مصر: حمى التهجير القسري تطارد المواطنين لصالح مشروعات “السيسي”
- نظام السيسي تبني مخطط لتهجير الفقراء وبناء مشروعات استثمارية بأموال خليجية
- التهجير القسري بلغ ذروته في الأعوام الثلاثة الماضية.. ومخطط الوراق بدأ قبل ربع قرن
- حكومة السيسي تستهدف إنشاء مدينة حورس على أرض الوراق بتكلفة 17.5 مليار جنيه
- سيناريو الوراق مرشح للتكرار في 16 جزيرة أخرى بعد استبعادها من المحميات الطبيعية
- 36 جزيرة نيلية مأهولة خصصها السيسي للجيش بقرار جمهوري وتنتظر مصير الوراق
- إزالة 4500 شقة بالحيين السادس والسابع بمدينة نصر وتهجير قسري لـ 77 ألف مصري
- تهجير أكثر من 50 ألف شخص من مثلث ماسبيرو لصالح مشروعات الإمارات الاستثمارية
- مثلث ماسبيرو تحول إلى غابة من الأبراج السكنية الشاهقة دون أي منظر جمالي بالمنطقة
- تطوير منطقة "نزلة السمان" تسبب في تهجير 53 ألف مواطن واستهدف إزالة 4800 منزل
إنسان للإعلام- خاص
اتخذت الحكومة المصرية قرارات حكومية متلاحقة على مدار الأعوام التسعة الماضية، بإزالة مناطق تحمل تاريخ أصحابها وتقع بالقرب من مصادر أرزاقهم، وذلك لصالح مشروعات استثمارية ضخمة تمولها دول عربية في مقدمتها دولة الإمارات، كجزيرة الوراق ومثلث ماسبيرو ونزلة السمان، أو تحت عباءة التطوير، كما في مناطق القاهرة القديمة والحيين السادس والسابع بمدينة نصر.
ورغم أن هذه المشروعات لا تحظى بتوافق شعبي أو ليست ذات جدوى اقتصادية، ولا تمثل أولوية للشعب، يمارس السيسي ونظامه أشد أنواع التنكيل والإرهاب ضد المواطنين، بإزالة مناطق سكنية بأكملها ، بعد أن أصابتها حمي إنشاء الكباري كما في مناطق الطريق الدائري بفيصل والمنيب والمطرية.
كما شن النظام حملة إزالات لبيوت الفقراء بهدف جمع الجبايات من خلال تنفيذ قانون التصالح في المخالفات.
ومن خلال هذا الملف، نرصد أهم حلقات هذا المسلسل غير المسبوق في تاريخ مصر.
عشوائيات الفقراء جنةٌ للإسكان الفاخر
المناطق العشوائية في مصر هى نتاج طبيعي لسياسات فاشلة للأنظمة العسكرية، خاصة في عهد السادات ومبارك، ولم تلتفت الدولة لتضخم تلك الظاهرة إلا بحلول تسعينيات القرن الماضي، وكانت قد بلغت ذروتها عام 2008 عقب سقوط صخرة ضخمة من جبل المقطم فوق مساكن بمنطقة الدويقة العشوائية، أدت إلى وفاة 119 شخصاً.
على إثر الحادث صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 305 بشأن إنشاء "صندوق تطوير المناطق العشوائية"، وجهزت خريطته الأولى حول المناطق غير الآمنة عام 2010، وحُدِّثت عام 2014، دون أن يحدد القرار كيفية احتساب التعويض المناسب للأهالي، ولكنّه قرر توفير مساكن إيواء في مادته الرابعة "لمن تقرر إخلاؤهم سواءً لاعتبارات الأمن والسلامة، أو لتخطيط المنطقة عمرانياً".
وبين عامي 2014 و2020 توالت عمليات التهجير القصري وبلغت ذروتها في الأعوام الثلاثة الماضية بداية من 2019 الي 2022. "1"
جزيرة الوراق.. ربع قرن من الصراع مع الحكومات
إذا انتقلنا لحلقة من حلقات التهجير القسري للمصريين لصالح الاغنياء ، سنجد خير مثال سكان جزيرة الوراق ، وهى واحدة من كبرى الجزر الواقعة في نهر النيل بمصر، وتتبع إداريًّا محافظة الجيزة، موقعها المتميز كمحطة التقاء محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) وضعها منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، في نزاع على الملكية بين الأهالي والحكومات المتعاقبة. وتبلغ مساحة الجزيرة 1516 فدانًا (الفدان الواحد يساوي نحو 4200 متر).
ولا يوجد إحصاء رسمي بعدد سكان الجزيرة، لكن "مجلس عائلات الوراق (يضم ممثلين عن أهالي الجزيرة)" ذكر عبر صفحته بموقع فيسبوك في ديسمبر/كانون الأول 2018، أن العدد يقارب 100 ألف نسمة، فيما تشير تقديرات وزارة الإسكان، منتصف أغسطس/آب 2022 إلى وجود قرابة 6 آلاف منزل بالجزيرة.
ظهرت بوادر النزاع على ملكية الجزيرة، حين قررت الحكومة عام 1998 وضعها ضمن نطاق المحميات الطبيعية أي "تبقى على نموها الطبيعي ولا يقطنها البشر" ، وفي عام 2000، قررت الحكومة تحويل الوضع القانوني للجزيرة إلى جانب جزيرة الذهب (نيلية تقع بالقرب من الوراق) من محمية طبيعية إلى أملاك ذات منفعة عامة (تعني عدم جواز تقنين وضع اليد).
وقتها احتج قرابة 40 ألفًا من قاطني الجزيرتين على القرار، وتبنت الحكومة موقفها باعتبار الجزيرتين "منافع عامة" كونهما طرح النهر وظهرتا بعد تشييد السد العالي (1960 – 1970)، فيما يؤكد مؤرخون وجود الجزيرتين على خرائط رسمية تعود إلى ما قبل بناء السد بعقود، وأنهما كانتا مأهولتين بالسكان وتمارس فيهما الزراعة والعمران القروي.
في عام 2002، حصل الأهالي على حكم لصالحهم بتملك أراضي الجزيرة، وفي عام 2010، أعلنت الحكومة، ترسيم الحدود الإدارية لـ5 محافظات، كانت بينها محافظة الجيزة، وضمنها الوراق، ووضعت خطة لتطوير الجزيرة، قبل أن تهدأ الأمور في الجزيرة لبضع سنوات بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981 – 2011).
عاودت السلطات المصرية مساعيها في نزع ملكية أراضي الوراق بداية من عام 2017، بدعوى أنها أملاك للدولة، وهو ما قابله السكان بالاحتجاج المتكرر ورفع دعاوى قضائية تختصم رئيس مجلس الوزراء ووزير الإسكان.
وبموجب قرار حكومي في العام ذاته، تم استبعاد 17 جزيرة من قرار المحميات الطبيعية، وتحويل الوراق إلى منطقة استثمارية.
في يونيو/حزيران 2017، كلفت رئاسة الجمهورية وزارة الإسكان وهيئة التخطيط العمراني بإعادة إحياء مخطط تطوير الجزر النيلية الذي تم إعداده عام 2010، على أن تكون البداية جزيرة الوراق، بحيث تصبح مركزًا كبيرًا للمال والأعمال.
وبالتزامن مع تصاعد الأزمة، نشر المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي شهادة وفاة لسيدة ولدت على الجزيرة منذ 100 عام، وعقود بيع مشهرة خلال عامي 1905 و1923، وعقدا مشهرا بسنة 1313 هجرية (1895)، ورخصة مبان عام 1994، مشددًا على أنها أوراق ثبوت للملكية، وفق قوله.
في فبراير/شباط 2018، وافق البرلمان المصري على قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، وهو القانون الذي منع الطعن على قرارات نزع الملكية للمصلحة العامة ومقدار التعويض، على خلاف ما كان معمولاً به.
وفي سبتمبر/أيلول 2018، وافق مجلس إدارة المجتمعات العمرانية على مذكرة بشأن إنشاء مجتمع عمراني جديد على أراضي الجزيرة، تحت مسمى جهاز تنمية جزيرة الوراق الجديدة
وفي أبريل/نيسان 2019، وافقت الحكومة على استصدار قرار جمهوري، بنقل تبعية الجزيرة لهيئة المجتمعات، تمهيدًا للبدء في تنفيذ مخططات تطويرها بالكامل، وذلك بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وفي يوليو/تموز 2020، وافق مجلس الوزراء على إعلان منطقة جزيرة الوراق كمنطقة إعادة تخطيط، في إطار الحد من النمو العشوائي غير المخطط.
بعدها بعامين، نشرت الهيئة العامة للاستعلامات صورًا لمخطط تطوير الجزيرة التي اختير لها اسم جديد هو "مدينة حورس (إله الشمس عند الفراعنة)".
ووصفت الخطة التي نشرتها الهيئة بأنها: "مدينة ومركز تجاري عالمي على أرض مصرية يضاهي أبرز المراكز التجارية حول العالم"، مشيرة إلى تكلفة إجمالية للمشروع تبلغ 17.5 مليار جنيه (الدولار=19.50 جنيها)، في حين تبلغ الإيرادات السنوية 20.422 مليار جنيه لمدة 25 سنة.
وفي 18 أغسطس/آب 2022، كشف وزير الإسكان عن خطة الدولة لتطوير الجزيرة، معلنًا بدء تنفيذ ما أسماه "سياسة الشراء الرضائي".
واجه الأهالي الإجراءات الحكومية المتلاحقة منذ عام 2017 لنزع ملكية الجزيرة، باحتجاجات ومظاهرات لرفض الإخلاء والاشتباك مع الشرطة، ما دفع السلطات إلى تأجيل قرار الإخلاء.
ومنتصف أغسطس/آب 2022، ألقت قوات الأمن القبض على 23 من أهالي الجزيرة بسبب محاولاتهم مقاومة عمليات رفع قياسات منازل بها تمهيدًا لنزع ملكيتها، وهدمها لاحقًا.
وحاول جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية التواصل مع عدد من الأهالي لحضور اجتماع يجمع الطرفين مع أعضاء لجنة الـ15، التي تضم ممثلين عن 15 عائلة من عائلات الجزيرة، والتي تأسست عام 2019 لاحتواء التوترات لكن الاجتماع لم يتم.
وزير الإسكان عاصم الجزار أعلن في 18 أغسطس/آب 2022، عن بدء تنفيذ سياسة "الشراء الرضائي" من الأهالي، بموجب 6 ملايين جنيه للفدان، موضحًا أن الحكومة اشترت 888.6 فدانًا حتى أغسطس/آب 2022 تمثل نسبة 71% من مساحة الجزيرة
وأكد توفير وحدات سكنية بديلة في المدن الجديدة أو التي ستبنى بالجزيرة، إضافة إلى توفير بديل للأراضي الزراعية بمبادلة فدان أرض بالجزيرة بـ19 فدانًا بمدينة السادات بمحافظة المنوفية (شمال) وسط رفض كبير من الأهالي لهذه الحلول ."3"
"الوراق وأخواتها".. وشبح التهجير
وقد كشفت أزمة تطوير جزيرة الوراق وما نتج عنها مؤخرًا من اشتباكات بين قوات الأمن والأهالي الرافضين لعملية الإجلاء “القسري”، وجهًا لغياب الحوار المجتمعي الذي تحتاجه مصر بشدة، إذا ما قارناه بما قد تسفر عنه حالة الغضب والاحتقان بين المواطنين والحكومة.
و انتهت هذه الأزمة إلى مرحلة صعبة من رفض مشروع تطويرها وحتى بدائله المقترحة، في وقت لم تعتمد الأجهزة التنفيذية لتجاوز الأزمة سوى سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، تحت غطاء المنفعة العامة، الأمر الذي لم يحل الأزمة إلى الآن.
سيناريو أزمة الوراق مرشح كذلك للتكرار في 16 جزيرة أخرى، بموجب إعلان الحكومة استبعادها من القرار رقم 1969 لسنة 1998 للمحميات الطبيعية، وإعادة طرحها للاستثمار كأحد المناطق المميزة التي يجب استغلالها اقتصاديًا
وقد أصدر السيسي، في يناير/ كانون الثاني2022 ، قرارًا جمهوريًا رقم 18 لسنة 2022، بالموافقة على تخصيص عدد 36 جزيرة نيلية، بالإضافة إلى جزيرة بحرية واحدة، لصالح القوات المسلحة. بينها الوراق وأخواتها الـ16: وردان الكبرى، والصغرى، والقيراطيين، وأبو غالب، وأبو عوض، وأم دينار، والدهب، والقرصاية، وكفر بركات، والرقة، وحلوان البلد، والشوبك البحرية، وكفر الرفاعى، والديسمى والكريمات.
الوراق وأخواتها من الجزر الأخرى تشغل الأراضي الزراعية 90% من مساحاتها، بينما تشغل مساكن الأهالي الـ 10% المتبقية، في مقابل عوائد سنوية بسيطة وقيمة إيجارية تتراوح ما بين 4800 إلى 5000 جنيه عن كل فدان، تسدد لهيئة استصلاح الأراضي.
وتكمن صعوبة خروج سكان الوراق وأخواتها من طبيعة البيئة التي ارتبطوا بها عبر أجيال. فالزراعة المتواضعة والصيد التقليدي باب الرزق الرئيسي لغالبية السكان، توارثوها لأجيال، إلا فئة قليلة تعمل في وظائف ومهن بسيطة في المحلات التجارية والحرفية، لذا فإن الحوار المجتمعي ضرورة حول البدائل الأنسب والمتاحة لهذه الطبيعة السكانية المختلفة في مثل هذه المناطق.
طرد أصحاب الأرض لصالح "المستوطنين" الإماراتيين
في ضوء القوانين المحلية والدولية، يعتبر ما تقوم به الدولة حاليا من نزع ملكية أجود الأراضي الزراعية ومنحها للإمارات لأقامه مشروعات استثمارية “جريمة قانونية”، خاصة أن الأراضي المطروحة كبديل من الحكومة على المتضررين بمدينة السادات صحراء غير صالحة للزراعة ولا توجد بها خدمات. كما أن الشقق التي يتم التعويض بها موجودة بحدائق أكتوبر والعبور وهي “غير مشطبة” وليس بها مرافق كهرباء أو مياه ومواصلاتها صعبة. ما دفع الموجودين للتمسك بوضعهم على أرض الجزيرة.
الإخلاء القسري للموطنين مجرم وفقا المادة 63 من الدستور. خاصة أن المشروع البديل لا يخضع للمنفعة العامة. بل يتم تهجيرهم والتعدي على أملاكهم لاستثمارات تجارية وتربيح الغير على حساب أمنهم وحقهم في الاحتفاظ بنمط اجتماعي وثقافي معين قائم على التكافل والاكتفاء الذاتي، ما يعد تجاوز من الدولة في حق مواطنيها.
وتم نزع ملكية 61 فدانا لإعادة التخطيط لتوفير السكن البديل بعدد 4 آلاف وحدة سكنية بديلة لصالح المشروع الاماراتي، فيما تم شراء 45 فدانا بشكل رضائي لإقامة 250 مبنى. إضافة لشراء 105 منازل برضا الأهالي لإعادة خط تنظيم النيل عليها. كما تم نزع ملكية 91 فدانا منها 67 فدانا بالتراضي و550 منزلا منها 330 بالتراضي لحساب محور “تحيا مصر”. وذكر الوزير أن حجم التعويضات التي تم صرفها للأهالي حتى الآن 6 مليارات جنيه، منها 4 مليارات تعويضات أراضي، و2 مليار للسكن البديل."4"
77 الفا من سكان مدينة نصر من ضحايا التهجير
ومن ضحايا قرارات التهجير القسري بمصر مؤخرا، سكان الحي السادس والسابع بمدينة نصر، وتقدر المنازل التي يتم إزالتها بحسب التصريحات الرسمية 4500 وحدة سكنية ومحال، كمرحلة أولية، تمهيدًا لإزالتها "لتعارضها مع مشروع التطوير"!
نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية، إبراهيم صابر، كشف عقده اجتماعات عدة مع أهالي الحي السادس والسابع والاستماع لهم وعرض تفاصيل قرار الهدم عليهم ومحاولة التوصل معهم لحلول مرضية، مؤكدًا أن هناك توجيهات مباشرة بإزالة المنطقة لإعادة تخطيطها مرة أخرى على غرار مثلث ماسبيرو، بحى بولاق أبو العلا.
وبحسب الإحصاءات شبه الرسمية فإن عدد سكان حي غرب مدينة نصر الذي يشمل الحيين السادس والسابع يتجاوز 77 ألف نسمة، ما يعني أن الغالبية العظمى من هذا العدد سيقع تحت مقصلة الهدم وإزالة منازلهم خلال الفترة المقبلة، سواء كان دفعة واحدة أم على عدة مراحل كما أشار مسؤولو المحافظة.
السواد الأعظم من سكان تلك الأحياء يرفضون فكرة ترك بيوتهم التي نشأوا فيها بذكرياتهم والانتقال لمكان جديد حتى لو كان أفضل وأكثر تطورًا، فالأمر أكبر وأعقد من مسألة شقة بديل أخرى، وسكن بديل آخر، وهو ما يفسر عدم استجابة الكثير حتى الآن للمبالغ الكبيرة التي تتعهد المحافظة بدفعها كتعويضات مقارنة بالمناطق الأخرى.
يذكر أن المناطق الأخرى لا يتم التعامل فيها بالمتر كما هو الحال في الحيين السادس والسابع بمدينة نصر، لكن بالغرفة، فقد وضعت الحكومة سعرًا موحدًا للغرفة قرابة 40 ألف جنيه، وعليه يحدد سعر الشقة وفقًا لعدد الغرف بها، ومن ثم كانت هناك فروق كبيرة بين سعر الوحدة السوقي وسعرها التعويضي، الأمر الذي أثار غضب واحتقان المتضررين، إذ كانت الوحدة تتجاوز قيمتها في السوق 600 ألف جنيه لكن قيمة التعويض لا تتجاوز 120 ألف جنيه وفقًا لعدد الغرف بها.
عدد من السكان أعربوا عن استعدادهم الكامل للتعاقد مع مكاتب هندسية لتطوير العقارات التي يسكنون بها بما يتماشى مع المخطط الهندسي للمحافظة، وعلى نفقتهم الخاصة، نظير البقاء في أماكنهم دون الانتقال إلى مكان آخر، فأشار "محسن" مهندس مقيم في الحي السادس، إلى أنه تقدم بهذا العرض لمسؤولين في المحافظة لكنهم استبعدوا ذلك بزعم أن القرار "فوقي" وليس لهم من الأمر شيء."5"
وفي نفس السياق ، كشف الدكتور إبراهيم صابر، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية، عدد الأسر التي تقدمت بطلبات تعويضات عن إزالة بلوكات الحيين السادس والسابع بمدينة نصر ، وقال صابر، لمصراوي، إنهم تلقوا نحو 350 طلبا من المواطنين حتى الآن من إجمالي 3000 أسرة موجودة بالمناطق المستهدف إزالتها وقد تم إجبار كل أهل المنطقة على إخلاء منازلهم قسرا .."6"
تهجير سكان مثلث ماسبيرو لصالح مشروعات الإمارات
كما شهدت أحياء الفقراء في منطقة ماسبيرو تهجيرا قسريا لصالح للاستثمارات الإمارتية والتي حولت المنطقة بعد هدمها لغابة من العمارات الشاهقة التي شوهت المنطقة ولم تضف لها أي مناظر جمالية، ومنح أهالي مثلث ماسبيرو ثلاث خيارات مقابل إخلائهم، الخيار الأول هو الحصول على مساكن بمنطقة الأسمرات، مقابل إيجار شهري لا يتعدى الـ 300 جنيه، ويمثل نسبة 12 في المئة من الحد الأدنى للأجور وقتها وكان 2500 جنيه.
ووافقت فقط نسبة 9 في المئة من سكان مثلث ماسبيرو على الانتقال إلى الأسمرات، وكان إجمالي عدد السكان يبلغ 4500 أسرة، علماً بأنّ بعض الأسر المشار إليها تتكون من عدة أجيال (الأجداد والآباء وأولادهم المتزوجين)، فالمساكن بالمنطقة كانت تتسم بالتشاركية نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة لتلك الشريحة من السكان، ولارتفاع كلفة السكن في مصر. كما أنّ القيمة التأجيرية المذكورة تعتبر باهظة بالنسبة لسكان مثلث ماسبيرو، بسبب اعتماد أغلبهم على المعاش الحكومي، علماً بأن مدينة الأسمرات تبعد 22 كيلومتر عن المنطقة المزالة، وأما الخيار الثاني فتمثل في التعويضات المالية، وحددها صندوق تطوير العشوائيات بـ 60 ألف جنيه للغرفة، إضافة إلى 40 ألف جنيه دعماً اجتماعياً، وقد فضل هذا الخيار 70 في المئة من السكان ولم تعط لهم بشكل كامل .
والخيار الثالث كان العودة مرة أخرى للسكن في المنطقة المميزة بقلب القاهرة لكن بشروط، وهي دفع 700 ألف جنيه ثمن الوحدة السكنية تُقَسّط على 30 عاماً، يخصم منها ثمن التعويضات المقررة، وقد اختاره 21 في المئة من إجمالي الأسر
ووقعت أثناء الاخلاء مواجهات عنيفة بين السكان والشرطة، إذ فرقت هذه الأخيرة التجمهرات بالغاز المسيل للدموع وقبضت على بضع عشرات من أهالي المنطقة الرافضين لتنفيذ قرارات الإزالة. "7"
نزلة السمان تخضع لمخطط التهجير القسري
كما كان من ضحايا التهجير القسري لحكومة السيسي، أهالي منطقة "نزلة السمان"، خاصة مربع "سن العجوز" ، الذي يقع بموقع متميز بالقرب من أهرامات الجيزة، ويعمل سكانه بالمهن المرتبطة بالنشاط السياحي بالمنطقة. وبدون إنذار أو ترتيبات، جاء تنفيذ الإخلاء لسكان منطقة سن العجوز بنزلة السمان سابقاً للقرار الحكومي رقم 3503 لسنة 2021، باعتبار مشروع نزع ملكية الأراضي بالمنطقة من "أعمال المنفعة العامة".
رفع الأهالي في العام الماضي 2021، بمساندة "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، احتجاجاً على إزالة عقارات مملوكة لهم دون صدور قرارات رسمية بنزع الملكية وبدون تحديد بدائل لهم، مع تسليمهم وحدة سكنية بنظام حق الانتفاع بمنطقة "حدائق أكتوبر". وكانت أولى جلسات القضية في 2 كانون الاول/ ديسمبر من العام الماضي، بينما صدر القرار الحكومي بتاريخ 21 من الشهر نفسه.
تطوير منطقة "نزلة السمان" يتضمن مشروع خليجي تشرف عليه شركات إماراتية، لتحويلها إلى مزار سياحي عالمي، ضمن المنطقة الواقعة بين الأهرامات والمتحف المصري الكبير، وتهيئتها كمتحف مفتوح يشمل حدائق وساحات عامة.
ويتطلب ذلك نقل 53 ألف مواطن من مساكنهم، ومارس نظام السيسي العسكري بلطجة غير مسبوقة بإزالات لبيوت ومساكن أهالي منطقة سن العجوز وسط استغاثات غير مسموعة للسكان الذين أكدوا مرارا عبر وسائل إعلام النظام أنهم ليسوا ضد التطوير، لكن بحاجة لحوار مجتمعي حول شكل التعويضات والمناطن البديلة ومراعاة الظروف الإنسانية من تعليم وعمل للسكان، إلا أن النظام المعتمد على الدبابة من أول لحظة استيلائه على السلطة لا يسمع لأحد، ولا يستجيب و لايكترث حتى بمراعاة قوانينه بإصدار قرارات إزالة تعلق في حي الهرم أو في محافظة الجيزة يمكن الاطلاع عليها.
ووفق مرقبين، فإن مخطط محافظة الجيزة، فإن إجمالي المستهدف في إزالة «نزلة السمان»، نقل 4800 أسرة.
ويعد ما يجري في نزلة السمان بالهرم بمحافظة الجيزة نموذجا لما يحصل في عموم مصر، من أجل البزنس تحت شعار التطوير، حيث كان السيسي قد وقع اتفاقية مع الإمارات لتطوير منطقة الأهرامات، تستمر لمدة 20 عاما، تديرها شركات إماراتية عبر بناء إنشاءات سياحية وإدارة مبتكرة لمنطقة الأهرامات، ومنع العمال واصحاب الأعمال الحرة والخيل والكاريتات والباعة الجائلين من العمل في المنطقة، المتواجدين فيها منذ عقود من الزمن."8"
هدم مقابر أثرية لصالح أحياء الأثرياء
لم يرحم النظام الأموات ومقابرهم كما حدث في منطقة مقابر المماليك بالقاهرة ، فعلى مدى قرون، تم دفن السلاطين والأمراء ورجال الدين والعلماء والنخب والعامة في مجموعتين من المقابر على أطراف العاصمة المصرية، وهو ما أدى إلى تشكيل ما يمكن تسميته "مدينة تاريخية للموتى" في القاهرة، عرفت باسم "صحراء المماليك" أو "القرافة".
ويقول الكاتب لي كيث -في تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس"عن هذا الأمر ، إن الحملة التي تقوم بها الحكومة المصرية لإعادة تهيئة القاهرة تتضمن شق طرق سريعة عبر هاتين المقبرتين، وهو ما يثير قلق المهتمين بالمحافظة على المعالم التاريخية والتراث الجنائزي المصري. والمقابر من بينها بعض الأضرحة التي تعود لكتاب وسياسيين معروفين.
كما أن مقبرة مزخرفة مقببة وفخمة عمرها 500 عام تعود للسلطان المملوكي قانصوه الغوري، توجد في طريق هذه الأشغال التي تقوم بها الحكومة، ورغم أنها لم تتعرض للضرر فإنها ستكون في المستقبل محاطة بشبكة من الطرق.
ويشير تقرير "أسوشيتد برس" إلى أن المقبرة الجنوبية أيضا شهدت جرف المئات من المقابر، وإقامة جسر علوي، يوجد في ظلاله ضريح ومسجد واحد من أشهر علماء الإسلام في مصر، وهو الإمام الليث بن سعد، الذي يعود إلى القرن الثامن الميلادي.
ويشير الكاتب إلى أن الحكومة المصرية تقوم بحملة كبيرة لبناء الجسور والطرق السريعة في القاهرة وحولها، وتقول السلطات إن ذلك ضروري لتخفيف الازدحام المروري في العاصمة التي يعيش فيها 20 مليون ساكن، وتحسين الربط بين مختلف مناطق البلاد، من خلال مشاريع تندرج ضمن الرؤية القومية لمصر الجديدة
ورغم تحذير خبراء الآثار من أن هذه الأعمال التي تشهدها مقابر القاهرة تمثل ضربة للجهود الرامية للحفاظ على الهوية التاريخية للعاصمة، حيث إنها تضم آثارا تعود إلى العصر المسيحي الروماني، والعديد من السلالات المسلمة التي حكمت البلاد حتى العصر الحديث.
وفي هذه المنطقة تم تهجير سكان رغم أنوفهم ، وتم إزالة معظم هذه المنطقة منذ العام الماضي ، دون مراعاة لطبيعتها التاريخية واثارها. "9"




