المرصد

بوق الرواية الواحدة.. كيف يحصّن الإعلام الغربي “إسرائيل” من تهمة الإبادة؟

  • الحضور “الإسرائيلي” في التغطية الإعلامية الغربية يبلغ ثلاثة أضعاف الحضور الفلسطيني
  • قرابة 300 شهيد من صحفيي غزة دفعوا أرواحهم ثمنا للحقيقة إثر كشفهم التضليل الغربي
  • الحذر التحريري في استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” يتحول إلى غلاف لحجب الحقائق
  • تفاوت المعايير واللغة العاطفية يكرسان الانحياز ويحجّمان إدراك الجمهور لمعاناة الفلسطينيين
  • المنصات الرقمية تفكك احتكار الإعلام التقليدي وسط تحدي مخاطر اختفاء ملف غزة تدريجياً

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

لماذا يتوتر صحافيون في الغرب (وفي غير الغرب أيضاً)، أو شرائح واسعة منهم، حين يقول ضيفٌ على الهواء إن ما يجري في غزة “حرب إبادة”؟

كشفت التغطية الإعلامية للحرب على غزة عن أسئلة جوهرية بشأن حياد المؤسسات الغربية، وحدود استقلال غرف الأخبار أمام الضغوط السياسية، ومدى قدرة الصحفيين الفلسطينيين على كسر احتكار الرواية.

وفي حين تتزايد الدراسات التي ترصد تفاوتًا واضحًا في التغطية بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الجدل إلى مساءلة مهنية قائمة على الأدلة والمعايير التحريرية.

فقد تحول استخدام مصطلح “إبادة جماعية” في بعض الاستوديوهات الغربية إلى قضية تستدعي التحفظ والتوضيح والاعتراض، بينما تتراجع صور القتل والتجويع والدمار إلى خلفية النقاش.

وأصبح يُطلب من الضيف الفلسطيني – أو الداعم لفلسطين – تبرير المصطلح الذي يستخدمه، أو مطالبته بالإقرار بحق “إسرائيل” في الوجود والتذكير بضحايا “طوفان الأقصى”، بدلاً من مناقشة الوقائع الميدانية التي يستند إليها؛ مما يُظهر ثقافة تحريرية تمنح الرواية “الإسرائيلية” مساحة أوسع، وتتعامل مع الرواية الفلسطينية بشروط أكثر تشددًا.

تقع هذه الأسئلة في قلب القضية؛ ففي الوقت الذي لم يعد فيه الإعلام يكتفي بنقل الأحداث، بل يساهم في تشكيل فهم الجمهور لها، وتحديد الجهات المسؤولة، وصياغة أولويات الحقوق التي تحظى بالاهتمام أو تتراجع إلى الهامش، يبدو هذا التوتر تعبيرًا عن أزمة أعمق في البنية التحريرية للإعلام الغربي بشكل عام.

كلمة «الإبادة».. خلاف قانوني أم معركة على توصيف الوقائع؟

من أبرز محاور الجدل الإعلامي مسألة استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» لوصف الحرب “الإسرائيلية” على غزة؛ ففي حين تتمسك مؤسسات إعلامية – خاصة الغربية – بالحذر من تبني توصيف قانوني قبل صدور حكم قضائي نهائي، يرى منتقدون أن هذا الحذر قد يتحول إلى عائق أمام نقل نتائج التحقيقات والتقارير الحقوقية، أو حتى عرض المصطلح بوصفه توصيفًا تتبناه جهات مختصة.

ويشير الصحفي الاستقصائي “آسا وينستانلي” إلى أن المشكلة لا تقتصر على امتناع بعض المؤسسات عن استخدام المصطلح في خطابها التحريري، بل تمتد أحيانًا إلى اعتراض المذيعين عندما يستخدم ضيفٌ على الهواء مصطلح “إبادة”، ويحرصون على القول إن “إسرائيل” تنفي الاتهام، كي لا يترسخ في أذهان المتلقي للمادة الإعلامية لفظ “إبادة” وتتغير الصورة النمطية التي رسمتها “إسرائيل” لنفسها كـ “دولة حضارية”.

