مقالات

مصر بلا إعلام: كيف يصنع الشباب إعلامًا جديدًا يمنح الشعب حق المعرفة؟

د . سليمان صالح

أستاذ الإعلام – جامعة القاهرة

لا يستطيع خيال أن يصف ما خسرته مصر منذ الانقلاب على رئيس مصر المنتخب محمد مرسي حتى الآن، لكن معظم تلك الخسائر كانت نتيجة لحرمان الشعب من حقه في أن يعلم؛ حيث تم إخفاء الحقائق عن الكوارث حتى أصبحت تهدد وجود مصر ووحدتها، وتم تحويل الإعلام المصري إلى وسيلة دعاية لنظام لا يعرف سوى طريق الاقتراض، فتراكمت الديون حتى عجز عن السداد؛ فأصبحت مصر على شفا الإفلاس.

ولأن المعرفة أهم مصادر قوة الدولة، وتشكل أساسًا للتقدم في كل المجالات؛ فقد تخلفت الدولة عندما تم تقييد حق شعبها في المعرفة، وتزييف وعيه، وسجن علمائه وتشريدهم، فلم يعد يجرؤ أحد على تحذير الشعب من كوارث تؤدي إلى إفقاره وقهره.

الحلم الذي تحطم بعد أن كان ممكنًا

عشت أكثر من 40 عامًا في مدرجات الجامعات أكافح لتحويل مصر إلى مجتمع معرفة تزدهر فيه المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومراكز البحوث في كل المجالات، وطورت نظرية حق الجمهور في المعرفة، وقد جاءت الفرصة بعد ثورة 25 يناير؛ حيث حرصت عندما كنت وكيلًا للجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب على بناء البيئة القانونية لنشر المعرفة، وحماية حق الشعب في الحصول على المعلومات، وحرية الإعلام، وفتح المجال لتطوير الجامعات المصرية وحماية حرية البحث العلمي.

وعندما وصل عالم وأستاذ جامعي إلى الحكم في انتخابات حرة نزيهة ازداد الحلم قوة ووضوحًا، ومن المؤكد أن الرئيس محمد مرسي كان يعمل لمستقبل مصر بتحرير إعلامها وتقوية جامعاتها، وفتح المجال أمام شعب مصر ليحصل على المعرفة، وأنه كان في كل خطابه يحب الشعب الذي انتخبه ويحترمه، ويفتح أمامه المجالات ليعلم، ويشارك في إدارة شؤون الدولة، وينتج الغذاء والدواء والسلاح.

ووسائل دعاية النظام تحاول الآن أن تزيف وعي الشعب وتخفي حقيقة مهمة هي أن العام الذي حكم فيه محمد مرسي حققت فيه مصر أكبر إنتاج من القمح في تاريخها الحديث، وأن العقول المصرية الوطنية عملت بكل طاقتها لتطوير الزراعة وزيادة الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات، خاصة منظومة إنتاج الخبز وتوزيعه بقيادة وزير التموين باسم عودة، الذي عمل لتحقيق العدالة ومنع الاستغلال، وحماية حقوق المواطنين في الحصول على منتجات ذات جودة عالية.

حين تُخفى الحقيقة خلف آلة الدعاية

استغل الانقلاب وسائل دعايته المتخلفة لإخفاء الحقيقة عن شعب مصر وهي أن محمد مرسي كان يقود مصر لتحقيق التقدم في كل المجالات، وأنه كان يعمل بقوة لتحقيق العدل، وبناء نموذج ديمقراطي يقوم على احترام إرادة الشعب، وتوفير المعرفة له، وأن شعب مصر تحت قيادته كان يمكن أن يبني دولة عادلة وديمقراطية تحقق الاكتفاء الذاتي والكرامة لكل مواطن.

ولإخفاء تلك الحقيقة قامت سلطات الانقلاب منذ أول يوم بإغلاق القنوات التلفزيونية الحرة والصحف التي توفر المعرفة للجمهور، وسيطرت على كل وسائل الإعلام لاستخدامها في حرمان شعب مصر من المعلومات والمعرفة.

الظلم بوابة الفقر والانهيار الاجتماعي

وتعرض شعب مصر بعد الانقلاب لحالة ظلم عام نتيجة لاستخدام السلطة لقوتها الغاشمة في قهر الشعب، وكان من أهم تجليات هذا البطش والقمع والقهر ارتكاب المذابح في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة وجامع الفتح، وإخفاء الحقائق عن أعداد الضحايا وقصصهم الإنسانية ومآسيهم، والترويج لاتهامات قبيحة وكاذبة ضدهم.

وبعد أن شعرت سلطة الانقلاب أنها انتصرت على الحالمين بالحرية قامت باعتقال عشرات الآلاف منهم، وارتكبت ضدهم جرائم ضد الإنسانية، حيث عذبتهم باستخدام الكهرباء، بالإضافة إلى كل الوسائل التي استخدمتها محاكم التفتيش في إسبانيا ضد المسلمين بعد سقوط الأندلس.

وهذا الظلم كان الفقر من أهم نتائجه، فالكل يدرك الآن أن أغلبية شعب مصر تعاني الفقر الذي كسر عزة النفوس وكرامة الناس، وارتبط بالكثير من المآسي الاجتماعية، مثل العنوسة وارتفاع معدلات الطلاق والبطالة وعزوف الشباب عن الزواج، واليأس والإحباط والاكتئاب والانتحار والعنف.. وسوف يدمر الظلم البنيان الذي تفاخرت سلطة الانقلاب بالتطاول فيه في العاصمة الإدارية.

سجون الانقلاب.. الصمت الذي صنع الجريمة

سكت الناس عن الظلم الذي أصاب عشرات الآلاف من الأبرياء في سجون سلطة الانقلاب، ولم يدافع الإعلاميون عن حريات هؤلاء المواطنين وحقوقهم، ولم يكشفوا الحقائق عن معاناتهم التي تجعل الحجر يبكي، لكن أثبت الواقع أن هناك نفوسًا أكثر قسوة من الحجارة، وكان الصمت ظلمًا وجريمة ضد الإنسانية؛ فهذا الصمت دفع سلطة الانقلاب إلى الاستكبار وزيادة البطش وغرور القوة.. ومن صمت فهو شريك في الجريمة ضد الإنسانية؛ فما بالك بمن رضي وبرر وتغنى بإنجازات الحاكم المغرور الذي لا يكف عن إهانة الشعب المصري وسحق كرامته؟!.

ولقد صمت الناس خوفًا، حتى تحول وطننا الجميل إلى سجن كبير يفكر الناس في الفرار منه حتى بالانتحار، وتحول الظلم إلى ظلام، فانقطع النور عن البيوت الحزينة التي انتشر فيها السخط على الحياة، وضاقت بأهلها الأحوال.

وهكذا تحولت أصداء السياط التي ألهبت ظهور الأبرياء في السجون إلى صرخات ألم في قلوب لا تجرؤ على التعبير عن الألم بالصراخ والبكاء، فما بالك بالتعبير بالكلمات؟.

صحوة الضمير.. ولكن بعد فوات الأوان

وهناك من بدأ ضميره يستيقظ، ويشعر بالإثم لتأييد الانقلاب على الرئيس مرسي الذي يمتلك الشرعية، ويحمي الحرية، ويعمل لكي يتمتع الإنسان المصري الحر بالحياة في وطن حر، لكن هذا الإنسان الذي بدأ يشعر بعذاب الضمير لم يعد يجرؤ على الكلام، ولم تعد هناك وسائل إعلام يعبر فيها عن رأيه.

لقد انكسر الحلم وضاع الأمل عندما صمت الناس خوفًا وقهرًا من سلطة الانقلاب الغاشمة، فكان الظلم الذي تعرض له محمد مرسي مقدمة لحالة ظلم عام يعاني من قسوتها الجميع، وسلطة الانقلاب لم ولن ترحم أحدًا حتى الذين بالغوا في نفاقها والانكسار أمامها.

لذلك فإنني أرى أن الإعلاميين هم أكثر الخاسرين، فقد ماتت مهنتهم خنقًا بعد أن فقدوا حريتهم قهرًا، ولن ينفع الآن الندم، فهم لم يدافعوا عن حرية شعب كان يمكن أن يحمي حريتهم، وعن الرئيس محمد مرسي الذي كان يحترم وظيفتهم ودورهم في الوفاء بحق الجمهور في المعرفة.

شباب مصر..الأمل الأخير لاستعادة الوعي

لكن شباب مصر يجب أن ينتفض ليدافع عن مستقبله، ويحمي الوطن من الضياع والفقر والإفلاس والتبعية والفساد والاستبداد، وعندما تنطلق العقول ستكتشف الكثير من الوسائل الجديدة لنشر الحقائق، وتحذير الناس من استمرارية الظلم الذي يدمر العمران.

فلقد فقدت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها سلطة الانقلاب مصداقيتها، وتزايدت حاجة الشعب لمعرفة تسهم في زيادة قدرته على تغيير الواقع الظالم الفاجر، ويمكن أن يتحول ملايين الشباب إلى فرسان البحث عن الحقائق ونشرها.

إن تحرير الوطن من ظلم الاستبداد أسهل من الانتحار أو الموت غرقًا في البحار، أو معاناة الذل والهوان والانكسار؛ والشعب يمكن أن ينتزع حقه في الحياة عندما ينتفض ويرفض الهزيمة أمام القوة الغاشمة.

وعندما تشتد المحنة، وتزداد الأيام قسوة ينادي الوطن على شبابه، ويفتح لهم المجال للقيادة، والآن يرى الجميع أن الكارثة تقترب بسرعة، وتهدد وجود الدولة التي توشك على الإفلاس، والشعب الذي يموت قهرًا وجوعًا وفقرًا وذلًا.

وكل ما تفعله وسائل الإعلام التي تسيطر عليها السلطة هو مطالبة الشعب بالتبرع لبناء مدينة جديدة للأغنياء، في الوقت الذي تخفي فيه الحقائق بشأن مئات المليارات التي تدفقت من الخارج لتمويل الانقلاب، و168 مليارًا من القروض التي يتم تسديد فوائدها وأقساطها من قروض جديدة وبيع الأصول.

لذلك تشكل انتفاضة الشباب أمل مصر، ويجب أن تبدأ هذه الانتفاضة بكشف الحقائق عن الظلم والتعذيب الذي تعرض له المعتقلون الذين كانوا يحلمون بحرية الوطن ويعملون لتحقيق تقدمه.

وشباب مصر يستطيعون أن ينشروا هذه الحقائق ليعرفها العالم كله، وتعرف الدول التي صنعت هذا الانقلاب أنها ارتكبت جريمة ضد الإنسانية، كانت نتيجتها هذا الظلم الذي يعانيه شعب مصر والذي يدمر العمران، ويقهر النفوس.

إن شباب مصر يستطيعون أن يبرهنوا للعالم أنهم يستطيعون انتزاع الحرية بكفاحهم وإصرارهم وقدرتهم على نشر الوعي بأن العدل هو الذي يقيم الدول ويبنيها، وبأن الظلم يدمرها ويفنيها، وبأن الشعوب لا تحصل على الحرية منحة من الطغيان.

كيف ينتصر الشباب في معركة الوعي؟! هذا هو التحدي الذي يجب أن تعمل عقولهم لمواجهته، والشعب ينتظر دورهم، وهم يستطيعون، و”الإنترنت” تفتح لهم مجالًا واسعًا لتحدي قوة الاستبداد الغاشمة بكشف الحقائق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى