لماذا تفوق “مرسي” على حكام الثلاثين عامًا؟
- النهايات غير المكتملة.. كيف بقيت تجربة الرئيس الشهيد حية في الذاكرة بعد رحيله؟
- “مرسي” جسّد حلم جيل عربي كامل برؤساء مدنيين يكسرون عقود الاستبداد والتوريث
- كيف تحول محمد مرسي إلى رمز شعبي تجاوز حدود الزمن والمنصب في وعي الملايين؟
حنان عطية
حكم جمال عبد الناصر مصر 15 عامًا، وحكم أنور السادات 11 عامًا، وحكم حسني مبارك 30 عامًا، ورغم ذلك فإن حضور الرئيس الشهيد محمد مرسي- الذي حكم 365 يومًا بالتمام والكمال- في الجدل السياسي اليوم أكبر ممن سبقوه بكثير، بل أكثر من ذلك الذي أزاحه بمؤامرة وبقوة السلاح وجلس مكانه من دون أي شرعية حتى اليوم!
حكم الرئيس مرسي عامًا واحدًا فقط، وهي مدة قصيرة للغاية، إلا أن المفارقة التي استعصت على التفسير التقليدي أن الرجل الذي حكم أقل من الجميع ظل حاضرًا في الذاكرة أكثر من كثير ممن حكموا عقودًا طويلة.
واليوم ورغم مرور سبعة أعوام بعد الرحيل، فإن اسم الرئيس مرسي مازال قادرًا على إثارة النقاش واستدعاء المواقف واستحضار الذكريات، وهو ما يلفت الأنظار في عالم السياسة، إذ تنسى الذاكرة معظم الحكام سريعًا بمجرد مغادرتهم السلطة، ولكن الرئيس مرسي بقي حيا في صفحات الذاكرة العربية والإسلامية، كما يطلّ الضوء من نافذةٍ أُغلقت قسرًا قبل اكتمال النهار.
كأن الزمن، بكل ما حمله من أحداثٍ جسام، لم يستطع أن يطوي صفحة الرجل، لكنه استطاع أن يحجز له مكانًا في وجدان الملايين أكبر مما حجزه كثيرون أمضوا عقودًا طويلة فوق مقاعد السلطة، ومازال – رغم ذلك – يثير النقاش ويستدعي المواقف ويوقظ الذكريات.
بقي حضور الرئيس مرسي أكبر من حدود المنصب الذي شغله، وأوسع من السنة التي حكم فيها، وربما كانت هذه هي المفارقة التي لم يستطع خصومه قبل محبيه تجاوزها متسائلين: كيف لرجل حكم عامًا واحدًا استطاع أن يحجز لنفسه مكانًا دائمًا في ذاكرة أمة كاملة؟!
في الذكرى السابعة لرحيله، نستعيد واحدة من أكثر المحطات تأثيراً وإثارةً للجدل في التاريخ المصري المعاصر ، حيث نسعى للإجابة على هذه الأسئلة: كيف بقيت ذكراه في ضمير الشعوب؟ ولماذا استمر تذكره وذكره رغم مرور هذه السنوات؟ ولماذا شكّل رحيله حدثاً صادما تجاوز تأثيره حدود مصر ليحظى باهتمام واسع في الأوساط العربية والإسلامية والدولية؛ ما يعكس حجم الحضور الذي مثّله الرجل في المشهد العام، وحجم التأثير الذي أحاط بتجرته السياسية؟
سيرة باقية رغم مرور السنوات
لعل من أول مظاهر حضور الرجل في ذاكرة الأمة هو اتساع مساحة الاهتمام الشعبي برحيله، حيث نعاه قادة وسياسيون ومفكرون وعلماء من كل بقاع الأرض، وربما يكون ما عبر عنه الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي معلقا عى خبر وفاة الرئيس مرسى رحمه الله مؤشرا واضحا على تلك الحفاوة التي حظي بها الرئيس مرسي، حيث يقول المرزوقي: “مهما كانت انتماءاتنا السياسية ومهما كانت خلافاتنا مع الإسلاميين، سنواصل اعتبار محمد مرسي شهيد الديمقراطية، وسنواصل في كل سنة الاحتفال بذكراه، وسنذكّر في كل ذكرى بما تعرض له من نذالة وخسة وأسلوب وحشي في التعامل معه، وهؤلاء الذين ارتكبوا هذه الموبقة في حق أنفسهم واسمهم وأولادهم ومستقبلهم السياسي وما سيحفظه عنهم التاريخ يتحملون المسؤولية “. ويستطرد قائلا : إن الانقلابيين “سيدفعون ثمنا باهظا، ليس فقط سياسيا، وإنما من سمعتهم”، مشددا على أن “التاريخ لن يغفر لهم الطريقة التي تعاملوا بها مع الرئيس الراحل محمد مرسي”.
قصة مفتوحة على أسئلة لم تُغلق
ولعل السر في استمرار حضوره يكمن في أسباب متعددة أولها: أن قصته بقيت مفتوحة على أسئلة لم تُغلق، فالتجارب التي تكتمل تترك أحكامًا نهائية، أما التجارب التي تُقطع في منتصف الطريق فتترك خلفها سؤال “ماذا لو؟”، وماذا لو أُتيحت للتجربة فرصة الاستمرار؟ ماذا لو اكتملت الدورة الديمقراطية؟ ماذا لو احتكم الجميع إلى الصندوق مرة أخرى؟ هي أسئلة لم يجد أصحابها إجابات قاطعة، فبقيت حاضرة في النقاش العام بعد سنوات طويلة.
وفي علم النفس السياسي، غالبًا ما تترك الشخصيات التي تغادر المشهد قبل اكتمال مشروعها أثرًا يتجاوز أثر من طال بهم المقام في السلطة، ذلك أن النهايات غير المكتملة لا تتحول إلى ذاكرة تاريخية فحسب، بل إلى فرضيات مفتوحة يتنازعها الأمل والحسرة والتأويل، ومن هنا بقي الرئيس الشهيد محمد مرسي حاضرًا في النقاش السياسي أكثر مما بقي كثير من الحكام الذين امتلكوا السلطة لعقود.
رمزٍ تجاوز حدود الزمن والمنصب
ومن أسباب بقاء مرسي فى سدة الذاكرة بعد أن تم اسبعاده من سدة الحكم – وإضافة إلى سبب عدم اكتمال تجربته – أنه ارتبط بقصة أمة وحلم جيل كامل، وهذا ما جعل الرجل الذي حكم عامًا واحدًا يتحول، في نظر شعوب الربيع العربي، إلى رمزٍ تجاوز حدود الزمن والمنصب والدولة، ليصبح أحد أبرز وجوه اللحظة العربية الثورية والأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.
ولذلك سيظل اسم الدكتور محمد مرسي، في نظر شعبه والشعوب العربية والجموع التى صنعت الربيع العربي، واحدًا من أبرز رموز الربيع العربي، وشخصية سياسية تجاوزت حدود المنصب والدولة والزمن، لتتحول إلى ذكرى تختلط فيها السياسة بالمشاعر، والتاريخ بالأمل، والواقع بالقصة الحلم التي ما زال كثيرون ينتظرون اكتمال فصولها.
لقد كان الرئيس مرسي بالنسبة لكثيرين تجسيدًا لفكرة انتظرتها الشعوب العربية طويلًا وهي : أن يصل مواطن مدني إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع، لا عبر الدبابات ولا عبر التوريث ولا عبر ترتيبات قوى دولية وإقليمية تتحكم فى اختيار من يجلس على عروش دول المنطقة، خاصة أن الاختيار كان في مصر تلك الدولة التي تحتل أهمية أكبر من غيرها لأسباب تاريخية وجغرافية وجيوسياسية، ولهذا لم تكن تجربته تخص المصريين وحدهم، بل شعر الملايين في مختلف البلدان العربية أن نجاحها أو إخفاقها يمس مستقبلهم.
وحين انتهت تلك التجربة قبل اكتمالها، لم تشعر تلك الملايين على امتداد الجغرافيا العربية والاسلامية أن رئيسًا قد أُقصي من الحكم فحسب، بل شعروا أن حلمًا واسعًا قد تعثر في منتصف الطريق.
ولهذا لم يرتبط اسم محمد مرسي بشخصه وحده، بل ارتبط في الوعي الجمعي للملايين بمعاني الشرعية والإرادة الشعبية والحق في الاختيار الحر، وتحول مع مرور الوقت إلى أحد أبرز رموز الربيع العربي وأشدها حضورًا في الذاكرة العامة.
انتصار للشرعية الشعبية لأول مرة
لقد جاء الرجل إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، في لحظةٍ اعتقد فيها كثيرون أن أبواب التاريخ قد فُتحت أمام الشعوب العربية لتكتب مستقبلها بأيديها، ولم يكن صعوده حدثًا مصريًا محضًا، بل بدا وكأنه انتصارٌ لفكرةٍ ظل العرب والمسلمون ينتظرونها طويلًا: أن يصل المواطن إلى سدة الحكم بإرادة الناس لا بإرادة السلاح، وأن تصبح الشرعية الشعبية أساسًا للتداول السياسي بعد عقودٍ من الاستبداد والانغلاق.
ومن بين الأسباب التي دفعت إلى بقاء الفكرة بعد أن رحل الجسد، هو تلك التضحيات الغالية التي قدمها الرجل استمساكا بالشرعية وحق الشعب في اختيار من يحكمه، وعدم تفريطه في التجربة والمكاسب التي حصل عليها الشعب بنجاحه في انتخاب رئيسه بإرادة حرة، فكان لهذه لتضحيات الكبيرة أثر في أن يخرج الرجل محمولًا على أكتاف التاريخ لا على أكتاف المشيعين.




