قضايا وتحليلات

تأميم “الفضاء الأزرق”.. قانون جديد يغلق المتنفس الرقمي الأخير للمصريين

  • المنصة الوطنية البديلة.. “إنترنت” تحت الرقابة المباشرة وتحالف أمني لاختراق البيانات
  • حظر الأسماء المستعارة والتعلل بحماية الأمن القومي.. ألغام تشريعية تستهدف المعارضين
  • سيف “الحجب الكامل” ينتظر المخالفين ويضع 60 مليون مستخدم تحت الرقابة الأمنية

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

في محاولة متجددة لفرض الحصار على ما تبقى من مساحات التعبير في مصر، يتأهب البرلمان المصري لتمرير تشريع جديد تحت لافتة “تنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي والحد من مخاطرها”، وسط مخاوف حقوقية وشعبية واسعة من كونه أداة جديدة لتقييد حرية الرأي، إذ دأبت السلطة على توظيف المصطلحات الفضفاضة والمطاطية في نصوص القوانين كذريعة لتكميم الأفواه وملاحقة الأصوات المعارضة.

وفي حين يؤكد بعض النواب أن “مشروع القانون لا يستهدف تقييد الحريات، بل يسعى إلى تنظيم الاستخدام بما يحقق مصلحة المجتمع، ويحمى الأجيال القادمة”، تتصاعد التحذيرات من سعي النظام لفرض وصاية رقمية كاملة، عبر منح الجهات الأمنية والرقابية صلاحيات واسعة النطاق تتيح لها حجب المواقع أو فرض قيود مشددة على المنصات الرقمية دون الحاجة لأحكام قضائية قطعية، فضلاً عن تحميل المستخدمين والنشطاء أعباءً وتبعات قانونية غير مبررة بمجرد مشاركة المحتوى أو إعادة نشره.

ولا يعد هذا التشريع بدعاً من سياسات النظام، بل هو امتداد طبيعي للمقصلة التشريعية التي دشنتها السلطة عام 2018 عبر “قانون تنظيم عمل وسائل الإعلام” ولائحته التنفيذية، والذي بسط من خلاله “المجلس الأعلى للإعلام” سيطرته الأمنية على الفضاء الرقمي، بعدما منح نفسه سلطة معاملة الحسابات والمدونات الشخصية التي يتجاوز متابعوها خمسة آلاف شخص كمنصات إعلامية تخضع للملاحقة والمصادرة والتأميم. وقد شكّل قانون 2018 غطاءً قانونياً فضفاضاً لحجب المواقع المستقلة، وفرض التراخيص الإذعانية، وحظر التصوير، وتلفيق اتهامات “نشر الأخبار الكاذبة” للمدونين والصحفيين، مما يوضح أن التوجه الراهن في عام 2026 ليس إلا اللمسة الأخيرة لإحكام قبضة “الصوت الواحد” وإغلاق المجال العام الرقمي بشكل كامل.

وفي تعاطٍ رسمي مع هذه التوجهات، أصدر البرلمان في نهاية يناير 2026 بياناً رسمياً أكد فيه تبنيه لتوجه الدولة نحو إعداد هذا المشروع، متذرعاً بـ “حماية الأطفال” ومحاكاة تجارب دولية قيدت استخدام الهواتف المحمولة للقصر.

وزعم المجلس أن هذا التوجه يعكس إدراك الدولة للمخاطر النفسية والسلوكية والإدمان الرقمي الذي يهدد النشء في البلاد.

ولم يكن هذا التحرك البرلماني معزولاً عن سياقه السياسي، إذ جاء بعد يوم واحد فقط من تصريحات أدلى بها عبد الفتاح السيسي خلال احتفالات عيد الشرطة، طالب فيها الحكومة والبرلمان صراحةً بصياغة تشريع يحد من استخدام الإنترنت للأعمار الصغيرة، مستشهداً بالتجربة الأسترالية، وهو ما توازى مع خطة تمهيدية تولت فيها “الشركة المتحدة” إنتاج سلسلة من الأعمال الدرامية التي ركزت على مخاطر السوشيال ميديا لشحن الرأي العام وتهيئة الأجواء لقبول القيود القادمة.

وفي نهاية أبريل الماضي، ترجم برلمان السيسي تلك التوجيهات السياسية إلى مسار تشريعي متسارع، بإحالته مشروع القانون المقدم من النائب محمد الحداد ومذيلًا بتوقيع ستين نائبًا إلى اللجان المختصة؛ وهو التشريع الذي يفصح في طياته عن رغبة عارمة في تأميم الفضاء الرقمي عبر مسارين متوازيين: إنشاء “بديل محلي” خاضع للسيطرة الكاملة، وتصفية الوجود المستقل للمنصات العالمية داخل البلاد.

