حوارات

تصعيد متجدد مع إثيوبيا.. “إريتريا”: مأساة منسية في الإعلام العربي

الحقوقي د. عمر محمود يفكك أسرار الصراع وتاريخ المعاناة:

  • إريتريا عاشت خارج نطاق التاريخ والجغرافيا بسبب سياسات “أفورقي”
  • التوترات الأخيرة فرضت اهتماما إعلاميا بالقرن الإفريقي بعد إهمال طويل
  • وسائل التواصل الاجتماعي أضحت نافذة مهمة لكسر العزلة ونقل الحقائق
  • معاناة المسلمين في إريتريا بدأت منذ سقوط الاستعمار الإيطالي عام 1941
  • إريتريا لم تكن جزءاً من امبراطورية الحبشة..وتاريخها يؤكد أنها دولةً مستقلةً
  • ميليشيات “الأندنت” الإثيوبية قتلت نصف مليون مسلم في مجازر مروعة
  • المشهد الحالي بين أسمرة وأديس أبابا يُنبئ بانفجار عسكري وتصعيد إقليمي

“إنسان للإعلام”- حوار خاص:

مأساة المسلمين في إريتريا ليست منفصلة عن تاريخ المنطقة وتحولاتها السياسية؛ إذ تعود جذورها الممتدة إلى أربعينيات القرن الماضي، لكنها لم تنل حظها من الاهتمام في الإعلام العربي، رغم استخدام اللغة العربية فيها كلغة عمل ولغة رسمية إلى جانب لغات أخرى، كما أنها تحمل صفة عضو مراقب في جامعة الدول العربية منذ عام 2003، ويزيد تعداد المسلمين فيها على 50% وقد تصل نسيتهم إلى 65% في بعض التقديرات، من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 3.8 مليون نسمة.

اليوم تتقاطع مأساة إريتريا مع أعاصير التوترات الراهنة في القرن الإفريقي، وفي مقدمتها العلاقات المحتدمة بين أسمرة وأديس أبابا.

ومع عودة المنطقة إلى دائرة الضوء والاهتمام الإعلامي، هناك أسئلة جوهرية تتطلب إجابات حاسمة: لماذا غابت معاناة المسلمين في إريتريا عن التغطية العربية؟ وما الذي ينبغي معرفته عن جذور هذه المأساة ومساراتها التاريخية؟ وكيف يمكن قراءة التصعيد الإقليمي الحالي في ضوء تعقيدات الصراع وتاريخه؟

وبحثا عن إجابة لهذه الأسئلة، حاور “مركز إنسان للإعلام” الدكتور عمر محمود، المختص في حقوق الإنسان ومؤلف كتاب “كي لا ننسى: مأساة المسلمين في إريتريا”، وهو صاحب خبرة أكاديمية رفيعة تجمع بين القانون الدولي، والتنمية، والعلاقات الدولية؛ حيث نال ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ثم واصل دراسته في القانون والتنمية والعلاقات الدولية بالجامعات الكندية، وحصل على الماجستير في القانون الدولي من جامعة أوتاوا، والدكتوراه في القانون والاقتصاد من جامعتي ليفربول وصباح الدين زعيم بإسطنبول.

يتحدث الدكتور عمر عن أسباب التغييب الإعلامي للقضية الإريترية، والدور المزدوج لوسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأحداث أو تأجيج الصراعات، وصولاً إلى قراءة تفكيكية لخلفيات التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، ومآلات التحالفات السرية والتصعيد العسكري المرتقب، مع توجيه الباحثين والمهتمين إلى أبرز القنوات والمصادر لاستقاء المعلومات من منابعها. وإلى نص الحوار:

  • كيف ترى التناول الإعلامي للأحداث الأخيرة بين إثيوبيا وإريتريا؟

مما لا شك فيه أن منطقة القرن الإفريقي وسواحل البحر الأحمر تُمثّل عمقاً حيوياً وموقعاً استراتيجياً غاية في الأهمية.

وإذا نظرنا إلى التاريخ القريب، سنجد أن وسائل الإعلام كانت تُهمل هذه المنطقة ولا تمنحها الاهتمام الكافي؛ إلا أن الآونة الأخيرة شهدت تحولاً كبيراً، حيث بدأت المنصات الإعلامية تتبارى في تغطية شؤونها نتيجة تراكم ملفات وأزمات عديدة ومتداخلة.

ومن أبرز العوامل التي أعادت تسليط الضوء على المنطقة: تداعيات الحرب في اليمن، وتحركات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مواجهة جبهة “التيغراي”، فضلاً عن بروز دور المعارضة الإريترية التي اختارت التكتل في تحالف يضم سبع منظمات.

ولا شك أن الاهتمام الإعلامي المكثف في هذه المرحلة يعود بالأساس إلى حساسية وتأثير الملف الإريتري؛ حيث ظل رئيس النظام الإريتري، أسياس أفورقي، على مدار فترة حكمه التي تجاوزت 35 عاماً، يشن الحروب يمنة ويسرة، بهدف استنزاف الشباب الإريتري وتدمير مقدرات البلاد تدميراً كلياً.

ونتيجة لهذا الدمار والإهمال والتخلف الذي فُرض قسراً، أصبحت إريتريا اليوم تعيش خارج سياق التاريخ والجغرافيا، ولكن لأن الأحداث الراهنة عاصفة ومتسارعة تتسابق وسائل الإعلام لتغطيتها نظراً لتقاطعها مع ملفات إقليمية مأزومة؛ كالحرب الإثيوبية الداخلية، وحرب اليمن، وتصاعد حراك المعارضة الإريترية في مواجهة التحالفات القائمة.

  • وهل ترى أن هذا التراشق الإعلامي قد يؤدي إلى تصعيد الأمور عسكرياً على الأرض؟

نعم، المؤشرات الراهنة تُنبئ بأن الأوضاع قد تنفجر عسكرياً في أي وقت، بل إن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لوّح بذلك علناً.

وكما هو معلوم، كانت هناك اتفاقيات وتفاهمات سرية جمعت بينه وبين رئيس النظام الإريتري أسياس أفورقي، وحقيقة الأمر هي أن أفورقي دأب على عرض إريتريا ومقدراتها على الأنظمة الإثيوبية المتعاقبة؛ فقد عرض مشروع الوحدة مسبقاً على رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، بشرط أن يتولى أفورقي نفسه رئاسة الدولة الموحدة.

تكررت هذه المحاولات لاحقاً، وكان أبرزها المحاولة الأخيرة مع آبي أحمد في عام 2018 عقب توقيع اتفاق السلام بينهما، لكن التغير الجذري حدث بعد توقيع “اتفاق بريتوريا للسلام” عام 2022 بين حكومة آبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيغراي؛ وهو الاتفاق الذي أثار غضب وتوجس أسياس أفورقي، حيث كان يرى أن شرط تنفيذ أي تفاهمات مع أديس أبابا يجب أن يمر عبر القضاء التام على جبهة تيغراي التي يتحالف معها آبي أحمد الآن.

هذا التحول يعكس التقلب المستمر في مزاج ومواقف رئيس النظام الإريتري، الذي يرتكز نهجه السياسي بالدرجة الأولى على إشعال الحروب واستنزاف الشعب الإريتري.

واليوم، وبعد هزيمة جبهة تيغراي وتراجع حدة الصراع الإقليمي مع حلفائها، يبدو أن آبي أحمد لم يعد أمامه من خيار لتصدير أزماته سوى الدخول في مواجهة جديدة، قد تبدأ بالسعي للسيطرة على ميناء عصب، وربما تمتد إذا استدعى الأمر إلى محاولة بسط النفوذ على إريتريا بالكامل.

  • كيف ترى دور وسائل التواصل الاجتماعي في كشف الحقائق التي لا يصرّح بها المسؤولون والإعلام التقليدي؟

لا غنى عن وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة؛ لأن معظم الناس أصبحوا يستقون أخبارهم منها مباشرة.

وبرغم ذلك لها دور كبير في تأجيج الحروب كما نرى اليوم في القرن الإفريقي أو في منطقتنا على وجه التحديد بسبب تضارب الأخبار.

ومن مزايا وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أن نقل الأخبار لم يعد يحتاج إلى الإجراءات المعقدة التي كان يمر بها في السابق؛ إذ أصبح بإمكان أي شخص أن يحمل هاتفه المحمول وكاميرته وينقل الأحداث مباشرة من موقع وقوعها، وهذه من أبرز فوائدها.

لكن في الوقت نفسه، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل الغث والسمين؛ لذلك لا يمكن إغفالها، كما لا يمكن الاعتماد عليها اعتماداً مطلقاً، بل يجب التعامل معها بوعي بالنظر إلى ما تحمله من إيجابيات ومساوئ.

  • ما طبيعة معاناة المسلمين في إريتريا؟ وما الدور المنوط بنا للتعريف بهذه المأساة؟

كما ذكرتُ في كتابي “كي لا ننسى: مأساة المسلمين في إرتريا”، فإنني أؤرّخ لهذه المأساة ابتداءً من عام 1941، وهو العام الذي سقط فيه الاستعمار الإيطالي على يد الحلفاء؛ ثم كان تحرك الإمبراطور الإثيوبي “هيلا سيلاسي” بعد عودته من المنفى لضم إريتريا إلى إثيوبيا.

في البداية، لجأ “هيلا سيلاسي” إلى تقديم الرشاوى والمناصب للمسلمين خلال أربعينيات القرن الماضي لاستمالتهم إلى مشروع الضم، إلى أن قررت الأمم المتحدة في عام 1952 ربط إريتريا بإثيوبيا في اتحاد فيدرالي يتمتع فيه الإريتريون بالحكم الذاتي، لكن الإمبراطور الإثيوبي لجأ إلى إنشاء ميليشيات مسلحة أُطلق عليها اسم “الأندنت” (الوحدة)، ارتكبت مجازر مروعة بلغت ذروتها بعد عام 1960.

وقد أسفرت تلك المجازر عن مقتل أكثر من 500 ألف شخص، وتهجير أكثر من ثلاثة أرباع المليون (750 ألف شخص) إلى الدول المجاورة، وفي مقدمتها السودان واليمن ودول الخليج.

ومع ذلك، فإن كثيراً من المسلمين والعرب -بل وحتى بعض المسلمين الإريتريين أنفسهم- لا يعرفون تفاصيل هذه المجازر.

ومع انطلاق الثورة الإريترية عام 1961، أقدم “هيلا سيلاسي” على حل المجلس التشريعي الإريتري بشكل أحادي، وضم إريتريا بالقوة، مما أدى إلى رفض شعبي واسع، وبدأت حرب الاستقلال التي استمرت ثلاثين عاماً، وانتهت بانتصار مقاتلي إريتريا في عام 1991، ثم أُجري استفتاء شعبي في أبريل 1993 صوّت فيه نحو 99.8% لصالح الاستقلال، واعترفت الأمم المتحدة بدولة إريتريا رسمياً في مايو 1993.

ومنذ الاحتلال الإثيوبي عام 1941 لم يتوقف القتل في الشعب الإريتري حتى يومنا هذا، وصولاً إلى أسياس أفورقي الذي نصب نفسه حاكماً عام 1991 بعد جلاء الجيش الإثيوبي.

وكما نعلم جميعاً، وكما وثّق المفكر والمناضل الإريتري الراحل عثمان صالح سبي في كتابه حول تاريخ إريتريا، فإن إريتريا لم تكن في يوم من الأيام جزءاً من الإمبراطورية الحبشية، بل كانت مستقلة بكيانها، حتى بعد وصول الصحابة الكرام إليها -رضي الله عنهم أجمعين- في السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة، وكان حاكمها هو النجاشي (أو حاكم البحر).

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون قد هيّأ لنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية والمهتمين أمثالكم سبيلاً للتعريف بهذه القضية، وأرجو أن يكون لكتابنا “كي لا ننسى: مأساة المسلمين في إرتريا” أثرٌ ملموس يستفيد منه الباحثون والمهتمون في تسليط الضوء على هذه المعاناة التاريخية.

  • ما القنوات والمصادر التي يمكننا استقاء المعلومات منها حول القضية الإريترية؟

هناك عدد من المصادر والروافد التي يمكن الرجوع إليها للحصول على المعلومات الدقيقة المتعلقة بالقضية الإريترية؛ ففي إسطنبول، تؤدي “رابطة علماء إريتريا” دوراً بارزاً ومحورياً، ونشكر القائمين عليها، ونخص بالذكر الأمين العام الشيخ برهان سعيد الذي له باع طويل في هذا الشأن، وكذلك الدكتور حسن سلمان الذي يثري الساحة بمشاركاته ولقاءاته الإعلامية المستمرة، بالإضافة إلى جمع من الإخوة المهتمين بالقضية في الخارج.

وعلى مستوى القنوات والمنصات الإعلامية المتخصصة، توجد وسائل إعلام إريترية بارزة يمكن الاستفادة منها، مثل قناة “إريتريا توداي” (Eritrea Today) وقناة “سلام الفضائية”، إلى جانب المنصات الإعلامية الأخرى التي تهتم بالشأن الإريتري عامة، وبقضايا المسلمين في إريتريا خاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى