الإعلام وصناعة الانتماء… من الرياضة إلى فضاء السياسة
- منتخب مصر يحوّل مباريات مونديال 2026 إلى ملحمة تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات السياسية
- رفع علم فلسطين ينقل المشهد الرياضي إلى أبعاد إنسانية وسياسية عميقة تلامس وجدان الأمة
- الجماهير العربية والإسلامية تتوحد بكل أطيافها حول حلم تاريخي يجسّد وحدة المصير والوجود
- التفاعل العابر للحدود يؤكد أن الرياضة تظل متنفسًا حيًّا لتجسيد أشواق الشعوب نحو الوحدة الشاملة
“إنسان للإعلام”- حنان عطية:
عاشت الجماهير المصرية والعربية أيامًا استثنائية مع مشوار المنتخب المصري في كأس العالم 2026، بعدما تحولت مبارياته إلى مناسبة وطنية وعربية وإسلامية جامعة، تجاوز فيها التشجيع حدود الجغرافيا والانتماءات السياسية والخلافات الفكرية، ليصبح المنتخب نقطة التقاء لملايين المشجعين الذين وحدتهم راية واحدة وحلم واحد.
ولم يقتصر هذا المشهد على من يعيشون داخل مصر، بل امتد إلى المصريين في المنافي ودول الاغتراب، وحتى أولئك الذين أبعدتهم الظروف عن وطنهم أو حرموا من العودة إليه لسنوات، فاجتمعوا مع أصدقائهم من مختلف البلدان العربية لمتابعة مباريات المنتخب، وقد غلب عليهم الشعور بالانتماء واستعادة جزء من الذاكرة الوطنية التي لم تنجح سنوات الغياب في محوها.
كما شارك مختلف الأجيال هذه الحالة الجامعة؛ فالطفل والشاب وكبير السن وقفوا جميعًا خلف المنتخب يدعون له ويحبسون أنفاسهم مع كل مباراة، حتى أولئك الذين غيبتهم السجون سنوات طويلة عادوا يعيشون لحظات الحماس نفسها، وكأن كرة القدم أعادت إليهم شعورًا مشتركًا بالوطن والانتماء.
ومع كل انتصار، كانت موجات الفرح تمتد من شوارع القاهرة وبيوتها ومقاهيها إلى مختلف المدن العربية والإسلامية، ومن الإسكندرية إلى إسطنبول وأنطاليا، ومن روما إلى مدريد ونابولي، لترتفع الأعلام المصرية بأيدٍ مصرية وعربية وإسلامية، تعبيرًا عن أمل جماعي في أن يواصل ممثل العرب والمسلمين كتابة صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم.
وجاء التأهل إلى دور الستة عشر بعد الفوز على أستراليا ليضاعف هذا الشعور، إذ لم يُنظر إلى الإنجاز بوصفه نجاحًا رياضيًا لمصر وحدها، بل باعتباره إحياءً لحلم عربي طال انتظاره، أعاد إلى الأذهان المحطات المضيئة في تاريخ الكرة العربية، وأشعر كثيرين بأن المنتخب المصري يحمل طموحات أمة كاملة تتطلع إلى حضور أكثر تأثيرًا على الساحة العالمية.
ولهذا لم تكن مباريات المنتخب مجرد تسعين دقيقة فوق المستطيل الأخضر، ولم تكن الأعلام التي رفرفت في المدرجات تعبر عن مصر وحدها، بل حملت نبض أمة قررت أن تؤجل خلافاتها وتلتقي حول حلم مشترك، فأصبحت القاهرة، في تلك اللحظات، عاصمة وجدانية لكل عربي ومسلم رأى في انتصار المنتخب انتصارًا له أيضًا، واستحضر مع كل صافرة بداية معاني تتجاوز الرياضة إلى التاريخ والهوية ووحدة المصير.
العلم الفلسطيني يتجاوز حدود الرياضة
ولعل أبرز مظاهر التضامن العربي والإسلامي تجلت في المشهد الذي صنعه المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن عقب الفوز على أستراليا، عندما رفع العلم الفلسطيني احتفالًا بالانتصار. ففي لحظات قليلة، تجاوز المشهد حدود المستطيل الأخضر ليكتسب أبعادًا إنسانية ورمزية عميقة، مستحضرًا قضية تحتل مكانة راسخة في وجدان الشعوب العربية والإسلامية.
ولم يعد الاحتفال مجرد تعبير عن الفوز في مباراة، بل تحول إلى رسالة وجدانية حملتها قطعة قماش بألوانها الأربعة، لتصل إلى ملايين المتابعين من المحيط إلى الخليج، وإلى الفلسطينيين الذين رأى كثير منهم في تلك اللفتة تعبيرًا صادقًا عن التضامن والوفاء، ورسالة تتجاوز في أثرها كثيرًا من الخطابات السياسية والدبلوماسية.
وتؤكد كرة القدم، بما تمتلكه من قدرة استثنائية على مخاطبة الشعوب، أنها كثيرًا ما تتحول إلى لغة عالمية للمشاعر، فعندما يرتبط مشهد رياضي بقضية تحظى بإجماع وجداني، فإن الصورة تكتسب حضورًا يتجاوز نتيجة المباراة نفسها، وتصبح رمزًا يتداوله الناس لمعناه الإنساني قبل دلالته الرياضية.
ولذلك لم يكن المنتخب المصري، في نظر قطاع واسع من الجماهير العربية والإسلامية، يمثل نفسه وحده خلال البطولة، بل حمل آمال المنطقة بأسرها، فامتلأت المدرجات بالأعلام العربية، وتعالت الهتافات بلهجات مختلفة، بينما توحدت القلوب خلف منتخب يحمل اسم مصر، لكنه يعبر عن حلم عربي مشترك في تحقيق إنجاز عالمي.
وجاء رفع العلم الفلسطيني ليعزز هذا المعنى، مؤكدًا أن الفرح الرياضي لا ينفصل عن القيم الإنسانية، وأن الانتصار يمكن أن يكون مناسبة لتجديد معاني الأخوة والتضامن، لا مجرد احتفال بنتيجة مباراة.
وفي فلسطين، ولا سيما في قطاع غزة الذي يرزح تحت وطأة العدوان، كان للمشهد وقع خاص، إذ امتزجت آلام الواقع بفرحة رؤية علم فلسطين حاضرًا في احتفال رياضي عالمي، لتبقى تلك اللحظة راسخة في الذاكرة، وتمنح كثيرين شعورًا بأنهم حاضرون في وجدان أشقائهم رغم ما تفرضه الجغرافيا والظروف.
أما في الشارع العربي، فقد أعادت تلك الصورة التأكيد على حقيقة كثيرًا ما أبرزتها البطولات الكبرى، وهي أن كرة القدم قادرة، ولو لساعات، على إزالة الحواجز النفسية بين الشعوب، وتحويل المنتخب الذي ينجح في ملامسة وجدان الجماهير إلى منتخب يمثل العرب جميعًا، لا أبناء وطنه وحدهم.
ولذلك، بقيت صورة العلم الفلسطيني تتردد في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حتى بعد انتهاء المباراة، لأنها لم تُقرأ بوصفها لقطة احتفالية عابرة، بل باعتبارها رسالة اختصرت كثيرًا من الكلمات، وأكدت أن الرياضة تستطيع أحيانًا أن تجمع القلوب حول معانٍ تتجاوز المنافسة والنتائج.
دموع الجماهير تودع حلم المونديال
حملت مواجهة المنتخب المصري أمام الأرجنتين نهاية مختلفة لمسيرة استثنائية، إذ انتهى المشوار بخسارة مؤلمة أنهت حلم مواصلة التقدم في البطولة. ومع صافرة النهاية، خيم الحزن على الجماهير المصرية والعربية التي كانت قد علقت آمالًا كبيرة على استمرار المنتخب، ورغم ذلك امتزج الحزن بشعور عميق بالفخر بعد الأداء الذي أعاد لكرة القدم المصرية والعربية حضورها على المسرح العالمي.
ومع مغادرة البطولة، فإن الخسارة لم تينظر إليها باعتبارها نهاية للحلم أو هزيمة للروح التي صنعتها الجماهير طوال البطولة، فقد امتدت مشاعر الأسى من القاهرة إلى الرباط والجزائر وتونس وعمان والدوحة والرياض وبغداد وفلسطين، لأن كثيرين رأوا في المنتخب المصري ممثلًا لطموح عربي مشترك، فتجاوزت مشاعر الوداع حدود الانتماء الوطني لتصبح وداعًا لحلم تبنته أمة بأكملها.
ولذلك لم يكن التصفيق الذي حظي به اللاعبون بعد المباراة مجرد تحية لفريق خرج من المنافسة، بل كان تقديرًا للأداء القتالي والصورة المشرفة التي أعادت الثقة إلى الجماهير المصرية والعربية، ورسخت قناعة بأن قيمة المنتخبات لا تقاس فقط بالألقاب، وإنما أيضًا بما تتركه من أثر في وجدان جماهيرها.
وفي المقابل، أثارت المباراة موجة واسعة من النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول بعض المتابعين تساؤلات حول قرارات تحكيمية رأوا أنها أثرت في مجريات اللقاء، بينما ذهب آخرون إلى تفسير الخروج في سياقات سياسية، مستندين إلى تزامن المباراة مع أنباء استهداف مدير اللجنة المصرية العاملة في غزة، وهو ما دفع بعضهم إلى الربط بين الحدثين ونسج روايات تعكس حجم التفاعل العاطفي مع البطولة، أكثر مما تستند إلى معطيات يمكن التحقق منها.
وبصرف النظر عن تلك التأويلات، فإن الثابت أن المنتخب المصري نجح في صناعة حالة وجدانية نادرة امتدت إلى مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، ولذلك بدا خروجه من البطولة وكأنه نهاية لقصة عاشتها الجماهير بكل تفاصيلها، فامتلأت منصات التواصل برسائل الدعم والمواساة والدعوات إلى البناء على هذه التجربة، باعتبارها بداية لمرحلة أكثر نضجًا لكرة القدم المصرية، لا نهاية لمشروعها.
لقد أثبتت الجماهير العربية مرة أخرى أن كرة القدم قادرة على هدم كثير من الحواجز التي تبنيها الخلافات؛ ففي المدرجات اختفت اللهجات، وذابت الفوارق، وبقي صوت واحد يردد: “هيا يا مصر”، وربما كانت تلك هي الرسالة الأهم التي حملها المونديال، وهي أن ما يجمع العرب أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن علم الدولة الذي يرفرف في الملاعب قد يحمل في لحظة تاريخية آمال أمة بأسرها.
عواصم الأمة تتفاعل عبر الحدود
وكما عاشت القاهرة لحظات الفرح مع انتصارات المنتخب، شاركتها العواصم العربية والإسلامية مشاعر الحزن بعد الخروج أمام الأرجنتين، فلم يكن المشهد مجرد خسارة لفريق في بطولة عالمية، بل نهاية لمسيرة صنعت آمالًا مشتركة لملايين العرب والمسلمين منذ التأهل إلى دور الستة عشر.
وفي الشوارع والمقاهي ومنصات التواصل الاجتماعي، تجاوز الحديث حدود كرة القدم، ليتحول إلى نقاش أوسع حول ما مثله المنتخب المصري خلال البطولة، فقد استعاد كثيرون مشهد المدير الفني حسام حسن وهو يرفع العلم الفلسطيني بعد مباراة أستراليا، معتبرين أنه لم يكن مجرد احتفال رياضي، بل رسالة إنسانية وسياسية عززت مكانة المنتخب في وجدان الجماهير، ورسخت صورته ممثلًا لقضية عادلة بقدر ما هو ممثل لوطنه.
وهكذا، بقيت الحقيقة الرياضية واضحة؛ فقد انتهى المشوار بخروج المنتخب المصري من البطولة، غير أن تأثير تلك المشاركة تجاوز النتائج والأرقام، فالتفسيرات التي صاحبت الخسارة، وما أثير حولها من نقاشات وتأويلات، عكست حجم الارتباط الوجداني الذي صنعه المنتخب لدى جماهيره، وأكدت أن تلك الليلة ستظل حاضرة في الذاكرة باعتبارها لحظة امتزج فيها الألم بالفخر، والرياضة بالمواقف الإنسانية، والتنافس الرياضي بمعاني التضامن والانتماء.
رحيل المنتخب وبقاء القصة الملهمة
أثبتت البطولة أن المنتخب، حين ينجح في ملامسة وجدان جماهيره، يصبح أكثر من مجرد فريق لكرة القدم؛ يتحول إلى رمز تتقاطع عنده الهوية الوطنية مع الانتماء العربي والإسلامي، وتتجسد فيه قيم التضامن والأمل والمصير المشترك.
ورغم انتهاء المشوار بخروج مؤلم، بقيت الصور التي صنعتها البطولة ــ من التفاف الجماهير حول المنتخب إلى رفع العلم الفلسطيني ــ حاضرة في الذاكرة، بوصفها شواهد على أن الرياضة قد تتحول، في لحظات استثنائية، إلى لغة توحد الشعوب، وتمنحها مساحة للتعبير عن قضاياها وآمالها بصورة تتجاوز الملاعب.
لقد غادر المنتخب البطولة، لكنه ترك وراءه قصة تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، وأثبتت أن الحلم الذي يبدأ في الملعب قد يمتد إلى فضاءات أوسع، حيث يصبح الانتماء قوة جامعة، وتغدو الرياضة إحدى أكثر الوسائل قدرة على التعبير عن وجدان الأمة واستحضار تطلعها الدائم إلى الوحدة.




