ضغوط مستمرة قادت “ترامب” للمواجهة.. هكذا مهّد الإعلام الصهيوني للحرب على إيران
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
عقب بدء العدوان الأميركي “الإسرائيلي” على إيران، تكشفت سلسلة من الحقائق من أبرزها الدور الذي لعبته حملة إعلامية مكثفة في الصحف الأميركية التي يمتلكها أباطرة الإعلام الصهيوني، حيث مارست هذه المنصات ضغوطًا كبيرة على إدارة الرئيس دونالد ترامب، عبر نشر سيناريوهات متتالية لضرب إيران وإسقاط نظامها، مع تضخيم أخطار مزعومة تتعلق ببرنامجها النووي وقدراتها العسكرية.
وقد استندت هذه الحملة إلى خطاب مشابه لذلك الذي سبق غزو العراق عام 2003، حين جرى الترويج لمخاطر أسلحة الدمار الشامل، كما نشرت تلك المنصات تحليلات ومعلومات تزعم أن إيران سوف تستهدف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، سواء دخلت واشنطن الحرب أم لم تدخلها، في محاولة لخلق مناخ سياسي ضاغط يدفع الإدارة الأميركية نحو الخيار العسكري.
في الوقت نفسه، لعب التيار الصهيوني المسيحي داخل إدارة ترامب دورًا مهمًا في تضخيم هذه التهديدات، حيث يؤمن هذا التيار بأن حماية تل أبيب “أمر إلهي”، ويربط بين الصراع مع إيران وبين تصورات دينية تتعلق بنبوءات نهاية الزمان وتقارب اليهود والإنجيليين لتحقيقها.
وقبل اندلاع الحرب، شاركت “إسرائيل” بقيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إلى جانب لوبي الإعلام اليهودي في الولايات المتحدة، في الدفع نحو التصعيد من خلال نشر معلومات مبالغ فيها أو غير دقيقة موجهة إلى صناع القرار في البيت الأبيض؛ بهدف تحفيزهم على اتخاذ قرار الضربة العسكرية، رغم تحذيرات محللين أميركيين من أن الحرب قد تتحول إلى كارثة استراتيجية للولايات المتحدة، بينما تكون “إسرائيل” المستفيد الأكبر منها.
وقد أشار الكاتب الأميركي توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز” إلى هذا المسار، مؤكدًا أن حكومة “إسرائيل” اليمينية بقيادة نتنياهو تعمدت تضليل واشنطن عبر التركيز على تصوير إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
التخطيط لإشعال الحرب
اعتمدت الخطة التي سعى من خلالها التيار الصهيوني لتوريط الولايات المتحدة في الحرب على ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: الضخ الإعلامي المكثف: عن طريق حملة إعلامية واسعة عبر صحف وفضائيات يمتلكها أو يؤثر فيها أباطرة الإعلام اليهود الأميركيون.
وقد ركزت هذه الحملة على تضخيم “الخطر الإيراني”، بدءًا من الادعاء بأن إيران باتت على بعد أسبوع واحد فقط من إنتاج قنبلة نووية، وصولًا إلى التحذير من تطويرها صواريخ بعيدة المدى قادرة على استهداف الولايات المتحدة.
واعتمدت هذه الحملة على أسلوب “تدوير الأخبار”، حيث يتم تسريب معلومات من الإعلام أو أجهزة الاستخبارات “الإسرائيلية”، ثم إعادة نشرها في وسائل الإعلام الأميركية على أنها تحليلات لخبراء أو معلومات مستقلة، رغم أن كثيرًا منها كان في الأصل روايات “إسرائيلية” هدفها دفع واشنطن نحو الحرب.
ثانيًا: الضغط السياسي: تمثل في تحرك سياسي داخل الولايات المتحدة مارسه لوبي يهودي نافذ للضغط على إدارة ترامب من أجل المشاركة في الحرب إلى جانب “إسرائيل”.
وقد أقر عدد من أعضاء الكونغرس، وكذلك مسؤولون في الإدارة الأميركية، بأن أحد مبررات دخول واشنطن الحرب كان إبلاغ “إسرائيل” للولايات المتحدة بأنها ستخوضها سواء شاركت واشنطن أم لا.
وقد أثار ذلك مخاوف من رد إيراني يستهدف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، ما دفع الإدارة الأميركية إلى الانخراط في المواجهة.
هذا المسار أثار انتقادات داخل الولايات المتحدة، إذ بدا وكأن واشنطن تتحرك استجابة للقرار “الإسرائيلي”.
ثالثًا: تحريك اللوبي الإنجيلي: تمثلت الركيزة الثالثة في تحريك اللوبي الإنجيلي، أو ما يعرف بالتيار الصهيوني المسيحي، لدفع إدارة ترامب نحو المواجهة مع إيران لأسباب عقائدية ودينية.
أباطرة المؤسسات الإعلامية
قبل اندلاع الحرب، ورغم تأكيد سلطنة عمان – الوسيط في المفاوضات الأميركية الإيرانية – أن هناك تقدمًا ملحوظًا في المحادثات وتنازلات إيرانية لتجنب المواجهة، اتجهت المنصات الإعلامية الأميركية المرتبطة برجال أعمال يهود نافذين إلى نشر تقارير توحي بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بات على وشك إطلاق الحرب.
ومن أبرز المؤسسات الإعلامية التي يمتلكها أو يشارك في ملكيتها رجال أعمال يهود أميركيون، وشاركت في هذا الجهد الدعائي: بلومبرغ التي يمتلكها رجل الأعمال مايكل بلومبرغ، و نيويورك تايمز التي تملكها عائلة سولزبيرغر ذات الأصول اليهودية، وشركة News Corp التي أسسها روبرت مردوخ.
وتشير إحصاءات إلى أن نحو 224 صحيفة ونشرة تصدر عن منظمات يهودية في الولايات المتحدة، إضافة إلى عشرات النشرات المغلقة التي يتداولها اليهود فقط.
كما يتمتع اليهود الأميركيون بنفوذ كبير في وسائل الإعلام الرئيسية، ومن أبرزها:
– شبكة ABC: الشبكة الأميركية للإذاعة، التي يسيطر عليها عدد من القيادات الإعلامية اليهود، من بينهم رئيسها مارتن روبنشتاين ومساعده إفران واينشتاين، إضافة إلى عدد كبير من المحررين والمراسلين المرتبطين بمنظمة “إيباك”.
– شبكة CBS: شركة كولومبيا للبث الإذاعي، التي يترأسها وليام لبيلن، ويشغل ريتشارد سيالانت منصب مديرها العام، وتعد من أبرز المنصات الإعلامية التي تقدم خدمات إعلامية وسياسية داعمة لإسرائيل.
– شبكة NBC: الشركة الوطنية للإذاعة، التي ترأسها الفرد سيلفر مان، خلفًا لمؤسسها روبرت سارنوف، وتضم عددًا كبيرًا من المحررين والمهندسين المرتبطين بالمؤسسات اليهودية في الولايات المتحدة.
وتملك هذه الشبكات الثلاث تأثيرًا واسعًا في تشكيل الرأي العام الأميركي، إذ تصل رسائلها الإعلامية إلى نحو 250 مليون أميركي، فضلًا عن ملايين المتابعين في أوروبا وأميركا اللاتينية.
الإعلامي يمهد للحرب
نشرت وسائل إعلام أميركية تقارير متتالية عن اقتراب الضربة العسكرية، من بينها تقارير في “وول ستريت جورنال”، و”سي إن إن”، و”نيويورك تايمز”، وموقع “أكسيوس”.
وكان من أخطر هذه التقارير ما نشرته شبكة CBS في 18 فبراير 2026، حيث زعمت أن كبار مسؤولي الأمن القومي أبلغوا ترامب أن الجيش الأميركي بات جاهزًا لتنفيذ ضربات ضد إيران، وأن الجدول الزمني المحتمل للعملية يقع بين يومي 3 و4 رمضان.
وقد أشارت تقارير أخرى إلى أن الضربة كانت مقررة في 21 فبراير، وهو التاريخ الذي أشار إليه ترامب لاحقًا عندما قال إن تنفيذها تأجل أسبوعًا.
وفي مفارقة لافتة، نقلت صحف أميركية عن أعضاء في الكونغرس أن وزير الخارجية الأميركي أبلغهم بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد إبلاغها بأن “إسرائيل” ستخوضها على أي حال، وأن إيران قد تستهدف المصالح الأميركية في حال اندلاع المواجهة.
وقد أثار ذلك موجة من السخرية والغضب داخل الولايات المتحدة، حيث اعتبر كثيرون أن “إسرائيل” هي التي تدفع واشنطن نحو الحرب. ورد ترامب على هذه الانتقادات بقوله: “ربما أنا من أجبرتهم”
حيلة تدوير الأخبار
أصبحت حيلة “تدوير الخبر” بين الإعلام “الإسرائيلي” والأميركي واضحة للغاية خلال هذه الفترة.
ومن أبرز من قاد هذا المسار الصحفي “الإسرائيلي” باراك ريفيد، الذي يعمل في القناة 12 “الإسرائيلية” ومراسلًا لموقع “أكسيوس”. وكان ينشر الأخبار المسربة في إسرائيل أولًا، ثم تعاد صياغتها ونشرها في وسائل الإعلام الأميركية باعتبارها معلومات مؤكدة.
ويُنظر إلى موقع “أكسيوس” باعتباره منصة يطالعها صناع القرار في البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس، ما يمنح ما ينشره تأثيرًا مباشرًا في النقاشات السياسية والاستراتيجية.
وفي 18 فبراير 2026 نشر الموقع تقريرًا قال فيه إن إدارة ترامب “باتت أقرب إلى خوض حرب كبرى في الشرق الأوسط مما يدركه معظم الأميركيين”
وأضاف أن أي عملية عسكرية أميركية ضد إيران قد تتحول إلى حملة عسكرية واسعة تستمر لأسابيع، خاصة بعد وصول حاملة الطائرات يو إس إس فورد ومجموعة الضرب التابعة لها إلى شرق البحر المتوسط.
واعتبر مراقبون أن هذا النشر المكثف هدف إلى خلق ضغط سياسي وإعلامي كبير على الإدارة الأميركية، بحيث يبدو التراجع عن الضربة بمثابة هزيمة سياسية.
تحريض الإعلام “الإسرائيلي”
لم يقتصر التمهيد للحرب على الإعلام الأميركي، بل شارك الإعلام الإسرائيلي أيضًا في الترويج لفكرة أن اللحظة مواتية لضرب إيران.
فقد نشرت منصة “نتسيف” الإسرائيلية، المتخصصة في التقارير الاستخباراتية، تقارير تحدثت عن امتلاك إيران أسلحة سرية قادرة على تحييد القوة البحرية الأميركية.
ومن بين هذه الادعاءات الحديث عن “طوربيد الحوت” فائق السرعة، الذي قيل إنه قادر على اختراق الدروع الثقيلة للسفن الحربية وإغراق حاملات الطائرات.
ووفق هذه التقارير، فإن الطوربيد يتحرك داخل فقاعة غازية تقلل الاحتكاك بالماء، ما يسمح له بالوصول إلى سرعة تقارب 360 كيلومترًا في الساعة، أي أربعة أضعاف سرعة الطوربيدات التقليدية.
كما زعم الموقع أن إيران حولت سفينة حاويات إلى قاعدة بحرية عائمة مزودة بصواريخ باليستية قادرة على استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية.
ولمزيد من التحريض، نشر الموقع سيناريو كامل للحرب بين الولايات المتحدة وإيران باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي.
كيف ردت إيران؟
في المقابل، حاولت طهران مواجهة هذه الحملة الإعلامية عبر تصريحات رسمية مباشرة، فقد رد وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي أكثر من مرة على تقارير الإعلام الأميركي و”الإسرائيلي”، مؤكدًا أن المفاوضات مع واشنطن كانت تحقق تقدمًا وأن الحديث عن الحرب كان جزءًا من حملة تضليل.
وعندما نشرت وسائل إعلام مرتبطة بالمليارديرة اليهودية ميريام أديلسون تقارير تزعم أن إيران أعدمت عشرات المعارضين، رد عرقجي عبر منصة “أكس” قائلاً:
“كلما أدلت وسيلة إعلامية تابعة لمريم أديلسون بتصريح مثير للجدل حول إيران، يجب أن نتساءل: لمن يخدم هذا التصريح؟”.
وأكد أن “أي عمليات إعدام لم تُنفذ، وأن أكثر من ألفي سجين حصلوا على عفو”.
وتعد ميريام أديلسون من أبرز الداعمين الماليين لدونالد ترامب ومن المقربين إليه، وقد ولدت في تل أبيب وتدير إمبراطورية اقتصادية في الولايات المتحدة.
تحركات اللوبي الإنجيلي
إلى جانب اللوبي الصهيوني، لعب اللوبي الإنجيلي – خاصة التيار المعروف بالصهيونية المسيحية – دورًا في دفع إدارة ترامب نحو المواجهة مع إيران. ويمكن فهم هذا الدور عبر عدة مستويات، منها: العقائدي، والمؤسسي، والسياسي، والجيوسياسي، حيث تعتمد الصهيونية المسيحية على قراءة حرفية لنصوص من العهد القديم، خصوصًا ما ورد في سفر حزقيال حول حرب “يأجوج وماجوج”. ويعتقد أنصار هذا التيار أن “فارس” المذكورة في النصوص التوراتية تشير إلى إيران الحالية.
وبناء على هذا التصور، يرى بعض الإنجيليين أن الصدام مع إيران جزء من مخطط إلهي يمهد لعودة المسيح وبداية ما يسمونه “الألفية السعيدة”.
وفيما يخص المؤسسات والشخصيات المؤثرة، تعد منظمة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” أكبر منظمة صهيونية مسيحية في الولايات المتحدة، وقد لعبت دورًا بارزًا في الضغط السياسي لدعم “إسرائيل” وفرض عقوبات على إيران.
كما كان داخل دائرة ترامب عدد من المستشارين الإنجيليين المؤيدين بشدة “لإسرائيل”، من بينهم القسيسة باولا رايت المستشارة الروحية للرئيس، ونائب الرئيس السابق مايك بنس.
وقد دعم هذا التيار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، كما أيد سياسة “الضغط الأقصى” على طهران، وساند قرار اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
ويشكل الإنجيليون البيض نحو 80% من القاعدة الانتخابية لترامب، وهم من أكثر الفئات الأميركية دعمًا لإسرائيل.
ومن خلال المؤتمرات السياسية والضغط على الكونغرس وتمويل الحملات الانتخابية، إضافة إلى الحملات الإعلامية الدينية التي تربط إيران بنبوءات آخر الزمان، ساهم هذا التيار في تعزيز المناخ السياسي الداعم للحرب.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن الحرب الحالية لم تكن مجرد قرار عسكري مفاجئ، بل جاءت نتيجة تفاعل معقد بين ضغط إعلامي وسياسي وعقائدي مارسته شبكات نفوذ متعددة داخل الولايات المتحدة وخارجها، في مقدمتها لوبي الإعلام الصهيوني واللوبي الإنجيلي، بما جعل المواجهة مع إيران تبدو – في لحظة معينة – خيارًا لا مفر منه داخل دوائر القرار في واشنطن.




