تحولات المعالجة الدرامية للقضايا الاجتماعية والسياسية في مصر- دراسة نقدية تحليلية
- تحت مطرقة التعبئة السياسية.. كيف أعادت دراما رمضان 2026 تأطير القضايا الكبرى؟
- “صحاب الأرض” نموذج لـ”أنسنة الصراع” و”رأس الأفعي” يؤطر الخطاب التعبوي
- “أولاد الراعي” يؤكد بروز “الرأسمالية العائلية” كواجهة لمستوى الثروة والتفاوت الطبقي
- “حكاية نرجس” والصدمة الثقافية.. مسلسلات الجريمة تشكل وعياً مبتوراً عن الأمن المجتمعي
- شرعنة “العدالة الفردية”.. العنف المجتمعي بات أداة للخلاص في مواجهة غياب المؤسسية
- 750 حالة يومياً خلف الشاشة.. فجوة بين معدلات الطلاق المتزايدة وسطحية المعالجة الدرامية
“إنسان للإعلام”- قسم الدراسات:
المقدمة:
تمثل الدراما الرمضانية في مصر أحد أهم مواسم الإنتاج الإعلامي وأكثرها تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي، حيث تتكثف خلالها الرسائل الثقافية والاجتماعية والسياسية في إطار درامي واسع الانتشار، ومع تطور المنصات الرقمية وتصاعد المنافسة على نسب المشاهدة، شهدت الدراما بشكل عام تحولات نوعية في طبيعة الموضوعات المطروحة وأساليب معالجتها، حتى أصبحت أداة قوية لـ “توجيه الرأي العام” وبث “الأيديولوجيات”، لما لها من قدره على رسم “صور نمطية” معدلة لأغراض سياسية أو درامية بدلاً من التوثيق الأمين للأحداث[1].
وفي هذا السياق، برز موسم رمضان 2026 بوصفه نموذجًا كاشفًا لهذه التحولات، حيث تزايد حضور القضايا الاجتماعية والإنسانية والسياسية، إلا أن هذا الحضور ارتبط في كثير من الأحيان بأنماط معالجة تخضع لاعتبارات الجذب الجماهيري أو توجيه الرأي العام نحو قضية معينة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الدراما على أداء دورها بوصفها أداة تفسير اجتماعي، وليس مجرد منتج ترفيهي.
وهو الأمر الذى سلط المجلس الأعلى للإعلام الضوء عليه من خلال تقرير لجنة الدراما 2026 الذي رصد عددًا من السلبيات، أبرزها الاستسهال الفني وضعف بعض النصوص الدرامية وافتقارها للحبكة، ووقوع بعض الأعمال في أخطاء نتيجة غياب الاستعانة بالمتخصصين، كذلك بعض مشاهد العنف وتقديم نماذج للعدالة خارج إطار القانون، إلى جانب استخدام بعض الأعمال للشاشة كمنصات للرسائل المبطنة وإثارة الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي[2]
مشكلة الدراسة:
تتمثل مشكلة الدراسة في التباين بين كثافة القضايا المطروحة في الدراما الرمضانية وحداثتها، وبين محدودية عمق المعالجة، حيث تميل العديد من الأعمال إلى تقديم القضايا في إطار توجيهى أو سطحي، مما يحد من دورها في تعزيز الفهم النقدي للواقع.
أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى رصد القضايا الرئيسية في دراما رمضان 2026، وتحليل أنماط المعالجة الدرامية لهذه القضايا، إضافة إلى الكشف عن تأثير منطق السوق والمشاهدة على مضمون الدراما، فضلا عن تقييم الدور الإعلامي والثقافي للدراما.
تساؤلات الدراسة:
تجيب الدراسة على مجموعة من التساؤلات من بينها: طبيعة القضايا التي تناولتها دراما رمضان 2026، وكيف تم تقديم هذه القضايا دراميًا؟ وإلى أي مدى تأثرت المعالجة بمنطق السوق والترند؟ وما طبيعة الدور الذي تؤديه الدراما في تشكيل الوعي المجتمعي؟.
منهج الدراسة:
اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي النقدي، من خلال تحليل مضمون عينة من المسلسلات الرمضانية لعام 2026، وتصنيفها وفق محاور موضوعية، وتحليل أنماط المعالجة (تجارية/إنسانية/أمنية/تبسيطية)، استنادا إلى نظرية التأطير الإعلامي، ونظرية الغرس الثقافي، لفهم العلاقة بين الإنتاج الدرامي والسياق الإعلامي الأوسع.
محاور الدراسة:
تتمحور هذه الدراسة حول قراءة نقدية وسوسيولوجية لأبعاد الدراما الرمضانية وتفاعلاتها مع الواقع، حيث ينطلق المحور الأول من رصد القضايا السياسية والإنسانية وتحولاتها “بين مطرقة الأنسنة وسندان التعبئة”، ليتصل بـالمحور الثاني الذي يغوص في دراما الطلاق ودورها في إعادة تشكيل البناء الأسري.
كما يسلط المحور الثالث الضوء على تمثيلات المرأة وصراعها بين خطاب التمكين الأيديولوجي وإكراهات السوق الدرامي، بينما يتناول المحور الرابع دراما الجريمة وانعكاس القضايا الواقعية متخذاً من “حكاية نرجس” نموذجاً تطبيقياً.
وفي سياق اقتصادي واجتماعي، يستعرض المحور الخامس مفهوم الرأسمالية العائلية وأثر التفاوت الطبقي في انشطار الروابط الإنسانية داخل الدراما الرمضانية، وصولاً إلى المحور السادس الذي يحلل ملامح البطل الشعبي المعاصر وما يطرحه من إشكاليات فلسفية حول العدالة الفردية في مواجهة النظم الاجتماعية.
المحور الأول: القضايا السياسية (بين مطرقة الأنسنة وسندان التعبئة):
شهدت دراما رمضان 2026 توسعًا ملحوظًا في تناول القضايا السياسية والإنسانية الحساسة، حيث اتجهت بعض الأعمال إلى الاقتراب من ملفات معقدة تتصل بالصراعات الإقليمية والأمن القومي، كما في مسلسلي “صحاب الأرض” و”رأس الأفعى”.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لدور الدراما في التفاعل مع القضايا الكبرى ورسم السياسات العامة، إلا أن طبيعة المعالجة تكشف عن أنماط محددة في بناء الخطاب، تتراوح بين الطرح الإنساني العاطفي والخطاب الأمني التعبوي، مع غياب نسبي للمقاربات التحليلية المركبة.
وهو الأمر الذى تحدث عنه الكاتب حيدر الكعبي في بحثه المعنون بـ”الدراما التلفزيونية وأثرها في المجتمع”، ضمن سلسلة “الاختراق الثقافي”، حيث أكد أن الدراما تعتمد على “إثارة الغرائز والعواطف والميول الإنسانية” كطريقة أساسية للتأثير، كما أنها لا تخاطب العقل بالحقائق المجردة بل عبر “التشويق وتوظيف العناصر الجمالية”، وهو الأمر الذى ظهر جليا في مسلسل “صحاب الأرض”، إذ تتحول القضية السياسية إلى “حالة وجدانية” تجذب التعاطف وتتجاوز الرقابة الرقمية من خلال التركيز على المشاعر الإنسانية العامة، وهو ما يسميه الكتاب “توجيه العواطف لإقناع الجمهور بالرسالة الدرامية”.[3]
ويشير تحليل دراما رمضان (1447 هـ- 2026م) إلى تحول جذري في كيفية التعاطي مع الملفات الحساسة، حيث لم تعد الدراما “تؤرخ” للأحداث بقدر ما أصبحت “تؤطرها” ضمن قوالب بصرية مستساغة رقمياً، ويمكن تقسيم هذا المحور إلى مسارين متوازيين:
الأول: مسار “أنسنة الصراع” (نموذج مسلسل: صحاب الأرض)
اعتمد هذا العمل استراتيجية “الدراما الوجودية” في تناول القضية الفلسطينية، وهو توجه يبتعد عن “الخطابة السياسية” المباشرة ليركز على “ميكرو-سياقات” الحياة اليومية، فمن خلال التركيز على قصص الحب، الفقد، والألم اليومي، نجح العمل في خلق حالة “تماهي عاطفي” (Emotional Identification) عابرة للحدود، وهذا النمط يعزز ما يسمى بـ “قوة الضحية” في الخطاب الإعلامي الحديث، مما يجعله أكثر قابلية للانتشار على المنصات الدولية وتجاوز مقصات الرقابة الرقمية العالمية.
وعند التطرق إلى النقد البنيوي نكتشف أن هذا “الهروب نحو العاطفة” أدى إلى تغييب الجذور الجيوسياسية، فالمشاهد “خاصة الأجيال الجديدة” يرى المعاناة كـ “قدر إنساني” مؤلم، دون فهم عميق لموازين القوى أو السياق التاريخي للاحتلال، مما يحول القضية من “حق تقرير مصير” إلى “أزمة إنسانية” تتطلب التعاطف فقط وهو ما يعرف بـ”أنسنة الصراع”.
وفي هذا الشأن جاء تقرير لجنة الدراما 2026 بالمجلس الأعلى للإعلام، ليشيد بالمسلسل وحضور القضية الفلسطينية بشكل واضح في الدراما المصرية، بجانب إشادته بتطور الصورة البصرية التي ظهرت في شكل بعض المشاهد الفنية المعبرة، وهو ما يوثق نجاح العمل في “المواءمة التنظيمية” على حساب العمق التحليلي السياسي.[4]
فقد ركز المسلسل على تناول القضية الفلسطينية من منظور إنساني يبرز معاناة الأفراد في ظل الحرب، من خلال سرديات تقوم على قصص الحب والفقد والتشظي الأسري، وهو ما يعكس اتجاها واضحًا نحو “أنسنة الصراع” وتقديم القضية عبر التجربة اليومية للضحايا لا عبر بنيتها السياسية والتاريخية، وهو ما نقل المشاهد من موقع المتلقي للمعلومة إلى موقع المتفاعل وجدانيًا مع الألم الإنساني.
وهذا الطرح رغم قوته التأثيرية، يظل محدودًا من حيث العمق التحليلي، إذ يغيب عنه تفكيك السياقات الأوسع المرتبطة بالصراع، وتوازنات القوى الفاعلة فيه، وبهذا المعنى، تتحول القضية من إطارها السياسي المركب إلى حالة إنسانية عامة، قابلة للاستهلاك العاطفي، بما قد يفضي إلى فصل المعاناة عن أسبابها البنيوية.
ثانيا: مسار “الدراما الأمنية” (نموذج مسلسل: رأس الأفعى)
يندرج هذا العمل تحت فئة “الدراما التعبوية” التي تهدف إلى وضع وتجييش الوعي الجمعي في مواجهة الجماعات الإسلامية، وهذا الوضوح الدرامي يخدم غرض “الاستقرار النفسي” للمشاهد، حيث يقدم الدولة كحامي أخير وحيد.
وهو التفسير الذي أشار إليه “الكعبي” في كتابة بشأن “الدراما الموجهة” التي تسعى لتشكيل الرأي العام بما يتوافق مع أهداف معينة، حيث أوضح أن الدراما تستخدم كأداة “لبث الأفكار السياسية والاجتماعية”، وهو ما يفسر تصنيف مسلسل “رأس الأفعى” كعمل ذي “أهمية وطنية قصوى”، حيث يتم توظيف الدراما كقوة ناعمة لحماية الأمن القومي وتجييش الوعي الجمعي خلف مؤسسات الدولة، وهو ما يطلق عليه الكاتب “صناعة الرأي العام عبر التكرار والتأثير البصري”[5].
وتكمن إشكالية هذا النمط في تسطيح الصراع القائم بين الدولة والجماعات الإسلامية وتفريغ السياسة من التعقيد، حيث يتم تصوير أعضاء الجماعات كأشخاص “أشرار بالفطرة” أو “أداة خارجية”.
