ترجمات

“فورين أفيرز”: حرب إيران كتبت نعي “محور أبراهام” التطبيعي

  • حرب 2026 تبدد الوهم السياسي لـ “محور أبراهام” وتكشف تباعداً استراتيجياً عميقاً بين “إسرائيل” ودول الخليج
  • سقوط رهانات دمج “إسرائيل” إقليمياً بعد رفض الخليج للهيمنة العسكرية واختياره استراتيجية أمنية متعددة الأقطاب
  • انقسام خليجي وإعادة تقييم لمسار التطبيع إثر التهديدات الإيرانية وحرب الإبادة في غزة وتصاعد الانتهاكات “الإسرائيلية”

“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:

كشف تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، أن ما يُعرف بـ “محور أبراهام” —الذي نشأ في أعقاب اتفاقيات التطبيع بين “إسرائيل” ودول خليجية— يواجه انهياراً وتحديات بنيوية عميقة، في ظل تباين متزايد في الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين بشأن شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

ويرى الباحث “إتش إيه هيليير”، في التحليل الذي أعده للمجلة، أن المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران و”إسرائيل” كشفت أن المصالح الخليجية و”الإسرائيلية” لا تتطابق بالضرورة كما كان يُعتقد سابقاً، موضحا أن الحرب الأخيرة بددت “وهماً سياسياً” استمر الترويج له لسنوات، متمثلاً في وجود “محور عربي – إسرائيلي” متماسك ومستعد لخوض مواجهة مشتركة ضد طهران.

وأكد التحليل أن “اتفاقات أبراهام” لم تؤسس لتحالف استراتيجي حقيقي، بل أنشأت شبكة مصالح اقتصادية وأمنية محدودة، كانت قابلة للاستمرار فقط في ظروف الاستقرار النسبي؛ ومع اقتراب خطر الحرب الشاملة، برزت التناقضات العميقة بين الجانبين.

ضربة للمحور

أوضح تحليل مجلة “فورين أفيرز”، الذي جاء تحت عنوان نهاية محور أبراهام”، أن فكرة تأسيس “تحالف عسكري عربي-إسرائيلي ضد طهران” تلقت ضربة قاصمة في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران عام 2026.

وأشار إلى أن هذا المحور بدأ يتفكك كمشروع جيوسياسي موحد، بعدما تبين جلياً أن المصالح الخليجية تختلف جذرياً في نهايتها عن الحسابات الأمنية “الإسرائيلية”.

ووفقاً للتحليل، فإن التراجع الخليجي ينطلق من قناعة متزايدة بأن السعي نحو “الهيمنة الإسرائيلية” لا يقل خطورة عن الطموحات الإيرانية —التي كانت تاريخياً دافعاً للتقارب العسكري والأمني مع واشنطن— وهو ما جعل مسار “التطبيع” أقل قابلية للتسويق السياسي، وأكثر حساسية على المستوى الداخلي.

وبناءً على ذلك، يرى الكاتب أن النظام الإقليمي الذي رعته الولايات المتحدة، والمتمحور حول دمج “إسرائيل” عبر “اتفاقيات أبراهام”، قد واجه الفشل؛ بل إن هذا المحور عرّض دول الخليج لردود فعل انتقامية شديدة، وأثبت أن التكامل الأمني مع تل أبيب يضاعف المخاطر بدل أن يحد منها، مما يجعل الاستمرار في المسار السابق أمراً غير قابل للاستدامة.

واستعرض التقرير الجذور الاستراتيجية للمشروع، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة بنت سياستها الإقليمية لسنوات على ادعاء مفاده أن الأمن “الإسرائيلي” والخليجي متكاملان، وأن التطبيع يحقق الاستقرار، وهو ما دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب، في دورتها السابقة، إلى رعاية “اتفاقيات أبراهام” مع أربع دول عربية هي: الإمارات، والبحرين، والمغرب، والسودان.

غير أن المواجهة الأخيرة مع إيران كشفت أن تطلعات “إسرائيل” الإقليمية تضع الخليج في مرمى الخطر، وأظهرت أن الفجوة بين رؤية رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو لـ “شرق أوسط مُعاد تشكيله” وتطلعات الدول العربية أوسع من أن تُردم.

وخلص التحليل إلى أن ما تنشده دول الخليج اليوم هو نظام أمني إقليمي يُراعي مصالحها السيادية وفقاً لشروطها الخاصة، وليس كأداة لخدمة طموحات “إسرائيل” أو مواجهة إيران، مؤكداً أن الحرب الحالية صاغت بالفعل رصاصة الرحمة على محور “اتفاقيات أبراهام”

وهم سياسي

ويرى الكاتب أن المواجهة العسكرية الأخيرة كشفت عن “وهم سياسي” استمر الترويج له لسنوات، تمثّل في وجود محور عربي-إسرائيلي متماسك ومستعد لخوض مواجهة مشتركة ضد طهران؛ مؤكداً أن عواصم الخليج باتت ترفض علناً الافتراض الأمريكي “الإسرائيلي” بإمكانية دمجها في هيكل أمني إقليمي يقوم على الهيمنة “الإسرائيلية”.

ووفقاً للتقرير، فإن هذا الإطار الأمني المدعوم من واشنطن “انهار” عملياً في أعقاب الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” ضد إيران والرد الإيراني المقابل؛ إذ أثبت الصراع أن مسار التطبيع جعل دول الخليج عرضة لضربات انتقامية مباشرة ألحقت أضراراً جسيمة ببنيتها التحتية، وهو ما برهن على “جفاء وبطلان” الفرضية القائلة بأن الخليج سيقبل بالهيمنة “الإسرائيلية” مقابل الحماية.

هذا التحول دفع العواصم الخليجية إلى تبني استراتيجية “متعددة المراكز” تسعى لتنويع الشراكات، بدلاً من الارتهان للمظلة الأمنية “الإسرائيلية.”.

ويُسلط التحليل الضوء على تضارب المصالح الجوهري كأبرز ما كشفته الحرب؛ ففي الوقت الذي تبدو فيه “إسرائيل” مستعدة لشن ضربات استباقية للحفاظ على تفوقها الإقليمي دون مبالاة بالأضرار الجانبية التي تلحق بجيرانها، رفضت دول الخليج الانخراط في الحرب وفق الأجندة “الإسرائيلية”، ومنحت الأولوية القصوى للاستقرار الاقتصادي، والتجارة، وخفض التصعيد، ناظرةً إلى السلوك العسكري “الإسرائيلي” كتهديد مباشر لسيادتها وأمنها، لا يقل خطورة عن التهديدات الأخرى.

وفي هذا السياق، يبين التقرير أن عواصم الخليج —حتى تلك التي كانت مستعدة لتطبيع علاقاتها— لم تتبنَّ يوماً فكرة دعم الهيمنة “الإسرائيلية”، يضاف إلى ذلك أن العلاقات كانت متوترة بالفعل جراء الحرب “الإسرائيلية” على غزة في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023، وما خلفته من حصار وممارسات أدت لمقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني، بالتوازي مع مساعي ضم الضفة الغربية، واستهداف لبنان وسوريا.

وجاء الانتهاك “الإسرائيلي” الصارخ للسيادة القطرية في سبتمبر 2025، عبر شن غارات على مقر في الدوحة لغرض اغتيال قادة من حركة حماس كانوا يشاركون في مفاوضات برعاية أمريكية، ليعمق الفجوة ويزيل الشكوك.

وبناءً على ذلك، شكلت المواجهة مع إيران الدليل الأوضح لقادة الخليج على عدم توافق مصالحهم مع تل أبيب، خصوصاً مع تنامي القناعة بأن “إسرائيل” هي من أقنعت إدارة ترامب بمهاجمة إيران في 28 فبراير، مما أجبر دول المنطقة على دفع ثمن حرب لا ترغب فيها.

ويخلص المقال إلى أن “محور أبراهام” قد انتهى فعلياً بصيغته القديمة، نظراً لأن قادة الخليج يتجهون اليوم نحو نموذج أمني “متعدد الأقطاب” يُعلي مصالحهم الوطنية.

ومع ذلك، يوضح أن نهاية هذا المحور لا تعني بالضرورة إلغاء الاتفاقيات رسمياً، بل تراجع زخمها وسقوط أبعادها الاستراتيجية، لتحولها من مشروع تحالف إقليمي طموح لإعادة تشكيل المنطقة، إلى مجرد علاقات براغماتية باردة ومحدودة، تحكمها الحسابات الثنائية والاقتصادية الدقيقة، في ظل غياب أي تقدم حقيقي في القضية الفلسطينية وتغير الأولويات نحو الاستقرار الداخلي.

خلافات المُطبعين

تعرض المقال أيضا للمواقف المتباينة لدول مجلس التعاون الخليجي من “إسرائيل”؛ فبينما سارعت دولة الإمارات إلى التطبيع وتوقيع الاتفاق متجاهلةً المطلب العربي والشروط المسبقة التي تجسدت في مبادرة السلام العربية عام 2002 —والتي ربطت أي تقارب بإنهاء الاحتلال “الإسرائيلي” وإقامة دولة فلسطينة— رفضت دول أخرى، وفي مقدمتها السعودية، أي تقارب قبل تحقيق هذا الشرط، على الرغم من الضغوط والمحاولات الحثيثة التي بذلتها الولايات المتحدة مع المملكة.

ووفقاً للتحليل، فقد أجبرت الحرب الأخيرة دول الخليج على الانقسام إلى معسكرات تتمايز بناءً على مدى قدرتها على تحمل المخاطر؛ حيث حافظت سلطنة عُمان على حيادها التام داعيةً إلى ضبط النفس من الأطراف كافة.

وفي المقابل، تقاربت الإمارات والبحرين أكثر من الولايات المتحدة و”إسرائيل” لشعورهما بأن القنوات الدبلوماسية مع طهران لم تنجح في منع الهجمات.

أما السعودية وقطر والكويت، فقد انتهجت مساراً وسطاً سعى لحماية مصالحها الوطنية دون التوافق التام مع الأهداف العسكرية “الإسرائيلية”.

وجاء هذا التمايز بعد أن ضربت إيران المطارات والموانئ ومنشآت النفط ومحطات تحلية المياه في دول الخليج، فضلاً عن إغلاقها مضيق هرمز، وبدلاً من الارتهان الكلي لاتفاقيات أبراهام والتكامل العسكري بين واشنطن وتل أبيب، اندفعت دول الخليج نحو بناء شراكات أمنية مستقلة ومتنوعة لإدارة المخاطر، عوضاً عن العمل ككتلة موحدة ضد إيران.

وخلص المقال إلى أن حرب الإبادة الجماعية في غزة كان لها أثر في كبح رغبة دول خليجية أخرى في الانضمام إلى مسار التطبيع، إلا أنه لم يدفع الدول التي وقعت بالفعل —مثل الإمارات والبحرين— إلى التراجع عن قرارها، لينتهي الأمر بالمحور إلى حالة من التجميد الاستراتيجي والبراغماتية المحدودة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقراءة التقرير من المصدر اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى