حناجر الصوت الواحد في مصر: فشل تأميم الإعلام.. وسقوط سردية التبرير
- الواقع المعيشي المأزوم يكسر السردية الموجهة ويدفع الجماهير نحو الفضاء الرقمي
- السلطة تعترف بأزمة الخطاب الإعلامي كمناورة أخيرة للتنصل من المسؤولية عن الفشل
- سيكولوجية ترهيب الجماهير من الفوضى والانهيار الإقليمي فقدت صلاحيتها
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
يُشير مصطلح “إعلاميي السلطة” في السياق المصري الحالي إلى النخبة التلفزيونية والصحفية التي تتصدر المشهد في القنوات الفضائية والصحف (بشقّيها القومي والخاص).
لم تعد مهمة هؤلاء تقتصر على النقل الإخباري، بل تحولت إلى “هندسة الرأي العام” وتوجيهه عبر خطاب تعبوي وموجّه، يستهدف بالأساس تبرير الخيارات السياسية والاقتصادية للنظام، وتسويق المشاريع الكبرى بوصفها “إنجازات قومية حتمية”، في مقابل حجب التداعيات الحقيقية للأزمات المعيشية والحقوقية.
وعلى الرغم من أن توظيف الآلة الإعلامية في مصر ليس ظاهرة وليدة اليوم؛ إذ دأبت الأنظمة المتعاقبة منذ نشأة الإعلام الجماهيري على صياغة رواية رسمية تحتكر مفهوم “الوطنية”، إلا أن هذه الظاهرة شهدت تحولاً راديكالياً وعميقاً بعد عام 2013.
ومع صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بانقلاب عسكري، انتقلت الدولة من مرحلة “توجيه الإعلام” إلى مرحلة “تأميمه وهيكلته بالكامل”؛ حيث خضعت غالبية المؤسسات الصحفية والشبكات الفضائية لسيطرة مباشرة من أجهزة سيادية واستخباراتية.
وقد تُرجمت هذه السيطرة الصارمة عبر ما بات يُعرف في العرف الصحفي والسياسي المصري بـ”توجيهات السامسونج”، والتي وحّدت الرسالة الإعلامية وحوّلت الشاشات إلى صدىً أعمى لصوت واحد، مما ألغى الهوامش المحدودة التي كانت قائمة في عهود سابقة.
آليات الهيكلة والتأميم المؤسسي
لم تكن عملية صياغة مشهد “الصوت الواحد” وليدة المصادفة، بل جاءت نتاج خطة ممنهجة لإعادة هندسة المجال الإعلامي في مصر بعد عام 2013.
بدأت هذه الإستراتيجية بالاعتماد المؤقت على الوجوه والأبواق التقليدية التي خدمت نظام مبارك، قبل أن يتم تطعيم المنظومة بوجوه جديدة ولجان إلكترونية، وتحت إشراف مباشر من أجهزة سيادية وأمنية تولت إدارة المشهد وضبط إيقاعه. ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية، تحول دور هذه الأدوات من التعبئة التقليدية إلى صناعة “رواية بديلة للواقع” تربط وجود الدولة استراتيجياً ببقاء النظام، وتوصف أي تحرك مطلبي أو معارض بأنه تهديد للأمن القومي.
ولضمان ديمومة هذه المنظومة وتحويلها إلى بنية مؤسسية لا ترتبط بالأشخاص، تحركت السلطة في مسارين متوازيين: التشريعي والاستثماري، فمن الناحية التشريعية والإدارية تمت إعادة صياغة المجالس المنظمة للعمل الصحفي والإعلامي لتصبح أدوات ضبط لا منصات تنظيم؛ حيث أصدر عبد الفتاح السيسي قرارات بإعادة تشكيل مجالس إدارات “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، و”الهيئة الوطنية للإعلام”، و”الهيئة الوطنية للصحافة”.
ورغم التغييرات الواسعة على مستوى الرئاسة والأعضاء حُمّلت بوعود تسويقية لإظهار وجود “تجديد وضخ دماء جديدة”، إلا أن الجماعة الصحفية والمراقبين اعتبروها تغييرات شكلية في الهياكل لا تمس جوهر السياسات الاحتكارية أو تمنح هامشاً لحرية الرأي والتعبير.
ومن الناحية الاستثمارية، كانتالخطوة الأبرز هي تأسيس “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية”، والتي أُنشئت كبديل عملي للمنظومة الإعلامية الرسمية الموروثة عن “جمهورية يوليو 1952”.
تأسست الشركة نتيجة اندماج شركتي “إعلام المصريين” و”دي ميديا” تحت إشراف وإدارة الأجهزة السيادية، لتتحول سريعاً إلى غول احتكاري يضم اليوم نحو 46 شركة تابعة، و17 قناة تلفزيونية، و12 منصة إخبارية رقمية، و6 محطات راديو.
ولم يتأسس هذا النفوذ عبر المنافسة التجارية، بل عبر عمليات استحواذ قسرية وضغوط أمنية وقانونية على رجال الأعمال الذين امتلكوا كبريات القنوات والصحف في عهد مبارك (مثل نجيب ساويرس، وأحمد بهجت، والسيد البدوي، وحسن راتب، ومحمد الأمين)، حيث دُفعوا للتنازل عن ملكياتهم أو تحجيم أدوارهم تسويةً لملفات قانونية أو تجنباً للملاحقات القضائية.
أفضت هذه الهندسة المشددة إلى تجريف كامل للمجال الإعلامي المصري؛ فاختفت المساحات المستقلة والمعارضة تماماً، وتلاشت التعددية لصالح رسالة إعلامية مركزية شديدة التشابه.
وقد عجلت هذه المركزية بنهاية الصحافة الورقية التي باتت تصدر بعناوين موحدة تُملى من مصدر مركزي واحد، وتحولت برامج “التوك شو” الرئيسية إلى منصات لإطلاق حملات إعلامية متزامنة ومتطابقة.
وبدلاً من أن يكون الإعلام ساحة للنقاش العام، تحول بمرور الوقت إلى منظومة “توجيه معنوي” عسكرية العقيدة، تتمحور رسائلها الثابتة حول ثلاثة أقانيم: الأمن القومي، حتمية الاستقرار، والترهيب من خطر الفوضى.
مرتكزات صناعة الرواية الرسمية
في سعيه لصياغة رواية رسمية مهيمنة، يرتكز خطاب السلطة على ترسانة من المفاهيم الموجهة، التي تتوسل بالخوف تارة وبتأجيل الوعود تارة أخرى، عبر ثلاثة مرتكزات بنيوية:
1- دمج “النظام” في بنية “الدولة”
يتمحور الملمح الأبرز في هذا الخطاب حول تقديم السلطة الحاكمة باعتبارها “الضامن الوحيد والأخير” لبقاء الدولة ككيان جغرافي وسياسي.
ولتكريس هذه المعادلة، يستدعي الإعلام بصورة نمطية ومكثفة السيناريوهات الإقليمية المتفجرة في دول الجوار مثل سوريا، وليبيا، والعراق، والسودان، وتصويرها كمصير حتمي ومباشر لأي حراك مطلبي أو اضطراب سياسي داخلي.
وبهذه الاستراتيجية، يجري دمج مفهوم “موالاة النظام” بمفهوم “الانتماء للوطن”، في حين يُدمغ أي صوت معارض بأنه تهديد للأمن القومي أو أداة تخريبية مدفوعة من الخارج.
2. التبرير الهيكلي للأزمات الاقتصادية
مع تفاقم الأزمات المعيشية، ومعدلات التضخم غير المسبوقة، والاعتماد المتزايد على القروض الخارجية، تحولت الأجهزة الإعلامية إلى منصات للدفاع عن السياسات التقشفية. وتتحرك هذه الآلة وفق مسارين:
- تصدير الأزمات للخارج: عبر إرجاع الفشل البنيوي محلياً إلى عوامل خارجية مطلقة، مثل التداعيات المؤخرة لجائحة كورونا، أو الصراعات الإقليمية والدولية كحرب غزة وتصاعد التوترات الإيرانية-الإسرائيلية، أو “المؤامرات الدولية” العابرة للحدود.
- أدلجة المعاناة: تسويق مفاهيم تعبوية تطلب من المواطن “التضحية الوطنية”، و”الصبر من أجل البناء”، والقبول بـ”الألم المؤقت” كشرط لازم للعبور نحو رفاهية مؤجلة.
وفي هذا السياق، ترفع السلطة كلفة النقد الاقتصادي؛ إذ يُصنف أي تشكيك في جدوى “المشاريع القومية الكبرى” باعتباره محاولة لـ”هدم الروح المعنوية” ونشر الإحباط.
3. صناعة “العدو الداخلي” والتخوين
لإغلاق المجال العام ومحاصرة أي بديل سياسي أو حقوقي، يعتمد الخطاب الإعلامي على استراتيجية “الشيطنة الممنهجة”؛ فكل محاولة لتقديم رؤية مغايرة أو نقد للسياسات العامة، يتم إدراجها آلياً تحت لافتة “الخلايا النائمة لجماعة الإخوان المسلمين”، أو ربطها بـ”حروب الجيل الرابع والخامس”، أو تصويرها كجزء من مخططات إسقاط الدولة.
أفضت هذه الهندسة الخطابية الممنهجة إلى تحول خطير في بنية المجتمع؛ حيث جرى تقليص مساحات العمل الصحفي المستقل إلى حد العدم، وانقسم الفضاء العام حادّاً بين فئتين لا ثالث لهما: “الظهير الشعبي الوطني المؤيد” في مقابل “المتآمر والخائن والمحرض”.
الإعلام كذراع أمنية للسلطة
مع تبلور النظام السياسي الانقلابي، تجاوز “إعلاميو السلطة” مربع الدعم والترويج التقليدي، ليتحولوا إلى متحدثين غير رسميين باسم الأجهزة السيادية، وأدوات وظيفية لتسريب الرسائل الأمنية الموجهة.
وتجلى هذا الدور في استخدام الشاشات لتهيئة الرأي العام لقرارات اقتصادية وسياسية قاسية، أو لشن حملات تشويه ممنهجة ضد شخصيات ومؤسسات مستقلة قبيل اتخاذ إجراءات قانونية أو تعسفية بحقها.
1. الجذور والكتائب الإلكترونية
بدأت إستراتيجية إخضاع الإعلام مبكراً جداً، وتحديداً خلال الفترة الانتقالية بعد يوليو 2013، وتكشف المحطات الأولى عن ضيق السلطة الجديدة بأي هامش للنقد؛ إذ سُجلت مواجهة شهيرة على الهواء مباشرة خلال الحوار الانتخابي عام 2014 بين المرشح آنذاك عبد الفتاح السيسي والإعلامي إبراهيم عيسى، حذره فيها السيسي بوضوح من استخدام مصطلح “العسكر”، متحدثاً في ذات السياق عن خطته لتأسيس “كتيبتين” للسيطرة على الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي.
ومع اكتمال بنية النظام، انتقلت إدارة المشهد إلى غرف مغلقة؛ حيث كشفت تسريبات صوتية موثقة لمدير مكتب رئيس الجمهورية آنذاك (رئيس جهاز المخابرات العامة لاحقاً) عباس كامل، عن آلية توجيه الإعلاميين بـ”الأمر المباشر”، مستخدماً تعبيرات تعكس النظرة التبعية مثل “الإعلاميين بتوعنا” وتوجيه “الواد فلان والبت فلانة” لإثارة قضايا محددة أو الهجوم على خصوم النظام.
2. دائرة الاستحواذ القسري
مرت عملية السيطرة على الفضائيات الخاصة بمراحل متعددة؛ بدأت بمحاولة التنافس عبر تدشين شبكات قنوات جديدة مثل (DMC) وإسناد إدارتها لواجهات اقتصادية، إلا أن فشل هذه المنظومة تسويقياً وجماهيرياً، وتحولها إلى عبء مالي، دفع السلطة نحو استراتيجية “الاستحواذ القسري المباشر” عبر أدواتها الأمنية.
وفي هذا السياق، رصدت منظمة “مراسلون بلا حدود” في بيان لها في 18 يوليو 2018، بقلق بالغ، إحكام السلطات المصرية قبضتها على المشهد الإعلامي وتهاوي المؤسسات المستقلة في أيدي رجال أعمال مقربين من أجهزة المخابرات، عبر آليات “الخنق المالي والقانوني”
مثلا شبكة “الحياة”، التي أسسها رجل الأعمال السيد البدوي (رئيس حزب الوفد) عام 2008، واجهت ضغوطاً مالية مفاجئة من قِبل الجهات الحكومية ومطالبات بفواتير باهظة أدت لوقف بثها مؤقتاً.
وجاء هذا التضييق مباشرة بعد معارضة نواب حزب الوفد في البرلمان لاتفاقية التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير” للمملكة العربية السعودية، لتنتقل ملكية القناة لاحقاً إلى شركة “فالكون” للخدمات الأمنية، والتي يديرها وكيل سابق للمخابرات الحربية.
كماامتدت السيطرة لتشمل تعيين رجال أمن سابقين في قمة الهرم التحريري والإداري؛ حيث تولى إدارة قناة “العاصمة” في يناير 2017 عميد في المخابرات الحربية ومتحدث رسمي سابق باسم القوات المسلحة.
وجرى تفكيك الملكيات المستقلة لصالح واجهات مدعومة أمنياً؛ حيث انتقلت ملكية قناة (ONTV) الشهيرة من نجيب ساويرس إلى رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة المقرب من الأجهزة السيادية، والذي اشترى بدوره عام 2016 أربع صحف محورية هي: (اليوم السابع، وصوت الأمة، ودوت مصر، والعين)، قبل أن تؤول كل هذه الأصول والملامح الإعلامية كلياً إلى مظلة “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” التابعة للمخابرات.
أدت هذه الدائرة المغلقة من الاستحواذ القسري إلى تحويل الإعلام من ساحة للتعددية والنقاش العام إلى منظومة شبيهة بـ”إدارات التوجيه المعنوي”، تدار بعقلية أمنية كاملة وتصدر بعناوين موحدة تمليها الأجهزة من مصدر مركزي واحد.
حدود التأثير ومظاهر الانكسار
نجح هذا النموذج الإعلامي الموجه، في سنواته الأولى، في تحقيق مستهدفات السلطة نظرياً وعملياً؛ إذ تمكن من تعبئة قطاعات واسعة من الجماهير خلف معادلتي “الاستقرار أولاً” و”مكافحة الإرهاب”، مستثمرًا حالة الخوف العام من سيناريوهات الفوضى والانهيار الإقليمي، إلا أن هذا النجاح المؤقت بدأ في التآكل التدريجي مع أول اصطدام حقيقي ببنود الواقع المعيشي للمواطن. وقد تجلى هذا الانكسار في ظاهرتين أساسيتين:
1. اتساع فجوة المصداقية
مع تفاقم الأزمات الاقتصادية الطاحنة، من قفزات التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه، تولدت فجوة هائلة بين ما تبثه الشاشات من إشادات بـ”المشاريع القومية والازدهار المرتقب”، وبين ما يواجهه المواطن في حياته اليومية. هذا التناقض الصارخ حوّل خطاب “إعلاميي السلطة” من أداة للتوجيه إلى مادة للتندر والسخرية الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وبات الشارع يلفظ الأطروحات الرسمية بوصفها منفصلة تماماً عن همومه الحقيقية.
2. سيولة الهوية الإعلامية
في العصر الرقمي الحالي، برزت ظاهرة ما يُعرف بـ”سيولة الهوية الإعلامية”، وهي حالة تآكلت فيها الحدود المهنية والوظائفية التقليدية للعاملين في الحقل الإعلامي. ففي البيئة الرقمية، لم تعد الممارسة الإعلامية قائمة على المعايير المهنية أو الحفاظ على “مسافة نقدية” من الأحداث، بل أصبحت محكومة بمنطق “الاصطفاف والتأثير والتفاعل المباشر”.
في ظل هذه السيولة، لم تعد السلطة بحاجة لبذل جهود مضنية لشراء الولاءات أو تجنيد صناع الرأي؛ إذ بات الإعلامي الموالي يتماهى طوعاً مع سردية الدولة، ويعيد إنتاجها في الفضاء الرقمي بوصفها الحقيقة المطلقة الوحيدة.
لكن هذا التحول الرقمي جاء بنتائج عكسية على النظام؛ فذات “السيولة” التي استغلتها السلطة، سمحت بكسر جزئي لاحتكار الرواية الرسمية، حيث تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى فضاء بديل ومفتوح يكشف الوقائع المحجوبة، ونجحت منصات وصناع محتوى مستقلون في جذب الجمهور والتأثير فيه، متجاوزين جدران الرقابة والقيود الأمنية المشددة، ومقدمين رواية موازية تعبر عن واقع الشارع لا عن رغبات السلطة.
“التماهي الناعم” وانكسار الوعي
في عمق هذه البنية، يبرز ما يمكن وصفه بـ”ظاهرة التماهي الإعلامي الناعم”؛ حيث يتجرد الإعلامي طواعية من مسافته النقدية، مستعصماً بيقين زائف بأنه يؤدي “واجباً وطنياً أو أخلاقياً حتمياً”، بينما هو في الواقع يعيد إنتاج رواية أحادية مغلقة تُحرم التفكيك أو المراجعة. وهنا يظهر تحول جذري بين آليات الدعاية التقليدية والحديثة:
- الدعاية الشعبوية الكلاسيكية: كانت السلطة تسعى تاريخياً إلى “غسل الأدمغة” تدريجياً وبأدوات ناعمة وغير مباشرة، متجنبة شعور المتلقي بأنه يُقاد قسراً.
- الدعاية في العصر الرقمي: في عالم يعج بالسيولة والاستقطاب الحاد، بات الجمهور الموالي يتنازل عن وعيه النقدي طواعية، بحثاً عن الطمأنينة السياسية أو الانتماء الجماعي وسط الفوضى.
بناءً على هذه الديناميكية، لم يعد “إعلاميو السلطة” بحاجة لارتداء قناع الحياد؛ بل أصبحوا يجاهرون بالانحياز الفج كمصدر للشرعية الرقمية والشعبية داخل “الظهير المؤيد”؛ فالجمهور هنا لا يبحث عن الحقيقة، بل عن “رواية جاهزة ومريحة نفسياً” تعفيه من مشقة التفكير والمساءلة، لكن هذه “الهندسة النفسية” واجهت سقفاً صلباً لا يمكن تجاوزه، وهو حدود القدرة البشرية على تحمل مفارقات الواقع.
لقد أدى الإفراط الهستيري في التبرير، والاعتماد المطلق على فزاعات التخوين والشيطنة، إلى ارتداد عكسي تمثل في تآكل كامل وجذري للمصداقية.
ومع تعاظم الفجوة بين الأطروحة الرسمية والواقع المأزوم في الشارع، تحول الانبهار الأولي إلى عزوف جماعي صامت؛ فهجرت الأغلبية الصامتة الصحف القومية والفضائيات المحتكرة، وتراجعت معدلات المشاهدة والانتشار إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح منصات التواصل الاجتماعي والإعلام المستقل والبديل هي الملاذ الحقيقي لالتماس المعلومة.
وتتجلى ذروة هذا الفشل البنيوي في “المناورة الأخيرة” التي باتت تلجأ إليها السلطة وأصواتها الرسمية؛ حيث أصبحت الدوائر الحاكمة تتحدث علناً وبكثافة عن “أزمة الإعلام الفضائي” و”الحاجة الملحة لتطوير الخطاب الإعلامي ورفع مهنيته”
هذه الاستدارة الرسمية ليست رغبة في الإصلاح، بل هي محاولة بائسة لامتصاص الغضب الشعبي، وإيحاء مناور بأن السلطة تشارك الشعب امتعاضه من رداءة المنتج الإعلامي، في محاولة للتنصل من مسؤوليتها المباشرة عن هندسة هذه الآلة، وتغذيتها اليومية بالبيانات الموجهة والتبريرات المكررة للانسداد السياسي والاقتصادي.
صراع الوعي وسؤال الاستدامة
إن ظاهرة “إعلاميي السلطة” في مصر لا تمثل مجرد أزمة مهنية عابرة، بل هي انعكاس بنيوي لنموذج سياسي يرى في الإعلام أداة مكملة لأجهزة الدولة وصراعها الوجودي لتوجيه الوعي العام.
ومع ذلك، فإن إصرار السلطة على احتكار الرواية عبر آلية “الصوت الموحد” وتبرير السياسات بأي ثمن —حتى لو أدى ذلك لتجريف التعددية والمهنية— بات يصطدم بجدار الرفض الشعبي الصامت، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى استمرارية هذا النموذج؛ فإلى أي مدى يمكن لإعلام قائم بالأساس على التعبئة والتوجيه المعنوي أن يحافظ على فاعليته في عصر “سيولة المعلومات”، حيث تلاشت قُدرة النظم المركزية على فرض الحظر أو احتكار الحقيقة؟
في المحصلة؛ كشف المشهد الإعلامي المصري بعد عام 2013 عن أضخم عملية “تأميم وهيكلة” في تاريخ الصحافة العربية، حيث تضافرت التشريعات الإدارية المقيدة مع عمليات الاستحواذ المالي والأمني القسري لإنتاج بنية احتكارية تدار من غرفة مركزية واحدة.
ورغم نجاح هذه المنظومة مؤقتاً في توظيف “سيكولوجية الخوف” وتعبئة الجماهير خلف شعارات الاستقرار، إلا أن هذا النجاح تحول إلى عبء سياسي واقتصادي بمجرد اصطدامه بالواقع المعيشي المأزوم للمواطن.
إن الفشل الراهن لإعلاميي السلطة، والعزوف الشعبي عن الشاشات والصحف الرسمية لصالح المنصات الرقمية البديلة، يثبت أن “هندسة الصمت” لها تاريخ صلاحية ينتهي حتماً عندما تعجز البروباغندا (الدعاية الموجهة) عن سد فجوة الجوع أو الإجابة على هموم الشارع الحقيقية.