ورغم أن هذا العمل يمنح وضوحا دراميًا وسهولة في التلقي، إلا أنه في الوقت ذاته يحد من إمكانيات الفهم الأعمق لجذور وأسباب الصراع التاريخي بين الدولة والجماعات الإسلامية، إذ يتم تقديمها في صورة نمطية تختزل التعقيد الاجتماعي والسياسي في صراع مباشر بين طرفين، ويغيب عن هذا الطرح تناول العوامل المركبة التي تسهم في نشأة هذه الجماعات، مثل السياقات الاقتصادية، والتحولات الفكرية، والبيئات السياسية المضطربة، وهو ما يجعل المعالجة أقرب إلى إعادة إنتاج خطاب جاهز، منه إلى تقديم رؤية متعددة الأبعاد.
وتتطابق فكرة “تفريغ السياسة من التعقيد” مع ما أورده “الكعبي” في بحثه بشأن لجوء الدراما إلى “التنميط”، حيث يوضح البحث أن الجمهور يميل إلى استقاء معلوماته من “النماذج الدرامية الجاهزة” بدلاً من البحث والتحليل المعمق، مما يؤدي إلى تحويل القضايا السياسية الكبرى إلى ثنائيات حادة (خير وشر/ ضحية وجلاد)، وهذا التبسيط يخدم “الدور الوظيفي” للدراما الذي يسبق “الدور التفسيري”، حيث يتم تقديم “المعنى السريع” والمستساغ رقميا على حساب الجذور الجيوسياسية المعقدة[6].
هذا في الوقت الذي صنف تقرير لجنة الدراما بالأعلى للإعلام (2026) مسلسل “رأس الأفعى” ضمن الأعمال ذات “الأهمية الوطنية القصوى”، مشيراً إلى دوره في تعزيز قيم الولاء والانتماء، وإبراز الوعي الأمني وتجسيد جهود الدولة في حفظ الاستقرار[7].
وتكشف الدراسة من خلال تحليل هذين النموذجين: “صحاب الأرض” و “رأس الأفعي” عن ظاهرة “تفريغ السياسة من التعقيد”، فبينما اتجه المسار الأول “الإنساني” نحو العاطفة السيالة والسرد الميلودرامي، اتجه المسار الثاني “الأمني” نحو اليقين الحاد والنمط الأمني التعبوي الذي يعزز حضور الدولة، وفي كلتا الحالتين، خضعت المعالجة لمنطق “التبسيط” و”التأثير السريع” الذي يناسب طبيعة المشاهدة الرمضانية، مما أدى إلى تراجع “الدور التفسيري” للدراما لصالح “الدور الوظيفي” سواء كان استعطافاً أو تعبئة.
ويرتبط هذا الميل نحو التبسيط بعدة عوامل، من بينها طبيعة الصناعة الدرامية التي تميل إلى تكثيف الأحداث وتقديم سرديات أحاديه مباشرة تضمن الجذب الجماهيري، فضلًا عن تأثير اقتصاديات المشاهدة والمنصات الرقمية التي تفضل المحتوى القادر على تحقيق تفاعل سريع، إضافة إلى القيود السياقية التي قد تحد من طرح معالجات نقدية عميقة في بعض القضايا السياسية الحساسة، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود الدور الذي تلعبه الدراما في تشكيل الوعي العام، ومدى قدرتها على الانتقال من مستوى التأثير العاطفي أو التعبوي إلى مستوى التحليل النقدي.
وعليه، يمكن القول إن معالجة القضايا السياسية والإنسانية في دراما رمضان 2026 تعكس انزياحًا من المقاربة التفسيرية المركبة إلى أنماط تبسيطية تقوم على إما “أنسنة الصراع” أو “أمننته”، حيث تختزل القضايا الكبرى في سرديات جزئية أو ثنائيات حادة، بما يجعل التأثير الآني يتقدم على الفهم العميق، ويؤكد تحول الدراما من فضاء للتفكيك والتحليل إلى أداة لإنتاج المعنى السريع داخل المجال العام.
المحور الثاني: دراما الطلاق وإعادة تشكيل الأسرة:
في سياق آخر، وبالتزامن مع تفاقم القضايا الاجتماعية في الحياة المصرية، وعلى رأسها ظاهرة ارتفاع معدلات الطلاق، التي رصدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقريره السنوي الصادر في 30 نوفمبر 2025، يتبين أن اجمالي حالات الطلاق في مصر قد بلغ ٢٧٣ ألفا و٨٩٢ حالة عام ٢٠٢٤ مقابل ٢٦٥ ألفا و٦٠٦ حالات عام ٢٠٢٣، بنسبة زيادة 3.1%، إلا أن العدد والمعدل لا يزال مرتفعاً مقارنة بالأعوام السابقة (٢٠٢٠ – ٢٠٢٣) [8]، حيث وردت تصريحات رسمية عن الجهاز تؤكد وقوع “750” حالة طلاق يوميًا في مصر، الأمر الذي أدرك خطورته صناع القرار، ومن ثم ركزت دراما رمضان 2026 على قضايا الأحوال الشخصية، حيث تناولت مجموعة من المسلسلات مثل “أب ولكن” و”كان يا ما كان” و”المتر سمير” و”سنة أولى طلاق” قضايا الأحوال الشخصية، خاصة الطلاق والحضانة والرؤية.
إلا أن المعالجة الدرامية في هذه الأعمال اتسمت بطابع سطحي، حيث تم تقديم الطلاق بوصفه تجربة فردية قابلة للتجاوز، دون التطرق إلى أبعاده البنيوية المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والثقافية، الأمر الذى وثقه تقرير سابق صادر عن المركز القومي للبحوث الجنائية بعنوان “الطلاق المبكر بين الشباب : أبعاده وتداعياته” والذى أشار إلى أن الزيادة في معدلات الطلاق ليست مجرد خلافات فردية، بل مرتبطة مباشرة بـ “الضغوط الاقتصادية المتراكمة” وتغير نمط الاستهلاك وتكلفة المعيشة التي تؤدي إلى اضطراب أدوار النوع الاجتماعي داخل الأسرة[9].
كما اعتمدت بعض الأعمال على الطابع الكوميدي، مما أدى إلى تفريغ القضية من ثقلها الاجتماعي، وتحويلها إلى مواقف يومية خفيفة، وهو ما يعكس ميلًا نحو “تسليع الأزمة” بدل تحليلها.
ويمكن البناء على ذلك بالقول إن هذه المعالجة الدرامية المختزلة لا تعكس فقط قصورًا في التناول الفني، بل تكشف عن فجوة معرفية في فهم طبيعة الظاهرة ذاتها، إذ يتم التعامل مع الطلاق بوصفه نتيجة مباشرة لخلافات شخصية، بينما تشير القراءات السوسيولوجية إلى أنه نتاج تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية وثقافية وتشريعية متداخلة.
فعلى المستوى الاقتصادي، شهدت الأسرة المصرية خلال السنوات الأخيرة ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، وهو ما أعاد تشكيل أدوار الأفراد داخل الأسرة، وخلق توترات مرتبطة بتوزيع الأعباء والمسؤوليات.
هذه التحولات لم تنعكس بعمق في المعالجة الدرامية، التي غالبا ما أغفلت تأثير الضغوط المالية في تفكك العلاقات الزوجية، رغم كونها أحد المحركات الرئيسية للصراع.
أما على المستوى الثقافي، فقد أسهمت التحولات في منظومة القيم، خاصة مع صعود الفردانية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، في إعادة تعريف مفاهيم مثل الاستقرار، والتضحية، والتحمل داخل العلاقة الزوجية، إلا أن الدراما لم تنخرط في تفكيك هذه التحولات، بل اكتفت بتقديمها في صورة سلوكيات فردية معزولة، دون ربطها بسياقها الثقافي الأوسع، ما أفقد المعالجة عمقها التفسيري.
وعلى الصعيد التشريعي، تمثل قضايا الحضانة والرؤية والنفقة أحد أبرز بؤر التوتر في حالات الطلاق، حيث تتداخل الأبعاد القانونية مع الاعتبارات الاجتماعية، وتُنتج في كثير من الأحيان صراعات ممتدة بعد الانفصال، ورغم حساسية هذه القضايا، فإن تناولها دراميا جاء في إطار تبسيطي، يختزلها في صراع بين “طرف مظلوم” وآخر “متسبب”، دون تقديم رؤية تحليلية تشرح تعقيدات المنظومة القانونية أو تطرح بدائل إصلاحية.
ولعل الأكثر إشكالية في هذه الأعمال أنها لم تسعَ إلى تقديم حلول أو حتى فتح أفق للنقاش المجتمعي حول آليات الحد من الظاهرة، مثل دور الإرشاد الأسري، أو أهمية التأهيل قبل الزواج، أو حتى تطوير التشريعات المنظمة للعلاقة بعد الطلاق.
وبدلا من ذلك، تم الاكتفاء بإعادة إنتاج الأزمة في قالب درامي قابل للاستهلاك، دون توظيفها كمدخل للتوعية أو التغيير، كما أن الاعتماد على المعالجة الكوميدية في بعض الأعمال أسهم في تقزيم الأزمة، حيث تم تحويل مواقف الطلاق وما يرتبط بها من نزاعات إلى مشاهد ساخرة، وهو ما يخلق حالة من “التطبيع” مع الظاهرة، ويقلل من إدراك خطورتها وتداعياتها بعيدة المدى، خاصة في مجتمع لا تزال الأسرة فيه تمثل وحدة مركزية للاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن دراما رمضان 2026 لم تنجح في أداء دورها التفسيري أو التوعوي تجاه ظاهرة الطلاق، بل اكتفت بوظيفة عرضية تقوم على السرد السطحي للأحداث، دون الغوص في الجذور البنيوية للأزمة أو المساهمة في بلورة رؤى نقدية أو حلول عملية، وهو ما يضع صناع الدراما أمام مسؤولية مضاعفة تتجاوز حدود الترفيه، لتشمل الإسهام في تشكيل وعي مجتمعي أكثر إدراكا لتعقيدات قضايا الأحوال الشخصية، وأكثر قدرة على التعامل معها بوعي ومسؤولية.
المحور الثالث: المرأة بين دعاوى التمكين وحدود الدراما:
شهدت الدراما العربية، والمصرية على وجه الخصوص، خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في حضور القضايا المرتبطة بالمرأة، في ظل تصاعد الخطاب العام حول التمكين والمساواة الجندرية، وهو ما رصده التقرير الختامي للجنة الرصد الإعلامي بالمجلس القومي للمرأة 2026، حيث أكد وجود تحول إيجابي في بعض الأعمال التي سعت لتوظيف الدراما كمنصة للتوعية المجتمعية، ومن ثم برزت محاولات جادة لطرح قضايا شائكة مثل العنف الأسري والابتزاز الإلكتروني والإدمان، وقد تجلى ذلك في تقديم نماذج نسائية اتسمت بالقدرة على المواجهة والصمود وتحقيق الذات[10].
غير أن هذا الحضور الكثيف لا يعني بالضرورة تطورا نوعيا في كيفية تمثيل المرأة داخل السرد الدرامي، إذ تكشف القراءة النقدية عن فجوة واضحة بين ما ترفعه الأعمال من شعارات، وما تعيد إنتاجه فعليا من أنماط تقليدية.
وفي هذا السياق، يصبح تحليل تمثيلات المرأة مدخلا كاشفا لفهم طبيعة الخطاب الدرامي المعاصر، وحدود قدرته على مقاربة قضايا الجندر بشكل معمق، يتجاوز السطح إلى البنية.
وإذا تطرقنا إلى تحليل نموذجين في دراما رمضان 2026 مثل مسلسل “الست موناليزا” ومسلسل “نون النسوة”، نجد أن قضايا المرأة برزت من خلال صراعات داخلية وخارجية، عكست في ظاهرها سعيًا لتقديم نماذج نسائية أكثر استقلالًا وفاعلية، إلا أن هذه الأعمال وقعت في ازدواجية واضحة بين خطاب التمكين وإعادة إنتاج الصور النمطية، حيث تم تقديم المرأة بوصفها فاعلا قادرا على اتخاذ القرار، لكن داخل أطر سردية تقليدية تعيد توجيه هذا الفعل وتقيده.
فبينما سعت هذه الأعمال إلى إبراز قوة الشخصية النسائية، اعتمدت في الوقت ذاته على الصراع النسائي بوصفه محركا أساسيا للأحداث، خاصة في صورته التقليدية القائمة على الغيرة أو التنافس العاطفي أو المهني بين النساء.
وهذا النمط من الصراع، رغم جاذبيته الدرامية، يسهم في تقليص عمق الطرح، إذ يحول قضايا المرأة من إشكاليات اجتماعية مركبة إلى مواجهات فردية متكررة، تعاد صياغتها في كل عمل تقريبا دون إضافة نوعية.
ورغم حضور خطاب التمكين، إلا أن العديد من هذه الأعمال أعادت إنتاج الصور النمطية للمرأة، سواء في صورة “المرأة القوية الاستثنائية” التي تنجح رغم كل شيء، أو “المرأة الضحية” التي تدور في دائرة القهر والمعاناة، او المرأة المستغلة لنفوذ الرجل، وهذه الثلاثية لا تعكس الواقع بتعقيداته، بل تبسطه في نماذج جاهزة، تتجاهل التنوع الكبير في تجارب النساء واختلاف مواقعهن الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما رصده تقرير القومي للمرأة الذى أكد استمرار “تقديم صور نمطية تعكس المرأة في سياق درامي يصورها كعنصر مساهم في تفكيك العلاقات الأسرية أو تأجيج الصراعات الاجتماعية و يعيد إنتاج أنماط تقليدية تعتبر المرأة مصدرًا للمكر أو الدسائس”.
كما أشار التقرير إلى “وقوع الدراما في فخ اختزال أدوار المرأة في البعد العاطفي وتكريس صور النزاع الأسري النسائي، مما يحد من فاعلية الشخصية النسائية داخل البناء الدرامي ويعيق وصول رسائل التمكين الحقيقية، الأمر الذى يعكس استمرار حضور الرموز الثقافية القديمة داخل الخطاب الدرامي المعاصر”[11].
ومن منظور بحثي، يمكن القول إن المشكلة لا تكمن فقط في طبيعة الشخصيات، بل في الإطار البنيوي الذي تبنى داخله هذه الشخصيات، فالدراما -في كثير من الأحيان- تفصل قضايا المرأة عن سياقاتها الأوسع، فلا يتم ربط معاناة المرأة مثلا بظروف العمل، أو التمييز في الفرص، أو الضغوط الاقتصادية، أو أنماط التنشئة الاجتماعية.
وبدلا من ذلك، يتم اختزال الصراع الجندري في علاقات شخصية بين الرجل والمرأة، أو بين النساء أنفسهن، دون مساءلة البنية الثقافية التي تنتج هذا الصراع، كما يلاحظ أن هذه الأعمال لا تعنى بتقديم حلول أو حتى طرح أسئلة جادة حول سبل تجاوز الإشكاليات المطروحة، مثل تعزيز الشراكة داخل الأسرة، أو دعم استقلال المرأة اقتصاديا، أو مواجهة التمييز المؤسسي، بل تكتفي بإعادة عرض الأزمة في قالب درامي مشوق، يخضع في كثير من الأحيان لمنطق السوق ومتطلبات الجذب الجماهيري ورفع نسب المشاهدة، ما يؤدي إلى “تسليع” القضية بدلا من تفكيكها.
وفي هذا الإطار، يصبح وصف أحوال المرأة في الدراما انعكاسا لتوازن معقد بين الرغبة في مواكبة الخطاب الحداثي، والالتزام بقوالب تقليدية تضمن الانتشار والقبول، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريًا حول مدى قدرة الدراما على تجاوز هذا التناقض، والانتقال من مجرد تمثيل قضايا المرأة إلى الإسهام الحقيقي في فهمها وإعادة صياغتها داخل الوعي المجتمعي.
وعليه، فإن تناول قضايا المرأة في الدراما المصرية مازال يتطلب إعادة التفكير في كيفية بناء الشخصيات النسائية، بحيث تقدم بوصفها كيانات متعددة الأبعاد، تتحرك داخل سياقات اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة، مع تجاوز الصراعات النمطية نحو طرح أكثر عمقا يعكس تعقيد الواقع، ويسهم في إنتاج خطاب درامي أكثر توازنا ومسؤولية.
المحور الرابع: دراما الجريمة وغياب تفسير القضايا الاجتماعية:
يمثل الاتجاه نحو استلهام الجرائم الواقعية في دراما رمضان 2026 تطورا لافتًا في بنية السرد الدرامي، حيث تسعى الأعمال إلى ملامسة قضايا تمس الأمن المجتمعي والوجدان العام، ويعد مسلسل “حكاية نرجس” نموذجا بارزًا في هذا السياق، إذ تناول قضية خطف الأطفال بطرح درامي مكثف، نجح في تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، مدعوما بأداء تمثيلي قوي وبناء تشويقي حافظ على تفاعل الجمهور طوال الحلقات.
وقد تمكن العمل من خلق نسبة مشاهدة واسعة، من خلال التركيز على البعد الإنساني، خاصة معاناة الضحايا وأسرهم، وهو ما يحسب له على مستوى التأثير العاطفي والقدرة على نقل الإحساس بالخطر الذي تمثله هذه الجرائم.
إلا أن هذا التميز الفني والجماهيري لم يصاحبه بالقدر ذاته عمق في تفكيك الظاهرة محل التناول، فقد ركزت المعالجة بشكل أساسي على لحظة الجريمة وتداعياتها المباشرة ودراما الحدث مقابل دراما الظاهرة، دون التوسع في تحليل السياقات الاجتماعية والمؤسسية التي تسهم في إنتاج مثل هذه الجرائم، فجرائم خطف الأطفال، على سبيل المثال، ترتبط في كثير من الأحيان بعوامل مركبة تشمل شبكات الجريمة المنظمة، والضغوط الاقتصادية، وثغرات في آليات الحماية المجتمعية، وهي أبعاد لم تحظ بحضور كاف داخل البناء الدرامي.
وينطبق هذا النمط -بدرجات متفاوتة- على عدد من الأعمال الأخرى في الموسم، التي نجحت في تقديم محتوى مشوق وجاذب، لكنها اكتفت بمعالجة الجريمة كحدث درامي قائم بذاته، دون الانتقال إلى مستوى “تحليل الظاهرة”، وهو ما يعكس هيمنة منطق الإثارة على حساب التفسير، حيث يتم توظيف القضايا الواقعية لتعزيز الحبكة، لا لفتح نقاش مجتمعي معمق حول أسبابها وسبل معالجتها.
وفي ضوء نظرية “الغرس الثقافي” التي طرحها الباحث الأمريكي George Gerbner، لا يمكن النظر إلى دراما الجريمة بوصفها مجرد انعكاس للواقع، بل كفاعل في تشكيله إدراكيا، حيث تؤكد النظرية أن التعرض التراكمي للمحتوى الإعلامي يسهم في بناء تصورات الجمهور عن العالم الاجتماعي، وعندما تركز هذه الأعمال على الجريمة في بعدها الصادم والإنساني فقط، فإنها تنتج صورة ذهنية مبتورة، قد تكون بعيدة عن الواقع الفعلي، وتسهم في ترسيخ فهم اختزالي للظاهرة، قائم على الحدث لا على أسبابه البنيوية، ومن ثم، فإن تكرار هذا النمط من المعالجة لا يكتفي بإغفال التفسير، بل يعيد تشكيل وعي الجمهور بطريقة تغيب التعقيد الحقيقي للجريمة[12].
وعليه، يمكن القول إن دراما الجريمة في موسم 2026 حققت معادلة جزئية، جمعت بين الجاذبية الجماهيرية والكفاءة الفنية من جهة، لكنها لم تكتمل على مستوى العمق التفسيري من جهة أخرى، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير هذا النوع من الدراما، بحيث لا يكتفي بإثارة الانتباه، بل يسهم أيضا في تفكيك الظواهر، وطرح مقاربات أكثر شمولا تساعد على فهمها والحد من تكرارها.
المحور الخامس: “الرأسمالية العائلية” وانشطار الروابط الإنسانية:
يُقدم مسلسل “أولاد الراعي” نموذجاً نقدياً كاشفاً لظاهرة “الرأسمالية العائلية”، حيث تتشابك صلات الدم بمصالح السوق في صراع وجودي حول النفوذ المالي والاجتماعي، فمن خلال تتبع مسار عائلة “الراعي” التي انتقلت من جذور اجتماعية بسيطة إلى “كارتيل” اقتصادي يهيمن على مقدرات الأسواق، يبرز العمل الأشقاء الثلاثة “راغب، موسى، نديم” ليس فقط كشخصيات درامية، بل كتمثيلات لطبقة اقتصادية صاعدة تسعى لتكريس “تغول النفوذ المالي”، وهنا تتجلى قدرة الثروة المتراكمة على منح هؤلاء الفاعلين سلطة تتجاوز حدود التجارة لتصل إلى “هندسة المشهد الاجتماعي”، والتحكم في مصائر الأفراد عبر صفقات كبرى توجه مسارات الاستثمار بما يخدم المصالح الضيقة لهذه النخبة المالية.
إن التركيز المكثف للعمل على الصفقات المشبوهة والمعاملات المالية المعقدة، وإن جاء في قالب درامي مشوق، إلا أنه يطرح إشكالية أعمق تتعلق بـ “تنميط الثراء”، حيث تتقاطع هذه المعالجة مع الطروحات العلمية التي حذر منها البحث السوسيولوجي حول دور الدراما في “تغيير النظم القيمية”، فوفقاً لدراسة الدكتورة سالي ماهر نصار، تمتلك الدراما قدرة فائقة على محاكاة الواقع وإعادة تعريف علاقاتنا الاجتماعية، إلا أن الإغراق في عرض مظاهر الترف الفاحش دون تفكيك جذوره الهيكلية يؤدي إلى “تآكل البناء الثقافي”، إذ يتقبل المشاهد التفاوت الطبقي كأمر واقع ومشوق، بدلاً من مساءلة الآليات التي أدت إلى هذا التراكم غير العادل للثروة[13].
وعلى الرغم من الضخ الإنتاجي الهائل، إلا أن استراتيجية السرد انتهجت مبدأ “استعراض النفوذ” كبديل عن “تفسير مصادره”، حيث أدى التوظيف المفرط للإثارة البصرية والتشويق البوليسي إلى تغييب “المنطق البنيوي” للثراء؛ حيث قدمت الصفقات المالية الكبرى كأفعال معزولة عن السياق الاقتصادي الكلي، مما كرس في وعي المتلقي رؤية “مبتسرة” للفوارق الطبقية، حيث لا تظهر الفجوة الاقتصادية هنا كناتج لخلل في توزيع الفرص أو علاقات الإنتاج، بل كـ “قدر فردي” أو نتيجة لصراعات شخصية محضة.
إن مكمن الخطورة في هذا التناول يتمثل في تصوير “انشطار الروابط الإنسانية” حتى بين ذوي القربى كأثر جانبي حتمي لصراع المصالح، دون المساءلة عن البنية التي جعلت من “القيم المادية” المحرك الأوحد للعلاقات البشرية، وبدلاً من أن تلعب الدراما دوراً تحليلياً يفكك الجذور الاجتماعية للثراء، اكتفت بدور “العارض” لمأساة عائلية ناتجة عن “تغول الرأسمالية”، مما حول الأزمة الطبقية من قضية عامة تستوجب التغيير إلى مجرد “استهلاك عاطفي” لمشاهد الثراء والصراع، وهو ما يسهم في نهاية المطاف في إعادة إنتاج “المنظومة الطبقية” بدلاً من نقدها.
المحور السادس: البطل الشعبي المعاصر وإشكالية العدالة الفردية:
يستدعي مسلسل “على كلاي”، الذي حظي بمشاهدة جماهيرية واسعة في موسم رمضان 2026، واحدًا من أكثر النماذج الدرامية رسوخًا في الوجدان الجمعي المصري، وهو نموذج “البطل الشعبي”، لكنه يقدمه وفق رؤية حداثية تحاول التوفيق بين جاذبية الكاريزما الفردية وانضباط الدولة القانونية.
ويبرز العمل كدراسة حالة لكيفية إعادة إنتاج “الفتوة” أو “الجدع” في سياق مدني معاصر، حيث لا يكتسب البطل شرعيته من مجرد القوة البدنية، بل من قدرته على تمثيل “الضمير الأخلاقي” الذي يتحرك تحت مظلة القانون لا فوقه.
ويتجاوز البطل الشعبي في هذا العمل النمط التقليدي الذي يعتمد على “ذراع البطل” لتحقيق العدالة، ليتحول إلى فاعل اجتماعي يمارس “الخلاص الفردي” عبر أدوات تبدو شرعية، تمنحه الدراما تفوقا ذهنيا وأخلاقيا يجعله المرجعية الأولى في حل النزاعات الأسرية والاجتماعية المعقدة.
هذا الانتقال من “البطل المتصادم مع السلطة” إلى “البطل المتناغم مع القانون” يعكس محاولة درامية لإعادة تعريف البطولة بوصفها عنصرا داعمًا للاستقرار، لا مهددا له، عبر مبادرات فردية تسد الفجوات الاجتماعية بروح من المسؤولية الأخلاقية.
غير أن هذا الطرح- رغم ما يبدو عليه من اتزان- يظل محل نقد فيما يتعلق بتبسيط بنية الصراع الاجتماعي، إذ أن الاعتماد المفرط على كفاءة البطل الفردية في حل مشكلات هيكلية، مثل الظلم الاجتماعي أو تعقيدات البيروقراطية، يكرس ما يمكن تسميته بـ”التواكل الدرامي”، حيث يعاد إنتاج تصور ذهني لدى المشاهد قائم على انتظار “المخلص الفردي” بدلًا من تعزيز الوعي الجماعي أو الحلول المؤسسية.
وتدعم الدراسات الإعلامية هذا الطرح، إذ تشير إلى وجود علاقة ارتباطية بين صورة البطل الشعبي في الدراما واتجاهات الجمهور نحوه، بما يعزز تأثيره في تشكيل التصورات والسلوكيات .[14]
كما أن المسلسل، على المستوى الفني، يقع في فخ “الفانتازيا غير الواقعية” عبر محاكاة نماذج درامية نمطية، حيث تتحول الأحداث إلى سلسلة من المواجهات التي تفتقر إلى منطق سردي متماسك، ويستبدل البناء الدرامي الرصين باستعراض بطولي يكرس صورة البطل الخارق.
وفي هذا السياق، يبرز اعتماد العمل المكثف على مشاهد العنف بوصفها محركا رئيسيا للأحداث، حيث تقدم المواجهات الجسدية والصراعات العنيفة باعتبارها أدوات مشروعة لاستعادة العدالة.
ولا يقتصر تأثير هذا الطرح على المستوى السردي، بل يمتد إلى تشكيل وعي المتلقي، حيث توضح الدراسات أن تكرار عرض نماذج البطل في الدراما يسهم في ترسيخ صورة ذهنية تدفع الجمهور إلى التعاطف معه والإعجاب بسلوكياته، بل وتقليدها أحيانًا كما أن الدراما، بوصفها من أكثر الوسائط تأثيرا، تلعب دورًا محوريا في بناء هذه الصور الذهنية وتكريسها داخل الوعي الجمعي، وهو ما يمنح مشاهد العنف بُعدًا يتجاوز الترفيه إلى التأثير الثقافي والسلوكي.[15]
وتزداد إشكالية هذا التوظيف حين يقترن بصورة البطل الشعبي الذي قد ينزلق -في بعض تمثلاته الدرامية- إلى ممارسات قائمة على القوة والبلطجة وفرض السيطرة، بما يعكس تحولات سلبية في تمثيل البطولة ذاتها، وهنا لا يقدم العنف كفعل إشكالي، بل يعاد إنتاجه في إطار من الشرعنة الرمزية، حيث يصبح أداة مقبولة بل وفعالة لتحقيق العدالة، طالما ارتبط بالبطل “الإيجابي”[16].
كما أن غياب الحبكة المتماسكة يؤدي إلى تفريغ العمل من ثقله كدراما اجتماعية، وتحويله إلى مجرد “استعراض بصري” لبطولات زائفة، وهو ما يكرس حالة من الانفصال عن الواقع، ويُضعف من قدرة الدراما على أداء وظيفتها التحليلية والنقدية.
وعليه، يمكن القول إن مسلسل “على كلاي” نجح ظاهريا في “أنسنة وقوننة” البطل الشعبي، لكنه في العمق أعاد إنتاج إشكالية “العدالة الفردية” مقرونة بترسيخ أنماط من العنف المبرَر دراميًا، وهو ما يطرح تساؤلا نقديا حول دور الدراما في إعادة تشكيل القيم: هل تسهم في تعزيز منطق الدولة والمؤسسات، أم تعيد إنتاج ثقافة “البطل المنقذ” الذي يحتكر الحقيقة والعدالة، حتى وإن كانت عبر أدوات تتكئ على القوة؟.
التوصيات:
وفي ضوء ما كشفت عنه الدراسة من تحولات في طبيعة المعالجة الدرامية، يمكن طرح مجموعة من التوصيات التي تستهدف تطوير الخطاب الدرامي وتعزيز دوره التفسيري والنقدي:
أولاً: ضرورة تعزيز العمق التحليلي في المعالجة الدرامية، من خلال الانتقال من سرد الحدث إلى تفكيك الظاهرة، بما يتيح تقديم القضايا الاجتماعية والسياسية في سياقاتها البنيوية الطبيعية، بدلا من اختزالها في صراعات فردية أو معالجات ميلودرامية سطحية.
ثانيًا: أهمية الحد من هيمنة منطق السوق والترند على صناعة الدراما، عبر تحقيق توازن بين الجاذبية الجماهيرية والمسؤولية المجتمعية، بحيث لا تتحول القضايا العامة إلى مجرد محتوى قابل للاستهلاك، بل إلى مدخل لتعزيز الوعي النقدي لدى الجمهور.
ثالثًا: ضرورة إعادة بناء نموذج البطل الدرامي، بما يتجاوز نمط “المخلص الفردي” نحو نماذج تعكس الفعل الجماعي، وتحد من ترسيخ ثقافة “العدالة الفردية” المرتبطة باستخدام القوة أو العنف كحل درامي.
رابعًا: العمل على ترشيد توظيف مشاهد العنف داخل السرد الدرامي، بحيث يتم تقديمها في إطار نقدي يبرز تداعياتها، بدلا من شرعنتها أو توظيفها كأداة جاذبة للإثارة، لما لذلك من تأثيرات محتملة على تشكيل الوعي والسلوك.
خامسًا: تطوير تمثيلات المرأة دراميًا عبر تقديم شخصيات متعددة الأبعاد تنطلق من سياقات اجتماعية واقتصادية حقيقية، مع تجاوز الصور النمطية والصراعات التقليدية، بما يعزز خطابًا أكثر توازنًا وواقعية حول قضايا الجندر.
سادسًا: تشجيع صُناع الدراما على الاستعانة بالمتخصصين في المجالات الاجتماعية والقانونية والسياسية أثناء كتابة الأعمال، لضمان دقة المعالجة وعمقها، وتفادي الوقوع في التبسيط أو التنميط.
سابعًا: دعم إنتاج أعمال درامية تسعى إلى فتح نقاشات مجتمعية حقيقية حول القضايا المطروحة، من خلال طرح تساؤلات نقدية وتقديم رؤى متعددة، بدلا من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطابات السائدة.
ثامنًا: تعزيز دور المؤسسات التنظيمية والنقدية في تقييم المحتوى الدرامي ليس فقط من حيث الالتزام المهني، بل أيضًا من حيث أثره الثقافي والقيمي، بما يسهم في الارتقاء بجودة الإنتاج الدرامي.
الخاتمة:
تكشف هذه الدراسة، من خلال تحليل دراما رمضان (1447 هـ- 2026م)، عن تحولات نوعية في طبيعة الخطاب الدرامي المصري، حيث لم تعد الدراما مجرد وسيط يعكس الواقع، بل أصبحت فاعلا مركزيًا في إعادة إنتاجه وصياغته وفق منطق السوق والتأثير السريع.
فعلى الرغم من التوسع الملحوظ في تناول القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية، فإن هذا الاتساع لم يقترن بعمق تحليلي موازي، بل اتجهت معظم الأعمال إلى تبسيط الظواهر المعقدة وإعادة تقديمها في قوالب درامية قابلة للاستهلاك الجماهيري.
وقد أظهرت الدراسة أن المعالجات الدرامية اتسمت بازدواجية واضحة، ففي القضايا السياسية، انحصرت المعالجة بين “أنسنة الصراع” و”أمننته”، بما أدى إلى تفريغها من سياقاتها الجيوسياسية المركبة، بينما في القضايا الاجتماعية، مثل الطلاق وتمثيلات المرأة، تم اختزال الإشكاليات البنيوية في صراعات فردية أو نماذج نمطية، الأمر الذي حدّ من القدرة التفسيرية للدراما.
أما في دراما الجريمة، فقد هيمنت الإثارة على حساب التحليل، في حين كشفت دراما الرأسمالية العائلية عن نزوع نحو “استعراض الثراء” بدل مساءلة آلياته، بما يعيد إنتاج التفاوت الطبقي في صورة درامية جذابة.
وفي سياق ذي شأن، أبرزت الدراسة أن صورة البطل الشعبي المعاصر، رغم ما شهدته من “أنسنة وقوننة”، لا تزال تعيد إنتاج منطق “العدالة الفردية”، مقرونة بترسيخ أنماط من العنف المبرر دراميًا، وهو ما يعكس استمرار هيمنة نموذج “البطل المنقذ” على حساب الفعل الجماعي والمؤسسي، ويؤكد ذلك ما تطرحه نظريتا الغرس الثقافي والتأطير الإعلامي، من أن التكرار والتكثيف السردي يسهمان في تشكيل تصورات الجمهور وإعادة بناء وعيه تجاه الواقع.
وعليه، يمكن القول إن دراما رمضان للعام الحالي وقفت عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تستمر في أداء دورها الوظيفي القائم على الجذب والتأثير السريع، أو أن تنتقل إلى مستوى أعمق من المعالجة النقدية التي تفكك الظواهر وتطرح بدائل تفسيرية تسهم في بناء وعي مجتمعي أكثر تعقيدًا ونضجًا.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الصناعة الدرامية والسياق المجتمعي، بما يحقق توازنًا بين متطلبات السوق ومسؤولية الخطاب الإعلامي في تشكيل القيم والمعاني داخل المجال العام.
[1] حيدر محمد الكعبي، “الدراما التلفزيونية وأثرها في المجتمع” صادر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في النجف الأشرف عام 2019م، ضمن سلسلة “الاختراق الثقافي” (العدد 8) ص 4، 8
رابط للاطلاع: https://iicss.iq/files/files/5bgay36.pdf
[2] تقرير لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام رمضان 2026، رابط للاطلاع: https://2h.ae/dutqo
[3] حيدر محمد الكعبي، نفس المصدر ص 7، 28
[4] مصدر سابق: “تقرير لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام رمضان 2026”
[5] حيدر محمد الكعبي، نفس المصدر، ص 4، 8، 12
[6] حيدر محمد الكعبي، نفس المصدر، ص 76، 88، 108
[7] مصدر سابق: تقرير لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام رمضان 2026
[8] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إحصاءات الزواج والطلاق (تقرير تحليلي)، إصدار نوفمبر 2025، رابط للاطلاع: https://2h.ae/WgmKW
[9] ليلي عبد الجواد، الطلاق المبكر بين الشباب: أبعاده وتداعياته، المركز القومي للبحوث الجنائية، رابط للاطلاع: https://2h.ae/QSXLH
[10] لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة، التقرير الختامي للجنة الرصد للأعمال المقدمة في شهر رمضان 2026، ص 3.
رابط للاطلاع: https://2h.ae/IARoj
[11] المصر السابق ص 13.
[12] نظرية الغرس الثقافي، ص2 – 5، رابط للاطلاع: https://2h.ae/xlijI
[13] د. سالي ماهر نصار، “الدراما التلفزيونية وتشكيل منظومة القيم المجتمعية”، المجلة العلمية لبحوث الإذاعة والتلفزيون، العدد 17، 2019، ص ص: 1، 2. رابط للاطلاع: https://2h.ae/zrhbr
[14] المجلة العلمية لكلية التربية النوعية، الصورة الإعلامية للبطل الشعبي في المسلسلات التليفزيونية المصرية وعلاقتها بالصورة الذهنية لدى الجمهور، العدد الثامن والعشرون، الجزء الأول، نوفمبر 2021، ص 973–974. رابط للاطلاع: https://2h.ae/NQslW
[15] المصدر السابق ص 973
[16] المصدر السابق 971- 974




