هل يقضي الذكاء الاصطناعي على الصحافة التقليدية؟
- معهد رويترز للصحافة: تزايد اعتماد الجمهور على الذكاء الاصطناعي كرافد للأخبار بدلا من المصادر الحقيقية
- كيف تحافظ المؤسسات الإعلامية التقليدية على مواقعها بعد توسع الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار؟
- فجوة جيلية واضحة بين الشباب وكبار السن تقود مستويات تقبل إنتاج المحتوى الصحفي الآلي بالكامل
- محاولات متزايدة لتجاوز الجدران المدفوعة والوصول للمواد المحجوبة رغم القيود المتعلقة بالملكية الفكرية
“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:
يطرح الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي تساؤلات متزايدة حول مستقبل الصحافة التقليدية، في ظل تحوله إلى مصدر يلجأ إليه الجمهور للحصول على الأخبار والمعلومات، وما يرافق ذلك من تغير في أنماط استهلاك المحتوى وتراجع محتمل في دور المواقع الإخبارية.
ويرصد تقرير “الذكاء الاصطناعي التوليدي والأخبار 2026″، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجامعة أكسفورد، مفارقة لافتة بين تنامي اعتماد الجمهور على هذه الأدوات وتحفظه على استخدامها في إنتاج الأخبار، مؤكداً استمرار الثقة بالصحفي البشري، ومسلطاً الضوء على التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية للحفاظ على جمهورها ومصداقيتها في عصر الذكاء الاصطناعي.
كشف التقرير عن تحول متسارع في علاقة الجمهور بالذكاء الاصطناعي، وانتقاله من مجرد أدوات مستقلة يستخدمها الأفراد إلى بنية معلوماتية مدمجة في محركات البحث والهواتف ومنصات التواصل والمؤسسات الإعلامية.
وأظهرت نتائج التقرير مفارقة أساسية، هي أن الجمهور لا يزال متحفظًا تجاه استخدامه في إنتاج الأخبار، خصوصًا عندما يتولى إنتاج المحتوى الصحفي بالكامل دون إشراف بشري، بينما يتزايد اعتماد الجمهور نفسه على الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات والإجابات.
استند التقرير، الذي نشر يوم 29 أكتوبر 2026، إلى استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» لصالح معهد رويترز، خلال الفترة من 14 أغسطس/آب إلى 28 سبتمبر/أيلول 2026، وشمل تسع دول هي: الأرجنتين وأستراليا والدنمارك وفنلندا وفرنسا واليابان والنرويج وبريطانيا والولايات المتحدة.
وبلغ حجم العينة نحو ألفي مشارك في كل دولة، مع استخدام بيانات ست دول لإجراء المقارنات الزمنية بين أعوام 2024 و2025 و2026.
وأوضحت النتائج أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أسبوعيًا ارتفع في الدول الست التي شملتها المقارنة من 34% في 2025 إلى 51% في 2026، فيما تضاعف الاستخدام اليومي تقريبًا خلال عام واحد، ليصل إلى 28%.
كما سجل التقرير تفاوتًا في الاستخدام وفقًا للعمر والدخل والتعليم وطبيعة العمل؛ إذ ترتفع معدلات الاستخدام بين الشباب وأصحاب الدخول المرتفعة والمستويات التعليمية الأعلى، وكذلك العاملين في المهن المتخصصة.
وبلغت نسبة الاستخدام الأسبوعي 64% بين أصحاب الوظائف المهنية المتخصصة، مقابل 52% بين العاملين في الوظائف الإدارية والمساندة، و45% بين أصحاب المهن الأساسية.
ويرصد التقرير أن المستخدمين المنتظمين باتوا يستعينون في المتوسط بأداتين مختلفتين، بما يعكس اتساع المنافسة وعدم اقتصار الاستخدام على منصة واحدة.
من الحصول على المعلومات إلى التفسير واتخاذ قرارات
من أبرز التحولات التي يرصدها التقرير انتقال استخدام الذكاء الاصطناعي من إنشاء الصور والنصوص إلى البحث عن المعلومات وتفسيرها، إذ ارتفعت نسبة من استخدموه للحصول على معلومات خلال الأسبوع السابق للاستطلاع من 11% عام 2024 إلى 24% عام 2025، ثم إلى 38% في 2026، وبذلك أصبح الحصول على المعلومات الاستخدام الأكثر انتشارًا، متقدمًا على إنشاء المحتوى الإعلامي الذي بلغت نسبته 31%.
أما أبرز الاستخدامات المعلوماتية فجاءت كالتالي: البحث في موضوع معين 24%، وطلب النصائح 20%، والإجابة عن أسئلة واقعية ومعلوماتية 18%، والحصول على توصيات 15%، وتوليد أفكار جديدة 14%، وتلخيص النصوص 13%، والحصول على الدعم والمساعدة 13%.
ويفسر التقرير هذا التحول بأن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد وسيلة لاسترجاع المعلومات، بل أصبحت وسيطًا يساعد المستخدمين على فهمها وتفسيرها واتخاذ قرارات بناءً عليها.
ولم يكن الاعتقاد بأنه يقدم معلومات أكثر موثوقية هو السبب الرئيسي وراء لجوء الجمهور إليه، بل جاءت سهولة الاستخدام وسرعة الحصول على الإجابات في المقدمة، حيث أكد 64% من المستخدمين أنه يوفر إجابات أسرع وأسهل، و56% يفضلونه بسبب إمكانية التفاعل وطرح الأسئلة بلغة طبيعية، و54% ينجذبون إلى قدرته على جمع كميات كبيرة من المعلومات، و21% فقط قالوا إنهم يستخدمونه لأن معلوماته أكثر موثوقية من المصادر الأخرى.
وتكشف هذه النتائج أن الجمهور قد يفضّل إجابة سريعة ومباشرة، حتى إذا لم تكن بالضرورة أكثر دقة أو موثوقية من المعلومات المتاحة في المصادر الصحفية المتخصصة.
هل يسحب الذكاء الاصطناعي جمهور المواقع الإخبارية؟
تظهر إحدى النتائج أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي بدأ يرتبط بتراجع استخدام بعض مصادر المعلومات التقليدية، مثل محركات البحث والمواقع والتطبيقات الإخبارية التي شهدت انخفاضًا قدره 3 نقاط مئوية، في حين ارتفع استخدام منصات التواصل الاجتماعي بصورة بلغت 3 نقاط.
ويربط التقرير هذه النتائج بما يحدث في حركة الزيارات إلى المواقع الإخبارية، مستشهدًا ببيانات شركة «تشارت بيت» التي أظهرت انخفاض الإحالات القادمة من بحث جوجل إلى أكثر من 2500 موقع إخباري بنحو الثلث بين نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ولا يجزم التقرير بأن الذكاء الاصطناعي هو السبب المباشر لهذا التراجع، لكنه يطرح احتمالين: انتقال بعض المستخدمين من محركات البحث إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، وظهور الملخصات الذكية داخل محركات البحث بما يقلل حاجة المستخدم إلى الضغط على الروابط وزيارة المواقع الأصلية، وهذا يضع المؤسسات الصحفية أمام تحديات تتعلق بتراجع الزيارات، وصعوبة الوصول إلى الجمهور، وانخفاض فرص تحقيق الإيرادات من الإعلانات والاشتراكات.
فقد ارتفعت نسبة من استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار خلال الأسبوع السابق للاستطلاع من 3% عام 2024 إلى 6% عام 2025، ثم إلى 9% في 2026، في الدول الست التي شملتها المقارنة السنوية. وبلغ المتوسط في الدول التسع مجتمعة 8%.
أما بين الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار، فجاءت أبرز الاستخدامات كالتالي: 49% يطرحون أسئلة متابعة حول قصة إخبارية، و46% يستخدمونه للحصول على آخر الأخبار، و39% يستعينون به للعثور على مصدر إخباري.
أيضًا يستخدمه 38% لتلخيص قصة إخبارية، و35% يطلبون منه تبسيط قصة أو جعلها أسهل للفهم، و28% يستخدمونه لتقييم مصدر إخباري، و17% قالوا إنهم استخدموه لمحاولة تجاوز الجدران المدفوعة والوصول إلى مواد صحفية محجوبة، دون أن تثبت الدراسة نجاح هذه المحاولات، لأن الذكاء الاصطناعي يرفض البحث في المواقع المدفوعة نظرًا لحقوق الملكية.
وتكشف هذه الأرقام أن دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يمتد إلى تلخيصها وتفسيرها ومساعدة المستخدم على تقييم المصادر التي تنشرها.
هل يثق الجمهور في إجابات الذكاء الاصطناعي؟
رصد التقرير مستويات مرتفعة نسبيًا من الثقة بين الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل للحصول على المعلومات، فقد قال 75% ممن استخدموه للإجابة عن أسئلة واقعية إنهم يثقون في الإجابات، وبلغت النسبة 76% بين من استخدموه للحصول على نصائح، و72% بين مستخدميه للحصول على الأخبار.
لكن هذه النسب تخص المستخدمين الذين لجأوا إلى الأدوات في هذه المهام، ولا تعني أن 72% من إجمالي الجمهور يثقون في الأخبار التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
كما وجد التقرير أن المعرفة بقدرات الذكاء الاصطناعي وحدودها تؤثر في مستوى الثقة؛ فالأشخاص الأكثر وعيًا بحدود هذه التكنولوجيا يميلون إلى قدر أكبر من الحذر في استخدامها والاعتماد على إجاباتها.
وطرح التقرير سؤالًا حول توقعات الجمهور لتأثير استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات مختلفة، وكانت النتائج كاشفة عن تفاوت واضح في مستوى الثقة، فقد أبدى المشاركون تصديقًا وتفاؤلًا أكبر تجاه استخدامه من جانب العلماء والعاملين في القطاع الصحي وشركات الذكاء الاصطناعي، بينما اتسمت مواقفهم بالتشاؤم والتشكيك تجاه استخدامه من جانب الحكومات ووسائل التواصل الاجتماعي والسياسيين والأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية.
واللافت أن وسائل الإعلام جاءت ضمن القطاعات التي ينظر إليها الجمهور بتشكك، وهو ما يضع المؤسسات الصحفية أمام مشكلة مزدوجة: فهي تواجه منافسة أدوات الذكاء الاصطناعي على الجمهور، وفي الوقت نفسه تواجه تحفظات بشأن استخدامها لهذه الأدوات داخل غرف الأخبار.
كما أظهر التقرير أن المستخدمين اليوميين للذكاء الاصطناعي أكثر تفاؤلًا بتأثيره من الأشخاص الذين لم يستخدموه مطلقًا، بفارق متوسط بلغ 49 نقطة مئوية في ميزان التوقعات بين المجموعتين.
الجمهور لا يزال أكثر ثقة بالصحافة البشرية
من أبرز النتائج التي ينبغي أن تتوقف عندها المؤسسات الإعلامية، أنه رغم الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، لا يزال الجمهور يفضل أن يكون الصحفي البشري هو المسؤول الأساسي عن إنتاج الأخبار.
ووفقًا للتقرير، جاءت مستويات تقبل الجمهور لطرق إنتاج الأخبار كالتالي:

وتوضح الأرقام أن وجود إشراف بشري لا يلغي تحفظ الجمهور، إذ لا تتجاوز نسبة المتقبلين للأخبار المنتجة أساسًا بواسطة الذكاء الاصطناعي مع رقابة بشرية 19%، كما لم تتغير هذه المواقف كثيرًا منذ 2024، رغم القفزة الكبيرة في استخدام التكنولوجيا.
وهناك فروق عمرية تجاه هذا التحفظ، إذ بلغت نسبة تقبل إنتاج الأخبار بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي 22% بين الفئة العمرية من 18 إلى 24 عامًا، مقابل 7% فقط لدى من تجاوزوا 55 عامًا.
في الوقت نفسه، لا يرفض الجمهور جميع أشكال استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة بالدرجة نفسها، بل يختلف مستوى التقبل وفقًا لطبيعة المهمة، حيث يثبت التقرير أن الجمهور أكثر استعدادًا لقبول استخدامه في المهام المساندة، مثل الترجمة والتدقيق اللغوي والتحرير، مقارنة باستخدامه في إنتاج المحتوى أو تقديم الرأي والتحليل.
وعند السؤال عن إنتاج مواد إخبارية يكون الذكاء الاصطناعي مسؤولًا عن معظمها مع وجود إشراف بشري، بلغت نسب التقبل: 27% للأخبار العاجلة والتحديثات المباشرة، و26% للتقارير الصحفية، و26% للمواد الساخرة والترفيهية، و22% للتعليقات ومواد الرأي.
وتكشف هذه النتائج أن الجمهور يتحفظ بصورة أكبر تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الرأي والتعليق، وهي مهام ترتبط بالتفسير والحكم والتحليل، وليس مجرد نقل المعلومات.
هل يحقق الذكاء الاصطناعي الموثوقية والشفافية؟
يرصد التقرير مفارقة اقتصادية مهمة تتعلق بمستقبل المؤسسات الصحفية؛ إذ يرى الجمهور أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يجعل إنتاج الأخبار أقل تكلفة، لكنه في الوقت نفسه قد يقلل موثوقيتها وشفافيتها، فقد اعتقد 53% من المشاركين أن الذكاء الاصطناعي سيجعل إنتاج الأخبار أقل تكلفة، مقابل 14% رأوا أنه سيجعلها أكثر تكلفة.
وبذلك تواجه المؤسسات الإعلامية معادلة صعبة: استخدام التكنولوجيا لخفض التكاليف وتسريع الإنتاج، دون خسارة ثقة الجمهور أو تحويل الصحافة إلى محتوى آلي منخفض التكلفة.
ويشير التقرير إلى أن المؤسسات التي تريد كسب قبول الجمهور تحتاج إلى توضيح أسباب استخدام الذكاء الاصطناعي، وكيفية توظيفه، والفائدة التي سيحصل عليها القارئ، بدلًا من تقديمه باعتباره مجرد وسيلة لتقليل النفقات.
من هنا، يمكن استخلاص خمس نتائج رئيسية ترتبط بمدى تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاج الصحفي:
- تحول الذكاء الاصطناعي إلى بوابة معلوماتية: لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح وسيطًا بين المستخدم والمعلومات التي يبحث عنها.
- تهديد نموذج الزيارات والإعلانات: حصول المستخدم على إجابة مباشرة من الذكاء الاصطناعي أو ملخص داخل محرك البحث قد يقلل زيارات المواقع الإخبارية، ويضعف مصادر إيراداتها الرقمية.
- تغير دور الصحفي: يتجه العمل الصحفي إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الترجمة والتلخيص والبحث والمساعدة التحريرية، مع استمرار الحاجة إلى الصحفي في التحقق والتحليل واتخاذ القرار التحريري.
- الثقة أصبحت ميزة تنافسية: المؤسسات التي تستطيع إثبات شفافية استخدامها للذكاء الاصطناعي والإبقاء على الدور البشري في إنتاج الأخبار قد تكون أكثر قدرة على الحفاظ على جمهورها.
- الفجوة بين الاستخدام والقبول: الجمهور يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة، لكنه لا يريد بالضرورة أن تحل هذه الأدوات محل الصحفيين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقراءة التقرير من مصدره اضغط هنا




