وهذا يوضح أن الهدف لم يكن مجرد نشر مواد على موقع إلكتروني، وإنما تصميم المحتوى بطريقة تزيد احتمالات اكتشافه والاستشهاد به في بيئة الذكاء الاصطناعي.

وتشير الوثائق والتقارير المنشورة إلى أن الهدف كان إنتاج محتوى «موثق» وذي مظهر بحثي، ثم استخدام تقنيات تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على اكتشافه والاستناد إليه.

وبحسب اختبارات نقلتها تقارير صحفية، استشهدت روبوتات مثل ChatGPT وPerplexity  بمواد منشورة على موقع «هانوفر» عند الإجابة عن أسئلة تتعلق بغزة ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية.

التأثير في المصادر لا يعني اختراق النموذج

من الناحية التقنية، لا تدعم المعلومات المنشورة وصف العملية بأنها «اختراق لتشات جي بي تي، ولم تُنشر أدلة تثبت أن الجهة الصهيونية تمكنت من الدخول إلى أنظمة OpenAI الداخلية أو تعديل النموذج مباشرة أو تغيير بياناته الداخلية، فالأدق هو وصف العملية بأنها محاولة للتأثير في البيئة المعلوماتية التي يمكن أن تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما تستخدم البحث على الإنترنت لاسترجاع مصادر قبل صياغة الإجابة.

وهناك فرق مهم بين الأمرين ، إذ أن تغيير النموذج نفسه يتطلب الوصول إلى عملية التدريب أو النظام الداخلي، بينما التأثير في المصادر المتاحة للنظام يمكن أن يتم من خلال نشر محتوى على الإنترنت وتحسين قابليته للاكتشاف والاستشهاد.

وهناك مسار آخر محتمل للتأثير يختلف عن استهداف إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي التي تبحث مباشرة في الإنترنت، وهذا المسار يتعلق بالمحتوى الذي تجمعه مستودعات ضخمة لأرشفة صفحات الويب، والتي قد تستخدمها جهات بحثية أو شركات تقنية لاحقًا في إعداد مجموعات البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

ومن أبرز هذه المستودعات «Common Crawl»، وهو مشروع غير ربحي يجمع بصورة دورية نسخًا من مليارات صفحات الإنترنت ويتيح بيانات للباحثين والمطورين، وتُستخدم بياناته في عدد من مشروعات الذكاء الاصطناعي، لكن وجود صفحة أو موقع داخل أرشيف «Common Crawl»  لا يعني تلقائيًا أن محتواه سيُستخدم في تدريب نموذج معين؛ فالجهة التي تطور النموذج هي التي تحدد مصادر وبيانات التدريب التي تستخدمها، وفقًا لسياساتها وآلياتها الخاصة.

وفي حالة الحملة المرتبطة بالمحتوى المؤيد للكيان الصهيونى، أظهر التحقيق أن بعض المواقع المرتبطة بالمشروع الأوسع كانت قد ظهرت بالفعل مئات المرات في فهرس «Common Crawl»  لشهر يوليو/تموز الماضي.

وتكتسب هذه المعلومة أهميتها من كونها توضح إمكان وجود مسار طويل الأجل للتأثير في البيئة المعلوماتية، لكنه لا يثبت أن محتوى «هانوفر» دخل بالفعل في بيانات تدريب أي نموذج ذكاء اصطناعي، فخطوات التأثير تمر بثلاث مراحل:

أولًا: نشر المحتوى على الإنترنت.

ثانيًا: قيام محركات البحث أو برامج الزحف بأرشفة هذا المحتوى وجمعه.

ثالثًا: اختيار جهة مطورة للذكاء الاصطناعي استخدام تلك البيانات ضمن مجموعة بيانات تدريب نموذج معين.

ولا تؤدي المرحلة الأولى تلقائيًا إلى الثانية، ولا تعني الثانية بالضرورة حدوث الثالثة، لذلك، فإن الأدلة المتاحة تسمح بالقول إن الحملة سعت إلى إنتاج محتوى واسع الانتشار وقابل للفهرسة والوصول، وهو ما قد يزيد فرص دخوله في مستودعات البيانات التي تجمع محتوى الإنترنت. أما القول إن هذا المحتوى أصبح بالفعل جزءًا من تدريب نموذج محدد، فيحتاج إلى دليل مستقل من الجهة التي قامت بالتدريب.

معركة جديدة في البيئة المعلوماتية للتأثير الرقمي

تكشف هذه القضية عن نموذج جديد من حملات التأثير الرقمي، فبدلا من نشر الرسالة السياسية باسم الجهة صاحبة المصلحة، يجري إنشاء محتوى يبدو صادرًا عن مصدر مستقل.

وتكتسب هذه الطريقة أهمية خاصة عندما يكون المحتوى مصممًا وفق قواعد البحث الرقمي والذكاء الاصطناعي، فالمادة لا تحتاج بالضرورة إلى إقناع القارئ بأنها صحيحة منذ اللحظة الأولى، يكفي أن تصبح موجودة، قابلة للفهرسة، ومتصلة بمصادر أخرى، ومهيأة للاكتشاف والاستشهاد.

وبذلك يتحول الهدف من إقناع المتلقي مباشرة إلى التأثير في البيئة المعلوماتية التي يستقي منها المتلقي معلوماته، أو التي تستقي منها الآلة إجاباتها.

ولا يعني نجاح حملة نشر المحتوى في جعل بعض روبوتات الذكاء الاصطناعي تستشهد بمواد «معهد هانوفر» أن الجهة التي تقف وراء المعهد أصبحت قادرة على التحكم في إجابات هذه النماذج أو توجيهها بصورة مباشرة، فهناك فرق تقني واضح بين التأثير في المصادر التي تصل إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي وبين التحكم في النموذج نفسه.

فعندما يستخدم روبوت الذكاء الاصطناعي البحث على شبكة الإنترنت للإجابة عن سؤال، فإنه قد يجمع معلومات من عدد من المواقع والمصادر، ثم يحللها ويعيد صياغتها في إجابة واحدة. وفي هذه الحالة، فإن نشر عدد كبير من المواد على موقع معين، وتحسين قابليتها للظهور والفهرسة، قد يزيد من احتمال وصول النظام إليها والاستشهاد بها.

لكن ذلك لا يعني أن النموذج سيتبنى مضمون هذه المواد أو يعتبرها صحيحة تلقائيًا، فقد يستعين بمصادر أخرى تختلف معها، أو يقارن بين الروايات، أو يذكر أن مصدرًا معينًا يفتقر إلى الاستقلالية، أو ينبه إلى وجود تضارب في المعلومات.

وهذا ما ظهر بالفعل في الاختبارات التي نقلتها صحيفة «الغارديان» بشأن «معهد هانوفر»،  فقد استشهد “تشات جي بي تي” ببعض المواد المنشورة على موقع المعهد عند الإجابة عن أسئلة مرتبطة بـ”إسرائيل” وغزة، لكنه لم يتعامل مع الموقع باعتباره مصدرًا مستقلًا بلا تحفظ؛ إذ أشار أيضًا إلى الجدل المتعلق بتمويل المعهد وطبيعة الجهة التي تقف وراءه.

وبالتالي، فإن أهمية الحملة لا تكمن في أنها تمنح جهة واحدة القدرة على «برمجة» إجابات الذكاء الاصطناعي، وإنما في أنها تكشف إمكانية التأثير في البيئة المعلوماتية التي تبحث فيها هذه الأنظمة، وزيادة حضور رواية معينة ضمن المصادر التي يمكن أن تصل إليها.

بشكل عام، تكشف قضية «معهد هانوفر» عن تطور مهم في أدوات الاتصال السياسي، باعتبار أن التأثير لم يعد يستهدف المستخدم مباشرة عبر الإعلان أو المنشور أو الفيديو، وإنما يستهدف أيضًا البنية المعلوماتية التي تعتمد عليها أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الإجابات، وبالتالي يمكن إنشاء مواقع متخصصة وإنتاج المحتوى بكميات كبيرة وتحسين ظهوره في محركات البحث والأنظمة الذكية، لكن وجود هذا المحتوى في الإنترنت لا يمنحه تلقائيًا صفة الحقيقة، كما أن استشهاد نموذج ذكاء اصطناعي بمصدر ما لا يمثل شهادة بصحته.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن المحتوى المصطنع قد يكتسب، من خلال كثافته وشكله الأكاديمي وانتشاره الرقمي، حضورًا يتجاوز قيمته الحقيقية كمصدر.

وبذلك  تصبح نزاهة البيئة المعلوماتية التي تتعلم منها الآلات وتبحث فيها كجزء أساسي من معركة التحقق من المعلومات محل شك؛ مما يعنى أن الصراع لم يعد فقط على ما يقرأه الإنسان، بل على ما تجده الآلة عندما تبحث نيابة عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى