دراسات

تحولات البيئة التشريعية في مصر وانعكاساتها على الحريات الصحفية (1952-2025)

  • ازدواجية العلاقة بين النصوص الدستورية الضامنة لحرية الصحافة والتشريعات المكملة وسّعت نطاق القيود منذ 1952
  • الدولة انتقلت من احتكار مباشر للصحافة في العهد الناصري إلى نموذج الضبط المؤسسي المنظم في المراحل اللاحقة
  • تفعيل أدوات الطوارئ والتجريم بقضايا النشر في عهدي السادات ومبارك رغم التعددية الصحفية وهامش الانفتاح
  • مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011 مثّلت ذروة دستورية وميدانية غير مسبوقة للحريات الصحفية
  • إعادة هندسة الإطار القانوني للإعلام بعد 2013 عبر توسيع التجريم ومنح صلاحيات واسعة للجهات التنظيمية
  • غياب قانون شامل لتداول المعلومات عائق هيكلي أمام أداء الصحافة لدورها الرقابي في مساءلة السلطة

“إنسان للإعلام”- قسم الدراسات:

المقدمة:

شهدت مصر منذ انقلاب عام 1952 تحولات سياسية ودستورية وقانونية عميقة ارتبطت بطبيعة النظام الحاكم وهيكل السلطة، وانعكست بصورة مباشرة على بنية المجال العام، ومن ضمنه مجال الحريات الصحفية والإعلامية.

فعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، تشكلت البيئة التشريعية المنظمة للصحافة في سياق سياسي اتسم بغلبة الطابع العسكري على السلطة التنفيذية، وهو ما ألقى بظلاله على طبيعة النصوص الدستورية والقوانين المنظمة لعمل وسائل الإعلام.

وقد تتابعت خلال هذه الحقبة حزمٌ من التشريعات التي نظمت ملكية المؤسسات الصحفية، وحددت أطر الترخيص والرقابة، ووسّعت من صلاحيات الجهات التنفيذية في الإشراف والمتابعة، إلى جانب قوانين أخرى قيدت النشر وفرضت عقوبات سالبة للحرية في قضايا تتصل بالرأي والتعبير.

ومع تطور البيئة الرقمية، امتدت القيود القانونية إلى الفضاء الإلكتروني، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث صدرت تشريعات متعلقة بالجرائم الإلكترونية وتنظيم الإعلام الرقمي، ما أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام التقليدية والحديثة على السواء.

وفي موازاة ذلك، ظل غياب قانون شامل لتداول المعلومات يمثل أحد أبرز أوجه القصور في البنية التشريعية المنظمة للحق في المعرفة، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى الشفافية وعلى قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي.

من هذا المنطلق، تسعى هذه الورقة البحثية إلى رصد وتحليل أبرز التشريعات المنظمة للصحافة والإعلام في مصر منذ عام 1952 وحتى عام 2025، وقياس أثرها على واقع الحريات الصحفية وحق تداول المعلومات، مع تحليل العلاقة بين الإطار القانوني والممارسة الفعلية، ومدى تأثير ذلك في قدرة الصحافة المصرية على القيام بوظيفتها المجتمعية، لا سيما الدور الرقابي.

أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من بعدين رئيسيين:

أولًا: توثيق التطور التاريخي للتشريعات المنظمة للصحافة وحرية التعبير وتداول المعلومات في مصر خلال ما يزيد على سبعة عقود، وتحليل العلاقة بين النصوص القانونية والسياق السياسي الذي صدرت فيه.

ثانيًا: توفير قاعدة معرفية يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمدافعون عن حرية التعبير، وتقديم توصيات عملية تسهم في تطوير الإطار التشريعي بما يعزز استقلالية الإعلام وحق المجتمع في المعرفة.

إشكالية الدراسة:

تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة مفادها: إلى أي مدى أسهمت البيئة التشريعية في مصر خلال الفترة (1952–2025) في تشكيل واقع الحريات الصحفية وحق تداول المعلومات.

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية:

  1. كيف تطورت النصوص الدستورية المنظمة لحرية الصحافة والتعبير عبر الدساتير المتعاقبة؟
  2. ما طبيعة القوانين المقيدة للنشر والعمل الصحفي، وما أثرها على الممارسة المهنية؟
  3. كيف انعكست قوانين الطوارئ، وقوانين النشر، وتشريعات الجرائم الإلكترونية على استقلالية الصحافة؟
  4. ما أثر غياب قانون شامل لتداول المعلومات على مستوى الشفافية وعلى الدور الرقابي للصحافة؟
  5. هل شهدت البيئة التشريعية تحولات جوهرية بين الحقب السياسية المختلفة، أم أن القيود اتخذت أشكالًا متجددة ضمن إطار مستمر؟

منهجية الدراسة:

تعتمد هذه الدراسة على مزيج من المناهج البحثية المتكاملة، تشمل: المنهج التاريخي، والمنهج القانوني التحليلي، والمنهج الوصفي التحليلي؛ لربط النصوص القانونية بواقع الممارسة الصحفية، وقياس الفجوة بين النص والتطبيق.

تقسيم الدراسة:

تغطي الدراسة المحاور الآتية:

  1. البيئة التشريعية في العهد الناصري: تأميم الصحافة وترسيخ الضبط القانوني
  2. التحولات التشريعية في عهدي السادات ومبارك: بين الانفتاح الشكلي واستمرار القيود
  3. مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011: اتساع المجال العام ومحاولات إعادة ضبطه
  4. مرحلة ما بعد 2013: إعادة هندسة الإطار القانوني للإعلام والفضاء الرقمي
  5. أثر غياب قانون تداول المعلومات على الشفافية والدور الرقابي للصحافة
  6. تحليل مقارن لأثر البيئة التشريعية على واقع الحريات الصحفية
  7. الخاتمة والنتائج والتوصيات

المحور الأول: البيئة التشريعية في عهد عبدالناصر: تأميم الصحافة وترسيخ الضبط القانوني:

يمثل انقلاب يوليو 1952 نقطة تحول مفصلية في مسار الصحافة المصرية، إذ انتقلت البلاد إلى نظام جمهوري ذي طابع مركزي، ارتبط فيه المجال الإعلامي بصورة وثيقة بمشروع الدولة السياسي والاجتماعي.

في هذا السياق، لم تعد الصحافة مجرد ساحة للتعبير العام، بل أصبحت أداة من أدوات التعبئة السياسية، وهو ما انعكس في صدور سلسلة من التشريعات المنظمة لوسائل الإعلام، هدفت إلى إعادة هيكلة المجال الصحفي وضبطه قانونيًا بما يتماشى مع توجهات النظام الجديد.

ومن الناحية النظرية، حرصت الدساتير المتعاقبة على تضمين نصوص تكفل حرية الصحافة والتعبير، إلا أن القوانين المفسرة والمكملة لهذه النصوص اتجهت، في كثير من الأحيان، إلى تقييد هذه الحريات عبر اشتراطات تنظيمية وقيود فضفاضة ارتبطت بمفاهيم مثل “النظام العام” و”أمن الدولة” و”المصلحة العليا للبلاد”، وهي مفاهيم اتسمت بالمرونة واتساع نطاق التأويل.

ولإدراك طبيعة التحول الذي شهدته البيئة التشريعية بعد عام 1952، تجدر الإشارة إلى أن دستور 1923 كان قد أقر، في سياقه الليبرالي، جملة من الضمانات المتعلقة بالحريات العامة وحرية الصحافة، قبل أن يُلغى ويصدر دستور 1930، ثم تُعلّق الحياة الدستورية مع قيام حركة الضباط الأحرار بانقلاب 1952.

تأسيس الإطار الدستوري المنظم للصحافة عام 1954

على الرغم من الخطاب الثوري الذي ارتبط بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في تلك المرحلة، فإن حرية الصحافة في دستور 1954 لم تكن مطلقة، بل أُدرجت ضمن إطار قانوني يسمح بتقييدها استنادًا إلى اعتبارات النظام العام وأمن الدولة.

وقد عكس ذلك الدستور — رغم طبيعته المؤقتة — توجه الدولة نحو تنظيم المجال العام وفق رؤية مركزية، ومن أبرز النصوص ذات الصلة:

  • نصّت المادة (44) على أن «حرية الصحافة مكفولة، ولا يجوز التعرض للصحفيين في أداء رسالتهم»، غير أن هذه الكفالة ارتبطت ضمنيًا بإطار تنظيمي أوسع يجيز التدخل استنادًا إلى اعتبارات عليا.
  • وأكدت المادة (45) أنه «لا يجوز أن يكون في الصحافة ما يمس مصلحة البلاد العليا أو يهدد الأمن العام»، وهو نص يمنح السلطة التنفيذية مجالًا واسعًا لتقدير حدود المسموح والممنوع.
  • كما نصّت المادة (46) على أن «حرية تأسيس الصحف مكفولة، وذلك وفقًا لأحكام القانون»، ما جعل ممارسة هذا الحق رهينة بالتشريعات المكملة.

وتكشف هذه النصوص عن معادلة مزدوجة: ضمان دستوري شكلي لحرية الصحافة، يقابله فتح المجال أمام القيود التشريعية والتنفيذية، وقد انعكس ذلك عمليًا في بسط الدولة رقابة مشددة على وسائل الإعلام، سواء عبر أدوات تنظيمية أو من خلال التدخل المباشر في السياسات التحريرية.

القانون رقم 148 لسنة 1957 (قانون تنظيم الصحافة)

جاء القانون رقم 148 لسنة 1957 ليؤسس إطارًا قانونيًا أكثر تفصيلًا لتنظيم العمل الصحفي، حيث منح هذا القانون السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة في الإشراف على إصدار الصحف وتنظيمها، كما وضع قيودًا على الملكية والإدارة، وأتاح فرض عقوبات على المخالفات المرتبطة بالنشر.

ويمكن قراءة هذا القانون في سياق سعي الدولة إلى إحكام السيطرة المؤسسية على المجال الصحفي، بحيث يصبح جزءًا من البنية العامة للدولة ومشروعها السياسي، لا مجالًا مستقلًا عن توجهاتها.

وقد أسهم ذلك في تقليص هامش التعددية الإعلامية، وتعزيز نمط إعلامي أقرب إلى التعبئة الرسمية.

قانون الطوارئ لعام 1967 وتعزيز الرقابة الاستثنائية

مثلت هزيمة يونيو 1967 لحظة فارقة في البيئة السياسية والتشريعية؛ ففي ظل إعلان حالة الطوارئ، اتسعت صلاحيات السلطة التنفيذية، وامتدت القيود لتشمل مزيدًا من الرقابة على وسائل الإعلام.

وأتاح قانون الطوارئ للسلطات فرض رقابة مسبقة على المطبوعات، وتعليق بعض الضمانات الإجرائية، ما أدى إلى مزيد من تقييد حرية التعبير، وترسيخ مناخ إعلامي يتسم بالحذر الشديد والتوجيه المركزي. [1]

بوجه عام، يمكن القول إن المرحلة الناصرية أرست نموذجًا تشريعيًا يقوم على ازدواجية بين النص الدستوري الضامن للحريات من حيث المبدأ، والتشريعات المكملة التي وسّعت من أدوات الضبط والرقابة.

وقد أسهم هذا الإطار في إعادة تعريف وظيفة الصحافة بوصفها شريكًا في مشروع الدولة، أكثر من كونها سلطة رقابية مستقلة.

ومع أن هذه البيئة التشريعية جاءت في سياق بناء دولة مركزية تسعى إلى تثبيت أركانها، فإنها وضعت الأساس القانوني لنمط من العلاقة بين السلطة والصحافة استمر تأثيره — بأشكال متفاوتة — في المراحل اللاحقة.

المحور الثاني: التحولات التشريعية في عهدي السادات ومبارك بين الانفتاح الشكلي واستمرار القيود:

مثّل الانتقال من المرحلة الناصرية إلى عهد الرئيس أنور السادات تحولًا سياسيًا اتسم بإعادة تموضع الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو ما انعكس بدوره على المجال الإعلامي. فبينما حافظ الإطار العام على مركزية الدولة في إدارة المجال العام، شهدت البيئة التشريعية قدرًا من إعادة التنظيم أتاح هامشًا أوسع نسبيًا للحركة الصحفية، دون أن يعني ذلك انتقالًا كاملًا إلى نموذج إعلامي ليبرالي مستقل.

وفي هذا السياق، جاء دستور 1971 ليشكّل المرجعية الدستورية الحاكمة لتنظيم حرية الصحافة طوال عهدي السادات ومبارك، حيث استمر العمل به حتى عام 2011.

وقد تضمّن الدستور عددًا من النصوص التي قررت ضمانات دستورية لحرية الصحافة، إلا أنها أبقت في الوقت ذاته على مساحة واسعة للتقييد عبر الإحالة إلى القانون.

دستور 1971 وإعادة صياغة الضمانات الدستورية

نصّ دستور 1971 في باب الحقوق والحريات على مجموعة من المواد المتعلقة بحرية الصحافة والإعلام، عكست توجهًا معلنًا نحو إقرار ضمانات قانونية، مع الإبقاء على أدوات تنظيمية تسمح بالضبط، ومن أبرز هذه المواد:

  • المادة (47) نصّت على أن «حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة، ولا يجوز فرض رقابة على الصحف أو مصادرتها إلا في حدود القانون». ويُفهم من هذا النص إقرار مبدئي بحرية الصحافة، مع اشتراط تنظيمها تشريعيًا، وهو ما فتح الباب أمام صدور قوانين مقيِّدة تحت مظلة “حدود القانون”.
  • المادة (48) أكدت أنه «لا يجوز تعطيل الصحف أو وقفها أو إغلاقها إلا بحكم قضائي»، وهو نص مثّل من الناحية النظرية ضمانة ضد القرارات الإدارية التعسفية، إلا أن فعاليته ظلت مرتبطة بطبيعة البيئة السياسية والقانونية السائدة.
  • المادة (49) قرّرت أن «الحق في الرد مكفول، وتلتزم الصحف بنشر الرد في المكان نفسه الذي نُشر فيه الموضوع محل الرد»، وهو نص يعكس اهتمامًا بحماية حقوق الأفراد وتنظيم التوازن بين حرية النشر والمسؤولية المهنية.

ويمكن ملاحظة أن دستور 1971 حاول تقديم صيغة توفيقية بين مبدأ حرية الصحافة ومتطلبات الدولة، إلا أن الإحالة المستمرة إلى “حدود القانون” أبقت المجال مفتوحًا أمام السلطة التشريعية — ومن ورائها السلطة التنفيذية — لإعادة تعريف حدود الحرية وفق مقتضيات المرحلة السياسية.

قانون تنظيم الصحافة لسنة 1976 وإدارة الانفتاح المقيد

شهد عام 1976 صدور قانون جديد لتنظيم الصحافة، مثّل خطوة مهمة في إعادة هيكلة المجال الإعلامي، حيث أقرّ عددًا من المبادئ الأساسية، من بينها:

  • كفالة حرية الصحافة وحق التعبير في إطار القانون.
  • عدم جواز مصادرة الصحف إلا بحكم قضائي.
  • ضمان الحقوق المهنية للصحفيين داخل مؤسساتهم.
  • تنظيم مسؤولية رئيس التحرير عن المخالفات الصحفية.
  • فرض عقوبات على نشر ما يُعدّ أخبارًا كاذبة أو مواد تمس الأمن القومي.

وقد أتاح هذا القانون إنشاء صحف حزبية وخاصة، في سياق ما عُرف بسياسة “الانفتاح السياسي” التي تبناها السادات، غير أن هذا التوسع الكمي في عدد الإصدارات لم يقترن بتحرر كامل من أدوات الرقابة والضبط.

كما أن الإشكالية الأساسية للقانون تمثلت في اتساع نطاق المصطلحات المستخدمة، مثل “الأمن القومي” و”المصلحة العامة”، بما يسمح بتأويلها على نحو يبرر القيود.

ونصّ القانون على إنشاء المجلس الأعلى للصحافة بوصفه هيئة تتولى الإشراف العام على شؤون الصحافة، ومن بين اختصاصاته:

  • منح وتجديد تراخيص إصدار الصحف.
  • متابعة الأداء المهني والأخلاقي.
  • وضع السياسات العامة لتطوير المؤسسات الصحفية.

ورغم الطابع المؤسسي لهذا التنظيم، فإن تركيبة المجلس وآلية تشكيله أبقت على حضور مؤثر للدولة في إدارة المجال الصحفي، ما حدّ من استقلاليته الفعلية.

تنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسات الصحفية

كرّس القانون استمرار نظام المؤسسات الصحفية القومية، مثل الأهرام والأخبار والجمهورية، بوصفها مؤسسات مملوكة للدولة، تخضع لإشراف عام منها، مع وضع ضوابط مالية وإدارية لإدارتها.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الانفتاح الذي أتاحه القانون تمثل أساسًا في السماح بظهور صحف حزبية وخاصة، بينما ظل القطاع الأكبر من الصحافة — ممثلًا في المؤسسات القومية — مرتبطًا بالبنية المؤسسية للدولة، ما حافظ على قدر معتبر من التأثير الحكومي في تشكيل الخطاب العام [2] .

ويمكن توصيف البيئة التشريعية في عهد السادات بأنها انتقلت من نموذج “الاحتكار شبه الكامل” في المرحلة الناصرية إلى نموذج “التعددية المنظمة”، حيث سُمح بتعدد المنابر، لكن ضمن إطار قانوني ومؤسسي يحافظ على قدرة الدولة على التدخل عند الضرورة.

عهد مبارك ومحاولات التشديد التشريعي على الصحافة

على الرغم من استمرار العمل بدستور 1971 بما تضمنه من نصوص تكفل حرية الصحافة من حيث المبدأ، فإن عهد الرئيس حسني مبارك اتسم بازدواجية واضحة في إدارة المجال الإعلامي؛ إذ حافظ النظام على هامش محسوب من حرية الحركة الصحفية، خاصة مع توسع الصحف الحزبية والمستقلة نسبيًا، لكنه لم يتخلَّ عن أدوات الضبط القانوني والأمني، لا سيما في ظل استمرار العمل بقانون الطوارئ.

وقد بلغت محاولات التشديد التشريعي ذروتها في مايو 1995، فيما عُرف إعلاميًا بـ”قانون اغتيال الصحافة”، حين تقدمت الحكومة بمشروع القانون رقم 93 لسنة 1995 لتعديل بعض أحكام قانون العقوبات المتعلقة بجرائم النشر.

أولًا: السياق السياسي لصدور القانون رقم 93 لسنة 1995:

جاء المشروع في لحظة تصاعدت فيها الحملات الصحفية التي تناولت قضايا فساد إداري ومالي، وبدأت الصحافة تمارس دورًا رقابيًا أكثر جرأة مقارنة بالمراحل السابقة. وفي هذا السياق، اقترحت الحكومة المشروع على مجلس الشعب في 20 مايو 1995، وتمت مناقشته وإقراره في جلسة مسائية عُقدت في 27 مايو من العام ذاته، واستغرقت نحو خمس ساعات.

ورغم غياب عدد من أعضاء الحزب الوطني، فإن النصاب القانوني كان متوافرًا لتمرير القانون. وقد وافق الرئيس مبارك عليه في الليلة نفسها، ونُشر في الجريدة الرسمية في صباح اليوم التالي، في خطوة عكست رغبة السلطة التنفيذية في سرعة إقراره وإنفاذه.

بررت الحكومة إصدار القانون بما اعتبرته ضرورة لمواجهة “التجاوزات” في حرية الرأي والتعبير، وحماية الحياة الخاصة، وتعزيز العقوبات في جرائم النشر، مؤكدة أن تمييز الصحفيين بضمانات خاصة يتعارض مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (40) من الدستور.

ثانيًا: طبيعة القيود التي فرضها القانون:

أعاد القانون رقم 93 لسنة 1995 صياغة عدد من مواد قانون العقوبات المتعلقة بجرائم النشر، وشدد العقوبات على نحو غير مسبوق، ما أثار مخاوف واسعة داخل الجماعة الصحفية، ومن أبرز التعديلات:

  • المادة : (188) نصّت على معاقبة كل من ينشر أخبارًا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة بالحبس والغرامة، إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو الإضرار بالمصلحة العامة أو ازدراء مؤسسات الدولة.

وشددت العقوبة إلى السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات إذا كان القصد الإضرار بالاقتصاد القومي أو المصالح القومية.

  • المادة (302/الفقرة الثانية): قررت أن الطعن في أعمال الموظف العام لا يُعد جريمة إذا تم بحسن نية وفي حدود الوظيفة، مع اشتراط إثبات صحة الوقائع المنشورة، وهو شرط اعتُبر عبئًا إثباتيًا ثقيلًا على الصحفي.
  • المادة : (303) شددت العقوبات في جريمة القذف، خاصة إذا وقعت بحق موظف عام بسبب أداء وظيفته.

كما ألغى القانون عمليًا بعض الضمانات المتعلقة بعدم الحبس الاحتياطي في جرائم النشر، ما وضع الصحفيين تحت تهديد دائم بعقوبات سالبة للحرية.

وقد أُخذ على القانون أيضًا صدوره دون عرضه على نقابة الصحفيين أو المجلس الأعلى للصحافة، الأمر الذي عُدّ تجاوزًا للتقاليد التشاورية المستقرة في القوانين المنظمة للمهنة.

ثالثًا: رد الفعل النقابي والاحتجاجي:

أثار صدور القانون رد فعل غير مسبوق داخل الجماعة الصحفية،  فقد دعا مجلس نقابة الصحفيين إلى اجتماع طارئ في 29 مايو 1995، وأُعلن عن عقد جمعية عمومية طارئة في 10 يونيو، سبقتها فعاليات المؤتمر العام الأول للصحفيين في 1 يونيو بمشاركة واسعة من مختلف الاتجاهات.

وتصاعدت حركة الاحتجاج، حيث نُظم اعتصام بمقر النقابة في 6 يونيو 1995 استمر عدة ساعات، في واحدة من أكبر التحركات المهنية في تاريخ الصحافة المصرية آنذاك. كما احتجبت بعض الصحف عن الصدور، واعتصم عدد من المحررين داخل النقابة، ونُشرت قوائم بأسماء النواب الذين أيدوا تمرير القانون، في مؤشر على اتساع دائرة الرفض.

وظلت الجمعية العمومية في حالة انعقاد شبه دائم، برئاسة النقيب إبراهيم نافع، إلى أن نجحت الضغوط المهنية والسياسية في إعادة فتح الملف تشريعيًا.

رابعًا: من القانون 93 إلى القانون 96 لسنة 1996:

في ظل تصاعد الاحتجاجات، عقد الرئيس مبارك لقاءات مع ممثلين عن الصحفيين، وطرح مقترحات لتجميد تنفيذ بعض العقوبات السالبة للحرية، وتشكيل لجنة لإعداد مشروع قانون جديد للصحافة، بل وعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا.

وبعد عام من الجدل والمفاوضات، صدر القانون رقم 96 لسنة 1996 لتنظيم الصحافة، بوصفه بديلًا للقانون السابق.

وقد أُعدّ المشروع بمشاركة لجنة قانونية وصحفية ضمت عددًا من القامات القانونية والمهنية، في محاولة لاحتواء الأزمة وإعادة التوازن بين التنظيم والضمانات.

ورغم أن القانون الجديد خفف بعض القيود التي تضمنها قانون 1995، فإنه لم يُلغِ الإطار العام الذي يسمح بتجريم النشر في قضايا تتصل بالأمن القومي أو النظام العام، ما أبقى العلاقة بين الصحافة والسلطة في إطار من التوتر القانوني المستمر[3] .

ويمكن النظر إلى قانون 96 لسنة 1996 بوصفه محاولة لإعادة التوازن بين مقتضيات الضبط القانوني وضمانات الحرية المهنية؛ فقد وفر القانون مساحات أوسع نسبيًا للحركة  الصحفية مقارنة بالقانون السابق، وعزز بعض الضمانات الإجرائية، ولا سيما فيما يتعلق بمنع الحبس الاحتياطي وحماية المصادر.

