شهادات استخبارية: الإمارات و مصر حذرتا “نتنياهو” من “طوفان الأقصى”!
- “بن زايد” تواصل مع “نتنياهو” عبر نظام سري قبل هجوم حماس.. والأخير يُطمئنه: “نحن مستعدون“
- الاتصال بين أبوظبي وتل أبيب جرى بحضور سفير الإمارات ومحمد دحلان مستشار “بن زايد”
- عباس كامل اتصل بنتنياهو قبل “الطوفان” بـ 10 أيام والكونغرس يؤكد تلقي تل أبيب التحذير قبل 3 أيام
“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:
مع اقتراب الذكرى السنوية لـ “طوفان الأقصى” التي انطلقت في السابع من أكتوبر 2023، تتزايد مؤشرات ومكاشفات تنشرها صحف إسرائيلية وتقارير استخبارية وكتب توثيقية صدرت حديثاً، تؤكد أن دولا عربية، في مقدمتها الإمارات ومصر، أبلغت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنبأ الهجوم المحتمل وحذرته من عملية استثنائية تستهدف دولة الاحتلال وتحقق أكبر هزيمة عسكرية وأمنية بجيشه منذ حرب أكتوبر 1973.
وعلى الرغم من خطورة هذه البلاغات والإنذارات المبكرة، فإن التحقيقات الصحفية تدل على أن رئيس الحكومة الإسرائيلية لم يتخذ إجراءات حقيقية أو يُطلع الأجهزة الأمنية والعسكرية المعنية على تلك المعطيات، مما تسبب في وقوع الفشل الأمني والتكتيكي الأكبر في تاريخ “إسرائيل”.
هذا التطور ربما يأتي في سياق المنافسة الانتخابية داخل “إسرائيل”، وإصرار خصوم “نتنياهو” على إحراجه وتحطيم شعبيته، لكن كواليس التحذير الإماراتي والمكالمة المشفرة من القصر الرئاسي هي ما يلفت الانتباه، حيث كشف تحقيق صحفي موسع أجراه الصحفيان الإسرائيليان شلومي إيلدار وروث يوفال لصالح كتابهما التوثيقي الصادر بعنوان “مختطفون (الأسرى الإسرائيليون): 843 يوماً من الإهمال”- والذي نشرت صحيفتا “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” تفاصيله في الثامن من سبتمبر الحالي- أن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أجرى اتصالاً هاتفياً “حاسماً” بنتنياهو في الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر 2023، أي قبل الهجوم بنحو أسبوع ونصف، موجهاً تحذيراً مباشر شديد اللهجة بشأن نوايا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة آنذاك، الشهيد يحيى السنوار، لشن هجوم واسع النطاق وصفه التحقيق بالزلزال العسكري.
وأوضحت مصادر متعددة أن الاتصال بين أبوظبي وتل أبيب جرى عبر نظام اتصالات سرّي وفريد طورته الإمارات لضمان خصوصية المحادثات الرئاسية؛ إذ وصل ممثل عن السفارة الإماراتية إلى مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي حاملاً هاتفاً خاصاً مزوداً بالتطبيق المشفر.
وخلال المكالمة التي استمرت نحو 45 دقيقة، شدد رئيس الإمارات على ضرورة التعامل بجدية بالغة مع تحركات حركة حماس، موضحاً لنتنياهو أن السنوار يُعد لعملية غير مسبوقة ضد إسرائيل، وذلك بحضور مستشار رئاسي إماراتي بارز ينحدر أصلاً من قطاع غزة ويحتفظ بشبكة اتصالات واسعة داخل القطاع (محمد دحلان).
من غزة عبر أبوظبي وصولاً إلى الاستخبارات الأمريكية
وتعود جذور هذا التحذير الإماراتي الاستثنائي، وفقاً لما أدلى به الصحفي شلومي إيلدار، إلى كواليس المفاوضات غير المباشرة التي جرت بين “إسرائيل” والفصائل الفلسطينية لإنجاز صفقة تبادل تشمل إعادة جثتي الجنديين هدار غولدين وأورون شاؤول، وعندما تعثرت هذه الاتصالات في أوائل سبتمبر 2023، اختفى يحيى السنوار تماماً عن أنظار جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وقام بتوجيه رسالة عبر قيادي في حركة فتح يبلغه فيها بتوجيه إنذار للإسرائيليين بأنه يخطط لـ “مفاجأة كبيرة وزلزال” في حال عدم إحراز تقدم.
وأثارت هذه الرسالة الشديدة القلق لدى مسؤول فتح، فنقلها فوراً إلى أحد معاونيه الذي يشغل موقع المستشار لرئيس دولة الإمارات، وتكرر التحذير ذاته من السنوار متعهداً بإحداث “زلزال”.
وبناءً على هذه المعطيات، وصلت المعلومات في 15 سبتمبر 2023 إلى رئيس جهاز “الشاباك” آنذاك رونين بار الذي أحالها بدوره إلى نتنياهو، وبعد نحو أسبوع، سعى بن زايد للتأكد من تعاطي نتنياهو الجدي مع هذا التهديد، فأجرى المحادثة السرية معه.
ولم تقتصر التحركات الإماراتية عند هذا الحد، بل نقل بن زايد التفاصيل والمخاوف ذاتها إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ويليام بيرنز، مؤكداً له أن الأوضاع على وشك الانفجار، إلا أن تقييم نتنياهو الظرفي كان مقتنعاً بأن أي تصعيد سيبقى محصوراً في الضفة الغربية.
الهدوء الزائف لنتنياهو وتجاهل القيادات العسكرية
وعلى الرغم من وضوح التحذيرات وتطابق البيانات، اتسم رد فعل رئيس الحكومة الإسرائيلية بالهدوء والاطمئنان السطحي طوال فترة المحادثات، فقد قلل نتنياهو من شأن الإنذارات المتعلقة بقطاع غزة، مطئمناً رئيس الإمارات بـأن القوات الإسرائيلية “على أهبة الاستعداد في غزة وتتهيأ لجميع السيناريوهات”، معتبراً أن الخطر الداهم ينحصر في الضفة الغربية المحتلة التي كانت تشهد غلياناً ومواجهات متصاعدة، إلى جانب التظاهرات الأسبوعية عند الجدار الفاصل في غزة، في وقت كانت فيه إسرائيل تعاني من أزمة سياسية وفوضى مجتمعية جراء مشروع “الانقلاب القضائي”.
وتكمن خطورة المعطيات المكتشفة في أن نتنياهو احتفظ بهذه المعلومات لنفسه ولم يشارك تفاصيل الاتصال الرئاسي الإماراتي مع رئيس أركان الجيش آنذاك هرتسي هاليفي، ولا مع رئيس جهاز “الشاباك” رونين بار، أو رئيس جهاز “الموساد” ديفيد بارنيا.
ونقل التحقيق عن مسؤولين في المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تأكيدهم أنه لو تم إطلاعهم على مضامين هذه المكالمة والتحذيرات الرئاسية القادمة من أبوظبي، لكانوا قد أجروا تقييماً أمنياً واستخبارياً مغايراً تماماً، ولكان بإمكانهم دعم وتأكيد البلاغات الاستخبارية الأولى التي وردت في منتصف سبتمبر، مما كان سيعيد رفع جاهزية الجيش على حدود القطاع.
الاتصالات الاستخبارية المصرية وموقف عباس كامل
ولا تتوقف قائمة التحذيرات العربية المسربة لنتنياهو عند أبوظبي؛ إذ كشفت تقارير إعلامية متطابقة نشرتها صحف إسرائيلية ووكالات أنباء عالمية، مثل وكالة “أسوشيتد برس” وشبكة “سي إن إن”، عن تحركات واتصالات مماثلة أجراها جهاز المخابرات العامة المصري بقيادة اللواء عباس كامل للتنبيه من خطورة الوضع الميداني في غزة قبل الهجوم بأيام.
وتضمنت هذه التغطيات تفاصيل نقلتها الصحفية الإسرائيلية “سمدار بيري” في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، نقلاً عن مسؤول استخباري مصري رفيع، أكدت أن عباس كامل أجرى اتصالاً مباشراً بنتنياهو قبل 10 أيام من عملية “طوفان الأقصى”، حذره فيه صراحة من أن “شيئاً خطيراً وقوياً يوشك أن يحدث من اتجاه غزة”.
وأفاد المسؤول المصري لوكالة “أسوشيتد برس” بأن المخابرات العامة المصرية، التي يدير ملف الاتصالات فيها مع إسرائيل نجل الرئيس المصري محمود السيسي، تحدثت مراراً وتكراراً مع الجانب الإسرائيلي للتنبيه من انفجار وشيك في القطاع، غير أن رد نتنياهو على عباس كامل جاء متطابقاً تماماً مع رده على رئيس الإمارات؛ حيث قلل من خطر غزة وأصر على أن تركيز الجيش والجهود الأمنية منصبا على مواجهة ما وصفه بـ “الإرهاب” في الضفة الغربية.
وتأكدت هذه المعطيات لاحقاً عبر تصريحات رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، مايكل ماكول، الذي أعلن رسمياً في 12 أكتوبر 2023 أن مصر قدمت تحذيراً لإسرائيل قبل الهجوم بثلاثة أيام، متسائلاً عن أسباب هذا الفشل الأمني الكبير في التعاطي مع معلومات بهذه الخطورة.
الإنكار الرسمي وتصاعد السجال السياسي والمطالبة بالتحقيق
مقابل هذه التدفقات الاستخبارية والشهادات التوثيقية، واصل مكتب بنيامين نتنياهو نفي هذه الروايات كلياً؛ حيث أصدر بيانات وصف فيها ما نُشر بـ “الكذب المطلق والافتراء المزيّف”، مؤكداً أن رئيس الوزراء لم يتحدث مع رئيس دولة الإمارات خلال الفترة المذكورة، ولم يتلق تحذيرات مباشرة أو غير مباشرة من رئيس المخابرات المصرية عباس كامل منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية.
غير أنه بعدما نفى نتنياهو تلقيه تحذيرات من مصر، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي (الكونغرس) “مايكل ماكول”، في مؤتمر صحفي، إن “إسرائيل تلقت بالفعل تحذيرا من مصر قبل 3 أيام من الهجوم الذي شنته حركة حماس”
أضاف: “أعرف أن مصر حذرت إسرائيل قبل الهجوم بثلاثة أيام، ولا أعرف كيف أخطأنا وأخطأت إسرائيل”، بحسب شبكة “سي إن إن”.
تابع: “لا أريد الخوض كثيرا في تفاصيل سرية، لكن كان هناك تحذير.. والسؤال هنا حول مستوى هذا التحذير”.
كما أكد كل من رئيس الأركان ورئيس الشاباك أنهما لم يتلقيا أي بلاغ من نتنياهو يتعلق بتلك الاتصالات. إلا أن الصحفي الاستخباري باراك رافيد ألمح إلى أن المبالغة في النفي الصادر عن مكتب نتنياهو يعزز التقديرات بصحة ثبوت هذه التحذيرات وتخوف القيادة من تبعاتها القانونية والسياسية.
على الضفة المقابلة، اشتعل السجال السياسي داخل “إسرائيل”، حيث خرج رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ليؤكد صحة التقرير الصحفي عقب لقاء جمعه بالشيخ محمد بن زايد، معتبراً أن نتنياهو يتحمل مسؤولية شخصية ومباشرة عن الإخفاق الأمني جراء تجاهله للتحذيرات، وهو ما يرقى إلى “الإهمال الجنائي” الذي يدفع نتنياهو لمنع تشكيل لجنة تحقيق حكومية.
كما انضم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت إلى التنديد بأداء نتنياهو، معتبراً أن الدلائل تؤكد قيادته لإسرائيل بشكل أعمى نحو الفشل، متسائلاً عن حجم التحذيرات التي تجاهلتها الحكومة قبل وقوع الكارثة، في حين جدد “مجلس أكتوبر” – الممثل لعائلات الأسرى والقتلى الإسرائيليين – مطالبته بكشف الحقائق ومعرفة من كان يعلم وتخاذل عن التحرك قبل صباح السابع من أكتوبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر التقرير:
- “كتاب جديد يذكر أن الإمارات وجهت تحذيرًا صريحًا لنتنياهو بشأن مخططات حماس قبل أيام من 7 أكتوبر”، يديعوت أحرونوت، https://2h.ae/oQcFv
- «كشف مستجدات: نتنياهو تلقى تحذيرًا صريحًا قبل أيام من 7 أكتوبر، ولم يطلع رؤساء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عليه»، “هآرتس”، 8 سبتمبر 2026، https://2h.ae/iniFy