وتكشف هذه النقطة عن معضلة تحريرية حقيقية: كيف يمكن للمؤسسة أن تحافظ على الدقة القانونية من دون أن تجعل الحذر اللغوي وسيلة لتهميش الأدلة أو تأجيل النقاش بشأنها إلى أجل غير محدد؟

ويرى “وينستانلي” أن إحدى أوضح صور ازدواجية المعايير هي أن ممثلي الحكومة “الإسرائيلية”، وحتى الناطقين العسكريين “الإسرائيليين”، يحصلون بصورة اعتيادية على مساحات في وسائل الإعلام البريطانية، بينما لا يُسمح إلا لفئات محددة من الفلسطينيين بالظهور على التلفزيون البريطاني أو التعبير عن مواقفهم في الصحف.

ويشير إلى أن دراسات أجرتها، على مدى سنوات، جهات مثل «ميديا لينز»، تظهر أن عدد المرات التي تستشهد فيها وسائل الإعلام البريطانية بمصادر “إسرائيلية” يفوق بصورة كبيرة جداً عدد استشهادها بالمصادر الفلسطينية.

ويستعيد مثالاً من الأيام الأولى بعد هجوم السابع من أكتوبر، قائلاً إن وسائل إعلام نقلت مزاعم “إسرائيلية” عن قطع رؤوس أطفال، ثم تراجعت عنها لاحقاً.

ولقد جرى تبرير ذلك بالقول إنهم لم يكونوا يتبنون الادعاء، بل ينقلون تصريحات مسؤولين “إسرائيليين”، لكن المعيار نفسه لا يُطبّق على التصريحات الفلسطينية، وخصوصاً الصادرة عن السلطة القائمة فعلياً في غزة، وبالتأكيد عن الفصائل الفلسطينية المسلحة.

ماذا تقول الأرقام عن انحيازات التغطية الغربية؟

لا يعتمد نقد التغطية الغربية على الانطباعات وحدها، فقد ظهرت دراسات كمية حاولت قياس توزيع الأصوات، واللغة المستخدمة، وطريقة تأطير الحرب للتعبير عن هذا التوتر الغربي من مصطلح “إبادة” للفلسطينيين.

ففي مارس 2024، نشر «مركز مراقبة الإعلام» البريطاني دراسة بعنوان «التحيز الإعلامي: غزة 2023-2024»، حللت 176,627 مقطعًا إخباريًا تلفزيونيًا، و25,515 مادة إخبارية إلكترونية، خلال الفترة من 7 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 2023.

وشملت الدراسة قنوات تلفزيونية ومواقع إخبارية بريطانية، وركزت على تأطير الأحداث، واستخدام اللغة، وحضور وجهات النظر الفلسطينية و”الإسرائيلية”.

ووفق نتائج الدراسة، وردت وجهات النظر “الإسرائيلية” في التغطية التلفزيونية 4,311 مرة، مقابل 1,598 مرة لوجهات النظر الفلسطينية، أي أن الحضور “الإسرائيلي” بلغ قرابة ثلاثة أمثال الحضور الفلسطيني.

وفي المواد الإخبارية الإلكترونية، رصدت الدراسة 2,983 إحالة إلى وجهات نظر “إسرائيلية”، مقابل 1,737 إحالة إلى وجهات نظر فلسطينية.

كما وجدت أن الحديث عن (حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها) ظهر في التغطية التلفزيونية بمعدل يزيد على الحديث عن حقوق الفلسطينيين بنحو خمسة إلى واحد، وأن اللغة العاطفية التي تصف “الإسرائيليين” كضحايا استُخدمت بمعدل أعلى بنحو 11 مرة.

ورصدت الدراسة أيضًا أن 76% من المواد الإلكترونية التي حللتها صاغت الأحداث باعتبارها حرب “إسرائيل” وحماس، بينما أشارت 24% إلى فلسطين أو الفلسطينيين، وهو ما أثار أسئلة بشأن حضور السياق الفلسطيني الأوسع في التغطية.

كيف تصنع الكلمات تفاوتًا في التعاطف؟

تتمثل إحدى أكثر المشكلات حساسية في طريقة وصف الضحايا، فالفارق بين القول إن أشخاصًا «قُتلوا» والقول إنهم «لقوا حتفهم»، أو بين تحديد الجهة التي نفذت الهجوم والاكتفاء بوصف ما حدث، ليس مجرد اختيار أسلوبي؛ إذ يمكن لهذه الاختيارات أن تؤثر في إدراك الجمهور للمسؤولية وحجم المعاناة.

وقد رصدت عدة دراسات كيف يتلاعب الإعلام الغربي – سواء الصحف أو الفضائيات – في هذه المصطلحات، فيكتبون مثلاً: (مقتل 20 فلسطينياً بقذيفة) دون تحديد من أطلق القذيفة ومن قتلهم.

وتتضح خطورة المسألة عندما تُستخدم مفردات عاطفية قوية لوصف الضحايا “الإسرائيليين”، في مقابل لغة أكثر تجريدًا أو سلبية عند الحديث عن الفلسطينيين، وكأن الشهداء الفلسطينيين أقل شأناً من القتلى “الإسرائيليين” أو مجرد أرقام.

ويؤدي تكرار هذا النمط إلى تفاوت في التعاطف العام، حتى في الحالات التي تتضمن فيها التغطية معلومات صحيحة من الناحية الواقعية.

وتشير دراسة “مركز مراقبة الإعلام” إلى وجود تفاوت في استخدام اللغة العاطفية بين الجانبين؛ بحيث يجري التعاطف مع “الإسرائيليين” وتجاهل الفلسطينيين، ونقل مزاعم غير متحققة في الأيام الأولى للحرب، ومنها الادعاءات المتعلقة بقطع مقاتلي حماس رؤوس أطفال، وهي كلها أكاذيب دعائية “إسرائيلية” تبناها الإعلام الغربي ولم يحاول نفيها حين ثبت لاحقاً أنها فبركات وأكاذيب.

ووفق الدراسة، وردت إشارات تجمع بين كلمتي «مقطوعة الرؤوس» و«أطفال» في 361 مقطعًا تلفزيونيًا غربياً، لكن عددًا محدودًا فقط من هذه المقاطع تضمن تفنيدًا أو مساءلة كافية للادعاء.

وتوضح هذه الحالة مشكلة مهنية تتجاوز الموقف السياسي للمؤسسة، فعندما يُنقل ادعاء صادر عن مسؤول رسمي من دون تحقق كافٍ أو توضيح لاحق، قد يتحول إلى حقيقة مستقرة في أذهان الجمهور، حتى إذا ظهرت لاحقًا أسئلة بشأن دقته.

ويزداد الخلل عندما تطبق المؤسسة معايير مختلفة على المصادر؛ فالتصريح “الإسرائيلي” قد يُنقل باعتباره (معلومة صادرة عن مسؤول)، بينما يُعامل التصريح الفلسطيني بوصفه (ادعاءً) يحتاج إلى إثبات إضافي أو إدانة مسبقة من صاحبه.

وهنا لا يكون السؤال ما إذا كانت الرواية “الإسرائيلية” أو الفلسطينية صحيحة في كل حالة، بل ما إذا كانت قواعد التحقق والمساءلة تُطبق على الطرفين بالصرامة نفسها.

«بي بي سي».. من الجدل العام إلى الأرقام

تُعد هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» حالة مهمة في هذا النقاش؛ فهي مؤسسة إعلامية عامة تتمتع بسمعة دولية، وتخضع لالتزامات تحريرية تتعلق بالدقة والاستقلال والحياد.

