مقالات

الإلحاح الإعلامي… حين يصبح الإغراق حماية للذاكرة

حنان عطية

ما زلتُ أذكر بدايات حياتنا المهنية، حين كان اقتراب مناسبة وطنية أو دينية أو اجتماعية بل وحتى عالمية، يبعث في نفوسنا شيئًا من الطمأنينة، فلم يكن الأمر مجرد حدث عابر في روزنامة العام، بل كان بالنسبة إلينا ملاذًا آمنًا نهرب إليه من الحيرة التي تسبق كل موعد مع الصفحة البيضاء، ومن السؤال الذي كان يطارد كل محرر: ماذا سنكتب غدًا؟

 في تلك الأيام، كانت المناسبات تمنحنا فرصة ثمينة لإعادة اكتشاف الأفكار، واستحضار القضايا، والاقتراب من الناس، فما إن تلوح ذكرى أو يحل موسم حتى تبدأ غرف التحرير في استنفار هادئ، يبحث فيه الجميع عن زاوية جديدة، أو قراءة مختلفة، أو معالجة أكثر عمقًا، تملأ المساحات المخصصة للنشر بما هو جذاب ومفيد، وتحقق في الوقت نفسه معادلة صعبة تجمع بين اهتمام الجمهور والخط التحريري للمؤسسة الإعلامية.

كنا ندرك أن المناسبة ليست الخبر في حد ذاته، وإنما هي بوابة للدخول إلى عقول الناس ووجدانهم، فالذكرى التاريخية أو الوطنية أو الدينية أو الاجتماعية لم تكن مجرد استعادة لتاريخ مضى، بل مناسبة للحديث عن معاني الانتماء، وقيم التضحية، ودروس الماضي.

ومع مرور السنوات، تغيرت أدوات الإعلام وتسارعت إيقاعاته، وأصبح تدفق الأخبار لا ينقطع، حتى بدا وكأن المناسبات فقدت شيئًا من بريقها وسط زحام المحتوى اليومي، إلا أن قيمتها في الحقيقة لم تتراجع، بل ازدادت أهمية في زمن أصبحت فيه الذاكرة الجماعية مهددة بالنسيان بفعل التوالى والتدفق الهادر للأحداث والمتغيرات، وأصبح الجمهور غارقًا في سيل متدفق من المعلومات السريعة التي يتم استهلاكها في لحظات ثم تتلاشى.

لقد علمتنا التجربة أن المناسبة ليست حيلة مهنية للهروب من أزمة الأفكار، وإنما فرصة لصناعة المعنى، فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بتسجيل مرور الأيام، بل يعيد قراءة الأحداث، ويمنحها حياة جديدة، ويصل الماضي بالحاضر، ويجعل من الذكرى مناسبة للتأمل والمراجعة واستخلاص العبر.

ولعل أجمل ما في تلك المرحلة أنها غرست فينا احترام قيمة الفكرة، فلم يكن المطلوب مجرد ملء الصفحات، بل ملؤها بما يستحق أن يُقرأ، ويضيف إلى وعي القارئ، ويعالج احتياجًا حقيقيًا لديه، دون أن يغادر الإطار المهني والسياسة التحريرية للمؤسسة، فكانت تلك مسؤولية ندرك ثقلها، ونشعر بلذتها في آن واحد.

واليوم، كلما اقتربت مناسبة جديدة، أجدني أعود بذاكرتي إلى تلك البدايات؛ إلى مكاتب التحرير، وضجيج النقاشات وسباق البحث عن الفكرة الأجمل والصياغة الأكثر تأثيرًا، فأدرك أن المناسبات لم تكن يومًا مجرد تواريخ على صفحات التقويم، بل كانت مدارس حقيقية تعلمنا كيف نصنع من الذكرى قصة، ومن الحدث رسالة ومن الإعلام جسرًا يربط الإنسان بذاكرته، ويمنح الزمن معنى يتجاوز مرور الأيام.