فخ رقمي لجمع البيانات

تكشف نصوص الباب الأول من القانون عن مسعى لهندسة “سجن رقمي محلي” تحت مسمى “المنصة الوطنية”، إذ يلزم التشريع وزارة الاتصالات بتدشين منصة بديلة خلال عام واحد، تتمتع بكافة خصائص التطبيقات العالمية من تراسل وبث مباشر. ورغم محاولة المادة السابعة مغازلة القارئ بعبارات إنشائية حول “كفالة حرية الرأي والتعبير”، فإن إخضاع هذه المنصة لإشراف “الجهات المختصة” وشركات وطنية تابعة للنظام، يحولها عمليًا إلى فخ رقمي لجمع البيانات، ولتصبح النسخة المصرية من “الإنترنت الحلال” على الطريقة الصينية أو الإيرانية، حيث كل كلمة وابتسامة مرصودة ومسجلة في غرف الأجهزة الأمنية.

أما الخطر الأكبر الذي يهدد مفاصل الحرية الرقمية، فيتجلى في “حزمة الألغام” التي حملها البابان الثاني والثالث؛ إذ تعمّد المشرع استخدام عبارات فضفاضة من عينة “حماية الأمن القومي” و”الآداب العامة” و”الأعراف والتقاليد المتبعة” كمصطلحات مطاطية قابلة للتأويل السياسي لتصفية الحسابات مع أي محتوى ناقد.

 ولم يكتفِ القانون بذلك، بل فرض في مادته الثالثة عشرة حظرًا شاملًا على الحسابات التي تحمل “أسماءً مستعارة”، وهو ما يمثل رصاصة رحمة على حق المستخدمين في حماية هوياتهم، ويسدل الستار على المساحة الوحيدة التي كان يلجأ إليها المواطنون للتعبير عن آرائهم دون خوف من الملاحقة الأمنية.

ولمحاصرة الشركات العالمية وإجبارها على الانصياع، ألزم القانون تلك المنصات بفتح مقار فعلية داخل مصر وتعيين ممثل قانوني لها خلال ستة أشهر، إلى جانب حظر نقل أو تخزين قواعد بيانات المواطنين خارج البلاد.

هذه المواد لا تستهدف حماية الخصوصية كما يزعم النظام، بل تهدف إلى “توطين البيانات” لسهولة اختراقها، وتحويل الممثلين القانونيين لتلك الشركات إلى رهائن محليين يُجبرون على تنفيذ أوامر الحجب الأمني الأعمى للمحتوى المعارض فور الإخطار، دون مراجعة أو تدقيق قضائي مستقل.

وتكتمل منظومة الحصار التكنولوجي في المادة السادسة عشرة، والتي منحت جهات إنفاذ القانون سلطة “الحجب الكامل والمباشر” للمنصات الأجنبية في حال عدم امتثالها لشروط المقار المحلية أو حظر حسابات القصر والأسماء المستعارة، فضلاً عن فرض غرامات انتقامية تصل إلى مئة ألف جنيه عن كل محتوى يُصنف بأنه “مخالف للأعراف” ويتكرر نشره.

هذا التهديد بالحجب تم التمهيد له بخبث تشريعي عبر ما سُمي “مبدأ التدرج” في المادة الحادية عشرة، والتي رهنت حجب المنصات العالمية بشرط واحد: “إتاحة المنصة الوطنية بكفاءة”، ما يعكس نية مبيتة لاستبدال التطبيقات الحرة بالمنصة البديلة بمجرد جاهزيتها.

ولم تغب المقصلة الجنائية عن هذا التشريع؛ إذ تضمن الباب الرابع عقوبات سالبة للحرية تقنن التنكيل بالمستخدمين، حيث نصت المادة الثامنة عشرة على معاقبة كل من “تحايل أو سهل استخدام مواقع التواصل بالمخالفة لأحكام القانون” بالحبس مدة تصل إلى ستة أشهر، وبغرامة تصل إلى مئة ألف جنيه.

وتحت هذه المادة الفضفاضة، سيصبح استخدام شبكات VPN لتجاوز الحجب، أو مساعدة طفل تحت سن السادسة عشرة لفتح حساب للتواصل مع أقاربه، أو استخدام اسم مستعار لخوف أمني، جريمة جنائية تُلقي بصاحبها خلف غياهب السجون، ليتحول الفضاء الافتراضي في مصر إلى امتداد طبيعي للواقع السياسي المكبل بالقيود.

فرض الصمت على الجمهور

توالت ردود الأفعال المنددة والمحذرة من الكلفة السياسية والاقتصادية لهذا “التأميم الرقمي”، حيث وصف المدون والناشط السياسي، وائل عباس، الاقتراحات المطروحة داخل البرلمان بأنها “مزعجة للغاية”، وتعكس توجهًا سلطويًا نحو مزيد من التضييق على المواطنين بدلاً من التوسع في حرية التعبير.

وذكر عباس، في مدونته، أن بعض أعضاء البرلمان “يريدون أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك”، مسترجعاً خطة النظام السابقة في إجبار المواقع الإخبارية المستقلة على العمل بالتراخيص كأداة لتصفيتها، ليأتي الدور اليوم على المنصات الرقمية التي يستخدمها عموم الشعب.

وأشار عباس إلى أن هناك داخل النظام من يسعى بكل قوة للعودة بالبلاد إلى عصور “الصوت الواحد في الستينات” بكل ما تحمله من إرث الهزيمة وتأخر الإعلام.

وسخر من وهم تدشين منصة وطنية تضاهي “العمالقة الكونيين” على حد تعبيره، مؤكداً أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لاستعادة ريادة مصر، بدلاً من إقحام الدولة في منافسة تكنولوجية خاسرة وغير متكافئة.

وفي السياق ذاته، رسم شادي العدل، رئيس الحزب الليبرالي المصري، سيناريو قاتماً لتبعات القانون، مؤكداً أنه يشكل مخاطر جسيمة على حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، ويمثل خطوة كارثية نحو “عزل مصر رقمياً” عن العالم.

ورفض العدل المشروع برمته معتبراً أن إنفاق أموال الدولة على إنشاء منصة بديلة هو “تبديد صريح للمال العام” لن يثمر عن جذب أي مستخدمين، بينما يمثل فرض فتح مقار للشركات العالمية عبئاً إدارياً غير واقعي.

وحذر من أن إجبار الشركات على تخزين بيانات المصريين محلياً ليس إلا انتهاكاً صارخاً للخصوصية الرقمية، وفتحاً للباب على مصراعيه لاستغلال تلك البيانات في أغراض المراقبة والملاحقة الأمنية غير المشروعة، وهو ما ذهب إليه أيضاً علاء الخيام، رئيس حزب الدستور الأسبق، الذي أكد أن فكرة حصر وتخزين البيانات داخل مصر تثير مخاوف وجودية بشأن خصوصية المواطنين وحرية تداول المعلومات، مشدداً على أن المصطلحات المرتبطة بالأمن القومي والآداب العامة في هذا التشريع قابلة للتأويل السياسي العبثي، وتحتاج إلى ضبط حاسم لرفع السيف المسلط على الحريات العامة.

ولم تقتصر المخاوف على قوى المعارضة التقليدية، بل امتدت لتشمل أصواتاً برلمانية سابقة وحالية؛ إذ اعتبر النائب السابق، علاء عصام، أن فرض التزامات وإملاءات على الشركات التكنولوجية العالمية هو “أمر غير واقعي” وكلام غير قابل للتطبيق على أرض الواقع.

وحتى الأصوات التي حاولت البحث عن مبررات للنظام كالمشرعة السابقة، مارجريت عازر، لم تخفِ قلقها من “الغموض المتعمد” في تعريفات الأمن القومي والآداب العامة في مسودة القانون، مؤكدة أن التشدد الزائد والقيود التنظيمية العقيمة من شأنها أن تخنق بيئة الاستثمار والابتكار، وتمنع مصر من أن تكون مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا، وتحولها إلى بيئة طاردة للاستثمار الرقمي.

معاقبة 60 مليون مصري

وفي المحصلة الرقمية والسياسية، فإن مشروع القانون الجديد لتنظيم عمل مواقع التواصل الاجتماعي، لا يستهدف فئة سياسية معزولة، بل يصوب رصاصه التشريعي بشكل مباشر نحو كتلة بشرية هائلة تتجاوز ستين مليون مصري يتفاعلون يومياً مع هذه المنصات.

وإذا كانت هناك حاجة تنظيمية لمواجهة التجاوزات الإلكترونية في دول العالم الحر، فإنها في الحالة المصرية تتحول عمداً إلى مقصلة قانونية لتقييد الأصوات وفرض الصمت الإجباري على المواطنين. إن تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والحريات يتطلب تشريعات عادلة تحمي المجتمع دون المساس بحقوق الأفراد الأساسية، وهو ما يجافيه تماماً الواقع التشريعي والسياسي في مصر، الذي بات ينزع قناعه الأبوي المزعوم، مستهدفاً بشكل مطلق إطلاق يد الأجهزة الأمنية في السيطرة، والمراقبة، وتأميم مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ليتحول الفضاء الافتراضي إلى مربع جديد من مربعات السيطرة الشاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى