حروب القوة الناعمة.. ومخاطر تفكيك المشروع الإسلامي (2-2)
د. أنس التكريتي في حوار شامل لـ”مركز إنسان”(2-2):
- آليات مزدوجة تجمع بين تشويه الرموز الإسلامية عبر الدراما والإعلام والضغط العملي لمنع العمل الخيري
- التحديات لا تقتصر على المؤامرات الخارجية بل تستوجب مراجعة داخلية تشمل سؤال الدولة وهيكلية التنظيم
- استهداف الشباب عبر تقديم “مؤثرين” ومناهج إسلامية معتدلة مفصلة على قياس الأنظمة والتوجهات الغربية
- الدوائر الاستخباراتية تستغل الفضاء الرقمي لتأجيج الصراعات البينية وتخريب المجتمعات من الداخل
- اختراقات استخباراتية ساهمت في تضخيم ظواهر التطرف والعنف والإرهاب لضرب الحركات الإسلامية المعتدلة
- استراتيجية المواجهة الذكية تتطلب رص الصفوف والتحصين التام والانفتاح ورفض سياسة الانكفاء الداخلي
- سقوط المعايير الغربية في قضايا الأمة يتطلب من الشباب المسلم خوض معركة الوعي وفرز الغث من الثمين
“إنسان للإعلام”- حوار: حامد راضي
في الجزء الأول من هذا الحوار، وقفنا مع المحلل السياسي ورئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات، الدكتور أنس التكريتي، عند تحولات المشهد الفكري والسياسي المعاصر وعلاقة الغرب بالمنظومة الإسلامية، متتبعين آليات القوة الناعمة والمنصات الرقمية في تفكيك المفاهيم، واستعراض ظاهرة “التطرف غير العنيف” ومحاولات العلمنة الناعمة الهادفة لتغيير الهوية الثقافية للمجتمعات الإسلامية.
أما في هذا الجزء الثاني والأخير، فنقترب أكثر من كواليس الصراع على الوعي وصناعة الصورة؛ حيث يواصل الدكتور أنس التكريتي الغوص في أدوات الضغط السياسي والثقافي لإضعاف الحركات الإسلامية وتطويع المجتمعات، بدءاً من تجفيف منابع التمويل الخيري والعمل التطوعي، مروراً بتوظيف المؤثرين ومنصات التواصل الاجتماعي لتقديم نماذج بديلة ومقبولة غربياً، وصولاً إلى كشف الأدوار الخفية للفضاء الرقمي في صناعة الصراعات وتضخيم ظواهر الغلو والتطرف.
كما يختتم بتحديد أولويات المرحلة المقبلة المتمثلة في رصّ الصف الداخلي، وإعادة ترتيب المشروع الإسلامي، وخوض “معركة الوعي” بوصفها المعركة الأهم أمام الشباب المسلم في مواجهة هذه الترسانة من التحديات.
- المشروع الإسلامي يستمد قوته تاريخياً من “الحاضنة الشعبية” والعمل الخيري والاجتماعي.. كيف عملت الأدوات الخارجية، عبر القوانين الدولية، لتجفيف منابع التمويل الخيري، وعزل المفكرين والحركات عن قواعدهم الاجتماعية؟
قضية المشروع الإسلامي وعلاقته بالمجتمع هي قضية متشعبة للغاية، وتتداخل فيها جوانب تثقيفية وتوعوية بأخرى عملية وميدانية.
فأما الجانب التثقيفى فيقوم أساساً على استراتيجيات الشيطنة والتخويف والإرعاب، بحيث يسعى المجتمع –بالعموم– إلى النأي بنفسه عن التعامل مع التيارات الإسلامية، أو تُشاع صورة ذهنية مفادها أن أبناء هذه الحركات فاسدون في سرائرهم.
ونلمح بوضوح كيف ساهمت الفنون والدراما، كالمسلسلات وأفلام عادل إمام على سبيل المثال، في تقديم شخصية الداعية في قالب مزيف؛ فهو يظهر أمام الناس في ثوب التقي المشتغل بالخير، بينما يغرق في حياته الخاصة في الفساد والانحلال الأخلاقي والإجرام، وهذه ليست مجرد أعمال عابرة، بل هي حلقة في سلسلة من عمليات التثقيف الدؤوبة والممنهجة.
وهذه الظاهرة ليست وليدة العصر الحديث أو محصورة في سياق سياسي معين، بل جذورها تمتد إلى ثلاثة أو أربعة قرون مضت، عندما سعت الدوائر الأوروبية لمحاربة النفوذ الكنسي؛ حيث انتشرت حينها الرسومات الساخرة، والكاريكاتيرات، والقصص الحكائية التي استهدفت إقناع المجتمع بأن رجال الدين ليسوا سوى نصابين وكاذبين، يتظاهرون بالزهد وهم غارقون في تكديس الأموال، ويوصون الناس بالتقوى والورع بينما يرتعون هم في الملذات والشهوات.
وقس على ذلك في واقعنا المعاصر؛ فعملية التثقيف تبدأ مبكراً من المناهج التعليمية، وتتعزز من خلال التهميش المنهجي لموقع إمام المسجد أو الشيخ الواعظ في المؤسسات الرسمية كوزارة الأوقاف، حيث يُوضع في أدنى السلم الاجتماعي من حيث المراتب والرواتب والمنح المالية، مقارنة بغيرهم.
خذ مثلاً قطاع التعليم العالي؛ فكلية الطب تتطلب طالباً متفوقاً يحصل على أعلى الدرجات في الثانوية العامة، بينما يُشاع انطباع بأن من يرغب في دراسة الشريعة يحتاج فقط الحد الأدنى من النجاح.
وهذه رسائل تثقيفية مبطنة تؤسس لفكرة أن دراسة العلوم الشرعية أمر مبتذل، وأن الشيخ هو أقل الناس ذكاءً، أو أنه ذلك الشخص الذي عجز عن الالتحاق بكليات القمة كالهندسة أو الطب أو العلوم البحتة، فلم يجد مفراً سوى الشريعة؛ أي تكريس صورة الإنسان الفاشل في حياته الأكاديمية والمهنية.
وتخيل معي حجم التأثير النفسي والاجتماعي عندما يتقدم لخطبة ابنتك رجل يعمل إماماً، بمرتبه البسيط ومكانته الاجتماعية التي صاغها الإعلام والمجتمع بقوالب نمطية؛ فمن ذا الذي سيسارع لتزويج ابنته لمثل هذا الإنسان؟ هذه كلها مسائل توعوية وتثقيفية تهدف إلى هدم المرجعية الروحية والعلمية في المجتمع.
وأما الجانب العملي، فهو ما تفضلتم بالإشارة إليه المتعلق بقضية “تجفيف المنابع”، فالخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها الحركات الإسلامية أصبحت عاجزة عن الإيفاء بمتطلباتها نتيجة الضغوط المالية الهائلة، علماً بأن هذه الخدمات قائمة أساساً على التبرع الطوعي والتكافل المجتمعي.
فمن جهة أولى، تكاد تنعدم فرصة إيجاد المتطوعين؛ إذ في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة ومعاناة الناس في لقمة عيشهم، كيف يمكن للإنسان أن يتطوع بوقته وجهده وهو بالكاد يملك القدرة على تدبير شؤون أهله ومصاريف عائلته الأساسية؟
ومن جهة أخرى، إذا كانت هذه الجمعيات الخيرية تكفل الأيتام وتخدم المحتاجين، ثم تُغلق حساباتها المصرفية وتُحاصر، وتصبح عاجزة عن تقديم أي مساعدة، فماذا ستكون النتيجة؟ لا شك أن عملها سينحسر ويتراجع، وهنا يتسلل الشك إلى نفوس بعض الناس، حيث يفسرون انقطاع المساعدات ظناً خاطئاً بوجود أموال تُسرق، أو بأن المؤسسات تتقاضى مصاريف إدارية باهظة.
وفي هذه اللحظة الحرجة، يبدأ الاشتباك الحقيقي بين الرواية الرسمية الأولى التي تغذي الاتهام بالفساد، وبين الواقع العملي الذي انحسر بفعل عوامل قاهرة وقوانين قسرية.
يضاف إلى ذلك كله الأحكام السياسية الجائرة وحالة الترهيب؛ فحين تنشر المقالات الممنهجة والتقارير الموجهة ضد هذه الجمعيات والأشخاص، يتملك الخوف الإنسان من مجرد تلقي التبرعات منهم أو العمل معهم كمتطوع، حتى وإن كان لا يصدق تلك الاتهامات والافتراءات؛ فكل فرد في النهاية يسعى إلى تجنيب نفسه الإشكالات والملاحقات الأمنية.
وأنا شخصياً اكتويت بنار هذه المعاناة؛ فحين تفشل حملات التشويه، ويصبح الناس على معرفة دقيقة بك وبنزاهتك، وتتكون لديك قنوات ثابتة من الثقة والمصداقية التي لا تهتز، تبدأ المؤسسات الرسمية والأمنية بملاحقة المتبرعين أنفسهم.
فالمواطن الذي يتبرع لك بمبلغ بسيط وزهيد، قد يُغلق حسابه البنكي ويُخضع للتحقيق والاستجواب: لماذا تتعامل معهم؟ وما طبيعة هذه العلاقة؟ فسر لنا! ثم تنهال الأسئلة الاستفزازية والتخوينية: أين تذهب أموالك؟ عندما تدفع 100 درهم أو 10 دولارات لهذه المؤسسة، هل توقن أين تُنفق؟ هل لديك إثبات قاطع بأنها لا تصل إلى الإرهابيين؟ هل تستطيع البرهنة على أنهم لا يتاجرون بالمخدرات؟ وكيف تجرؤ على إعطاء أموالك بهذه السهولة؟
هذا الأسلوب لا يثير الشك والريبة فحسب حتى لدى أقرب الناس إليك، بل يبث في نفوسهم الرعب والخوف، فيقول أحدهم: “ما الذي أدخلني في هذه المتاهة والمساءلات؟ سأكتفي بدفع تبرعاتي للمسجد الرسمي أو لأي جهة أخرى مأمونة الجانب وأريح بالي”.
وأتذكر جيداً ما حدث في مصر تمهيدا للانقلاب، حيث برزت فجأة قصة ما يُسمى بـ “الأخونة”؛ وما إن حدث الانقلاب كان رجال الأمن يجوبون الحواري والأحياء الشعبية بحثاً عن أعضاء الإخوان، ويقتادونهم عنوة من بيوتهم وعياداتهم ومقر أعمالهم.
ولا أنسى ذلك المقطع المؤثر لجنازة مهيبة، كانت تصرخ فيها امرأة بلا وعي قائلة: “هذا إخوان، كيف تمشون في الجنازة؟”، فيرد عليها بعض الحاضرين مستنكرين: “يا بنت الناس، اتقي الله، كيف تقولين هذا الكلام في حق الميت؟”، فترد بإصرار غريب: “هذا الرجل كان يعطيني 100 دولار شهرياً، ولا يعطي أحداً سواه إلا الإخوان!”
لقد كان مقطعاً صادماً لا أنساه ما حييت، لدرجة تجعلك تتساءل في دهشة: أكانت تمزح؟ أم طاش عقلها وفقدت صوابها؟ لكن الحقيقة المرّة أنها كانت تعبر عن واقع أن هؤلاء القوم كانوا يقدمون لها ولأمثالها مساعدات مالية شهرية، وأنهم كانوا الوحيدين الذين يقومون بهذا الدور التكافلي الرائد. وقس على ذلك شواهد وقصصاً كثيرة حدثني بها أشخاص عايشوا السياق ذاته وتأثروا به.
ولذلك كله، أنا على يقين تام بأن هناك جدرانًا عالية وحواجز قسرية تُوضع عمداً أمام العمل التطوعي العام، بهدف تقويض الحالة الأخلاقية للمجتمع، وإحكام الرقابة التامة على الأموال الخارجة والداخلة، وضبط إيقاع المجتمع بحيث لا يتحرك ولا يتصرف إلا وفق ما تريده الجهات السياسية والأمنية حصراً، مسلوب الإرادة، محروماً من حرية اختيار الجهات التي يثق بها لتقديم عونه الإنساني.
وهناك، كما أسلفت في مستهل حديثنا، متسع كبير من الكلام والأدلة التي يمكن أن تُساق في هذا السياق لكشف خبايا هذا المخطط المنهجي.
- هل تواجه الحركات الإسلامية تحدياً ثقافياً أكبر من التحدي السياسي اليوم؟
أعتقد أنه إذا أردنا وضع إطار عام للتحديات التي تواجه الحركات الإسلامية، فعلينا أولاً أن نصنفها إلى تحديات داخلية وتحديات خارجية، ثم نقسمها بحسب طبيعتها؛ سواء كانت ثقافية، أو سياسية، أو فكرية، أو منهجية، أو مالية، أو اقتصادية.
وأنا أرى أن التحدي الداخلي أمر لا يمكن إغفاله بأي حال، فإلقاء اللوم دائماً على المشروع الصهيوني، أو الغرب، أو الهيمنة الأمريكية، أو عمليات الشيطنة من قبل الدول التي تمول اللوبيات، فرغم صحة هذه العوامل وتأثيرها، إلا أنها لا تبرئ الحركة الإسلامية بالعموم من الأعباء والمسؤوليات التي تساهم هي الأخرى في صناعة تلك التحديات.
ومن ذلك، على سبيل المثال، سؤال الدولة؛ فهذه قضية داخلية بقدر ما هي قضية خارجية، وتتعلق بتحديد منهج الحركة الإسلامية إزاء مسألة الحكم، وعلاقة الدولة بالمجتمع، وموقفها من الوقوف طرفاً معارضاً أو طرفاً مسانداً لنظام استبدادي على سبيل المثال.
هذه أسئلة، في اعتقادي، لم تُطرح ولم يُجب عنها في الداخل بالعمق الكافي، قبل أن نواجه المشكلات الكبرى عند خوض التجارب السياسية على المستوى الخارجي.
وهناك سؤال كبير وخطير أعتقد أنه سيشكل منعطفاً حاسماً في حياة الحركات الإسلامية، وهو سؤال التنظيم، فهل التنظيم بهيكليته الحالية، واسمه، وشكله، وتراتبيته، هو الكيان الأكثر جدوى؟ أم أنه بات بحاجة ماسة إلى عملية تغيير وتطوير جذرية، خاصة وقد مرّ على انطلاقة دعوة الإخوان نحو مئة عام كاملة؟ هذه تساؤلات جوهرية ينبغي أن تُطرح بشجاعة.
أما فيما يتعلق بسؤالك عما إذا كان التحدي الثقافي أكبر أم التحدي السياسي، فأعتقد أن القضية الفكرية تضاف إليهما لتشكل أضلاع مثلث، وأن هذه التحديات الثلاثة ربما تكون من أبرز التحديات الخارجية التي تواجه الحركة الإسلامية اليوم.
فالجانب الثقافي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصورة النمطية أو الصورة الذهنية التي تُعرف بها الحركة الإسلامية في مختلف المجتمعات، سواء كانت عربية وإسلامية أو عالمية وغربية، ولا شك أن هذه إشكالية كبرى، خصوصاً مع عجز هذه الحركات عن التأثير في تلك الصورة، وإعادة رسمها وهيكلتها، وإيجاد الهوية البصرية أو الذهنية للحركة الإسلامية وسط الجماهير التي تتعامل معها، بغض النظر عن مستوى تأييدها لها أو معارضتها لتوجهاتها، وهذا، في تقديري، عامل بالغ الأهمية.
أما العامل السياسي فهو في جوهره عامل قوة، وقضية مرتبطة بموازين القوى على الأرض. وهنا نحن أمام معركة وتحدٍّ من نوع آخر تماماً، يتطلب أدوات للمعالجة تختلف اختلافاً جذرياً عن الأدوات المطلوبة لمواجهة التحدي الثقافي.
ولذلك، لا أستطيع أن أزعم أن التحدي الثقافي أكبر أو أهم من التحدي السياسي، أو العكس صحيح، فلكل تحدٍّ مساحته الخاصة، وإشكاليته المستقلة، ومسبباته، فضلاً عن طرقه الخاصة في العلاج والمواجهة.
- هل تلمسون محاولات ممنهجة لصناعة “قيادات مجتمعية بديلة” (نخب مخملية) داخل المجتمعات المسلمة، يتم تلميعها خارجياً لتقدم كنموذج للمسلم “المقبول غربياً”؟
طبعاً، هذا الأمر ملاحظ، ولا سيما في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، واليوم أصبحنا نستخدم مصطلح “المؤثرين” بدل “القيادات”، ففي بلادنا العربية مصطلح “القيادات” ليس محبباً، لأنه يتعارض مع فكرة القيادة التي تكون حصراً للنظام الحاكم.
واليوم أصبحنا نتحدث عن المؤثرين والمشاهير؛ سواء على صعيد الدعاة، أو الأئمة، أو قراء القرآن، أو أصحاب الأصوات الجميلة، أو من يمتلكون قدرة جيدة على الرواية والسرد، مثل تقريب السيرة النبوية إلى الناس.
وهذه الظاهرة ليست جديدة، لكن الأدوات اليوم أصبحت أكثر كثافة وتطوراً مما كانت عليه في السابق، ويمكن أن نتذكر، على سبيل المثال، في منتصف التسعينيات أو نهايتها، عندما ظهر أمثال عمرو خالد وعدد آخر من المشاهير الذين كانت وسائل الإعلام الرسمية تقدمهم، وكانت المنصات المختلفة تستضيفهم، بل إن بعض الدول والحكومات كانت تسهل أمورهم وتقربهم، وربما تحضر بعض مناشطهم وتدعوهم.
لكن الأمر اليوم أصبح مختلفاً لعدة أسباب؛ أولها الفراق والانفصام الواضح بين التيار الإسلامي الحركي العريض وبين الحكومات والأنظمة، فضلاً عن المجتمعات التي تحاول قدر الإمكان ألا تتعارض أو تواجه الأنظمة.
والأمر الآخر يتعلق بالوسائل والتقنيات؛ فأصبح من السهل اليوم الوصول إلى مئات الآلاف، بل ربما الملايين، بضغطة زر وبمقطع فيديو لا يتجاوز دقائق معدودة، بينما كان الأمر في السابق مكلفاً ومتعباً ويحتاج إلى إعداد وإخراج شاق، أما اليوم فلم يعد الأمر كذلك.
لذلك، فهذه المحاولات ليست جديدة ولا طارئة أو مستحدثة، وإنما الأدوات والوسائط هي التي تغيرت وتطورت، ولا شك أن الإشارة إلى أمثال تقرير مؤسسة “راند” عن العالم الإسلامي مهمة للغاية في هذا السياق؛ فقد وردت فيه، على سبيل المثال، مسألة تقديم إسلام معتدل بحسب وصفهم، والمقصود به هو إسلام بديل، إسلام مرضيّ عنه ويمكن التعامل معه والتفاهم معه، ولا يتعارض مع المصالح والأنظمة الحاكمة، وهذه ليست قضية مجتزأة، بل هي جزء من مشروع كلي متكامل.
فحين تقول للشباب: احذروا جماعة الإخوان المسلمين، فلا بد أن توفر لهم شيئاً آخر بديلاً. وحين تقول لهم: احذروا الاستماع إلى يوسف القرضاوي، فلا بد أن توفر لهم شخصاً آخر. وحين تقول لهم: احذروا هذا التيار، فلا بد أن تقدم لهم بديلاً، وإلا فإن حالة الكبت ستتولد لديهم، وقد تقود لاحقاً إلى الانفجار.
لذلك، فإن نموذج المؤثر، ونموذج القائد، ونموذج الرمز، يتم دائماً تقديمه واستحداثه وعرضه بعناية.
ولا شك أن الخطاب العام هنا هو خطاب السلام، والتعايش، وأنه لا فرق بيننا وبين أصحاب الديانات الأخرى، فنحن جميعاً مؤمنون، وأن من ضرورات المسلم أن يتعايش مع الغرب.
ويُقال أحياناً إن الإسلام لم يأتِ بالسيف وإنما جاء بالسلم، وهي كلمة حق أريد بها باطل. ويُقدَّم الخطاب على أننا دعاة سلام، ولا نريد المواجهة أو الحرب، وكل ذلك بهدف تنميط العلاقة بين المجتمعات الإسلامية وبين الفكرة والتوجه الغربي.
وأنا هنا لا أقول المجتمعات الغربية؛ فالمجتمعات الغربية نفسها فيها نوع من المعارضة والرفض للتوجه العام للمؤسسات والدول.
فنعم، هذا الأمر لا أعتقد أنني ألمسه فقط، بل أراه عياناً، وهناك شواهد بالأسماء والأرقام تؤكده، فقد تجاوز العمل الاستخباري فكرة “الجاسوسية الكلاسيكية” إلى “الهندسة الاجتماعية والافتراضية”.
- كيف تستغل أجهزة المخابرات الدولية الفضاء الرقمي وسلاسل البيانات لـ “تنميط” العقل الإسلامي، وبث الفتن البينية، وإذكاء الصراعات السلفية-الإخوانية، أو السنية-الشيعية؟
بالنسبة إلى العمل الاستخباري من خلال الفضاء الرقمي، فهذا موضوع يحتاج إلى متخصصين، لكنني كستخدم لهذه الأدوات ومتابع لها، أرى بوضوح أن الكثير، وربما كل أنماط التواصل الاجتماعي وما يجري من تفاعل عام على الإنترنت، يخضع بشكل أو بآخر للمتابعة والمراقبة من قبل الأجهزة التي يهمها جمع البيانات ورصد ردود الأفعال الإنسانية الطبيعية، بهدف إعادة هندستها.
وهذا الأمر عام وشامل لكل البشر والمستخدمين، بغض النظر عن كونهم مسلمين أو غير مسلمين، إسلاميين أو غير إسلاميين، ويُستخدم أحيانًا -كما يقولون- لبسط الأمن، ومنع الاختراق، والضبط، ومعرفة بوادر الفوضى المجتمعية أو الحركات التي قد تقوم بعمل يسبب إزعاجًا للسلطات الأمنية أو السياسية، أو لأجل الكسب المادي من خلال الدعايات والصور والرموز والألوان والشعارات والموسيقى.
لكننا نتحدث عن الاهتمام بالجماهير المنحازة إلى التيار الإسلامي العريض، وليس بالضرورة المنتمية إليه. وبالتأكيد، كانت هذه الجماهير هدفًا، وهذا الأمر ليس جديدًا، وإنما الجديد هو الأدوات الرقمية الموجودة اليوم والذكاء الاصطناعي.
وأنا أذكر أنه منذ عقود كانت تُنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والصور المفبركة التي لم يكن الإنسان قادرًا على تمييزها من الصورة الحقيقية، إلى جانب التلفيقات الأخرى.
وكم من أشخاص شُوِّهت سمعتهم ودُمِّرت حياتهم بناءً على فبركات وأكاذيب تبين في نهاية المطاف أنها إشاعات استخباراتية بنسبة 100%.
ومع بداية عصر الإنترنت، بدأنا نرى إشاعة الأخبار التي كنا نتداولها عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية، ثم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الأولى، مثل فيسبوك؛ أخبار لا تعرف أصلها ولا مصدرها: فلان زار كذا، وفلان قال عن فلان كذا، ولا تعرف كيف تتحقق منها، وهكذا تُزرع النزاعات داخل المجتمعات، بل داخل الصف الواحد والأسرة الواحدة، بما يمكن أن يؤجج خلافات عميقة.
ولعل الانتخابات الأمريكية التي فاز فيها ترامب للمرة الأولى عام 2016 كانت من أوائل المرات التي ظهر فيها هذا التدخل على الملأ وبصورة واضحة، فقد قيل إن أجهزة، كان معظمها يتبع لروسيا آنذاك، تدخلت في الانتخابات الأمريكية، وكانت بعض الإشاعات تافهة وسخيفة إلى حد لا يكاد العقل السوي يصدقها، مثل القول إن الحزب الديمقراطي يختطف الأطفال ويذبحهم ويشرب دماءهم، أو أن هيلاري كلينتون رجل يتقمص شخصية امرأة.
وقد يزدري الإنسان مثل هذه الادعاءات ويضحك منها، لكنها، بحسب الإحصاءات والدراسات، أثرت في شريحة واسعة من الناخبين الأمريكيين.
تخيل كم من الأمور جرت في بلادنا ومجتمعاتنا؟ وكم جرى، مثلاً، خلال الربيع العربي، ولا سيما بين عامي 2011 و2013، من هجمة إعلامية كانت تصور الإخوان المسلمين على أنهم يعذبون الناس، ويفتحون سجونًا سرية، ويختطفون الصحفيين، ويقتلون ويغتالون المعارضين السياسيين.
كانت الناس تصدق ذلك لأنها تسمع هذا الكلام باستمرار، وأعتقد أن التأثير الذي حدث أودى بمصر إلى التهلكة؛ فبدلاً من أن تسير في طريق قد يكون متعثرًا، لكنه ربما يقود في نهايته إلى شيء ما، أصبحت مصر في قاع البئر وأسفل السلم اقتصاديًا ومن ناحية النمو والتطور.
وأعتقد أن هذه المسائل استُخدمت أيضًا في إذكاء الصراعات المذهبية والفكرية، مثل الخلافات بين السلفية والإخوانية، وبين السنة والشيعة.
ولا شك أن هناك خلافات، لكن تضخيمها، وإبراز الشخص النشاز الذي يتحدث عن الآخر ويهاجمه بصورة فاقعة، كان من الأدوار التي استخدمت، للأسف، من قبل الأجهزة الاستخبارية.
وتذكرت الآن العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر، والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الناس، ويقال نحو مليون؛ فقد تبين أن الاستخبارات الجزائرية، بالتعاون مع الاستخبارات الفرنسية، أدارت هذه العشرية السوداء، من خلال صناعة شلل وعصابات وإغراقهم بالمخدرات، ثم دفعهم إلى ممارسة أبشع أنواع الجرائم.
وهذه أصبحت قضية استخباراتية معروفة وغير مخفية أساسًا، وأصبح من يتحدث عن مراجعة التاريخ وسرده يتحدث اليوم بالأرقام والأسماء.
- في مسألة “صناعة التطرف”، يتحدث خبراء عن اختراقات استخباراتية لتنظيمات راديكالية، مثل داعش؛ بهدف تشويه صورة المشروع الإسلامي ككل وتبرير ضربه.. من وجهة نظركم: ما هي حدود التوظيف المخابراتي لظاهرة “الغلو” في تفكيك الاعتدال الإسلامي؟
تبعاً لإجابة السؤال السابق، وفي مسألة دور الفضاء الرقمي في زرع النزاعات، أشرت إلى مسألة الاختراق الذي يحدث، بل أحيانًا الدور الرئيسي للجهات الأمنية والاستخباراتية في صناعة كيانات وصراعات وصور، وليس فقط محاولة التدخل من أجل التحريف أو الضبط والسيطرة، وكل هذا موجود في الحقيقة.
وظاهرة الغلو، وإن كانت موجودة في كل مجتمع، لكن لا شك أن لدينا شواهد على دور الجهات الأمنية في إبراز ظواهر الغلو والتطرف، ثم تضخيمها وتوجيهها، بل والإرهاب والعنف، وهذه مسألة ثابتة؛ فنحن موجودون في بريطانيا، وهي موجودة في أوروبا، وموجودة في البلاد العربية.
ونحن لا نستطيع أن نجزم بنسبة 100% بأن بعض الجماعات الغريبة والنشاز عن السياق العربي والإسلامي هي بكليتها صناعة استخباراتية، لكنني لا أشك قطعًا في أن جهات استخباراتية، محلية أو أجنبية، عمدت إلى محاولة السيطرة والهيمنة والتأثير على هذه الجماعات.
هذه قضية واضحة وبارزة، والغريب في الموضوع -بل أصبح الأمر معتادًا- أن هذه الجماعات، في حال بسطت سيطرتها على أي منطقة من المناطق، تستهدف بالقتل والتفجير، أول ما تستهدف، الجهات الإسلامية المعتدلة.
وهذا حصل عندما سيطرت داعش على الموصل، وعندما دخلت بعض المدن؛ إذ كان أول ما تستهدفه –وكأن لديها قائمة بأسماء الأشخاص وعناوينهم ومن يقرُب منهم– هو تعمد مباشرة قتلهم وتفجير دورهم وما شابه، فأنا باعتقادي أن التأثير الاستخباراتي والأمني أمر واضح لا مراء فيه.
- أمام هذه الترسانة من الأدوات الناعمة والصلبة، ما هي “الاستراتيجية المضادة” التي يجب على المفكرين والحركات الإسلامية تبنيها؟ هل الحل في الانكفاء والتحصين، أم في “المواجهة والاشتباك الذكي”؟
الجواب السريع والسهل هو: لا، ليس الانكفاء والتحصين، لكنني أعتقد أن الأمر يتطلب الأمرين معاً؛ فأحياناً نحتاج إلى أن نهدئ اللعب كما يقال، وأن نتراجع قليلًا، وننكفئ قليلًا لنعيد ترتيب أوراقنا وحساباتنا، وأحياناً لا، بل نحتاج إلى أن ننفتح، ونشتبك، ونواجه بطريقة من الطرق، ويمكن تسميتها بـ “المواجهة الذكية”، فأنا لا أعتقد أن عاقلاً يتحدث عن مواجهة غير ذكية، لذلك لا شك أن المطلوب هو الجمع بين الأمرين.
والأمر المهم الذي أؤمن به شخصياً هو أن أولى أولويات الحركة الإسلامية المنظمة حالياً تتمثل في رصّ الصف الداخلي، وكذلك رسم معالم المشروع بشكل أوضح بكثير مما كان عليه خلال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية، مع الإجابة عن التساؤلات المصيرية المهمة.
أولاً: ما حجم التنظيم ودوره وأهميته بوصفه هيكلية لإيصال الرسالة؟
والأمر الثاني: الأسئلة الكبرى، وعلى رأسها ربما سؤال الدولة والمجتمع، وسؤال الحكم، وسؤال العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
هذه أسئلة، باعتقادي، تحتل المرتبة الأولى أو الثانية في سلم الأولويات لمواجهة التحديات القائمة حالياً.
- كلمة منكم للشباب المسلم الذي يجد نفسه اليوم في مرمى نيران هذه الأدوات الناعمة، كيف يحمي وعيه دون أن يسقط في فخ الانعزال عن العصر؟
الحقيقة أن رسالتي إلى الشباب المسلم هي أن المعركة اليوم معركة وعي، وما أحدثته غزة في العالم هو انتصار ساحق؛ لأنها زرعت قدراً من الوعي لم يكن موجوداً في مجتمعات العالم جميعاً، وليس فقط في المجتمعات العربية والإسلامية.
أن يعي الشاب الأمريكي ليس فقط حجم الجرم الصهيوني بحق الفلسطيني، بل أن ينتبه إلى مسألة مهمة، وهي أنه يعيش في منظومة تدعم الظلم والإبادة والمجرمين، وتدعي كذباً الالتزام بمعايير الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمساواة وغير ذلك، هذا القدر من الوعي هو الذي منح غزة الانتصار الساحق.
وبالطبع، لأجل هذا الانتصار، قدمت غزة وأهل غزة تضحيات لا قبل للإنسان العاقل باستيعابها أو حتى التفكير فيها، لكن النتيجة النهائية هي أن الغالبية العظمى من شعوب العالم تقف اليوم مع الحق ضد الباطل.
العالم اليوم منتبه إلى أن الغرب يكذب حين يتشدق بمعايير وقيم الديمقراطية وغيرها، بل ويطالب بشن الحروب وقتل الأبرياء باسمها؛ كما حدث في احتلال أفغانستان واحتلال العراق، بذريعة تحرير المرأة في أفغانستان أو تحرير الشعب العراقي من براثن النظام، فهذه الأمور ثبت أنها أكاذيب هائلة؛ لذلك، فإن معركة الوعي هي المعركة الأهم، وهي المعركة التي تقف أمامنا، وأمام التقدم والتطور ووصول الفكرة.
وبالنسبة لنا، فإن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: “إنك لا تهدي من أحببت”، وأخبره الله سبحانه وتعالى بأنه ليس هو من يقرر من يهتدي إلى الإسلام ومن يبقى ضالاً، ولسنا ملزمين بأن يتقمص الناس هذه الفكرة أو تلك، لكن المطلوب أن يقرر الإنسان بعد أن تكون الصورة أمامه واضحة.
ونحن، في الحقيقة، ينبغي أن نوضح الصورة، وأن نخوض معركة الوعي أولاً مع أنفسنا، ثم مع الدوائر المحيطة بنا، ثم مع الجماعات التي تحمل اسم الإسلام ورسالة الإسلام الحقيقية، وبعد ذلك مع المجتمعات، ثم مع البشرية جمعاء.
هذه هي معركة الوعي الحقيقية. ولذلك، فإن كل ما يؤدي إلى زيادة الوعي مهم، واليوم، يحصل الإنسان خلال يوم واحد على سيل هائل من المعلومات، بكمية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، لكن كيف يفرّق بين هذا وذاك؟ بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والمهم وغير المهم؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشباب اليوم.
ولا شك أن الانصراف عن التوافه والثانويات، والتوجه إلى المسائل الأهم، وإلى التغيير والإصلاح، وإلى أن تتقدم الحياة ويتقدم البشر، بحيث يكون اليوم أفضل من الأمس، وغداً أفضل من اليوم، يحتاج إلى نفوس جبارة، نفوس تستطيع بعد ذلك أن تتعامل مع هذا السيل الجارف من المعلومات والصور والمقاطع والأغاني والأصوات، وأن تفرز المفيد من غير المفيد.