رغم الضجيج… ما زال الإعلام يصنع الوعي

قد يضيق الناس أحيانًا بضجيج الشاشات، ويتبرمون من سيل المحتوى الذي يتدفق بلا انقطاع، حتى بدا لكثيرين أن كثافة الإنتاج الإعلامي قد أفقدت الإعلام شيئًا من هيبته، وأضعفت الثقة في كثير من رسائله، فحين يصبح الحضور الإعلامي طاغيًا، وتتزاحم الأخبار والبرامج والمنصات على اجتذاب الانتباه، يشعر المتلقي بالإرهاق وربما يختار الانسحاب من هذا الضجيج أو التعامل معه بقدر من اللامبالاة، غير أن هذا التململ، على شدته، لا يعني أن الناس استغنت عن الإعلام، ولا أنه فقد مكانته في تشكيل الحياة العامة. فالحاجة إلى الإعلام لا تنبع من كثرة ما يقدمه أو قلته، وإنما من طبيعة الدور الذي يؤديه في حياة المجتمعات. وما زال الإنسان – مهما أعلن ضيقه من فيض الرسائل الإعلامية – يبحث عن نافذة يفهم من خلالها العالم، ويقرأ بها ما يدور حوله، ويستعين بها على تفسير الأحداث وربطها بسياقاتها.

فالإعلام لم يكن يومًا مجرد ناقل للأخبار، ولا صندوقًا يوزع المعلومات على الجمهور، بل كان ولا يزال أحد أهم صناع الوعي الجمعي، إنه يمتلك قدرة استثنائية على ترتيب أولويات المجتمع، وتوجيه البوصلة نحو ما ينبغي أن يُرى، وما يستحق أن يُناقش، وما ينبغي أن يبقى حاضرًا في الذاكرة العامة.

فالقضايا لا تحتفظ بحضورها في وجدان الناس لمجرد أهميتها الذاتية، وإنما لأن الإعلام يواصل استحضارها وإعادتها إلى دائرة النقاش، وما يتكرر ظهوره في وسائل الإعلام يرسخ في الوعي، ويتحول مع الزمن إلى جزء من الإدراك الجمعي، بينما تتراجع القضايا التي تغيب عن المشهد الإعلامي، مهما كانت خطورتها أو تأثيرها، حتى تكاد تتوارى خلف زحام الأحداث.

الإلحاح الإعلامي وحماية القضايا الكبرى من النسيان

ومن هنا تبرز قيمة الإلحاح الإعلامي حين يكون منطلقًا من رؤية واعية ومسؤولية مهنية، فالتكرار ليس دائمًا مرادفًا للضجيج، بل قد يكون وسيلة لحماية القضايا الكبرى من النسيان، وإبقاء الحقائق حية في ذاكرة المجتمع، وترسيخ الاهتمام بما يمس حاضر الناس ومستقبلهم.

والإعلام الذي يدرك رسالته لا يكرر من أجل ملء الفراغ، وإنما يكرر ليبني وعيًا، ويصنع إدراكًا، ويحول القضايا العامة من أخبار عابرة إلى مسؤولية مجتمعية مستمرة، ولذلك فإن أزمة الإعلام اليوم ليست في كثرة حضوره، بل في الكيفية التي يوظف بها هذا الحضور، فإذا افتقد الرؤية تحول إلى ضجيج يرهق المتلقي، وإذا امتلك الرسالة أصبح قوة هادئة تعيد تشكيل الوعي، وتمنح المجتمع القدرة على التمييز بين ما هو عابر وما هو مصيري، وبين الضجيج والرسالة يبقى الإعلام، على الرغم من كل ما يحيط به من نقد، ليظل أحد أكثر القوى تأثيرًا في صناعة الوعي وترتيب أولويات الأمم.

وليس المقصود بالإلحاح مجرد التكرار اللفظي أو كثافة التغطية، وإنما إعادة تقديم القضية في صور متعددة، وربطها بحياة الناس، وإبراز أبعادها الإنسانية والفكرية والثقافية، حتى تتحول من حدث عابر إلى جزء من الوعي اليومي، فالفكرة التي لا تُجدد وسائل عرضها قد تفقد قدرتها على التأثير، مهما كانت عظيمة.

وتأتي المناسبات بوصفها محطات زمنية تستدعي الذاكرة الجماعية، فهي ليست طقوسًا للاحتفال أو التذكر فحسب، بل مناسبات لإعادة قراءة التاريخ، واستلهام دروسه، وربط الأجيال الجديدة بجذورها وهويتها وقيمها، فالمجتمع الذي يتوقف عن استذكار محطاته المفصلية يفتح الباب أمام تآكل ذاكرته، ويصبح أكثر عرضة لإعادة كتابة تاريخه من قبل الآخرين.

ولذلك فإن إحياء المناسبات يمثل فعلًا ثقافيًا وتربويًا بقدر ما هو فعل اجتماعي، لأنه يعيد إنتاج المعنى، ويجدد الصلة بالمبادئ التي تأسست عليها التجارب الكبرى، ويمنح الأفراد شعورًا بأنهم امتداد لمسيرة لا تبدأ بهم ولا تنتهي عندهم.

الإلحاح الإعلامي .. القضية الفلسطينية أنموذجًا

 وكما ذكرنا آنفا بأن ذاكرة الشعوب لاتتشكل تلقائيًا، وأن التاريخ لا يبقى حيًا بمجرد وقوع أحداثه، فالنسيان قانون من قوانين الحياة؛ ولذا فإن الذاكرة تحتاج إلى من يجددها ويغذيها ويعيد استحضارها في الوعي العام، ومن هنا تبرز أهمية الإلحاح الإعلامي وإحياء المناسبات بوصفهما وسيلة لصناعة الوعي الجمعي وحفظ الهوية واستدامة حضور القضايا الكبرى في وجدان الأمة.

وتبرز القضية الفلسطينية بوصفها أحد أوضح النماذج التي تتجلى فيها أهمية الإلحاح الإعلامي وإحياء المناسبات في صون الذاكرة الجمعية؛ فاستمرار حضور القضية في الوعي العربي والإسلامي والعالمي لم يكن نتاجًا لتسلسل الأحداث وحده، بل ارتبط أيضًا بجهود إعلامية وثقافية متواصلة على مر الاجيال أعادت استحضار محطاتها التاريخية، وربطت بين الماضي والحاضر ومنعت كثيرًا من الوقائع من أن تطويها الذاكرة أو يطالها التهميش.

فإحياء ذكرى النكبة أو النكسة أو الانتفاضة الفلسطينية الأولى والانتفاضة الثانية، إلى جانب استذكار المحطات العسكرية والسياسية والإنسانية التي شكّلت مسار الصراع، يسهم في ترسيخ الوعي بتاريخ القضية وتعقيداتها، كما أن استحضار الاتفاقيات المفصلية؛ مثل اتفاقيات الهدنة بعد حرب 1948، واتفاقية كامب ديفيد، واتفاقيات أوسلو وغيرها من المحطات السياسية يساعد على فهم تطور النزاع وآثاره على الواقع الفلسطيني والإقليمي.

وفي السياق ذاته، تمثل المجازر والأحداث الإنسانية الكبرى محطات لا يجوز أن تغيب عن الذاكرة التاريخية، لما تركته من آثار عميقة في الوعي الفلسطيني والعربي، ومن أبرزها مجزرة دير ياسين، ومجزرة كفر قاسم، ومجزرة صبرا وشاتيلا، ووقائع حرب الابادة فى غزة بعد أحداث السابع من اكتوبر 2023 إضافة إلى غيرها من الأحداث التي تعتبر مرتكزات مفصلية حين نتذكر مسارات القضية، فاستذكار هذه الوقائع يهدف إلى توثيق التاريخ، وإنصاف الضحايا، وصون الذاكرة من النسيان أو التحريف.

ومن هنا، فإن الإلحاح الإعلامي في تناول القضية الفلسطينية وغيرها من قضايانا القومية والمحلية والدينية والتاريخية لا ينبغي أن يقتصر على التغطية المرتبطة بالأحداث الطارئة، بل ينبغي أن يكون مشروعًا معرفيًا وثقافيًا مستمرًا، يعيد تقديم القضية للأجيال الجديدة من خلال الوثائق، والأفلام، والبرامج الحوارية، والشهادات التاريخية والمحتوى الرقمي وربط المناسبات السنوية بسياقاتها التاريخية والإنسانية والقانونية؛ فالقضية التي تغيب عن الإعلام تغيب تدريجيًا عن أولويات الرأي العام، بينما يسهم الحضور الإعلامي المتجدد في إبقائها حية في الضمير الجمعي.

وفي ظل ما يشهده الفضاء الإعلامي من تنافس على صناعة الرواية والتأثير في الرأي العام، تزداد أهمية امتلاك خطاب إعلامي مهني يستند إلى الحقائق الموثقة، ويحافظ على الدقة والموضوعية، ويقدم الأحداث في سياقها التاريخي والقانوني والإنساني؛ فمعركة الذاكرة لا تقل أهمية عن معركة الوقائع، والإعلام الذي يوثق الأحداث ويحيي مناسباتها ويعيد قراءتها بصورة علمية يسهم في حماية الرواية التاريخية من النسيان أو التشويه، ويعزز وعي الأجيال المتعاقبة بتاريخ القضية ومساراتها المختلفة.

غير أن الإلحاح الإعلامي وإحياء المناسبات قد يفقدان قيمتهما إذا تحولا إلى ممارسة شكلية تقتصر على الشعارات والخطابات المتكررة؛ فالتكرار الذي يخلو من مضمون متجدد قد يؤدي إلى الاعتياد واللامباداة بدلًا من اليقظة والتفاعل، ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي يجمع بين المعلومة الدقيقة، والتحليل العميق والبعد الإنساني والقدرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع بلغات وأساليب تناسبها.

ولا يعني إحياء المناسبة أن يُعاد الخطاب نفسه كل عام، فالتكرار الذي يخلو من التجديد قد يؤدي إلى فتور اهتمام الجمهور بدلًا من ترسيخ الوعي، أما الإلحاح الإعلامي الفاعل، فيقوم على تجديد زاوية التناول مع ثبات القضية؛ فالحدث التاريخي يبقى كما هو، لكن يمكن إعادة قراءته من أبعاد مختلفة؛ فتارة يُعرض من زاويته الإنسانية عبر شهادات من عايشوه أو من ورثوا آثاره، وتارة من زاويته القانونية في ضوء تطورات القانون الدولي، أو من زاويته السياسية بربطه بالمتغيرات الراهنة، أو من زاويته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وما تركه من آثار ممتدة في حياة الأفراد والمجتمعات.

كما يسهم تنويع القوالب الإعلامية في كسر رتابة التناول، من خلال توظيف الأفلام الوثائقية، والبودكاست، والرسوم البيانية، والخرائط التفاعلية والأرشيف الرقمي والمقابلات والقصص الإنسانية والتحقيقات الصحفية، إضافة إلى الاستفادة من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.

ومن وسائل التجديد أيضًا ربط المناسبة بقضايا الحاضر، بحيث لا تُقدَّم بوصفها حدثًا من الماضي فحسب، بل باعتبارها محطة تساعد على فهم الواقع واستشراف المستقبل؛ فكل مناسبة تحمل أسئلة جديدة يمكن للإعلام أن يطرحها، ومعطيات حديثة يمكن أن يضيفها، ووثائق أو شهادات تظهر لأول مرة، مما يجعل التناول متجددًا في مضمونه وأسلوبه، دون أن يفقد دقته التاريخية أو رسالته التوعوية.

وهكذا فإن نجاح الإعلام في إحياء المناسبات لا يقاس بكمية التغطية أو تكرار الشعارات، بل بقدرته على إنتاج معرفة جديدة، وإثارة أسئلة عميقة، وتقديم محتوى متجدد يحافظ على حضور القضية في الوعي العام، ويمنع تحول استذكارها إلى مجرد عادة موسمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى