حوارات

صناعة “الشرعية الزائفة”.. كيف تخضع غرف الأخبار لسطوة المال والنفوذ؟

الدكتور عبد الله عدوي في حوار لـ”إنسان للإعلام”:

  • غرف الأخبار ليست حيادية منذ بدايتها بل منحازة لاتجاهات مالكيها والمؤثرين في سياستها
  • وسائل الإعلام تحاصر الجمهور بروايات موجهة لتخلق واقعاً افتراضياً وشعوراً زائفاً بالإجماع
  • المعالجات الخبرية السريعة أدت إلى تسليع الأخبار وغسل السمعة من خلال سرديات وهمية
  • المنصات الرقمية تغذي السطحية بتناولها السريع للمحتوى وترسيخ “الشرعية العاطفية”
  • تفكيك التزييف يتطلب تكاملاً مؤسسياً وحراكاً شاملاً لتعزيز التربية الإعلامية والتفكير النقدي
  • تحصين المجتمعات ثقافياً هو السبيل لحمايتها من السيطرة الخارجية و الأخبار الموجهة

“إنسان للإعلام”- حوار: حامد راضي

لم تعد صناعة الخبر، في نظر كثير من المراقبين، عملية منفصلة عن البيئة التي تنتجه وتوجهه؛ فغرف الأخبار، كما يرى أستاذ الإعلام ومدير “Global Digital Academy” الدكتور عبد الله عدوي، لم تكن محايدة بالمعنى المطلق منذ البداية، إذ ارتبطت سياساتها باتجاهات الوسيلة الإعلامية وملكيتها ومصادر تمويلها، وانعكس ذلك على اختيار الموضوعات وصياغة الأخبار وترتيب الأولويات واستخدام المفردات.

ومع تراجع اقتصاديات المؤسسات الإعلامية، ازدادت قدرة المعلنين والممولين وأصحاب النفوذ على التأثير في السياسة التحريرية، بما يضع المعايير المهنية أمام ضغوط تتصل باستمرار المؤسسة وقدرتها على البقاء، وهو ما صنع حالة من “الانحياز” – طبقاً لهذا النفوذ – وخلق شرعيات مزيفة لأشخاص وكيانات وتجمعات تملك مصادر الثروة أو القوة، على حساب الضوابط المهنية.

وخطورة هذا الأمر تكمن في أن الجمهور يجد نفسه أمام مواد يصعب التحقق منها، في وقت يسهم فيه صخب الأخبار الوهمية أو الكاذبة، وصناعة «الترند» على وسائل التواصل، في دفع القضايا السطحية إلى الواجهة على حساب الموضوعات الأكثر جدية، و”تلميع” شخصيات وكيانات، بل غسل سمعتها، على غير الحقيقة.

في هذا الحوار يناقش “مركز إنسان للدراسات الإعلامية” الدكتور عبد الله عدوي حول كيفية تحول غرف الأخبار من صناعة محتوى مهني رصين إلى خلق شرعية أو شرعيات زائفة، ومدى تأثير تراجع اقتصاديات المؤسسات الإعلامية في إخضاع المعايير المهنية لشروط الممولين وأصحاب النفوذ، ودور وسائل التواصل في خدمة أجندات غرف الأخبار وتزييف وعي الجمهور، والأسلوب الأمثل لمواجهة هذه التحديات.

  • كيف تحولت غرف الأخبار المعاصرة من منصات لنقل الحدث بشكل مجرد إلى مختبرات لإنتاج “الشرعية الزائفة”؟

غرف الأخبار لم تتحول، بل هي هكذا من البداية، فالخبر -وإن كان موضوعياً من حيث الحدث والمضمون- يرجع إلى بعد أعمق يتعلق بالوسيلة الإعلامية وتبعيتها واتجاهها واتجاه مالكها أو مموليها.

وغالبًا ما تكون الصياغة موجهة، وعليه فإن غرف الأخبار ليست حيادية على الإطلاق بل هي منحازة إلى حيث اتجاهات المؤثرين في سياستها.

  • إلى أي مدى يؤثر تراجع اقتصاديات المؤسسات الإعلامية في إخضاع المعايير المهنية لشروط الممولين وأصحاب النفوذ؟

بالتأكيد، يمكن أن تخضع المؤسسة الإعلامية لابتزاز وشروط ومعايير الممولين الذين لهم تأثير كبير في رسم السياسة الإعلامية أو حتى تغييرها، فالوسيلة التي تعتمد على الإعلانات -على سبيل المثال- تجد نفسها تسير في فلك المعلن ورغباته والحرص على تجنب ما يزعجه للحفاظ على استمرار تعاونه، وكم من الوسائل الإعلامية أغلقت نظراً لإحجام المعلنين عن الإعلان معها لأسباب ترجع إلى طبيعة التغطية التي لم ترق للمعلن.

 وفي السياق ذاته، لا يضع الممولون أموالهم فيما يخالف توجهاتهم وأفكارهم؛ لذا فإن المعايير المهنية تخضع في كثير من الأحيان لشروط الممولين.

  • كيف أسهمت منصات التواصل الاجتماعي و”صحافة المواطن” في الإعلاء من شأن “الشرعية العاطفية” على حساب الحقائق المهنية والميدانية؟

بالرغم مما أتاحته المنصات الرقمية من حرية في التعبير والتغلب على عوائق الإعلام التقليدي، إلا أنها صنعت طبيعة جديدة في المرسل وعملية الاتصال، حيث تصدر غير المختصين؛ ما أثر على المضمون، بل بات المؤثرون أنفسهم أكثر جاذبية وقدرة على اختراق الوعي المجتمعي من المختصين، إذ يملكون إمكانات كبيرة من حيث التأثير في الجمهور وإقناعه بالتوجهات التي يتبنونها وما يرغبون في إيصاله للجمهور على حساب الحقائق.

  • ما هو الدور الذي تلعبه تقارير المصادر المجهولة (المسؤولة والمطلعة) في صناعة “مصداقية زائفة” لا يمكن للجمهور التحقق منها؟

إن انتشار منصات التواصل الاجتماعي وكثرة مصادر الأخبار وتسارع ظهور تقنيات الإنتاج التي تمكن الشخص العادي من إنتاج مواد زائفة أدى إلى فوضى حقيقية في المعلومات؛ ما وضع الجمهور أمام منشورات ليس بإمكانه أن يتحقق من كثير منها، لا سيما مع تطور الإنتاج والنشر عبر منصات ومؤثرين معروفين.

 هذه المنشورات باتت مصدراً للشائعات وقلب الحقائق؛ ما يضع الجمهور أمام فخ حقيقي يتطلب حالة من التكامل بين المؤسسات التعليمية والرسمية والإعلامية بهدف تثقيف الجمهور تثقيفاً عالياً وتربية إعلامية قائمة على التفكير النقدي؛ ليتمكن من التعامل السليم مع المواد الإعلامية الواردة.

 وهذا ما يعانيه المجتمع العربي عموماً نظراً لعدم الاهتمام بمثل هذه المسارات التثقيفية والتعليمية المرتكزة على وعي مجتمعي وتربية إعلامية وتفكير نقدي وتكامل بين المؤسسات التعليمية والرسمية والإعلامية والمؤثرين.

  • حين يعلو صخب “الترند”.. كيف تتم هندسة أولويات النشر وصرف الانتباه إلى قضايا سطحية أو تافهة على حساب القضايا المهمة الجديرة بالمناقشة؟

هذا حال المنصات الرقمية، فما يلقى تفاعلاً أكبر هو المنشور السطحي التافه مع الأسف؛ فالمؤثرون في غالبيتهم سطحيون والثقافة سطحية ومن يقود الرأي الإعلامي يعتمد على منصات العرض السريع الموجز والكثيف.

هذه هي سمات العصر، في حين أن الموضوعات الجدية باتت أقل تأثيراً وأقل تفاعلا معها، وما يعزز عناصر هذا الاتجاه هو الجمهور الذي يتعرض لكم كبير من المواد الإعلامية ويتنقل بينها دون أن يتعمق في شيء منها؛ ما يؤثر في تركيبته وطريقة استقباله وتأثره.

  • كيف تتعامل غرف الأخبار مع “معجم المفردات المفخخة” (كاستخدام أفعال معينة لجهة وأخرى لجهة مضادة) بهدف شرعنة العنف أو تبرير الانتهاكات؟

غرفة الأخبار تعمل وفق سياسات إعلامية مسبقة الإعداد وتزن الأخبار بميزان الأولويات والترتيب والكلمات، بحيث تبرز أموراً وتخفي قضايا أخرى، وتستخدم التعبيرات المتماشية مع توجهاتها وسياستها والأهداف المراد تحقيقها، لذا لا يوجد براءة لدى وسائل الإعلام.

  • ما هي الآليات التي تستخدمها وسائل الإعلام لإنتاج شعور زائف بـ “الإجماع” لدى المشاهد، وتهميش الأصوات المخالفة باعتبارها “خارجة عن الإجماع”؟

تكتيكات وسائل الإعلام كثيرة في توجيه اهتمامات المشاهدين حول العالم، من خلال ما تبثه، بحيث يعتقد الفرد أن المجتمع حوله يتبنى رواية الإعلام الموجه له، فالإعلام عندما يحاصر الفرد برواية واحدة من خلال وسائل مختلفة يجعله يصدق أن هذا هو الواقع حتى لو كان ذلك خلافاً للواقع.

ومن المؤكد أن وسائل الإعلام تشكل وعي الجمهور وتصنع واقعا افتراضيا يعتمدون عليه في عملية التفكير واسترجاع المعلومات والصور الذهنية.

  • كيف يسهم تسليع الأخبار (تحويلها إلى مواد استهلاكية سريعة) في تزييف الحقائق وتجريد البعض مثلاً من إنسانيتهم لصالح سرديات مصطنعة؟

من أبرز ما جلبه الإعلام الرقمي هو التحول من العمق إلى السطحية، ومن الأناة إلى السرعة. ولم تقف هذه التحولات عند المواد العامة بقدر ما انعكست على بنية الإنتاج الخبري الذي تأثر بها، ما دفع منتجي الأخبار إلى المعالجات السريعة كجرعات خفيفة.

وهذا بحد ذاته مطلوب في سياق الخطاب الرقمي لجمهور بات يتلقى كماً كبيراً من المحتوى المتدفق عبر مختلف المنصات، إلا أن له ضريبة ثقافية ومعرفية باتت تؤثر سلباً لصالح سرديات خيالية ووهمية على حساب الحقائق.

  • في ظل التداخل الواضح للمؤسسات الإعلامية مع التكتلات الاقتصادية والسياسية، هل انتهى فعلياً عصر “الصحافة المستقلة”؟

يوجد صحافة مستقلة وفق مفهوم الموضوعية، وهذا ليس جديداً ولن يكون من الماضي، لكن لا يوجد حياد واستقلال تام فهذا محض خيال، لذا فإن العلاقة الناظمة للصحافة بالاقتصاد والسياسة ليست أمراً مستحدثاً وستبقى كذلك ما بقيت عناصر هذا المثلث، وهذا لا يعني زوال الصحافة المستقلة في إطار مفهوم الموضوعية.

  • ما هي المسؤولية الأخلاقية للجهود الإعلامية الأكاديمية في تفكيك حالات التزييف، وهل يمكن لكليات الإعلام ومراكز الأبحاث أن تقاوم هذا الاتجاه؟

الموضوع أكبر من كليات الإعلام ومراكز الدراسات البحثية، فهو بحاجة للتكامل مع المؤسسات التعليمية والرسمية والمؤثرين لخلق حالة الوعي في التعامل مع المحتوى الإعلامي المتداول عبر كافة الوسائط الإعلامية والمنصات الجديدة، ومن ثم القدرة على فرز الحقيقي من المشبوه أو الموجه لصالح قضايا بعينها.

  • لو أتيحت لك صلاحية إعادة هيكلة غرفة أخبار لحمايتها من فخ “الهالات الزائفة”، ما هي أول خطوة ستبدأ بها؟

لا يمكن ذلك في العموم، لأن السيطرة على غرفة أخبار واحدة لا تشكل شيئاً أمام الكم الكبير من وسائل خارج سيطرة الفرد فضلاً عن عمالقة التقنيات الذين بات بأيديهم تشكيل الوعي المعاصر والتأثير في الأجيال وأقصد بهم أصحاب المنصات الرقمية، ما يعني أن استخدام مجتمعاتنا لهذه المنصات بحد ذاته هو فقدان للسيطرة.

لذا نرى كيف تحمي الصين شعبها وتحافظ عليه بعيداً عن السيطرة الغربية من خلال تقنياتها، وبذلك يتشكل مفهوم الأمة المحصنة رقمياً ومن ثم ثقافياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى