مصر والإمارات في مرآة الصحافة الغربية: شراكة الضرورة أم صراع النفوذ الصامت؟
- تقرير لـ”ايكونوميست“ يسلط الضوء على التناقضات التي تحكم العلاقة بين مصر والإمارات
- هكذا تنظر الصحيفة إلى تحولات النفوذ والقوة في ملفات السودان وليبيا وغزة وسد النهضة
“إنسان للإعلام- قسم الترجمة”:
احتلت العلاقات المصرية الإماراتية موقعًا خاصًا في التغطيات الإعلامية الغربية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2013. وبينما اعتادت الصحافة الغربية تقديم الإمارات باعتبارها الداعم المالي والسياسي الأبرز للنظام المصري، بدأت بعض المؤسسات الإعلامية الدولية في السنوات الأخيرة تتبنى مقاربة أكثر تعقيدًا، ترى أن العلاقة بين البلدين لم تعد قائمة فقط على الدعم والمساندة، بل باتت تحكمها حسابات النفوذ والمصالح المتعارضة في عدد من الملفات الإقليمية.
في هذا السياق، نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية تقريرًا في 21 مايو 2026 تناول طبيعة العلاقة الراهنة بين القاهرة وأبوظبي، وقدم قراءة لافتة تعكس جانبًا من الرؤية الغربية لهذه العلاقة، حيث صورت الإمارات باعتبارها شريكًا لا تستطيع مصر الاستغناء عنه اقتصاديًا، وفي الوقت نفسه قوة إقليمية تثير قلق المؤسسة الحاكمة المصرية بسبب سياساتها وتحالفاتها المتنامية في المنطقة.
ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه لا يكتفي برصد الخلافات السياسية بين البلدين، بل يحاول تفسير التحولات الجارية في موازين القوة الإقليمية، وكيف تنعكس هذه التحولات على صورة مصر والإمارات في الخطاب الإعلامي الغربي.
وفيما يلي ترجمة موسعة لمضمون التقرير :
رأت مجلة “الإيكونوميست” أن المصريين قد تكون لديهم أسباب كثيرة للشكوى من الإمارات وسياساتها الإقليمية، إلا أنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون الاستغناء عنها، متسائلة: لماذا تحتاج مصر إلى الإمارات العربية المتحدة وتخشاها في آن واحد؟
وفقًا للتقرير، فإن العلاقة بين البلدين تكشف مفارقة لافتة؛ فبينما تعتمد القاهرة بدرجة كبيرة على الدعم والاستثمارات الإماراتية، تنظر قطاعات واسعة من النخب المصرية إلى سياسات أبوظبي باعتبارها مصدرًا متزايدًا للقلق على الأمن القومي المصري.
واستهلت المجلة تقريرها بالإشارة إلى الزيارة التي أجراها عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي في السابع من مايو 2026، معتبرة أن طريقة الاستقبال حملت دلالات سياسية ورمزية تتجاوز البروتوكول المعتاد بين الحلفاء؛ فبحسب التقرير، كان من المتوقع أن يحظى السيسي باستقبال رسمي حافل، خاصة بعد إرسال القاهرة طائرات مقاتلة للمساهمة في حماية الإمارات عقب التوترات العسكرية مع إيران، غير أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد اصطحب ضيفه المصري لتناول الشاي في أحد المراكز التجارية بدلًا من عقد لقاء احتفالي داخل أحد القصور الرئاسية.
وترى المجلة أن الصورة التي التقطت خلال الزيارة تركت أثرًا ملحوظًا لدى قطاعات من المصريين، لأنها عكست – بحسب تصورها – تحولًا في موازين المكانة والنفوذ بين البلدين.
وتضيف أن كثيرًا من المصريين ما زالوا ينظرون إلى بلادهم باعتبارها “أم الدنيا” وصاحبة الثقل التاريخي والحضاري الأكبر في العالم العربي، بينما أصبحت الإمارات، الدولة الحديثة نسبيًا، تمثل نموذجًا لقوة اقتصادية وسياسية صاعدة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تفرض حضورها الإقليمي والدولي.
وتشير المجلة إلى أن هذا التحول في موازين القوة ينعكس على نظرة المصريين إلى الدور الإماراتي في المنطقة، حيث يسود شعور متنامٍ بأن أبوظبي تعمل على بناء شبكة نفوذ إقليمية واسعة في محيط مصر الاستراتيجي.
وبحسب التقرير، يتهم كثير من المصريين الإمارات بدعم أطراف وقوى سياسية وعسكرية في عدد من الساحات الإقليمية الحساسة، بما يحد من قدرة القاهرة على الاحتفاظ بدورها التقليدي كلاعب مهيمن في تلك المناطق.
كما تتحدث المجلة عن حالة من المرارة داخل مصر بسبب الأزمة الاقتصادية التي دفعت الدولة إلى بيع أصول استراتيجية ومساحات واسعة من الأراضي لصالح مستثمرين خليجيين، في ظل حاجة القاهرة الماسة إلى السيولة والاستثمارات الأجنبية.
وفي المقابل، تقول “الإيكونوميست” إن الإماراتيين ينظرون إلى العلاقة من زاوية مختلفة تمامًا، فهم يرون أن بلادهم قدمت لمصر دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا مستمرًا على مدار سنوات طويلة، وأن القاهرة لم تبدِ القدر الكافي من التضامن في اللحظات التي شعرت فيها أبوظبي بأنها تواجه تهديدات مباشرة.
وتشير المجلة إلى أن هذا الشعور تعزز بعد التصعيد العسكري مع إيران، إذ فضلت القاهرة الدعوة إلى خفض التوتر والانخراط في جهود الوساطة بدلًا من الانضمام إلى أي مواجهة مباشرة.
وترى المجلة أن الخلافات بين الجانبين تتجاوز مسألة رد الجميل أو حجم المساعدات الاقتصادية، لتصل إلى ملفات استراتيجية شديدة الحساسية؛ فمن وجهة النظر المصرية، يمثل الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان أحد أبرز مصادر القلق، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة لتلك القوات بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب السودانية.
وتشير المجلة إلى أن الإمارات أقرت بتقديم دعم مبكر للقوات المذكورة، لكنها تنفي استمرار هذا الدعم.
كما تتوقف عند مخاوف القاهرة من الأدوار الإماراتية في ليبيا وأرض الصومال، فضلًا عن الحديث المتكرر حول دعم ترتيبات سياسية أو إدارية منفصلة في قطاع غزة، غير أن الملفين الأكثر حساسية بالنسبة لمصر، بحسب التقرير، يتمثلان في إثيوبيا وإسرائيل، فالعلاقات المتنامية بين أبوظبي وأديس أبابا تثير قلقًا مصريًا مستمرًا بسبب ارتباطها بملف سد النهضة، الذي تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي.
وتشير المجلة إلى أن بعض المصريين يرون أن الإمارات لعبت دورًا في تشجيع المشروعات الإثيوبية المرتبطة بالسد، وهو ما تنظر إليه القاهرة باعتباره مساسًا بمصالحها الاستراتيجية المرتبطة بنهر النيل.
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فتقول المجلة إن استمرار الحرب والحصار المفروضين على قطاع غزة يثير مخاوف مصرية من احتمالات دفع أعداد كبيرة من الفلسطينيين نحو الحدود المصرية، وهو سيناريو تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وفي المقابل، تذكّر “الإيكونوميست” بحجم المساعدات والاستثمارات الإماراتية التي تدفقت إلى مصر خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد الأزمة الاقتصادية الحادة التي واجهتها البلاد عام 2023.
وتشير إلى أن الاقتصاد المصري تعرض خلال تلك الفترة لضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع الديون والتضخم وتراجع قيمة العملة، ما أدى إلى تراجع ثقة المستثمرين وازدياد الحاجة إلى التمويل الخارجي.
وفي هذا السياق، لعبت الاستثمارات الإماراتية دورًا مهمًا في توفير السيولة اللازمة، كما ساهمت – وفق التقرير – في تهيئة الظروف للحصول على دعم إضافي من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.
ورغم تعدد ملفات الخلاف والتباين في الرؤى، تستبعد المجلة أن يصل التوتر بين البلدين إلى مستوى القطيعة أو المواجهة السياسية المفتوحة، فمصر لا تزال بحاجة إلى الاستثمارات الإماراتية والدعم الخليجي، فيما تدرك أبوظبي أهمية القاهرة بوصفها أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان وصاحبة موقع جغرافي واستراتيجي لا يمكن تجاهله.
وتخلص “الإيكونوميست” إلى أن العلاقة بين البلدين ستبقى محكومة بمعادلة معقدة تجمع بين الاعتماد المتبادل والتنافس الإقليمي في الوقت نفسه، فالقاهرة، بحسب التقرير، لا ترغب في خسارة الإمارات، لكنها كذلك تسعى إلى تنويع شراكاتها الإقليمية عبر تعزيز علاقاتها مع السعودية وقطر وتركيا، حتى لا تجد نفسها رهينة لطرف واحد مهما بلغت أهمية دوره الاقتصادي والسياسي.
تكشف معالجة “الإيكونوميست” عن تحول مهم في الخطاب الإعلامي الغربي تجاه العلاقات المصرية الإماراتية. فبدلًا من الصورة التقليدية التي قدمت الإمارات لعقد كامل باعتبارها الداعم الرئيسي للنظام المصري، باتت بعض المنابر الغربية تتحدث عن علاقة غير متكافئة تميل فيها موازين النفوذ تدريجيًا لصالح أبوظبي.
كما يعكس التقرير رؤية غربية متزايدة تعتبر أن النفوذ الإماراتي لم يعد يقتصر على المجال الاقتصادي، بل امتد إلى ملفات الأمن الإقليمي وإدارة الصراعات والتحالفات في السودان وليبيا والقرن الإفريقي وغزة، وهي مناطق ترتبط مباشرة بالمصالح الاستراتيجية المصرية.
ومن هذه الزاوية، لا يقتصر التقرير على توصيف العلاقات بين البلدين، بل يقدم قراءة أوسع لتحولات القوة في الشرق الأوسط كما تراها الصحافة الغربية، حيث تتراجع الأوزان التقليدية لبعض الدول العربية لصالح قوى إقليمية صاعدة تمتلك أدوات مالية واستثمارية وسياسية أكثر تأثيرًا في صناعة القرار الإقليمي.
رابط الموضوع من المصدر هنا