ولذلك فإن الجدل حول تغطيتها لا يقتصر على خصومها السياسيين، بل يمتد إلى صحافيين ومراقبين وباحثين يناقشون مدى التزامها بمعاييرها المعلنة؛ حيث جاء اختيارها في هذا السياق لأنها انتهجت سياسة موالية للرواية “الإسرائيلية”.

وفي يونيو/حزيران 2025، نشر مركز مراقبة الإعلام دراسة مستقلة تناولت تغطية «بي بي سي» للحرب على غزة خلال الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 6 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وحللت الدراسة 3,873 مادة مكتوبة و32,092 مقطعًا إذاعيًا وتلفزيونيًا، إلى جانب مقارنات وملفات حالة امتد بعضها إلى عام 2025.

وبحسب الدراسة، استضافت الهيئة أو أجرت مقابلات مع 2,350 “إسرائيليًا”، مقابل 1,085 فلسطينيًا في المواد الإذاعية والتلفزيونية التي شملها التحليل.

كما رصدت الدراسة تفاوتًا في عدد المرات التي عرض فيها مقدمو البرامج وجهات نظر الطرفين، وقالت إن المنظور “الإسرائيلي” ظهر في كلام المذيعين أكثر من المنظور الفلسطيني.

وخلص التقرير إلى وجود أوجه قصور في عرض السياق التاريخي والسياسي، وفي توزيع الأصوات، وفي إبراز المعاناة الفلسطينية.

وهذه نتائج صادرة عن جهة بحثية خارجية، وليست حكمًا قضائيًا أو نتيجة مراجعة داخلية نهائية للهيئة؛ ولذلك ينبغي نسبتها إلى الدراسة وعدم تقديمها بوصفها حقائق غير قابلة للنقاش.

لكن أهمية هذه النتائج أنها تطرح أسئلة محددة يمكن للمؤسسات الإعلامية الإجابة عليها: هل يتناسب توزيع الضيوف مع طبيعة الأحداث؟ هل يحصل الفلسطينيون على فرص مماثلة لشرح تجربتهم ومواقفهم؟ هل تُعرض جذور الصراع والاحتلال إلى جانب الأحداث الآنية؟ وهل تُستخدم معايير متكافئة عند مساءلة الضيوف عن أفعال الحكومات والجهات المسلحة؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن «بي بي سي» ليست مجرد مؤسسة تجارية؛ إذ تمثل خدمة عامة يمولها الجمهور البريطاني وتصل إلى كل أنحاء العالم، مما يجعل الثقة والشفافية والمساءلة التحريرية عناصر أساسية في تقييم أدائها.

هل المشكلة في تحيز الصحفيين أم في المؤسسات؟

تشير التقديرات الإعلامية إلى أن الخلل لا يمكن تفسيره فقط بمواقف الصحفيين الأفراد، بل يرتبط أيضًا بثقافة تحريرية ومؤسسية أوسع.

ويقول “آسا وينستانلي” إن بعض المؤسسات قد تتردد في استخدام توصيفات معينة أو استضافة أصوات محددة خشية ردود الفعل والضغوط التي قد تتعرض لها.

ويستدعي هذا الطرح التمييز بين الصحفي الذي يعمل داخل غرفة الأخبار، والمحرر المسؤول عن اختيار العناوين والمصادر، والإدارة التي تحدد السياسات التحريرية، والجهات الخارجية التي تحاول التأثير في عمل المؤسسة، فوجود صحافيين ينتقدون أداء مؤسساتهم لا يثبت وحده وجود سياسة موحدة للانحياز، لكنه يشير إلى أن النقاش بشأن التغطية يمتد إلى داخل المؤسسات نفسها.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، نقلت «الجزيرة الإنجليزية» عن صحافيين في «سي إن إن» انتقادات لإجراءات تحريرية قالوا إنها رجحت الرواية “الإسرائيلية” في تغطية الحرب.

وتناولت التقارير الخلافات المتعلقة باستخدام المصادر “الإسرائيلية”، وطريقة عرض المعلومات الواردة من غزة، والقيود التي رأى منتقدون أنها أثرت في معالجة الأخبار، بينما نفت الشبكة اتهامات الانحياز.

وتُظهر هذه الخلافات أن المسألة ليست محصورة في مؤسسة واحدة أو في قرار منفرد، بل تتصل بأسئلة متكررة في الصحافة أثناء الحروب: ما مقدار الثقة الذي يُمنح للمصادر الرسمية؟ وكيف تُراجع المعلومات العاجلة؟ وما حدود تدخل المحررين في الصياغة؟ وهل يستطيع الصحافي الاعتراض على التغطية من دون أن يتعرض لعواقب مهنية؟

ولا يكفي لإثبات وجود توجيه سياسي مركزي أن تتشابه بعض التغطيات أو أن تصدر انتقادات من صحافيين؛ إذ أن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة مباشرة، مثل وثائق تحريرية أو شهادات قابلة للتحقق أو تحقيقات مستقلة، أما ما يمكن بحثه على أساس المواد المتاحة فهو وجود أنماط متكررة من التفاوت في المصادر واللغة والسياق، ومدى اتساقها مع المعايير المهنية المعلنة.

الفلسطينيون يروون قصتهم من تحت الركام

في مقابل النقاش حول المؤسسات الغربية، تبرز نقطة مركزية هي أن الفلسطينيين لم ينتظروا أن تمنحهم وسائل الإعلام الدولية مساحة كافية حتى ينقلوا ما يجري في غزة.

ويقول المؤرخ والكاتب الفلسطيني الدكتور رمزي بارود، رئيس تحرير «بالستاين كرونيكل»، إن غزة لم تنتظر هذه المرة أن تمنحها المؤسسة الإعلامية الغربية حق رواية قصتها.

فقد اعتمد جانب كبير من توثيق الحرب على صحفيين فلسطينيين يعملون في ظروف شديدة الخطورة، وينقلون الصور والشهادات من مواقع القصف والمستشفيات ومخيمات النزوح، إلى جانب مواد ينشرها سكان يوثقون ما يتعرضون له، ولذلك استهدفهم الاحتلال وقتل منهم قرابة 300 صحفي وإعلامي ومصور.

ولكن وصلت هذه المواد التي أنتجها هؤلاء الشهداء إلى جماهير واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ثم استخدمتها مؤسسات إعلامية ومنظمات حقوقية في تغطيتها وتحقيقاتها.

ويرى “بارود” أن الرواية الأساسية والشهادات التي قامت عليها جاءت من الفلسطينيين أنفسهم، مع إقراره بالدور الذي لعبته شبكات التضامن والمجتمع المدني والإعلام المستقل والصحفيون.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بسبب القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة بصورة مستقلة ومنع الاحتلال دخولهم حتى الآن، فقد أرادت “إسرائيل” ارتكاب الإبادة من دون شهود دوليين، وأرادت أيضاً قتل الفلسطينيين الذين ينقلون روايتهم إلى العالم، أو تعطيل قدرتهم على أداء عملهم بكل الوسائل الممكنة.

وقد قُتل وأُصيب كثيرون منهم، واعتُقل آخرون واحتُجزوا، وتعرضوا لأشكال متعددة من الاستهداف، ومع ذلك، وصلت الرواية بفضل الفلسطينيين أنفسهم، فقد ذكرت لجنة حماية الصحافيين في يونيو 2026 أن “إسرائيل” ما زالت تمنع الدخول المستقل للصحافيين الأجانب إلى القطاع، باستثناء زيارات تتم بمرافقة الجيش لإنتاج مواد دعائية لصحفيين موالين لهم، مما يجعل الصحفيين الفلسطينيين يتحملون جانبًا كبيرًا من عبء التغطية الميدانية.

ويترتب على ذلك تحديان متداخلان: الأول هو الخطر الذي يتعرض له الصحافيون الفلسطينيون أثناء عملهم، والثاني هو التعامل مع شهاداتهم ومعلوماتهم وفق المعايير نفسها التي تُطبق على المصادر الأخرى.

فالتحقق من المعلومات ضرورة في كل تغطية، لكن التحقق لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لاستبعاد مصدر بسبب هويته أو موقعه، كما لا يجوز افتراض صحة كل مادة لمجرد أنها صادرة عن طرف يعاني من الحرب.

والمفارقة أن الصحفي الفلسطيني قد يكون المصدر الأقرب إلى الحدث، لكنه يواجه في الوقت نفسه أسئلة أشد بشأن مصداقيته، بينما قد تحصل التصريحات الرسمية الصادرة عن طرف يمتلك مؤسسات اتصال واسعة على حضور أكثر انتظامًا، وهذا تحديدًا أحد أوجه الخلل التي ينبغي أن تخضع للفحص المهني.

التغطية الإعلامية والرأي العام.. هل تغيرت الصورة؟

لعب الفلسطينيون دوراً كبيراً في توثيق الحرب، مما ساهم في اتساع التعاطف مع قضيتهم لدى الرأي العام العالمي.

ويرى رمزي بارود أن الصور والشهادات التي خرجت من غزة ساهمت في إحداث تحول في نظرة قطاعات واسعة من الجمهور، رغم محدودية الإمكانات الإعلامية الفلسطينية مقارنة بالإمكانات “الإسرائيلية” والمؤسسات المؤيدة لـ “إسرائيل”.

وساهم انتشار التوثيق الميداني عبر المنصات الرقمية في تقليل قدرة المؤسسات الإعلامية الغربية التقليدية على احتكار تدفق المعلومات؛ إذ أصبح الجمهور قادرًا على مشاهدة مواد أولية من مواقع الأحداث مباشرة، ومقارنة التغطيات، والاطلاع على شهادات لا تحظى دائمًا بالمساحة نفسها في النشرات الرئيسية.

ورغم العيوب والماخذ التي تُسجّل على منصات التواصل الاجتماعي مقارنة بالصحافة المهنية، إلا أنها تحولت إلى شاشة بديلة تفضح انحياز الإعلام الغربي، وتكشف بالصورة الحية حقيقة الأحداث التي كان أصحابها يرغبون في إخفائها عن الجمهور.

هل تحولت الإبادة إلى خبر أقل حضورًا؟

لا يكمن الخطر فقط في نشر خبر منحاز أو استخدام مصطلح متحفظ، بل في احتمال اختفاء غزة تدريجيًا من العناوين الرئيسية للميديا الغربية، حتى مع استمرار آثار الحرب والمعاناة الإنسانية.

وهذه نقطة تتصل بطبيعة العمل الإخباري نفسه؛ إذ تميل المؤسسات الإعلامية إلى منح الأحداث الجديدة مساحة أكبر، بينما تتراجع التغطية مع مرور الوقت، أو حين تصبح الوقائع أقل جذبًا للمشاهدات، أو عندما ينتقل الاهتمام السياسي إلى أزمة أخرى، لكن تراجع الاهتمام الإعلامي لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة على الأرض.

ويرى “بارود” أن عودة غزة إلى وضع تُذكر فيه أساسًا بوصفها منطقة تعاني من الحصار والفقر، من دون تغطية مستمرة لما يجري فيها، قد تسمح باستمرار المعاناة بعيدًا عن التدقيق الدولي.

ومن هذا المنظور، فإن إبقاء القضية في دائرة الاهتمام ليس مجرد مسألة تحريرية، بل يرتبط بإمكانية استمرار الضغط العام والمساءلة القانونية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا الاهتمام لا يتحقق بتكرار الصور الصادمة وحدها، بل ببناء تغطية متواصلة تشرح ما يحدث بعد انحسار المعارك، وتتابع أوضاع النازحين، وملف إعادة الإعمار، والقيود على المساعدات، ومسارات التحقيق والمحاسبة، ومستقبل السكان والقطاع.

أسئلة محورية حول معايير الصحافة الغربية

يمكن استخلاص خمسة أسئلة مهنية أساسية من الجدل حول تغطية غزة:

  • أولًا: تكافؤ المعايير: هل تخضع تصريحات المسؤولين “الإسرائيليين” والفلسطينيين لمستوى واحد من التحقق والمساءلة، أم تختلف المعاملة بحسب هوية المصدر؟
  • ثانيًا: توازن الأصوات: هل تعكس قائمة الضيوف والمصادر حجم الأطراف المتأثرة بالأحداث، أم تمنح طرفًا مساحة أوسع لتفسير الوقائع؟
  • ثالثًا: السياق التاريخي: هل تُعرض الحرب بوصفها حدثًا بدأ في تاريخ محدد فقط، أم تُشرح أيضًا خلفية الاحتلال والحصار والصراع الأوسع، من دون إسقاط مسؤولية أي طرف عن أفعاله؟
  • رابعًا: دقة اللغة: هل تستخدم المؤسسة مفردات متسقة لوصف الوقائع المتشابهة، وهل تحدد المسؤول عن الفعل حين تسمح الأدلة بذلك، أم تخفف اللغة في حالات وتشدّدها في أخرى؟
  • خامسًا: الشفافية والمساءلة: هل تعترف المؤسسة بأخطائها، وتنشر التصحيحات، وتوضح أسباب القرارات التحريرية المثيرة للجدل، أم تكتفي بنفي الاتهامات العامة؟

وهذه الأسئلة أكثر فائدة من الاكتفاء بوصف الإعلام الغربي كله بأنه كتلة واحدة منحازة؛ فالمنظومة الإعلامية تضم مؤسسات عامة وتجارية، وصحفًا ومواقع مستقلة، والتيارات التحريرية فيها مختلفة، كما أن مواقف الصحفيين داخل المؤسسة الواحدة ليست بالضرورة متطابقة.

لكن تنوع المؤسسات لا يلغي إمكانية وجود أنماط متكررة من التفاوت، كما أن وجود صحافيين مهنيين لا يعفي الإدارات التحريرية من مسؤولية مراجعة سياساتها.

توظيف المصطلح جزء من معركة الرواية

في المجمل، أعادت الحرب على غزة طرح سؤال قديم في الصحافة الدولية: هل تكتفي المؤسسات الإعلامية بنقل تصريحات الأطراف، أم تتحمل مسؤولية التحقق منها ووضعها في سياقها ومساءلة أصحاب السلطة؟

أما الجدل حول مصطلح «الإبادة الجماعية»، فيكشف أن اللغة ليست مجرد غلاف للخبر؛ فهي جزء من الطريقة التي تُعرض بها الوقائع وتُفهم بها المسؤولية.

ولا يعني ذلك أن الصحافة مطالبة بتبني توصيف قانوني قبل اكتمال المسار القضائي، بل إن عليها عرض الوقائع والتحقيقات والاستنتاجات الحقوقية بدقة، دون أن يتحول الحذر إلى صمت أو إلى ازدواجية في المعايير.

إن معيار الصحافة لا يُقاس فقط بما تنشره عندما تكون الكاميرات متجهة إلى موقع الحدث، بل أيضًا بما تفعله حين يتراجع الاهتمام، وبقدرتها على إبقاء الأسئلة الصعبة مفتوحة، ومحاسبة أصحاب السلطة، ومنح الضحايا حق الظهور بوصفهم بشرًا لهم أسماء وحياة وحقوق، لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى