المرصد

الاستقصائي “نازا” .. كيف نجح في تفكيك منظومة “القتل المحسوب” في غزة؟

  • بتوثيق شهادات 24 ضابطاً صهيونياً.. الفيلم يكشف الستار عن أبشع جرائم القتل في غزة
  • الذكاء الاصطناعي يحدد الأهداف والضباط يوافقون على قتل المدنيين كـ “أضرار جانبية”
  • زلزال سياسي وأمني يعصف بالكيان الصهيونى واتهامات بالخيانة العظمى لمخرجي الفيلم

“إنسان للإعلام”- حنان عطية:

لم يكن العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي الاستقصائي “نازا” في مهرجان البندقية السينمائي الدولي مجرد حدث فني عابر، بل تحول سريعاً إلى زلزال سياسي وأمني هز الأوساط الصهيونية العسكرية والسياسية والشعبية.

ففي العاشر من سبتمبر 2026م وضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ83 للمهرجان، وقف الجمهور مصفقاً لمدة 25 من الدقائق المتواصلة عقب نهاية العرض الذي انتزع جائزة لجنة التحكيم الخاصة، ليفتح الباب أمام مواجهة دولية غير مسبوقة تقودها اعترافات جنود وضباط صهاينة من قلب المنظومة العسكرية.

العمل يحمل توقيع المخرجين والصحفيين يوفال أبراهام وراشيل زور، اللذين يواصلان مسيرتهما في تعرية السياسات العسكرية رغم انتمائهما إلى المعسكر الصهيوني، بعد نجاح فيلمهما السابق “لا أرض أخرى” الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025م بالتعاون مع ناشطين فلسطينيين، إلا أنهما في “نازا” اختارا استراتيجية أكثر خطورة: اختراق جدار الصمت داخل الجيش الصهيونى!

الشهود من داخل الوحدة 8200

ينتمي “نازا” إلى نمط التحقيقات الوثائقية الجريئة التي تعتمد كلياً على شهادات حية من داخل المؤسسة محل التحقيق، فعلى مدار 80 دقيقة وبلا موسيقى تصويرية أو مؤثرات تشتت الانتباه وبإضاءة معتمة، يتحدث 24 جندياً وضابطاً وعنصراً من استخبارات الجيش الصهيونى والقوات البرية الذين خاضوا حرب الإبادة الأخيرة على غزة.

وحفاظاً على سلامة المصادر وسريتها، تم تصوير اللقاءات ليلاً فوق أسطح المباني في تل الربيع ” تل أبيب” مع إخفاء هويات المتحدثين رقمياً، وهو ما جعل الفيلم يمثل امتداداً بصرياً وصادماً لسلسلة تحقيقات صحفية نشرت سابقاً في صحيفة “ذا غارديان” ومجلتي “+ 972 ” و”لوكال كول”، محولاً الكلمات المكتوبة إلى اعترافات بصرية مباشرة تواجه المشاهد بنظام الاستهداف الممنهج.

ماذا يعني اسم الفيلم  (NAZA)؟

عنوان الفيلم مشتق من الاختصار العسكري العبري “نيزك أغافي” والذي يُترجم حرفياً إلى “الأضرار الجانبية”، وهو التعبير الذي تستخدمه القيادة العسكرية لتبرير الخسائر المدنية المتوقعة في العمليات الجوية.

 هنا تكمن خطورة هذا المصطلح، فوفقاً لما يكشفه الفيلم فأنه يُحوّل الضحايا من النساء والأطفال من “نتيجة غير مقصودة” للقتال إلى أرقام ومعادلات حسابية تدخل في تقييم الهدف والموافقة عليه قبل تنفيذ الضربة، ولهذا وصف مهرجان البندقية الفيلم بأنه يعرّي الأنظمة التي تقف وراء عمليات “القتل الجماعي المحسوب للمدنيين الفلسطينيين في غزة”.

الذكاء الاصطناعي وقتل المئات

ويفضح الفيلم ثلاث حقائق مرعبة، عبر شهادات عناصر الاستخبارات وهي:

  • منظومة القتل الآلى:  وذلك من خلال الاعتماد الممنهج للجيش الصهيونى على منظومات مراقبة جماعية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل أنظمة توليد وتحديد آلاف أهداف القصف عن بُعد، وتتبع منازل المدنيين بدقة.
  • شهادة الـ 500 مدني: وذلك في مقطع هو الأكثر صدمة، حيث يؤكد أحد عناصر الاستخبارات المجهّلين أن القيادة العسكرية وافقت مسبقاً في إحدى الضربات الجوية على احتمال سقوط 500 قتيل مدني دفعة واحدة كـ “أضرار جانبية” دون مبالاة، مشيراً إلى أن الجيش لم يكن يتحقق من الأعداد الفعلية اللاحقة.
  • نزع الإنسانية: حيث رصد الفيلم عملية غسيل الدماغ الفكري والنفسي داخل الوحدات العسكرية، والتي تجعل الجنود يتعاملون مع شعب بأكمله كأرقام، لدرجة تبرير بعضهم للجرائم المرتكبة بأعذار دموية وصادمة.

عاصفة سياسية وملاحقات قضائية

لم تتأخر ردود الفعل الرسمية الحادة داخل الكيان الصهيونى؛ إذ شن وزير الثقافة والرياضة الصهيوني ميكي زوهر، بدعم من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، هجوماً عنيفاً على المخرجين، مطالباً بسحب الجنسية الصهيونىة منهما وواصفاً العمل بـ”الخيانة العظمى”.

وتزامن ذلك مع إعلان رئيس أركان جيش الاحتلال الصهيوني “إيال زامير” عن بدء فحص الإجراءات القانونية، موعزاً لجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) لفتح تحقيق مشترك حول “تسريب مواد ومعلومات عسكرية سرية للغاية” وصلت لصناع العمل.

في المقابل نفى الجيش الصهيونى صحة الاتهامات، وزعم أن قرارات القصف يتخذها بشر وليس الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، مشككاً في هوية المصادر المجهولة.

 وعلى وقع هذه التحريضات الرسمية تعرض المخرجان وعائلاتهم لتهديدات بالقتل من اليمين المتطرف الذي تظاهر أمام منازل ذويهم في تل الربيع ” تل أبيب “.

وفي لفتة تضامنية تبرز أبعاد القضية الإنسانية، أعلن المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي عبر وسائل الإعلام أنه سيتقدم بمقترح رسمي لمنح المخرجين الجنسية الفلسطينية في حال أقدمت السلطات الصهيونية على خطوة سحب جنسيتهما.

من التعتيم الداخلي إلى العالمية

وتكمن القوة الإعلامية والسياسية الكبرى لفيلم “نازا” في كونه نقل النقاش الدولي من التساؤل التقليدي حول “ماذا حدث في قطاع غزة؟” إلى تفكيك “كيف يتم اتخاذ القرارات العسكرية؟ ومن كان يعلم بحجم الخسائر المدنية مسبقاً ووافق عليها؟”

وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الحاد ومحاصرة الفيلم ومنع عرضه تجارياً داخل الكيان الصهيونى، إلا أن “نازا” شق طريقه بثبات نحو المنصات العالمية؛ حيث بدأ مسار عرضه الدولي في مهرجان نيويورك السينمائي، وسط إعلانات من جهات توزيع بارزة عن تنظيم عروض جماهيرية واسعة قريباً في الولايات المتحدة ومختلف العواصم الأوروبية، ليتحول الفيلم من وثائقي استقصائي إلى وثيقة إدانة تاريخية تسجل الاعترافات من أفواه لسان صانعيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى