مليارات الرماد.. صمود غزة يهزم “غرفة الحرب الإعلامية” الصهيونية!
- اعترافات من نتنياهو وقادة الكيان بخسارة معركة الوعي الإعلامي رغم إنفاق مئات ملايين الدولارات
- برمجيات الذكاء الاصطناعي وجيوش المؤثرين تعجز عن غسل سمعة “إسرائيل” وتبييض جرائم الإبادة
- ميزانيات “الهسبارا” الضخمة تحولت إلى رماد أمام وعي الرأي العام العالمي وأشلاء الضحايا في غزة
- سفارات الاحتلال ترفع تقارير سوداوية لوزارة الخارجية حول الانهيار المتسارع للسردية “الإسرائيلية”
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
لم تعد مئات الملايين من الدولارات قادرة على حجب شمس الحقيقة التي أشرقت من بين ركام قطاع غزة؛ فبينما تحاول آلة الدعاية الصهيونية “البروباغندا” جاهدة غسل سمعة الاحتلال من دماء الإبادة الجماعية، تتداعى سرديتها التاريخية أمام وعي عالمي غير مسبوق.
هذا الفشل الذريع لم يعد مجرد تحليلات للمراقبين، بل بات اعترافاً صريحاً يتردد على لسان قادة الكيان ومؤسساته؛ حيث أكد رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، أن المنظمات اليهودية أنفقت ما يزيد على 600 مليون دولار منذ السابع من أكتوبر في الإعلانات التلفزيونية والصحفية والمؤتمرات تحت لافتة محاربة “معاداة السامية”، لكن كل هذه الأموال الضخمة لم تنجح في تغيير الواقع، بل إن المظاهرات المنددة بالاحتلال استمرت في وتيرة تصاعدية ملحوظة في مختلف عواصم العالم.
هذا التراجع الحاد في كسب الرأي العام أقر به أيضاً رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال مقابلته مع برنامج “60 دقيقة” الأمريكي، حين اعترف صراحة بأن “إسرائيل” خسرت “حرب الدعاية”.
وكشف نتنياهو عن مساعٍ إعلامية حثيثة لرصد 250 وسيلة إعلامية وتتبع 10 آلاف مادة يومياً، في محاولة يائسة لمحاصرة ما أسماه “الجهود المنظمة لتشوية صورة إسرائيل”، وهو ما بات يمثل تهديداً مباشراً لحرية التعبير على منصات التواصل الاجتماعي ومحاربة للمحتوى الرقمي بشتى الوسائل.
ميزانيات ضخمة وفاشلة
في إطار محاولاتها المستمرة لتجميل وجه الاحتلال القبيح، أطلقت “إسرائيل” عام 2025 ما يُعرف بـ “مشروع 545″، وهو حملة علاقات عامة واسعة النطاق على منصات التواصل الاجتماعي جرى رصد ميزانية لها بلغت 545 مليون شيكل (ما يعادل 145 مليون دولار)، إلا أن النتيجة كانت فشلاً مدوياً.
ومع حلول عام 2026، ضاعفت الخارجية “الإسرائيلية” ميزانية المشروع نفسه لتصل إلى 730 مليون دولار بهدف التوسع الرقمي، وجرى توقيع عقود ضخمة مع شركات ذكاء اصطناعي للرد الفوري التلقائي على أي اتهامات موجهة للاحتلال، ومحاولة التأثير الممنهج على مخرجات برمجيات الذكاء الاصطناعي وتغذيتها بروايات تخدم الكيان.
ولم تتوقف المحاولات عند هذا الحد، بل أطلق الاحتلال مشروعاً يحمل اسم “إستر” لتوظيف مئات المؤثرين برواتب شهرية ثابتة، شريطة التزامهم بنشر 25 مقطعاً تدوينياً مرئياً ومكتوباً بصفة دورية لتقديم صورة إيجابية ومزيفة عن “إسرائيل”.
وترافق ذلك مع تأسيس “غرفة حرب إعلامية” متطورة تهدف إلى مراقبة المحتوى العالمي والتحكم في السياق الاستباقي لتبرير الجرائم والرد الفوري على التفاعلات السلبية، وذلك في سياق منظومة “الهسبارا”؛ وهي آلة البروباغندا “الإسرائيلية” الموجهة للخارج التي تعمل كمنظومة علاقات عامة لتبرير السياسات والانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين تحت مزاعم “حق الدفاع عن النفس” و”مكافحة الإرهاب”.
أدوات الغسيل الإعلامي
تعتمد استراتيجية “الهسبارا” ــ والتي تعني بالعبرية الشرح أو التفسير ــ على أدوات متعددة لبناء سردية أخلاقية وقانونية مزيفة تدعم سياسات الاحتلال وتدير المواقف الدولية تجاه الصراع.
وتتنوع هذه الأدوات بين استخدام متحدثين رسميين يتقنون لغات مختلفة لتسويق الرواية “الإسرائيلية” عبر الشبكات الإخبارية العالمية مثل “سي إن إن” و”بي بي سي”، فضلاً عن توجيه الجيوش الإلكترونية المنظمة (الذباب الإلكتروني) للسيطرة على فضاء منصات التواصل الاجتماعي.
وعلاوة على الصعيد الرقمي، يبرز دور جماعات الضغط واللوبيات في البرلمانات الغربية، وفي مقدمتها منظمة “أيباك” في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمارس نفوذاً واسعاً لتوجيه السياسات الخارجية للدول.
كما ينظم الاحتلال رحلات مدفوعة التكاليف تحت عنوان “تجربة إسرائيل” لاستقطاب إعلاميين وساسة ونواب غربيين، إلى جانب استغلال الفنون والسينما ومهرجانات الموسيقى لتقديم “إسرائيل” كواحة “للتكنولوجيا والابتكار والتحضر”؛ وهي الصورة الوردية المصطنعة التي تحطمت كلياً في المهرجانات والمحافل الثقافية الأخيرة بفعل المقاطعة الدولية الغاضبة.
تقارير الدبلوماسية المتشائمة
أمام هذا التآكل المتسارع، تعيش الدبلوماسية “الإسرائيلية” حالة من القلق البالغ؛ إذ كشفت الصحف العبرية أن سفارات “إسرائيل” حول العالم تواصل إرسال تقارير متشائمة وسوداوية إلى وزارة الخارجية في تل أبيب، تُحذر فيها من تدهور غير مسبوق في شعبية الكيان وانتكاس روايته الرسمية، حتى في العواصم التي كانت تصنف تاريخياً كحليف استراتيجي وصديق دائم للاحتلال.
هذا الوضع المأزوم دفع وزير الخارجية، غدعون ساعر، للتقدم بمشروع عاجل للحكومة لإنشاء قسم جديد تحت اسم “قسم الدبلوماسية العامة”، بهدف دمج الجهود السياسية والإعلامية في الساحة الدولية وتخصيص نصف مليار شيكل في الميزانية لهذا الهدف وحده.
وتسعى هذه الدبلوماسية المستحدثة إلى التركيز على توظيف المدونين وصناع المحتوى الرقمي وخبراء الاتصال لمواجهة ما تسميه “حرب الوعي”، والحد من تزايد رقعة التضامن مع القضية الفلسطينية، وبخاصة في الجامعات الأمريكية المشتعلة. ووفقاً لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، فقد خصصت حكومة نتنياهو 150 مليون دولار إضافية لتمويل حملات الشرح؛ وهو مبلغ ضخم يعادل 20 ضعفاً مما كان مخصصاً للأغراض ذاتها في السنوات السابقة، ورغم ذلك فإن التقارير العبرية والغربية تجمع على أن الخطاب “الإسرائيلي” فقد فعاليته وتأثيره بشكل كامل، وجاءت نتائجه عكسية تماماً.
انتصار الوعي الإنساني
على الجانب الآخر، تبرز المفارقة الصادمة لآلة الاحتلال؛ فالشعب الفلسطيني لم ينفق مليارات الدولارات أو يمتلك ماكينات بروباغندا عابرة للقارات لإيصال صوته، بل كان سلاحه الوحيد هو عدالة قضيته ونقل معاناته اليومية للعالم بكل عفوية وصدق.
لقد تحولت “إسرائيل” بممارساتها الفجّة وجرائمها الموثقة بصوت وصورة الضحايا إلى “أكبر مصنع لمعاداة السامية” في العالم، لأن الإصرار الصهيوني على ربط كل تصرفات الكيان باليهودية جعل الصهيونية الخطر الأكبر على اليهود أنفسهم.
إن دماء أطفال غزة ومشاهد الدمار والمجاعة المروعة التي تدفقت يومياً عبر الشاشات وهواتف الناشطين كانت أقوى من كل خوارزميات الذكاء الاصطناعي وجماعات الضغط؛ فالحرب لم تكن سوى الشرارة التي فتحت عيون البشرية على حقيقة الاحتلال.
واليوم، يتأكد للعالم أجمع أن توقف العمليات العسكرية لا يعني بحال من الأحوال نهاية الصراع أو طمس المأساة، وأن السرديات المصطنعة بالمال والترهيب لا يمكنها الصمود أمام أصالة الحق، ليبقى الحل الوحيد لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية هو زوال الاحتلال وعودة الأرض لأصحابها الشرعيين، مهما بلغت ميزانيات التزييف.




