ترجمات

مليار دولار لتلميع صورة “إسرائيل” بين الإنجيليين الأمريكيين.. “طوفان الأقصى” يُفشِل محاولات الهيمنة الدعائية

  • معهد كوينسي يكشف عن تحول “إسرائيلي” جذري نحو التأثير المباشر بإنفاق تجاوز مليار دولار منذ “طوفان الأقصى”
  • “الجبهة الثامنة” عند نتنياهو تعني “معركة التأثير على العقول” في أمريكا بعد تآكل الدعم الشعبي للكيان الصهيوني
  • استهداف دقيق للكنائس الإنجيلية والشباب الأمريكي عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكة واسعة من الشركات والوكلاء
  • رحلات مكثفة لآلاف القساوسة والمؤثرين وصناع القرار لتوجيه الرواية وربط الصراع المعاصر بالنبوءات التوراتية
  • تل أبيب تعتمد على شركة “هافاس ميديا” الفرنسية كوسيط لتوزيع العقود على شركات متخصصة أبرزها “كلوك تاور إكس”
  • فشل استراتيجي ذريع يوثقه تقرير ” كوينسي”: تراجع التعاطف مع “إسرائيل” بين الأمريكيين إلى مستويات تاريخية

“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:

في تحول غير مسبوق يعكس مدى الهلع الاستراتيجي الذي تعاني منه المؤسسة السياسية والعسكرية في تل أبيب، كشفت دراسة استقصائية أصدرها “معهد كوينسي” الأمريكي للأبحاث، في 24 يوليو 2026، عن تفاصيل وخبايا ما يُعرف بـ”الجبهة الثامنة”.

هذه الجبهة النوعية تُدار عبر منظومة معقدة وضخمة من الدعاية، وتوجيه الوعي، والتأثير الممنهج المُمول بمليارات الدولارات لاستعادة النفوذ “الإسرائيلي” المتآكل داخل الشارع الأمريكي، عقب الهزائم المعنوية والسياسية الهائلة التي مُنيت بها “إسرائيل” منذ أحداث “طوفان الأقصى”.

التقرير الذي حمل عنوان “الجبهة الثامنة: داخل حملة التأثير الإسرائيلية البالغة مليار دولار” يضع القارئ وجهاً لوجه أمام كواليس حرب عقول واستخبارات ناعمة تُدار على الأراضي الأمريكية في محاولة يائسة لترميم صورة الاحتلال المتصدعة وعزل الحقائق الميدانية عن وعي المواطن الغربي.

جبهة الوعي والمعركة على السردية الغربية

يُستخدم مصطلح “الجبهة الثامنة” في أروقة صنع القرار “الإسرائيلي”، والخطاب الرسمي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، للإشارة إلى ساحة حرب موازية لا تقل شراسة ولا أهمية عن الجبهات العسكرية السبع الأخرى المشتعلة في قطاع غزة، لبنان، إيران، اليمن، سوريا، العراق، والضفة الغربية.

 ووفقاً للتصور الاستراتيجي “الإسرائيلي”، فإن الحروب الحديثة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تحسمها الميادين العسكرية والمواجهات المسلحة وحدها، بل يحدد مسارها النهائي الفضاء الإعلامي، الرقمي، وقدرة الدول على هندسة الرأي العام الغربي.

 تسعى إسرائيل من خلال هذه الجبهة إلى مواجهة ما تصفه بـ”حرب نزع الشرعية” عنها في الجامعات الأكاديمية الكبرى، والمنظمات الحقوقية والدولية، ومنصات التواصل الاجتماعي التي باتت تنقل أهوال الحرب بلا رتوش.

لقد أدركت تل أبيب أن الدعم الشعبي والتاريخي الذي تم ترويضه ورعايته لعقود طويلة في الغرب -ولا سيما في الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الأكبر والداعم الأبرز عسكرياً وسياسياً ومالياً- بدأ يتآكل ويتصدع بشكل غير مسبوق تحت وطأة الصور المروعة والتقارير الموثقة للسياسات العسكرية المدمرة في غزة ولبنان.

من هنا، حدث الانتقال الجذري في الاستراتيجية “الإسرائيلية”؛ إذ تم التخلي تدريجياً عن الاعتماد الكلاسيكي على “اللوبي” غير الرسمي والمؤلف من مواطنين ومنظمات أمريكية محلية (مثل منظمة “إيباك”)، لصالح بناء منظومة دعاية ونفوذ مباشرة، مركزية، تمولها الخزينة العامة للدولة العبرية بالكامل، وتديرها شبكة معقدة من الشركات العابرة للحدود والوكلاء الأجانب المسجلين رسمياً تحت القانون الأمريكي.

لماذا تركز “إسرائيل” على الإنجيليين؟

لم يعد القلق “الإسرائيلي” مقتصراً على خسارة قطاعات الشباب الناقم على سياسات الاحتلال أو النخب الليبرالية والأكاديمية في الجامعات الأمريكية، بل امتد ليشمل تصدعاً مقلقاً وخطيباً حتى داخل القاعدة المحافظة والإنجيلية التي شكلت لعقود الحصن الأمني والدعم السياسي الأكثر استقراراً وموثوقية لتل أبيب داخل المجتمع الأمريكي.

يمثل المسيحيون الإنجيليون نحو ربع الناخبين الأمريكيين إجمالاً، ويتمتعون بنفوذ سياسي هائل داخل الحزب الجمهوري، والكونغرس، ومفاصل الإدارة الأمريكية المتعاقبة، ويستند جزء كبير وحاسم من دعم هؤلاء المطلق لـ”إسرائيل” إلى قناعات عقائدية ودينية عميقة تُعرف بـ”الصهيونية المسيحية”، والتي تفسر عودة اليهود إلى “أرض الميعاد” وإقامة دولتهم المزعومة بوصفها شرطاً الهياً مقدساً وواجباً لا بد منه لتحقيق نبوءات آخر الزمان وعودة المسيح، مما يجعل دعم “إسرائيل” بالنسبة لهم فريضة دينية تسبق وتسمو على أي اعتبار سياسي أو استراتيجي.

ولأن هذا التيار يمثل صمام الأمان الانتخابي الأبرز، فقد كثفت “إسرائيل” جهودها الحثيثة لمخاطبته بلغته التوراتية ورموزه المرتبطة بالقدس المحتلة، والاستيطان، والوعود الإلهية.

وفي هذا السياق، يكشف تقرير “معهد كوينسي” عن صفقات وعقود بالغة الخطورة والحساسية، من ضمنها تعاقد “إسرائيلي” رسمي مع شركة تحمل اسم «Show Faith by Works» بقيمة بلغت 3.2 ملايين دولار، تهدف إلى استهداف جموع المصلين عبر تقنيات “الاستهداف الجغرافي” الرقمي المتقدمة حول الكنائس الكبرى في مناطق الجنوب الغربي الأمريكي أثناء مواعيد العبادة، لمواصلة قذف الحاضرين بالإعلانات الموجهة فور مغادرتهم أبواب الكنيسة لترسيخ المفاهيم المؤيدة للاحتلال في وجدانهم.

ولم تتوقف الأساليب الدعائية عند حدود التكنولوجيا الرقمية والإعلانات الموجهة، بل امتدت لتشمل شبكة واسعة من شراء ولاءات قساوسة بارزين ومؤثرين مسيحيين عبر دفع مخصصات مالية ضخمة مقابل تقديم تغطيات إعلامية وخطب دينية مؤيدة للاحتلال ومبررة لجرائمه.

وتُوجت هذه الجهود الاستخباراتية والدعائية في ديسمبر 2025 حين مولت وزارة الخارجية “الإسرائيلية” رحلة جماعية ضخمة وغير مسبوقة ضمت ألف قس ومؤثر مسيحي إلى الأراضي المحتلة لتلقي إحاطات عسكرية أمنية مباشرة، في برنامج وصفه أحد المشاركين الصرحاء بأنه أشبه بـ”رحلة تلقين” سياسي وديني منه إلى زيارة دينية مقدسة، وهي رحلة أثمرت عن نشر المشاركين لنحو 30 ألف منشور دعائي حققت ما يزيد على 20 مليون مشاهدة رقمية عبر منصات التواصل.

شركات ووكلاء تحت مجهر القانون الأمريكي

تشير الأرقام التي أوردها “معهد كوينسي” إلى أن الحكومة “الإسرائيلية” أنفقت منذ انطلاق أحداث “طوفان الأقصى”، في 7 أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2026، ما يزيد على مليار دولار أمريكي كاملاً على أنشطة الدبلوماسية العامة والدعاية السياسية المعروفة اصطلاحاً بـ”الهسبارا”.

 ومن المخطط والمنتظر أن تبلغ ميزانية هذه الأنشطة المخابراتية والإعلامية وحدها في عام 2026 نحو 750 مليون دولار، مما يضع دولة الاحتلال في صدارة الأجانب المسجلين رسمياً بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) في الولايات المتحدة الأمريكية، متجاوزة بذلك كافة القوى الكبرى.

لقد وجّهت “إسرائيل” أكثر من 100 مليون دولار من هذه الأموال الطائلة نحو أنشطة التأثير المباشر عبر تأسيس وتسجيل 17 شركة أمريكية وعالمية جديدة خصيصاً للعمل لصالح الأجندة “الإسرائيلية” خلال عامي 2024 و2025.

 ولتجنب الفوضى الإدارية والتعاقد الفردي العشوائي الذي قد يفضح طبيعة العمليات، استخدمت تل أبيب شركة “هافاس ميديا (Havas Media) الفرنسية الكبرى كـوسيط مركزي لإدارة وتوجيه هذه الحملات الدعائية الضخمة وتوزيع المهام والأنشطة على شركات فرعية متخصصة تستهدف شرائح ديموغرافية ونفسية محددة بدقة.

ومن أبرز تلك العقود المبرمة، العقد الضخّم مع شركة “كلوك تاور إكس” (Clock Tower X) التي يقودها براد بارسكيل، مدير حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بقيمة إجمالية متوقعة بلغت نحو 46.5 مليون دولار؛ لاستغلال شبكات التواصل والإعلام المحافظ.

كما كشف التقرير الاستقصائي عن استغلال غير مسبوق لتقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات البحث وتوليد المحتوى لتوجيه منصات وأنظمة الذكاء الاصطناعي نحو تقديم معلومات مظللة ومحرفة تخدم الرواية “الإسرائيلية” الرسمية وتعمل في الوقت ذاته على تشويه وشيطنة أطراف المقاومة الفلسطينية والجهات الداعمة لها.

ولم تقتصر الأموال على الفضاء الرقمي والسيبراني، بل شملت رعاية وزارة الخارجية “الإسرائيلية” في عام 2025 وحده لـ 300 وفد رسمي ضخ 6000 مشارك من 70 دولة حول العالم، مع التركيز المكثف على موظفي الكونغرس الأمريكي، والصحفيين البارزين، ومؤثري التيار اليميني المعروف بـ”أمريكا أولاً”، فضلاً عن تخصيص 800 ألف دولار للترويج لمرشحة “إسرائيل” في مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروويجن” لتحسين صورتها الفنية عالمياً، و159 ألف دولار أُنفقَت على إعلانات عملاقة في ساحة “تايمز سكوير” الحيوية في نيويورك لمحاولة تكذيب التقارير الدولية حول المجاعة المتفشية في قطاع غزة.

المليارات المحترقة وتراجع الدعم التاريخي

رغم الضخ المالي الهائل وبناء هذه البنية التحتية التقنية والتنظيمية والإعلامية المعقدة، تسجل دراسة معهد كوينسي نتيجة صادمة تكشف عن فشل ذريع ومطبق لما تُسمى بـ”الهسبارا” في مواجهة الحقائق الميدانية والسياسية والأخلاقية على الأرض، فالإصرار “الإسرائيلي” المستميت على ضخ المزيد من الأموال ينطلق من وهم بيروقراطي داخلي يرى أن الأزمة الحقيقية تكمن في “سوء الشرح والإعلام” لا في “سوء السياسة وجرائم الاحتلال”، غير أن الواقع يثبت ساطِعاً أن القدرة المالية الهائلة على “الوصول” إلى الجمهور عبر الإعلانات الممولة والمؤثرين المأجورين لا تعني أبداً النجاح في “إقناعه” أو تبييض وجه الاحتلال المتلطخ بالدماء.

وتوضح الرسوم البيانية والإحصاءات الرسمية الدقيقة الواردة في التقرير حدوث انقلاب جذري وحاد في اتجاهات ومواقف الرأي العام الأمريكي عموماً، لا سيما بين فئة الشباب وطلبة الجامعات أو ما يُعرف بـ”جيل زد” (يضم الفئة العمرية النشطة بين 18 و34 عاماً)؛ فبينما كان حجم التعاطف بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين متقارباً نسبياً في عام 2023، قفز التعاطف مع الفلسطينيين إلى نحو 53% بحلول عام 2026، مقابل انهيار مريع للتعاطف مع “الإسرائيليين” ليصل إلى نحو 23% فقط، وهو ما يعكس فجوة عميقة ومتسعة تماماً لا أمل لأعتى الحملات الدعائية في رتقها أو طمس معالمها.

ولا يقتصر هذا التراجع التاريخي على الفئات الشبابية فحسب، بل يشمل قطاعات واسعة من الجمهور الأمريكي عموماً؛ إذ انخفض معدل التعاطف العام مع “إسرائيل” منذ عام 2022 من نحو 55% إلى 36% فقط، مقابل صعود ملحوظ للتعاطف مع الحق الفلسطيني ليصل إلى نحو 41%.

 وتبرز المفارقة التاريخية الكبرى التي يسطرها التقرير في أن هذا الانهيار المدوي في صورة “إسرائيل” الشعبية والأخلاقية قد حدث بالتزامن الطردي التام مع القفزة الهائلة في ميزانية الدعاية، حيث ارتفعت مخصصات “الهسبارا” من 50.5 مليون دولار في 2023 إلى 190 مليوناً في 2025، وصولاً إلى الرقم الفلكي البالغ 750 مليون دولار المرصودة حصرياً لعام 2026، لتتحول هذه الأموال الطائلة -التي تستفيد منها مؤسسات كبرى عريقة مثل الوكالة اليهودية، والمنظمة الصهيونية العالمية، وشركات الضغط والمحاماة المرتبطة بجهاز المخابرات ووزارة الخارجية- إلى حسرة استراتيجية كبرى ترتد عكسياً وبشكل كارثي على المشروع الصهيوني برمته داخل العمق الاستراتيجي الأمريكي.

_______________

لقراءة التقرير من المصدر اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى