كيف تُصنع الشهرة؟ .. قراءة في أدوار الإعلام والجمهور والسلطة
“تبدو الشهرة في عصرنا أقرب إلى معركة مستمرة بين ثلاثة أطراف: صناع القرار الذين يحاولون توجيه الانتباه، والخوارزميات التي تعيد ترتيب الأولويات، والجمهور الذي يحتفظ بحق النقض الأخير”
حنان عطية
شهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة رحيل ثلاث شخصيات أثارت وفاتهم نقاشًا واسعًا حول المعنى الحقيقي للشهرة، وحول القوى الخفية والظاهرة التي تصنعها أو تهدمها
وقد كشفت ردود الفعل المتباينة على رحيل هؤلاء عن حقيقة مفادها أن الشهرة ليست مجرد عدد من المتابعين، ولا حجمًا من الظهور الإعلامي، بل هي علاقة نفسية معقدة بين الشخصية والجمهور، تحكمها عوامل متعددة تتجاوز الموهبة والإنجاز إلى الرمزية والجدل والغموض والذاكرة.
في كل عصر يظن الناس أنهم اكتشفوا سر الشهرة، ثم تأتي لحظة واحدة كفيلة بأن تكشف هشاشة هذا الظن، هي لحظة الموت؛ فالموت، أكثر من أي حدث آخر، يمتلك قدرة استثنائية على تعرية الحقائق، وإسقاط الأقنعة، وإعادة ترتيب الأسماء في ذاكرة الجماعات.
وعندما يرحل الإنسان، لا يعود السؤال: كم مرة ظهر على الشاشات؟ ولا كم بلغ عدد متابعيه؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا ترك خلفه؟
لقد اعتاد الناس في عصر المنصات الرقمية أن يربطوا الشهرة بالحضور المرئي، وأن يقيسوا القيمة الإنسانية بعدد الإعجابات والمشاهدات والتفاعلات، لكن الموت كثيرًا ما يفضح هذا الوهم؛ فكم من شخصية ملأت الفضاء الإعلامي صخبًا وضجيجًا، ثم انطفأ خبر رحيلها سريعًا وكأنها لم تكن، وكم من إنسان عاش بعيدًا عن الأضواء، ثم اهتزت لغيابه دوائر واسعة من العقول والقلوب؛ لأن أثره كان أعمق من أن يُقاس بمعايير السوق الإعلامية.
خالد فهمي.. شهرة تتحدى الخوارزميات
من بين هؤلاء الراحلين برز اسم الأستاذ الدكتور خالد فهمي، الذي كشف خبر وفاته عن صورة مختلفة تمامًا لمعنى الحضور الاجتماعي والتأثير الثقافي، فلم يكن الرجل نجمًا تلفزيونيًا، ولم يسعَ إلى صناعة جماهيرية استعراضية، ولم يكن من نجوم المنصات الذين تتصدر أسماؤهم قوائم التداول اليومي؛ ومع ذلك، فإن مجرد إعلان وفاته أطلق موجة واسعة من الحزن والاستذكار داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في طبيعة الشهرة الإنسانية؛ فهناك شهرة تصنعها العيون، وهناك شهرة تصنعها العقول، الأولى قد تكون سريعة الانتشار، لكنها غالبًا قصيرة العمر؛ أما الثانية فتتشكل ببطء، لكنها أكثر رسوخًا وقدرة على البقاء.
وقد كان الدكتور خالد فهمي من أصحاب الحضور؛ حضور لا يقوم على الإثارة، بل على المعرفة، ولا على الجدل العابر، بل على البناء التراكمي للأفكار.
لقد فقدت الأوساط الأكاديمية والثقافية برحيله قامة علمية ولغوية بارزة، كرّست حياتها لخدمة اللغة العربية والبحث العلمي؛ فمنذ تخرجه في كلية الآداب بجامعة عين شمس، مرورًا برحلته العلمية في الدراسات اللغوية والمعجمية، وصولاً إلى مكانته خبيرًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة وأستاذًا بجامعة المنوفية، ظل الرجل مؤمنًا بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للهوية وذاكرة للحضارة وجسر يصل الماضي بالمستقبل.
ولعل القيمة الحقيقية لأي عالم لا تكمن في عدد المناصب التي شغلها، وإنما في طبيعة المشروع الفكري الذي حمله، وقد كان خالد فهمي صاحب مشروع معرفي واضح المعالم، ينظر إلى اللغة العربية باعتبارها كائنًا حيًا يتطور ويتفاعل مع قضايا المجتمع والتاريخ والثقافة؛ ولذلك لم يكن إنتاجه العلمي مجرد تراكم أكاديمي جامد، بل محاولة دؤوبة لفهم العلاقة بين اللغة والإنسان، وبين المعرفة والهوية، وبين التراث ومتطلبات العصر.
لقد ترك “فهمي” وراءه أكثر من ستين مؤلفًا تنوعت بين الدراسات اللسانية والمعجمية وتحقيق التراث والبحث البلاغي والفكري، غير أن القيمة الحقيقية لهذه الكتب لا تكمن في عددها، بل في كونها تشكل أجزاءً من مشروع متكامل أراد أن يعيد للغة العربية حضورها الحيوي في الوعي المعاصر.
ومن هنا جاءت شهادات طلابه وزملائه ومحبيه، التي لم تقتصر على الحديث عن علمه الغزير، بل استحضرت أيضًا أخلاقه الإنسانية وتواضعه وحرصه على تربية الأجيال الجديدة من الباحثين.
إن خبر وفاة الدكتور خالد فهمي أعاد إلى الأذهان سؤالًا قديمًا يتجدد مع كل رحيل: ما الذي يبقى من الإنسان بعد موته؟ هل يبقى صوته أم فكره؟ صورته أم أثره؟ شهرته أم عطاؤه؟ وربما كانت الإجابة التي يقدمها التاريخ واضحة منذ قرون طويلة؛ فالأسماء التي تصمد أمام الزمن ليست دائمًا الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر قدرة على إضافة شيء حقيقي إلى حياة الآخرين.
وهكذا، بينما تتبدل أسماء كثيرة على شاشات الهواتف والمنصات، يبقى أصحاب الأثر العميق خارج حسابات اللحظة العابرة.. إنهم أولئك الذين لا تصنعهم الخوارزميات، بل تصنعهم السنوات الطويلة من العمل الجاد والإخلاص للفكرة والإيمان بالرسالة، وإذا كانت الشهرة تستطيع أن تجعل الإنسان معروفًا، فإن الأثر وحده هو الذي يجعله باقيًا.
شهرة الفنانين.. زخم الحياة وجنازات بلا جمهور
الشخصية الثانية هي الفنان هاني شاكر، وهو مطرب مصري بارز، عُرف بلقب “أمير الغناء العربي”، وُلد في القاهرة عام 1952، تميز بصوته الرومانسي الكلاسيكي، وامتدت مسيرته الفنية لخمسة عقود، وشغل سابقًا منصب نقيب المهن الموسيقية في مصر.
شارك كطفل في فيلم “سيد درويش”، واكتشف موهبته الموسيقار محمد الموجي في أواخر عام 1972، ليقدم بعدها مئات الأغاني التي رسخت مكانته في عالم الطرب.
شهرة الفنان هاني شاكر تبرز بوصفها نموذجًا دالاً على ما يمكن تسميته بـ”الشهرة المتوهجة الهادئة”؛ تلك الشهرة التي تملأ البيوت والآذان والوجدان لعقود طويلة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى حشود مليونية عند لحظة الوداع.
خمسون عامًا تقريبًا من الحضور الفني والإعلامي المتواصل كانت كفيلة بأن تجعل الرجل واحدًا من أشهر الفنانين العرب، وكانت أغانيه تُذاع في كل مكان، وصوره تتصدر المجلات والشاشات، واسمه حاضرًا في الحفلات والمهرجانات والبرامج الفنية.
وبدا للوهلة الأولى أن هذا الحضور الطويل لا بد أن ينعكس يومًا ما في مشهد جماهيري استثنائي عند الرحيل، لكن الواقع لم يكن موافقًا لهذا الاحتمال؛ فرغم حرص الإعلام المصري على إبراز حدث الوفاة بشكل تفصيلي وإلحاحي، إلا أن الجماهير كان لديها معايير أخرى، فهي لا تشيع الأشخاص فقط، بل تشيع الرموز التي تشعر أنها تمثل جزءًا من هويتها الجماعية.
ولهذا خرجت الملايين في جنازة أم كلثوم، حتى قيل إن عدد المشيعين بلغ ملايين عدة من المصريين والعرب الذين رأوا فيها أكثر من مطربة؛ حيث كانت أم كلثوم حاضرة في المجال العام بوصفها ظاهرة ثقافية وسياسية واجتماعية تتجاوز حدود الفن نفسه.
أما هاني شاكر فقد مثّل نموذجًا مختلفًا من الشهرة؛ شهرة قائمة على المحبة والقبول والانتشار الواسع، لكنها لم ترتبط بالضرورة بالرمزية الجمعية الكبرى التي تدفع الجماهير إلى النزول الكثيف إلى الشوارع عند لحظة الرحيل.
لقد كان نجمًا محبوبًا، لكنه لم يتحول إلى رمز تاريخي جامع بالمعنى الذي يجعل الجمهور يشعر أن جزءًا من ذاته الجمعية قد مات معه، وهنا تظهر حقيقة مهمة يغفلها كثيرون عند الحديث عن المشاهير؛ فالجمهور الذي يصنع النجومية ليس كتلة واحدة متجانسة، بل جماعات متعددة ومتفاوتة في دوافعها النفسية، فهناك جمهور الاستهلاك الفني، وجمهور الإعجاب الشخصي، وجمهور الانتماء الرمزي، وجمهور الفضول، وجمهور الجدل، وكل فئة من هذه الفئات تتفاعل مع المشهور بطريقة مختلفة.
ضياء العوضي.. شهرة تأسست على الجدل
أما الشخصية الثالثة التي شهدت حضورًا واهتمامًا واسعًا فكانت شخصية الدكتور ضياء العوضي، والتي بدت شهرته عقب وفاته لتدلل أنه إذا كانت الشهرة في جوهرها علاقة بين الإنسان والجمهور، فإن هذه العلاقة لا تنتهي دائمًا بوفاة صاحبها، بل قد تبدأ مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وتأثيرًا بعد الرحيل.
التاريخ الاجتماعي والإعلامي يخبرنا أن بعض الشخصيات تبلغ ذروة حضورها وهي على قيد الحياة، ثم يخفت بريقها تدريجيًا بعد الموت، بينما يحدث العكس مع شخصيات أخرى تتحول وفاتها ذاتها إلى نقطة انطلاق لشهرة جديدة تتجاوز حدود حياتها وتأثيرها المباشر.
فبينما يكشف رحيل بعض الشخصيات عن شهرة قائمة على الإنجاز العلمي أو الحضور الفني، برزت حالة العوضي لتمثل نموذجًا مختلفًا؛ ففي حالته ذاعت الشهرة بعد وفاته لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية وإعلامية لافتة للنظر تستحق التأمل بوصفها نموذجًا خاصًا من نماذج الشهرة المعاصرة، فالرجل لم يكن مجرد طبيب أو أكاديمي شغل موقعًا مهنيًا معروفًا، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة اسمًا مثيرًا للنقاش والسجال داخل المجتمع المصري وخارجه، بين مؤيدين رأوا فيه صاحب مشروع مختلف في التغذية والصحة، ومعارضين اعتبروا أفكاره خروجًا على الأصول العلمية المستقرة، وقد تشكلت حوله حالة استقطاب واسعة جعلته حاضرًا باستمرار في النقاشات العامة.
وُلد الدكتور ضياء الدين شلبي محمد العوضي عام 1979، وتخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير ممتاز، ثم واصل مسيرته الأكاديمية حتى وصل إلى درجة أستاذ مساعد في تخصص التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، غير أن شهرته الحقيقية لم تأتِ من هذا المسار الأكاديمي التقليدي، وإنما من انتقاله إلى مجال التغذية العلاجية وطرحه لما عُرف لاحقًا باسم “نظام الطيبات”، وهو نظام غذائي أثار اهتمامًا جماهيريًا واسعًا وأوجد حوله قاعدة كبيرة من المتابعين والمقتنعين بأفكاره.
في المقابل، أثارت هذه الطروحات اعتراضات قوية من جهات طبية ومهنية عديدة، رأت أن بعض ما يُطرح يفتقر إلى الأسس العلمية الكافية أو يحمل مخاطر صحية محتملة إذا طُبِّق بصورة غير منضبطة.
ومع تصاعد الجدل دخلت القضية مرحلة أكثر حدة، تخللتها إجراءات مهنية وقانونية وتنظيمية أسهمت في تحويل الرجل من مجرد صاحب رأي طبي مختلف إلى شخصية مثيرة للجدل على المستوى المجتمعي، غير أن المفارقة الكبرى لم تكن في حياته، بل في ما جرى بعد وفاته المفاجئة.
ففي كثير من الأحيان تنتهي القصة بوفاة صاحبها، لكن قصة ضياء العوضي بدت وكأنها بدأت من جديد بعد رحيله؛ إذ سرعان ما تحولت وفاته إلى مادة خصبة للنقاشات والتكهنات والتفسيرات المتعددة، وخرجت القضية من نطاقها الطبي الضيق إلى فضاء اجتماعي وإعلامي أوسع.
هنا ظهرت واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية إثارة للاهتمام؛ ظاهرة البحث عن المعنى الخفي وراء الأحداث المفاجئة، فالجمهور بطبيعته لا يحب الفراغات، ولا يرتاح للأسئلة التي تبقى بلا إجابات واضحة، وكلما ازدادت الغموضات المحيطة بحدث ما، ازدادت محاولات الناس لملء هذه الفراغات بالتفسيرات والتأويلات والفرضيات.
ولذلك ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي روايات متعددة حاول أصحابها تفسير الوفاة من زوايا مختلفة؛ بعضهم رأى الأمر حدثًا طبيعيًا لا يتجاوز حدود القدر الإنساني المعتاد، في حين ذهب آخرون إلى تصورات أكثر درامية، ربطت الوفاة بصراعات اقتصادية أو مصالح تجارية عالمية أو ما سموه “مافيات الدواء” و”اقتصادات الغذاء”، وهي تصورات لم تكن قائمة على أدلة مثبتة بقدر ما كانت تعبيرًا عن حالة نفسية جماعية تبحث عن تفسير بحجم الشخصية المثيرة للجدل التي رحلت بصورة مفاجئة.
واللافت أن هذه التفسيرات، بصرف النظر عن مدى صحتها أو خطئها، أدت إلى نتيجة واحدة واضحة: توسيع دائرة الاهتمام بالرجل وأفكاره بصورة غير مسبوقة، ومن هنا يمكن فهم إحدى القواعد الأساسية في علم النفس الاجتماعي والإعلامي وهي: ليس المهم دائمًا ما إذا كان الجمهور يوافق أو يعارض، بل المهم أن يظل مهتمًا؛ فالاهتمام هو الوقود الحقيقي للشهرة، وكلما تحولت الشخصية إلى موضوع للنقاش والسجال، ازدادت قدرتها على البقاء في دائرة الضوء.
لقد عرف التاريخ الإعلامي مرارًا هذه الظاهرة؛ فالأفكار التي تواجه المنع أو التقييد أو المحاصرة كثيرًا ما تكتسب جاذبية إضافية لدى قطاعات من الجمهور، لا بسبب مضمونها بالضرورة، بل بسبب الإحساس بأنها تتعرض للمواجهة. فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى التساؤل: لماذا يُمنع هذا الرأي؟ ولماذا يُحارب هذا الشخص؟ وهل توجد حقائق لا نعرفها؟ إن هذه الأسئلة لا تولد الاقتناع دائمًا، لكنها تولد الفضول، والفضول هو البوابة الأولى لكل اهتمام جماهيري واسع.
ولهذا السبب كثيرًا ما تحقق بعض الشخصيات حضورًا أكبر بعد التضييق عليها مما كانت تحققه قبل ذلك؛ فمحاولة إسكات الصوت قد تدفع قطاعات من الناس إلى الإصغاء إليه أكثر، ومحاولة إخراج الشخص من المشهد قد تدفع الجمهور إلى إعادة اكتشافه من جديد.
وفي حالة ضياء العوضي تحديدًا، بدا أن سلسلة الأحداث المتلاحقة التي سبقت الوفاة ثم أعقبتها أسهمت في صناعة سردية جماهيرية متكاملة حول شخصه؛ سردية تجمع بين الطبيب المختلف، وصاحب الأفكار المثيرة للجدل، والشخصية التي اصطدمت بالمؤسسات، ثم رحلت بصورة مفاجئة وسط أجواء من الأسئلة المفتوحة والتكهنات الواسعة.
وهكذا لم تعد القضية بالنسبة لكثير من المتابعين مجرد نقاش حول نظام غذائي أو رؤية طبية معينة، بل تحولت إلى قصة أكبر تتداخل فيها مشاعر الإعجاب والرفض، والشك واليقين، والفضول والخوف، والأمل والقلق؛ وكلما ازدادت عناصر القصة تعقيدًا، ازدادت قدرتها على الانتشار والاستمرار.
لقد كشفت تجربة ضياء العوضي عن شكل مختلف من الشهرة؛ شهرة لا تقوم على الإجماع، بل على الجدل، ولا تُبنى على التوافق، بل على الانقسام، ولا تستمد قوتها من كثرة المؤيدين فقط، بل من كثرة المتابعين والمهتمين والمتسائلين.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم الذي تكشفه هذه الحالة أن الشهرة ليست دائمًا مكافأة على النجاح، ولا نتيجة مباشرة للإنجاز، بل هي في كثير من الأحيان نتاج العلاقة المعقدة بين الإنسان والأسئلة التي يتركها خلفه؛ فبعض الأشخاص يرحلون تاركين إجابات، وبعضهم يرحلون تاركين أسئلة، ومثل هذه الشخصيات لا تنتهي قصتها بالموت، بل تبدأ منه مرحلة جديدة من الحضور في الوعي الجمعي.
من يصنع الشهرة؟!
لقد أدرك علماء النفس والاجتماع منذ زمن بعيد أن الجماهير لا تتفاعل مع الوقائع وحدها، بل مع المعاني التي تمنحها لتلك الوقائع؛ ولذلك فإن شخصية تحيط بها الأسئلة والرموز والالتباسات قد تستحوذ على اهتمام الرأي العام أكثر من شخصية أخرى تملك رصيدًا مهنيًا أو فنيًا أكبر لكنها لا تثير الفضول ذاته.
هذه الحقيقة تقودنا إلى سؤال أوسع: من يصنع الشهرة؟ وقد تغيرت عبر التاريخ الإجابة كثيرًا؛ ففي العصور القديمة كانت السلطة السياسية والدينية هي صانعة الشهرة الوحيدة تقريبًا، وكانت أسماء الملوك والقادة تُنقش على جدران المعابد والقصور باعتبارها الأسماء الجديرة بالبقاء، ثم جاءت المطبعة فوسعت دائرة التأثير، وانتقلت صناعة الشهرة إلى الصحف ودور النشر، ومع ظهور الإذاعة والسينما والتلفزيون أصبحت المؤسسات الإعلامية الكبرى هي الحارس الرئيسي لبوابات الشهرة.
أما اليوم فقد تغير المشهد جذريًا؛ فالخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي والجمهور نفسه أصبحوا أطرافًا أساسية في صناعة النجومية، ولم يعد الطريق إلى الشهرة يمر بالضرورة عبر استديوهات التليفزيون أو صفحات الجرائد، بل يمكن أن يبدأ من هاتف محمول في غرفة صغيرة.
ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الشهرة أصبحت ديمقراطية بالكامل يظل مبالغة كبيرة؛ فما زالت هناك قوى قادرة على التمكين والتوجيه، سواء كانت مؤسسات إعلامية أو شركات إنتاج أو منصات رقمية أو شبكات مصالح ونفوذ، لكن هذه القوى لم تعد قادرة على التحكم المطلق كما كان الحال في الماضي، لأن الجمهور اكتسب أدواته الخاصة للوصول إلى ما يريد.
ولهذا تبدو الشهرة في عصرنا أقرب إلى معركة مستمرة بين ثلاثة أطراف: صناع القرار الذين يحاولون توجيه الانتباه، والخوارزميات التي تعيد ترتيب الأولويات، والجمهور الذي يحتفظ بحق النقض الأخير.
إن الشهرة، في نهاية المطاف، ليست حقيقة ثابتة بقدر ما هي قصة يكتبها الناس في أذهانهم؛ وقد تكون الموهبة جزءًا من هذه القصة، وقد يكون الحظ جزءًا آخر، وقد تلعب المؤسسات دورًا في صياغتها، لكن الفصل الأخير يظل دائمًا بيد الجمهور، فهو وحده الذي يقرر من يبقى في الذاكرة، ومن يتحول إلى مجرد اسم في أرشيف الأخبار.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تكشفه حالات الرحيل المختلفة: أن الإنسان قد يمتلك المنابر والموارد والدعاية، لكنه لا يمتلك قلوب الناس، وأن الشهرة الحقيقية لا تُقاس بكمية الضوء المسلط على الشخص، بل بقدرته على البقاء في الوجدان بعد انطفاء الأضواء.