إلا أن هذه المساحات ظلت محكومة بسقف تشريعي عام يسمح بتقييد النشر استنادًا إلى اعتبارات الأمن القومي أو النظام العام، فضلًا عن استمرار العمل بقانون الطوارئ، وهو ما حدّ من التحول الكامل نحو بيئة إعلامية مستقلة.

التعديلات الدستورية لعام 2005.. توسيع الخطاب الإصلاحي واستمرار القيود:

جاءت التعديلات الدستورية لعام 2005 في سياق سياسي اتسم بضغوط داخلية وخارجية متزايدة من أجل توسيع نطاق المشاركة السياسية وتعزيز مظاهر الإصلاح. وقد شملت هذه التعديلات عددًا من المواد ذات الصلة بالحقوق والحريات، بما في ذلك النصوص المنظمة لحرية الصحافة.

ورغم أن الدستور المعدل أكد مجددًا كفالة حرية الصحافة والطباعة والنشر، فإنه أبقى هذه الحرية مقيدة بعبارة “في حدود القانون”، وهي الصيغة ذاتها التي شكّلت الإطار التقليدي لتنظيم حرية التعبير منذ دستور 1971.

كما أجاز فرض تدابير استثنائية في حالات تتصل بالأمن القومي أو متطلبات السلامة العامة، ما أبقى المجال مفتوحًا أمام السلطة التشريعية والتنفيذية لإعادة تعريف حدود الحرية وفقًا لتقديرها.

ومن ثم، لم تمثل تعديلات 2005 تحولًا جوهريًا في بنية الضمانات الدستورية لحرية الصحافة، بقدر ما أعادت تأكيد الصيغة القائمة التي تجمع بين الإقرار المبدئي بالحرية والإحالة الواسعة إلى القانون بوصفه أداة التنظيم والتقييد معًا.

وتكشف القراءة المقارنة بين النصوص الدستورية والتطبيق العملي خلال تلك المرحلة أن البيئة الإعلامية ظلت محكومة بازدواجية واضحة: توسع نسبي في عدد الصحف المستقلة والحزبية، مقابل استمرار إمكانية اللجوء إلى نصوص قانون العقوبات وقانون الطوارئ في ملاحقة الصحفيين في قضايا النشر، خاصة في الموضوعات ذات الطابع السياسي أو المتصلة بالمؤسسة التنفيذية.

المحور الثالث: مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011: اتساع المجال العام ومحاولات إعادة ضبطه:

مثّلت ثورة 25 يناير 2011 نقطة تحول مفصلية في مسار المجال العام المصري، إذ أفضت إلى حالة من الانفتاح غير المسبوق في فضاء الحريات السياسية والإعلامية. وانعكس هذا التحول بصورة مباشرة على واقع الصحافة، التي شهدت خلال الفترة الانتقالية (2011–2013) توسعًا ملحوظًا في هامش التعبير، وتراجعًا نسبيًا في أنماط الرقابة التقليدية.

وقد تجسد هذا التحول في الإطار الدستوري الجديد، ولا سيما في دستور 2012، الذي تضمّن نصوصًا موسعة تتعلق بحرية الفكر والرأي، وحرية الإبداع، وحق تداول المعلومات، وحرية الصحافة والإعلام، مع حظر الرقابة والمصادرة إلا بحكم قضائي.

الضمانات الدستورية في دستور 2012

جاء دستور 2012 محمّلًا بحزمة من النصوص التي اعتُبرت — في حينها — توسعًا نوعيًا في مجال الحقوق والحريات، مقارنة بالدساتير السابقة.

  • المادة (45) نصّت على أن “حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير.”

ويُلاحظ أن النص جاء بصيغة عامة وشاملة، من دون حصر وسائل التعبير، بما ينسجم مع تطور البيئة الإعلامية والرقمية.

  • المادة (46) أقرت أن “حرية الإبداع بأشكاله المختلفة حق لكل مواطن”، مع التزام الدولة برعاية العلوم والفنون والآداب، وحماية الإبداعات والابتكارات.

ويمثل هذا النص توسعًا في مفهوم الحرية الثقافية، بوصفها جزءًا من المنظومة الأوسع لحرية التعبير.

  • المادة (47) كفلت الحق في الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها وتداولها، باعتباره حقًا لكل مواطن، مع إلزام المشرّع بتنظيم قواعد إيداع الوثائق العامة، وآليات الحصول عليها، وطرق التظلم من رفض تسليمها.

ويمثل هذا النص تطورًا مهمًا في الاعتراف الدستوري بحق تداول المعلومات، الذي ظل لعقود مطلبًا مهنيًا لم يتحول إلى قانون نافذ.

  • المادة (48) أكدت أن حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة، وأنه يُحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي، كما حظرت الرقابة على ما تنشره وسائل الإعلام، مع السماح بفرض رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة. ويُعد هذا النص من أكثر النصوص وضوحًا في حظر الرقابة الإدارية المسبقة.
  • المادة (49) قررت أن حرية إصدار الصحف وتملكها بجميع أنواعها مكفولة بمجرد الإخطار، لكل شخص مصري طبيعي أو اعتباري، مع تنظيم القانون لإنشاء محطات البث ووسائط الإعلام الرقمي.

ويمثل مبدأ “الإخطار” بدلًا من “الترخيص” تحولًا مهمًا في فلسفة تنظيم إصدار الصحف.

انعكاسات النصوص الدستورية على الواقع الصحفي

أتاحت هذه النصوص الدستورية بيئة قانونية أكثر انفتاحًا، انعكست على المشهد الإعلامي في تلك المرحلة؛ فقد شهدت الصحافة توسعًا ملحوظًا في عدد الإصدارات اليومية، وارتفاعًا في معدلات التوزيع، كما تنوعت الاتجاهات التحريرية، وازدادت مساحة النقد السياسي، بما في ذلك توجيه انتقادات مباشرة لأداء مؤسسات الدولة.

كما شهدت المؤسسات الصحفية القومية انفتاحًا نسبيًا على كتاب واتجاهات جديدة، واستعادت — لفترة — قدرًا من التفاعل الجماهيري.

وقد عكس ذلك إدراكًا متزايدًا بأن حرية التعبير تمثل شرطًا أساسيًا لحيوية المجال الإعلامي وتطوره[4] .

ويمكن توصيف الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2013 بأنها مرحلة اتساع استثنائي في المجال العام، مدعوم بنصوص دستورية متقدمة نسبيًا في ضمان الحريات الصحفية، غير أن هذا الاتساع ظل مرتبطًا بظرف سياسي انتقالي، ولم يُترجم بالكامل إلى بنية تشريعية مستقرة، إذ لم يصدر خلال تلك الفترة قانون شامل لتداول المعلومات، كما لم تُلغَ بشكل جذري النصوص المقيدة في قانون العقوبات.

ومن ثم، فإن هذه المرحلة تمثل حالة من الانفتاح الدستوري والسياسي، أكثر من كونها إعادة هيكلة كاملة للإطار القانوني المنظم للصحافة.

المحور الرابع: مرحلة ما بعد 2013: إعادة هندسة الإطار القانوني للإعلام والفضاء الرقمي

شهدت مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013 تحولات سياسية عميقة انعكست على بنية المجال العام، وعلى الإطار التشريعي المنظم للصحافة والإعلام.

وعلى الرغم من أن دستور 2014 — المعدل عام 2019 — تضمن نصوصًا موسعة نسبيًا تكفل حرية الصحافة، فإن العلاقة بين النص الدستوري والتشريعات اللاحقة تثير إشكالية تتعلق بمدى اتساق البنية القانونية مع الضمانات المقررة دستوريًا.

الضمانات الدستورية في دستور 2014

نصّت المادة (70) من دستور 2014 على أن: “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة، وللمصريين من أشخاص طبيعية واعتبارية، عامة أو خاصة، حق ملكية وإصدار الصحف، وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام الرقمي. وتصدر الصحف بمجرد الإخطار، على النحو الذي ينظمه القانون، كما ينظم القانون إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية.”

ويمثل هذا النص امتدادًا لفلسفة “الإخطار” بدلًا من “الترخيص المسبق”، كما يقر صراحة حق الملكية والإصدار لمختلف أشكال الوسائط، بما في ذلك الإعلام الرقمي.

كما نصّت المادة (71) على أن: “يحظر بأي وجه فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، أو مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها، ويجوز استثناءً فرض رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة.

ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، أو التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد، ويُحدد القانون عقوباتها.”

ويتضح من هذا النص أن المشرّع الدستوري حظر الرقابة والمصادرة والوقف والإغلاق كأصل عام، وقصر الاستثناء على ظروف محددة، كما قرر مبدأ عدم توقيع عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر، مع استثناءات ضيقة.

الدلالة الدستورية للنصوص المنظمة لحرية الصحافة

تعكس المواد المشار إليها تبني الدستور لنهج يقترب من الفلسفة الليبرالية في تنظيم الإعلام، من حيث:

  • الإقرار بحرية الإصدار والملكية بمجرد الإخطار.
  • حظر الرقابة المسبقة.
  • تقييد إمكانية فرض العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر.
  • تنظيم الاستثناءات وفقًا لمبدأ الضرورة وفي نطاق ضيق.

ويترتب على ذلك — من الناحية النظرية — التزام المشرّع العادي بمواءمة القوانين المنظمة للصحافة والإعلام مع هذه الضمانات، وعدم إصدار نصوص تفرغها من مضمونها أو توسع من الاستثناءات على حساب الأصل العام المتمثل في الحرية.

كما أن السماح بفرض رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة يستند إلى ما يُعرف في الفقه الدستوري بنظرية الضرورة، التي تقضي بأن يُقدَّر الاستثناء بقدره، وألا يتحول إلى قاعدة عامة دائمة.

كذلك، فإن الحظر الدستوري لتوقيع عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر — باستثناء حالات محددة — يمثل تطورًا مهمًا في فلسفة العقاب في قضايا التعبير، ويستلزم مراجعة التشريعات الجنائية ذات الصلة لضمان اتساقها مع النص الدستوري [5].

القوانين المُفسِّرة” وإشكالية الاتساق مع الضمانات الدستورية

على الرغم من وضوح النصوص الدستورية الواردة في دستور 2014، ولا سيما المواد (65) و(70–72)، التي أكدت ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير بكافة الوسائل، وكفالة حرية الصحافة والطباعة والنشر بجميع أشكالها، وحظر الرقابة على وسائل الإعلام إلا في حالات استثنائية محدودة، فضلًا عن التأكيد على استقلال المؤسسات الإعلامية، فإن المرحلة التالية شهدت صدور عدد كبير من القوانين ذات الصلة بالمجال الإعلامي، أُطلق عليها في الخطاب القانوني “القوانين المفسِّرة” أو المكملة للدستور.

وقد تجاوز عدد النصوص القانونية ذات التأثير المباشر أو غير المباشر على حرية الصحافة مئات المواد الموزعة على قوانين متعددة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى اتساق هذه التشريعات مع الفلسفة الدستورية المعلنة.

أولًا: القوانين ذات الطابع الأمني وأثرها على العمل الصحفي

من بين القوانين التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والإعلامية:

  • قانون مكافحة الإرهاب وتعديلاته.
  • قانون الكيانات الإرهابية.
  • قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (الجرائم الإلكترونية).
  • قانون تنظيم الاتصالات.

تتضمن هذه القوانين نصوصًا تجرّم نشر أو تداول معلومات تتعلق بعمليات أمنية أو بيانات رسمية تخالف الرواية المعتمدة من الجهات المختصة، كما تمنح جهات الضبط والتحقيق صلاحيات واسعة في الملاحقة والمنع والحجب، وهو ما قد يضع الصحفي أمام مسؤولية جنائية بسبب نشره معلومات تتصل بعمله المهني.

وتكمن الإشكالية الرئيسية في اتساع نطاق المصطلحات المستخدمة، مثل “الأمن القومي”، و”الإضرار بالمصلحة العامة”، و”نشر أخبار غير صحيحة”، وهي مفاهيم قابلة لتأويلات متعددة، ما يمنح سلطة تقديرية واسعة لجهات إنفاذ القانون.

ثانيًا: قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016

يمثل قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016 نقطة تحول مهمة في إعادة هيكلة الإطار المؤسسي المنظم للمجال الإعلامي، إذ أنشأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إلى جانب هيئات أخرى لإدارة المؤسسات الصحفية والإعلامية.

وتضمن القانون عبارات عامة مثل “حماية الهوية الثقافية المصرية” و”حماية حقوق الجمهور” و”الحفاظ على مقتضيات الأمن القومي”، وهي أهداف مشروعة في ذاتها، غير أن اتساع نطاقها المفاهيمي يثير إشكالية تتعلق بحدود تطبيقها ومعايير تفسيرها.

كما منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطات واسعة في منح التراخيص، وفرض الجزاءات، ووقف أو حجب بعض الوسائل الإعلامية أو المواقع الإلكترونية في حالات محددة، وهو ما أعاد طرح السؤال حول مدى التوازن بين التنظيم والضبط من جهة، وضمان حرية التعبير من جهة أخرى.

ثالثًا: اتساع التأويل في مفاهيم الأمن القومي

تُعد مفاهيم “الأمن القومي” و”النظام العام” من أكثر المفاهيم حضورًا في التشريعات اللاحقة لدستور 2014. ورغم أن الدستور نفسه أقر إمكانية تقييد بعض الحقوق في إطار الضرورة، فإن غياب تعريف دقيق لهذه المفاهيم في بعض القوانين يفتح المجال أمام تطبيقات واسعة قد تؤثر على حرية العمل الصحفي. [6]

توسيع نطاق المسؤولية والعقوبات في قانون تنظيم الصحافة والإعلام لعام 2018

إلى جانب القوانين ذات الطابع الأمني، جاء قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 (الذي حلّ محل القانون رقم 92 لسنة 2016) ليعيد تنظيم العلاقة بين الدولة ووسائل الإعلام، ويحدد اختصاصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بصورة أكثر تفصيلًا.

أولًا: إشكالية الحماية من العقوبات السالبة للحرية

نصّت المادة (29) من القانون على خضوع الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد لأحكام العقوبات المنصوص عليها في القوانين ذات الصلة، وهو ما أعاد طرح مسألة مدى اتساق هذه النصوص مع المادة (71) من الدستور، التي قررت — كأصل عام — حظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم المرتكبة بطريق النشر أو العلانية، باستثناء حالات محددة.

وتكمن الإشكالية في أن المصطلحات المستخدمة، مثل “التحريض على العنف” أو “التمييز” أو “الطعن في الأعراض”، وإن كانت ذات طبيعة تجريمية معروفة في التشريعات الجنائية، فإن تطبيقها في سياق العمل الصحفي قد يثير خلافًا حول حدود التفسير، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بالنقد العام.

ومن ثم، فإن العلاقة بين النص الدستوري والنصوص القانونية المنظمة للعقوبات تظل محل نقاش فقهي وقضائي، يتعلق بمدى انضباط تعريف هذه الجرائم، وحدود انطباقها على الممارسة الصحفية.

ثانيًا: توسيع صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

من أبرز ما تضمنه قانون 2018 توسيع نطاق صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، سواء فيما يتعلق بمنح التراخيص، أو توقيع الجزاءات الإدارية، أو اتخاذ إجراءات بحق الوسائل الإعلامية.

وقد نصّت المادة (19) على منح المجلس سلطة اتخاذ إجراءات من بينها الحجب أو وقف أو غلق الموقع أو الصفحة أو الحساب الإلكتروني الذي يتجاوز عدد متابعيه حدًا معينًا، إذا نشر ما يُعدّ أخبارًا كاذبة، أو محتوى يحرض على مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية أو التمييز أو الطعن في أعراض الأفراد أو الإساءة إلى الأديان.

ويمثل هذا النص تحولًا لافتًا في نطاق التطبيق، إذ لم يعد مقتصرًا على الصحف والمؤسسات الإعلامية التقليدية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، بما في ذلك الحسابات الشخصية التي تتجاوز عددًا محددًا من المتابعين، وهو ما يعكس اتساع مفهوم “الوسيلة الإعلامية” في التشريع الحديث.

وتثير هذه الصلاحيات تساؤلات تتعلق بحدود السلطة التقديرية للمجلس، ومعايير تطبيق الجزاءات، وضمانات التظلم والطعن القضائي، خاصة في ضوء الطبيعة الواسعة لبعض المصطلحات مثل “الأخبار الكاذبة” أو “الإساءة”، والتي قد تختلف معايير تقديرها من حالة إلى أخرى[7].

استخدام النصوص القانونية في تنظيم ملكية وسائل الإعلام

رغم أن دستور 2014 كفل في مادته (70) حق المواطنين — أشخاصًا طبيعيين واعتباريين — في إنشاء وتملك وسائل الإعلام وإصدار الصحف بمجرد الإخطار، فإن التشريعات اللاحقة أعادت تنظيم هذا الحق ضمن إطار ترخيصي يخضع لإشراف المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

فقد منح قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، ثم قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، المجلس الأعلى سلطة تلقي الإخطارات ومنح التراخيص لإنشاء وتشغيل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والرقمية، وربط مباشرة مزاولة النشاط بالحصول على موافقة المجلس واستيفاء شروط مالية وإدارية محددة.

وبذلك انتقل التنظيم عمليًا من فلسفة “الإخطار” المنصوص عليها دستوريًا إلى آلية ترخيص مسبق، ترتب عليها تأخر أو تعثر أوضاع عدد من المواقع الإلكترونية التي تقدمت بطلبات تقنين أوضاعها، في ظل اشتراطات تنظيمية وإجرائية معقدة.

وتثير هذه الآلية تساؤلات حول مدى اتساقها مع النص الدستوري الذي قرر إصدار الصحف بمجرد الإخطار، وإن كان قد أحال إلى القانون في تنظيم الإجراءات، الأمر الذي يجعل حدود سلطة المشرّع في فرض القيود موضع نقاش فقهي ودستوري.

مواد قانون 180 لسنة 2018 وتأثيرها على حرية الصحافة

أولًا: الرقابة والاستثناءات

نصّت المادة (3) من القانون على حظر فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، وهو ما يتسق ظاهريًا مع المادة (71) من الدستور. غير أن النص ذاته أجاز فرض رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة، ومنح المجلس الأعلى صلاحيات تتعلق بضبط نسخ الصحف أو حجب المحتوى المخالف للقانون.

وتبرز هنا إشكالية حدود الاستثناء، ومدى اتساع تطبيقه، والضوابط التي تحكم استخدام سلطة الحجب أو الضبط.

ثانيًا: القيود المرتبطة بالمحتوى

حظرت المادة (4) نشر أو بث أي محتوى يتعارض مع الدستور، أو يدعو إلى مخالفة القانون، أو يخالف النظام العام أو الآداب العامة، أو يحض على التمييز أو العنف أو الكراهية.

كما منحت المجلس سلطة منع دخول أو تداول المطبوعات الصادرة من الخارج إذا رأت الجهات المختصة أن في ذلك مقتضيات تتصل بالأمن القومي.

وتُعد هذه الصياغات متسقة مع توجهات تشريعية موجودة في نظم قانونية متعددة، غير أن اتساع مفاهيم مثل “النظام العام” و”الآداب العامة” و”مقتضيات الأمن القومي” يثير تساؤلات حول معيارية التطبيق، ومدى ضمان عدم التوسع في تفسيرها على نحو يقيّد حرية التعبير.

ثالثًا: شروط الترخيص للمواقع ووسائل الإعلام

نصّت المادة (6) على اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من المجلس الأعلى لتأسيس أو إدارة المواقع الإلكترونية داخل مصر أو من الخارج إذا كانت تستهدف الجمهور المصري، ومنحت المجلس سلطة إلغاء الترخيص أو وقف النشاط أو حجب الموقع في حال المخالفة.

ويمثل هذا النص توسعًا في نطاق التنظيم ليشمل الإعلام الرقمي بصورة مباشرة، ويعكس انتقال الدولة إلى نمط رقابي مؤسسي أكثر شمولًا يشمل الفضاء الإلكتروني، لا سيما مع اتساع تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام.

رابعًا: العقوبات وضمانات النشر

أعادت المادة (29) التأكيد على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر، مع استثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز أو الطعن في أعراض الأفراد، وهو استثناء يتطلب تحديدًا دقيقًا لمجاله وحدوده، اتساقًا مع نص المادة (71) من الدستور.

كما نصّت المادة (32) على عدم معاقبة الصحفي أو الإعلامي جنائيًا على الطعن في أعمال الموظفين العموميين أو أصحاب الصفة النيابية، إلا إذا ثبت سوء النية أو عدم صحة الوقائع المنشورة أو عدم اتصالها بالوظيفة العامة.

ويُعد هذا النص امتدادًا لفكرة النقد المباح في إطار الوظيفة العامة، مع ربطه بشرط حسن النية وصحة الوقائع[8].

بالتالي، تكشف القراءة المتأنية لمرحلة ما بعد 2013 عن مفارقة بنيوية بين النص الدستوري والتشريع العادي، فمن ناحية، تبنّى دستور 2014 خطابًا موسعًا نسبيًا في ضمان حرية الصحافة والإعلام، فأقر مبدأ الإصدار بمجرد الإخطار، وحظر الرقابة المسبقة، ومنع توقيع عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر باستثناءات محددة، ومن ناحية أخرى، جاءت القوانين اللاحقة — ولا سيما قوانين مكافحة الإرهاب، والجرائم الإلكترونية، وتنظيم الصحافة والإعلام — لتعيد توسيع نطاق القيود، سواء من خلال تجريم أفعال بصياغات فضفاضة، أو عبر منح جهات تنظيمية صلاحيات واسعة في الحجب والوقف والمنع.

ويتضح من تحليل هذه التشريعات أن الدولة انتقلت من نمط الرقابة التقليدية المباشرة إلى نمط “الضبط المؤسسي المنظّم”، الذي يقوم على:

  1. إعادة هيكلة البنية التنظيمية للمجال الإعلامي عبر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
  2. إخضاع الإعلام الرقمي لآليات ترخيص ورقابة مماثلة للإعلام التقليدي.
  3. توسيع نطاق التجريم في قضايا النشر المرتبطة بالأمن القومي أو مكافحة الإرهاب أو “الأخبار غير الصحيحة”.
  4. الإبقاء على استثناءات تسمح بتوقيع عقوبات سالبة للحرية في بعض الحالات، بما يثير تساؤلات حول مدى الاتساق مع المادة (71) من الدستور.

كما أن اشتراط الترخيص المسبق للمواقع الإلكترونية، ومنح المجلس الأعلى سلطة الحجب أو وقف النشاط، أعاد تعريف حدود المجال العام الرقمي، بحيث أصبح خاضعًا لإطار تنظيمي أكثر إحكامًا مقارنة بفترة ما بعد 2011.

وبذلك يمكن القول إن مرحلة ما بعد 2013 شهدت إعادة هندسة شاملة للإطار القانوني المنظم للإعلام، اتسمت بتعزيز أدوات الضبط التشريعي والمؤسسي، في مقابل تقليص هامش الحرية الذي اتسع خلال المرحلة الانتقالية (2011–2013)، وهي إعادة هندسة لم تلغِ الضمانات الدستورية صراحة، لكنها أعادت تفسيرها وتقييدها عبر قوانين مكملة توسعت في الاستثناءات وربطت ممارسة الحرية بمقتضيات أمنية وتنظيمية واسعة.

المحور الخامس: أثر غياب قانون تداول المعلومات على الشفافية والدور الرقابي للصحافة:

يرتبط الحق في المعرفة وتداول المعلومات ارتباطًا وثيقًا ببنية النظم الديمقراطية، إذ يمثل أحد الشروط الجوهرية لتمكين المواطنين من المشاركة الواعية في الشأن العام، ومساءلة مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن إدارة الموارد العامة، فالمعلومات المتعلقة بالسياسات العامة والإنفاق العام وإدارة الأصول ليست ملكًا حصريًا للسلطة التنفيذية، بل تُعد — في الأصل — ملكًا للمجتمع، ما لم تبرر مصلحة عامة حقيقية ومحددة فرض السرية عليها.

وعلى الرغم من أن الدساتير المصرية المتعاقبة تضمنت نصوصًا تشير إلى الحق في المعرفة بدرجات متفاوتة، فإن مصر لم تصدر حتى الآن قانونًا شاملًا ونافذًا بعنوان “قانون تداول المعلومات” يضع إطارًا ملزمًا لإتاحة البيانات الحكومية والإفصاح عنها بصورة منظمة وشاملة.

أولًا: الإطار الدستوري وغياب التشريع المنفذ

نصّت المادة (68) من دستور 2014 على أن: “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها.”

ويُفهم من هذا النص أن المشرّع ملزم بإصدار قانون ينظم آليات الحصول على المعلومات، ويحدد الاستثناءات وحدود السرية، ويوفر مسارات تظلم واضحة، غير أن غياب هذا القانون حتى الآن أوجد فجوة بين النص الدستوري والتطبيق العملي، ما انعكس على قدرة الصحافة والمجتمع المدني على الوصول إلى المعلومات الرسمية.

وقد ترتب على ذلك استمرار اعتماد الصحفيين في كثير من الأحيان على مصادر غير رسمية أو تسريبات أو بيانات جزئية، في ظل غياب آلية قانونية واضحة تمكّنهم من طلب المعلومات والاحتجاج على رفض إتاحتها.

ثانيًا: انعكاسات غياب القانون على الشفافية والمساءلة

يؤثر غياب قانون نافذ لتداول المعلومات بشكل مباشر على مستوى الشفافية في إدارة الشأن العام، خاصة في القضايا ذات البعد الاقتصادي أو المرتبطة بإدارة الأصول العامة أو المشروعات القومية الكبرى.

ففي غياب التزام قانوني بالإفصاح المنظم، تظل المعلومات المتعلقة بالتكلفة، والتمويل، والتعاقدات، وآليات الرقابة، غير متاحة بصورة كافية للتحليل والنقاش العام، وهو ما يحدّ من قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي القائم على التحقيق المستند إلى بيانات رسمية قابلة للتحقق.

ومن ثم، فإن ضعف الإطار التشريعي المنظم لتداول المعلومات لا يؤثر فقط في حرية الصحافة، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومستوى الثقة في السياسات العامة.

ثالثًا: المبادئ الحاكمة لتشريعات تداول المعلومات

استقر الفقه القانوني المقارن على مجموعة من المبادئ الأساسية التي ينبغي توافرها في أي قانون فعال لتداول المعلومات، من أبرزها:

  1. الحد الأقصى من الإفصاح: اعتبار الأصل هو إتاحة المعلومات، مع استثناءات محددة ومبررة بدقة، دون اشتراط بيان سبب الطلب أو تقييده بالجنسية أو الإقامة.
  2. النشر الاستباقي: التزام الجهات العامة بنشر المعلومات ذات الصلة بالشأن العام بصورة دورية، دون انتظار طلبات، بما يشمل الأهداف والهياكل والسياسات والميزانيات.
  3. محدودية الاستثناءات: قصرها على أغراض مشروعة ومحددة، وفق اختبار ثلاثي يقوم على:
  4. وجود مصلحة مشروعة في الحماية،
  5. احتمال وقوع ضرر حقيقي،
  6. ترجيح الضرر على المصلحة العامة في الإفصاح.
  7. تيسير الحصول على المعلومات: إنشاء آليات واضحة لتقديم الطلبات، وتحديد مدد زمنية للرد، وتوفير مسارات تظلم إدارية وقضائية فعالة.
  8. تكلفة مناسبة أو مجانية: إتاحة المعلومات دون مقابل أو برسوم رمزية، خاصة إذا تعلق الأمر بالمصلحة العامة.
  9. حماية المبلّغين: توفير حماية قانونية لمن يكشفون عن مخالفات أو فساد استنادًا إلى معلومات صحيحة.
  10. أولوية الإفصاح: مواءمة التشريعات الأخرى مع قانون تداول المعلومات، وتعديل النصوص التي تتعارض معه.

رابعًا: البيئة القانونية المقيدة لتداول المعلومات

على الجانب الآخر، شهدت مصر منذ خمسينيات القرن الماضي صدور عدد من القوانين التي عززت ثقافة السرية وقيّدت تداول الوثائق والمعلومات، من بينها:

  • تشريعات تنظيم مؤسسات الدولة الإعلامية في الخمسينيات، التي رسخت مركزية السيطرة على تدفق المعلومات.
  • القانون رقم 121 لسنة 1975، وقرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979، اللذان قيدا نشر الوثائق الرسمية لفترات زمنية طويلة.
  • قوانين الصحافة والإعلام التي منحت سلطات تقديرية واسعة في حظر النشر.
  • قانون الطوارئ، الذي أتاح فرض قيود استثنائية على تداول المعلومات.
  • قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (2018)، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام (2018)، اللذان تضمنا نصوصًا تجرّم نشر بعض المعلومات.
  • قوانين العقوبات والخدمة المدنية التي تفرض قيودًا على إفشاء المعلومات، حتى بعد انتهاء الخدمة.

وتترتب على مخالفة هذه النصوص عقوبات جنائية وغرامات مالية، ما يعزز مناخ الحذر لدى الموظفين والصحفيين، ويؤثر في تدفق المعلومات إلى المجال العام [9].

يتضح من استعراض هذه القوانين أنها تشترك في تقييد الوصول إلى المعلومات بدوافع أمنية أو سيادية، مع توسيع الاستثناءات، وتعقيد الإجراءات البيروقراطية، بما يعيق العمل الصحفي والبحثي، ويحد من حق المواطنين في الحصول على المعلومات في الوقت المناسب، خاصة أثناء الأزمات والأحداث الطارئة.

ويظهر من التحليل أن غياب قانون شامل لتداول المعلومات، مقرونًا بوجود منظومة تشريعية تميل إلى توسيع نطاق السرية، يحدّ من قدرة الصحافة المصرية على ممارسة دورها الرقابي استنادًا إلى بيانات رسمية موثوقة، كما يخلق فجوة بين النص الدستوري الذي يقرر أن المعلومات “ملك للشعب” وبين الواقع التشريعي والإجرائي الذي يقيّد الوصول إليها.

المحور السادس: تحليل مقارن لأثر البيئة التشريعية على واقع الحريات الصحفية:

أدّت كثرة التشريعات القانونية المقيِّدة للحريات الصحفية والإعلامية في مصر إلى آثار سلبية بالغة على البيئة الصحفية، انعكست بوضوح في تراجع ترتيب مصر في المؤشرات الدولية لحرية الصحافة، فقد احتلت مصر المرتبة (166) عالميًا في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2023، كما جاءت في المركز السابع عشر عربيًا وفق المؤشر ذاته[10].

وفي عام 2024، تراجعت مصر أربعَ مراتب في تصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود” ضمن مؤشر حرية الصحافة العالمي، لتحتل المرتبة (170) من أصل (180) دولة، مقارنة بالمركز (166) في العام السابق.

 وواصلت المنظمة تصنيف مصر ضمن الدول “شديدة الخطورة” فيما يتعلق بحرية الصحافة، وهي الفئة الممثلة باللون الأحمر الداكن على خريطة المؤشر.

وقد شهد تصنيف مصر خلال السنوات العشر الأخيرة تدرجًا من فئة “صعبة” إلى “صعبة جدًا”، وصولًا إلى فئة “شديدة الخطورة”[11].

وفي عام 2025، جاءت مصر ضمن أسوأ عشر دول في مؤشر حرية الصحافة، محتلةً المرتبة (170) من بين (180) دولة شملها المؤشر.

ويُعزى هذا التراجع إلى القوانين المنظمة للعمل الصحفي، فضلًا عن حجم الانتهاكات الموجهة ضد الصحفيين ووسائل الإعلام، ومدى تقييد ممارسة الحريات الصحفية على أرض الواقع[12].

وتكشف بيانات الأعوام الثلاثة المتتالية (2023–2025) عن استقرار مصر في الشريحة الأدنى عالميًا في مؤشر حرية الصحافة، وهو ما يعكس تحول التراجع من كونه ظاهرة ظرفية إلى حالة هيكلية ممتدة.

ويشير هذا الثبات في المراتب المتأخرة إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بوقائع انتهاك فردية، بل ببنية قانونية ومؤسسية تُقيد المجال الإعلامي بصورة مستمرة.

كما يُظهر الربط بين القوانين المنظمة للعمل الصحفي ومستوى الانتهاكات العملية أن البيئة التشريعية لا تعمل بوصفها إطارًا ضامنًا للحرية، بل تتحول — في بعض تطبيقاتها — إلى أداة لإعادة ضبط المجال العام وتقليص هوامشه.

ومن ثم، فإن المؤشر الدولي لا يعكس فقط تقييمًا خارجيًا، بل يقدم قراءة كمية لنتائج التفاعل بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية على الأرض.

الخاتمة والنتائج والتوصيات:

أولًا: الخاتمة:

خلصت الدراسة إلى أن البيئة التشريعية — الدستورية والقانونية — في مصر لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل واقع الحريات الصحفية منذ عام 1952 وحتى عام 2025. وقد اتسم هذا الدور في كثير من المراحل بطابع تنظيمي يميل إلى التقييد، سواء عبر نصوص قانونية مباشرة أو من خلال توسيع نطاق الاستثناءات المرتبطة بالأمن القومي والنظام العام.

ورغم أن الدساتير المتعاقبة تضمنت نصوصًا تقرر حرية الصحافة وحرية التعبير، فإن التطبيق العملي ظل مرتبطًا بتشريعات مكملة أفرغت بعض هذه الضمانات من مضمونها، أو قيدتها بقيود واسعة التأويل.

كما أظهرت الدراسة أن العلاقة بين النص الدستوري والتشريع العادي لم تكن دائمًا علاقة اتساق، بل شهدت في بعض المراحل فجوة واضحة بين الإقرار النظري للحرية وآليات تنظيمها الفعلية.

وتبيّن كذلك أن غياب قانون شامل ونافذ لتداول المعلومات يمثل أحد أبرز العوائق أمام ترسيخ الشفافية وتعزيز الدور الرقابي للصحافة، إذ لا يمكن للصحافة أن تمارس دورها الرقابي بكفاءة في ظل بيئة يغلب عليها منطق السرية وضعف الإفصاح المؤسسي.

وفي الوقت نفسه، فرض التطور الرقمي واقعًا جديدًا أعاد تشكيل المجال الإعلامي، ودفع الدولة إلى سن تشريعات حديثة لتنظيم الإعلام الرقمي، غير أن بعض هذه التشريعات اتسم بتركيز مرتفع على الضبط والرقابة، ما يبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الإعلامية في إطار يوازن بين متطلبات التنظيم وضمانات الحرية.

ثانيًا: النتائج:

توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج، من أبرزها:

  1. وجود نمط تاريخي متكرر يقوم على الجمع بين نصوص دستورية ضامنة للحريات، وتشريعات عادية توسّع من نطاق القيود.
  2. استمرار حضور الاعتبارات الأمنية في التشريعات المنظمة للعمل الصحفي عبر مختلف الحقب السياسية، وإن اختلفت درجاتها.
  3. اتساع نطاق التنظيم القانوني للإعلام الرقمي في السنوات الأخيرة، بما أعاد تعريف حدود المجال العام.
  4. غياب قانون لتداول المعلومات يُعد فجوة تشريعية تؤثر سلبًا على الشفافية وعلى أداء الصحافة لوظيفتها الرقابية.
  5. وجود علاقة وثيقة بين البيئة التشريعية وترتيب مصر في المؤشرات الدولية لحرية الصحافة، بما يعكس أثر الإطار القانوني على الممارسة الفعلية.

ثالثًا: التوصيات:

في ضوء ما سبق، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات:

  • إصدار قانون شامل وفعال لحرية تداول المعلومات، يتوافق مع المعايير الدولية، ويكفل الحق في الحصول على المعلومات بآليات واضحة ومبسطة.
  • مراجعة التشريعات المقيدة للحريات الصحفية، ولا سيما النصوص التي تتيح الحبس في قضايا النشر، وبعض مواد قوانين الجرائم الإلكترونية ذات الصياغات الفضفاضة.
  • تعزيز استقلال الهيئات المنظمة للإعلام، بما يضمن حيادها المؤسسي وابتعادها عن التأثيرات السياسية المباشرة.
  • تحديث التشريعات الإعلامية بما يواكب تطورات الإعلام الرقمي، مع الحفاظ على التوازن بين التنظيم وحرية التعبير.
  • تحسين البيئة المهنية للصحفيين عبر توفير ضمانات الحماية القانونية والميدانية، وتشجيع الصحافة الاستقصائية القائمة على البيانات.
  • اعتماد برامج تدريب قانوني للصحفيين لتعزيز وعيهم بحقوقهم وواجباتهم في إطار التشريعات السارية.

خلاصة:

يتضح من مجمل التحليل أن استعادة الدور الحيوي للصحافة المصرية في المجال العام تظل رهينة بمراجعة جادة ومتوازنة للمنظومة التشريعية المنظمة للعمل الإعلامي، وبإقرار إطار قانوني واضح لتداول المعلومات يعزز الشفافية ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، فحرية الصحافة لا تُقاس فقط بوجود نصوص دستورية ضامنة، بل بمدى اتساق التشريعات والممارسات معها في الواقع العملي.


المصادر:

[1]   “نحــــو دســــتور مصــــري جــديــد في ذكرى مرور نصف قرن على مشروع دستور 54 ” ، مركز القاهرة للدراسات حقوق الانسان ، 26 مايو 2005 ، https://linksshortcut.com/rXumy

[2]   ” دستور مصر 1971 ” ، الجزيرة نت ، 7 ديسمبر2015، https://linksshortcut.com/tJytK  

[3]    ” الصحافة في عهد مبارك: تاريخ من الأزمات .. وعقوبات مشددة .. وسلطات مطلقة” ، الاهرام ، 29 نوفمبر2014 ، https://linksshortcut.com/aqiKS

[4]   ” إصدار دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2012″ ، موقع منشورات قانونية ، 25 ديسمبر 2012 ، https://manshurat.org/node/3573

[5]   ” إصدار دستور جمهورية مصر العربية المعدل لسنة 2014″ ، موقع منشورات قانونية، 18 يناير 2014 ، https://manshurat.org/node/4256

[6]    “أزمة الحريات الإعلامية في مصر وإشكالياتها القانونية والسياسية” ، مركز الجزيرة للدراسات ، 20 ديسمبر 2017 ، https://linksshortcut.com/uFwFB

[7]   مصطفى بسيوني، “مصر : قانون للإجهاز على الصحافة”، اوريان 21، 26 أبريل  2016، https://n9.cl/gr3a1

[8]   ” قانون الصحافة.. مسمار أخير في نعش الإعلام المصري” ، الجزيرة نت ، 19 يوليو 2018 ، https://linksshortcut.com/KGupQ

[9]  ” قوانين تداول المعلومات التجارب الدولية والوضع الحالي في مصر” ، موقع منشورات قانونية ، 12 اكتوبر 2015 ، https://manshurat.org/node/11070

[10]  “في المرتبة 166.. لماذا تأخرت مصر في مؤشر حرية الصحافة؟” ، موقع تلفزيون العربي، 4 مايو 2023 ، https://goo.su/U2fRCd

[11]  “مراسلون بلا حدود: مصر تتراجع 4 مراكز على مؤشر حرية الصحافة”،المنصة ،4 مايو 2024 ، https://manassa.news/news/17441

[12]  “اليوم العالمي للصحافة.. مصر بين أسوأ التصنيفات وأقسى القيود” ، مونت كارلو ، 2مايو 2025،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى