خطة اغتيال الرئيس مرسي معنويا..شواهد وأحداث المؤامرة
- كيف صمم العسكر الاستراتيجيات الرئيسية لحرب الشائعات ضد الرئيس الشهيد؟
- هكذا عمدت الدولة العميقة إلى افتعال الأزمات وتعطيل المسار الديمقراطي
منذ لمع نجم الرئيس الشهيد محمد مرسي في سماء السياسة المصرية، وخاصة مع انتخابه رئيسا في يونيو 2012م، كانت آلة الدعاية السوداء له بالمرصاد، في خطة محكمة ومدروسة محليا وإقليميا ودوليا؛ لإفشال أول تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر والإجهاز عليها.
جوبه الرئيس بأقوال وأفعال وممارسات نالت من شخصه وحزبه وجماعته، تضمنت حملة إعلامية ضخمة وشاملة معبأة بشتى صنوف الأكاذيب والافتراءات، ثم اعتداءات ممنهجة على مقار الحزب والجماعة وتوسع أعمال البلطجة ضد مناصريه، ثم التعبئة الواسعة والحشد لتظاهرات 30 يونيو 2013م، وصولا إلى مشهد الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، في الثالث من يوليو 2013م.
في هذا الملف نلقي الضوء على الاستراتيجيات الرئيسية لحرب الشائعات ضد الرئيس وكيف جرى تنفيذها، ونبين كيف جرت عمليات التعويق والإفشال وافتعال الأزمات إلى أن تحولت هذه الحرب الى انقلاب كامل على الديمقراطية وانتهت بالمشهد في مصر إلى مأساة حقيقية يعيشها المصريون منذ سبع سنوات.
مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي في مصر
الحرب المعنوية بدأت مبكرا
تحت عنوان "مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي في مصر" كتب الباحث الفلسطينى "حسام شاكر"، مقالاً يستعرض فيه ماتعرض له الرئيس الشهيد "محمد مرسى" من تشكيك.
قال شاكر: "مات محمد مرسي، أو أُريد له أن يموت بالأحرى، في السابع عشر من يونيو/ حزيران 2019م، بعد سنوات مورست فيها بحقِّه أساليب مكثّفة من الفتك الرمزي والاغتيال المعنوي، ابتدأت مع صعوده إلى الرئاسة في عام 2012، ثم الإطاحة به بعد سنة واحدة فقط صار بعدها أبرز سجين سياسي في العالم العربي على مدار سنوات ستّ".
أول محاولة لإهانة الرئيس
"تمّ ابتداءً، التشكيك في أهلية الدكتور محمد مرسي لأن يصعد إلى رئاسة مصر والاستخفاف به، فبعد إعلان ترشحه للرئاسة مباشرة في 7 إبريل 2012م كمرشحً احتياطيًّ للمهندس خيرت الشاطر، ألصق متحدثو الشاشات به نعوتاً وأوصافاً ذميمة، بدءًا بإظهاره مجرّد بديل احتياطي (استبن)
وكلمة "استِبْن"، وهي مفردة شعبية مهينة تعني إطار السيارة الاحتياطي، تعود إلى إرث الاستعمار البريطاني، وأصلها من منشأ ابتكار العجلات الاحتياطية في سنة 1904 في ورشة تقع في شارع اسمه استبني Stepney في منطقة للانيلي في ويلز البريطانية، فارتبط الابتكار باسم الشارع وانتشر عبر المستعمرات أيضاً.
ولكن بعد حملة انتخابية ضارية فاز الرئيس الشهيد محمد مرسي برئاسة مصر، وما إن أعلن فوزه تجنّدت حملات الاستهداف المعنوي للإجهاز على أوّل رئيس ديمقراطي في تاريخ الجمهورية.
نزع الهيبة وتبديد الاحترام
فاجأت لحظة فوز محمد مرسي بالرئاسة أبواق العهد القديم التي استعجلت بالتبشير بفوز أحمد شفيق الذي كان مرشح العسكر والدولة العميقة وعواصم الثورة المضادة.
وقبل أن يدخل قصر الرئاسة في بواكير صيف 2012، انطلقت موجة تسفيه محبوكة لتبديد أي انطباع بأهلية الدكتور مرسي بالمنصب أو جدارته به. تم في الأيام والأسابيع الأولى افتعال روايات ومشاهد توحي بغربته عن قصر الرئاسة وجهله بكيفية الجلوس الأمثل على مكتب الرئيس مثلاً.
كان مطلوباً نزع الهيبة عن الرئيس الجديد، وهذا في بلد ارتبط به منصب الرئاسة بطقوس الهيبة، حد التأليه، سواء في العهد الملكي أو في جمهورية الضباط.
لم يَكتفِ محمد مرسي بمراسم التنصيب الرسمية حسب الأنظمة، فقرّر التوجّه إلى الميدان واعتلاء منصّته في مشهد استثنائي من التنصيب الشعبي الذي رسم لوحة جماهيرية فريدة. كانت رسالة مرسي واضحة بأنه من الجماهير وإليها، وأنه رئيس من عهد الثورة، وأنّ رئاسة الجمهورية لن تصرفه عن الوفاء للميدان. أقدم مرسي يومها على خطوة مفاجئة فوق المنصّة الجماهيرية، بأن تقدّم مكشوفاً في مواجهة الشعب متجاوزاً فريق الحماية، ثمّ كشف سترته ليظهر دون واقٍ من الرصاص.
بعد هذا الموقف الرمزي، الذي تجاهلته منظومة الإعلام الفاسد، بدأ توصيف كل خطوة للرئيس بصفة عكسية، بهدف الإمعان في نزع الهيبة عنه واعتبارها قائمة على الافتعال والتصنّع، حتى أنّ بعض المتحدثين مثلاً علّقوا على حدث السترة الجماهيري بالسخرية منها واعتبار أنّ مرسي لم يُفلِح في محاكاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر!.
تفاقم هذا المنحى من التحامل والازدراء، إلى درجة انتقاد خروج الرئيس إلى صلاة الفجر مع مواطنيه في مساجد القاهرة، وزعم بعض المعلِّقين أنّ ذلك يأتي على حساب التفرّغ لحل مشكلات البلاد المستعصية.
ما حرّك هذا التحامل والترصّد خشية واضحة من أن ينجح أول رئيس مدني منتخب في كسب رهان الشعبية، بعد أن اعتاد هذا الشعب وجوهاً مزمنة في الواجهة المُحاطة بطقوس الهيْبة. لأجل هذا تمّ قطع الطريق على فرص تحقيق الأُلفة مع الوجه الجديد الذي يٌفترض أنّه يقود الجمهورية، مع السعي الدؤوب لنزع الهيْبة وتبديد الاحترام عن صاحب الشرعية الانتخابية غير المسبوقة، مع تأويل عكسي لنزوعه الواضح إلى التواضع؛ بإظهاره غير ملائم للمنصب ومتطلّباته، حتى قيل تصريحاً وتلميحاً إنّ مصر تستحق من هو أفضل منه.
كان لدى الدعاية المضادة فرصة معقولة للإطاحة المعنوية بالرئيس تمهيداً للإطاحة الفعلية به؛ فالإعلام الرسمي لم يمنح أي وجه غير الرئيس المخلوع مبارك وزمرته فرصة الظهور والتمجيد، وتمّ حجب المعارضين جميعاً عن المشهد إلى درجة أنّ وجوههم لم تكن معروفة تقريباً للناس ومنهم محمد مرسي.
صعد مرسي إلى الواجهة الرسمية فجأة؛ قادماً من الهامش القسري أو من السجن السياسي بالأحرى. لم يُسمَح له من قبل بفرص الظهور الإعلامي والحديث إلى الشعب، رغم تدرّجه في مراتب العمل السياسي والمدني ومكابدة سجالات البرلمان سنوات طويلة.
من السهل الإمعان في تشويه مَن يجهل الناس اسمه ورسمه، فهذا يتطلّب جهداً أقلّ من تشويه مَن يعرفونه تماماً، ولهذا تمّ صبّ جهود سريعة ومكثفة للإساءة إلى الرئيس مرسي في الأيام والأسابيع الأولى التي أعقبت دخوله القصر خشية أن يُنسَج له حضور رمزي في وعي شعبه الذي انتخبه.
ضربت منظومة التشويه طوقا حول مرسي، فلم تُتِح للشعب فرصة معايشة رئيسه، إلى درجة التجاهل الإعلامي المطبِق لبساطة حياته اليومية، وإغفال دلالة تنازل زوج الرئيس "أم أحمد" عن حياة القصر وامتياز "السيدة الأولى"، وهي لفتة لم تحظَ بأي تقدير يُذكَر في الأوساط الإعلامية والسياسية.
الإعلام يعلن العداء منذ البداية
بنى الإعلام هجومه على مرسي على موقف مبدئي نابع من عدم الاعتراف به كرئيس للدولة أو قبول ذلك على مضض، فشرعت بعض القنوات الفضائية والصحف المعروفة بعدائها لجماعة الإخوان المسلمين في ترويج أنباء غير صحيحة عن الرئيس الجديد وأسرته، وأبدى بعض الكتاب المحايدين تعجبهم من عدم اعتراف الإعلام الرسمي والخاص بمرسي رئيسا بعد مرور أسابيع من فوزه بالانتخابات.
المعارضة ووسائل الإعلام المحسوبة عليها وجهت أيضا اتهامات لمرسي بمحاولة أخونة الإعلام مستندة في ذلك إلى معطيات أبرزها تعيينات مجلس الشورى ذي الأغلبية الإخوانية والسلفية لرؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية، إضافة إلى تكليف النقابي الإخواني المعروف صلاح عبد المقصود بمنصب وزير الإعلام.
وبنت المعارضة ما قالت إنه مخاوف على حرية الإعلام على بعض الدعاوى القضائية التي قدمت ضد صحفيين بتهم تتعلق بإهانة الرئيس والتحريض على قلب النظام، فضلا عن مصادرة صحيفة الدستور وإغلاق قناة الفراعين بقرارات إدارية دون العودة إلى القضاء.
والحقيقة أن حرية الإعلام خلال حكم مرسي وصلت سقفا غير مسبوق، إذ كانت الانتقادات التي توجه للرئيس تصل في الكثير من الأحيان إلى حد التطاول والتجريح الشخصي، وتخصيص برامج كاملة للسخرية والتهكم على الرئيس.
كانت مؤامرة كبرى حيكت ضد الرئيس مرسي وجماعة الإخوان قادتها جبهة الإنقاذ المعارضة بالتعاون مع فلول النظام السابق مستخدمة وسائل الإعلام لتهييج الرأي العام ضد الرئيس وتشويه صورة الإخوان.
وفي عمل توثيقي، أنتجت فضائية "الحوار" اللندنية وثائقيا تحت عنوان "الدعاية السوداء" عملت من خلاله على دراسة خطة العسكر الإعلامية لإسقاط حكم الرئيس محمد مرسي، من خلال عشرات الوسائل ومئات الرسائل في حملة دعائية متناسقة اعتمدت على أساليب غير مهنية لتطيح بهيبة الرئيس والرئاسة ولتحطم صورته لدى عموم المصريين.
وحسب الوثائقي الذي بثته فضائية "المحور"، فإن " الدعاية السوداء" اعتمدت على ثلاثة أساليب دعائية غير مهنية كان أبرزها "الكذب والتشويه"، و"التكرار" أخذا بنظرية وزير الدعاية لدى آدولف هتلر والتي مفادها أن التكرار يحول الكذب إلى حقيقة، وأما الأسلوب الثالث الذي اعتمدته آلة الدعاية السوداء والذي لجأ إليه الإعلام المصري في لحظات العجز عن الكذب فهو التحريف أو ما يسمى بلفت الأنظار.
أما مجالات الاستهداف فكانت شخص الرئيس وعائلته، وتسويق للأزمات التي كان بعضها ناتجا عن الوضع الطبيعي لمصر بعد الثورة.
ولرفع حالة الخوف لدى عموم الشعب المصري عمد الإعلام إلى التركيز على إشاعات أو حقائق تشعر المواطن المصري بأنه مهدد في أمنه القومي علاوة على التهديد الأمني الداخلي، وأخيرا بث الشائعات.
خنق الرمزية بدءًا من الاسم
من الأساليب التقليدية في التراشق الدعائي، السطو على أسماء الأفراد والهيئات وتحويرها لأجل التشويه أو الحطّ من الكرامة. وفي هذا السياق حرصت الدعاية المضادة على التلاعب باسم الرئيس، فأحجمت عن استدعاء لقبه العلمي الذي تفرّد به دون ضبّاط تعاقبوا على رئاسة الجمهورية، كي لا يحظى بامتياز الوصف المتوقع: "السيد الرئيس الدكتور محمد مرسي".
وبعد عقود أربعة من إبراز الرئيسيْن "محمد" أنور السادات، ثم "محمد" حسني مبارك بصفة مفتعلة مشفوعة بالتبجيل والتكريم الذي يرتبط عند المصريين والعرب باسم النبي الكريم؛ حرصت الجوقة على حجب الاسم الأول الأصيل عند ذكر أوّل رئيس ديمقراطي، فهو عندها "مرسي" فقط. ثمة حيلة أخرى جرت لاحقاً باستدعاء اسم العائلة المطوّل بصفة منافية للّياقة ومتجاوزة للعرف السائد والبروتوكول الرسمي، فصار المتحاملون يسمّون رئيس الجمهورية "محمد مرسي العيّاط".
تفاقم هذا المنحى طوال السنوات التي زُجّ خلالها بمرسي في محاكمات استعراضية بعد سجنه، فكان القضاة المتغطرسون يحرصون على المناداة على اسمه بطريقة توحي بأنه مواطن غير مُعرّف، حتى أعلن أحدهم يوماً عن حكم بمعاقبة "محمد محمد مرسي عيسى العياط" بالإعدام شنقاً.
مزاعم رخيصة للتسفيه والتهكم
امتدّ التشكيك بالأهلية إلى الاستغراق في الإسفاف ونسج المزاعم الرخيصة، إلى درجة نشر ادعاءات في صيغة "تسريبات" مزعومة عن "تصرّفات غريبة" تصدر عن رئيس الجمهورية، والإتيان بأقاويل ملفّقة لأطباء نفسيين مزعومين عن سلوك "هذا الرجل" الذي يسكن قصر الرئاسة. وجدت هذه الحكايات الساذجة فرصة واسعة في عناوين هبطت بمستوى بعض الصحف المصرية إلى دركات الاستغفال والحضيض الدعائي.
على مدار سنة كاملة في القصر تمّ استهداف الرئيس مرسي بتقارير ومزاعم دؤوبة، مع تعقّبه في تعبيراته وحركاته وإشاراته وسكناته. فما إن تودّد إلى شعبه بالقول "أهلي وعشيرتي" التي كانت لازمة لخطاباته الأولى، حتى انطلقت حملة ضارية لإساءة تأويل هذا التعبير واعتباره عودة إلى منطق القبيلة والعشيرة. وما إن رفع إصبعه محذِّراً في أحد خطاباته من عنف الشوارع بعد سقوط ضحايا في بورسعيد ضمن تفاعلات قضية "مجزرة بور سعيد"؛ حتى لاحقته النعوت وحاصرته رسوم الكاريكاتير بطرق إيحائية مسيئة. وعندما منحته جامعة باكستانية الدكتوراة الفخرية واعتمر قبّعتها حسب المراسم الأكاديمية حتى تعقّبته صور ورسوم ساخرة مشفوعة بتعليقات لاذعة لإظهاره في هيئة غرائبية.
تعبئة مخابراتية ضد الرئيس
في لعبة مخابراتية واضحة، لم تقتصر مساعي التسفيه الدؤوبة على صحف الرصيف، فبرامج الشاشات تجنّدت ضد الرئيس المنتخب بصفة صريحة أو إيحائية، وبدا وكأنها ترميه عن قوس واحدة. ظهرت خلال العهد الديمقراطي جوقة من المتحدثين والمتحدثات الذين اختصّوا بمهاجمة مرسي والسخرية منه، علاوة على ممثلين وممثلات ووجوه معروفة سيق بعضهم إلى أداء أدوار موجّهة على هذا النحو. اشتغلت هذه الوجوه في خدمة التعبئة الشاملة لقطاعات الشعب وأوساطه، فمنها من تحدّث لعموم الناس، ومنها من ظهر مخاطباً الأوساط الشعبية والريفية وقاطني العشوائيات، ومنها مَن خاطب الشرائح المدنية الوسطى فما فوقها، ومنها ما أظهر رصانة في الحديث المسدّد في الاتجاه ذاته، مقابل شخصيات مبتذلة من بينها راقصة كرّست إطلالاتها ضد رئيس الجمهورية و"جماعته".
من بين هذه الجوقة ظهر باسم يوسف مثلاً كأحد مقدِّمي برامج المساء الحوارية الساخرة في سنة الديمقراطية الفريدة تلك، كرّس نجم شاشة التسلية وقتها قسطاً من برنامجه للتهكّم على "مشروع النهضة"، أي البرنامج الانتخابي الذي صعد به مرسي إلى الرئاسة، والذي لاقى كثيراً من التسفيه على هذا النحو دون أي قراءة نقدية منصفة في الشاشات.
وعبِّر توفيق عكاشة عن نمط آخر حظي بمتابعات واسعة في برامج تغترف من التعبيرات الهابطة المسدّدة ضد رموز العهد الديمقراطي وعلى رأسهم مرسي ذاته. أمّا متحدثو "أفضل أوقات البثّ" فخرجوا على الشعب المصري بألسن متعددة ومضامين متطابقة تقريباً حسب التعليمات المتجددة التي يتلقّونها.
على هذا المنوال تضافرت هجمات الانتقاص من المكانة وتقويض الرمزية من منظومة دعائية متكاملة قعدت للرئيس المرسي كلّ مرصَد، مقابل انهماك المنظومة ذاتها في تمجيد المستبدِّين، إذ بلغ الأمر في خواتيم عهد مبارك مبلغ التلاعب المتعسِّف بصور وكالات الأنباء وتحريفها لإبراز مبارك متقدِّماً القادة وفق فضيحة شهيرة في صحيفة "الأهرام" العريقة (سبتمبر 2010).
تعزّز مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي منتخب في مصر، وكان مطلوباً عزله وجدانياً عن شعبه والإسراع في إلصاق وصمة "الفشل" به، ونحره معنوياً على مرأى من شعبه والعالم، تمهيداً للانقلاب عليه.
تشويه وعي الجماهير عمدا
ثمَّة حقيقة في المشهد المصري، هي أن الرئيس محمد مرسي جاء بالانتخابات، وكانت، كما أجمع العالم كله؛ انتخابات نزيهة، ولم تكن مثل سابقاتها بنتيجة محسومة لمرشح واحد بالإجماع، أو كما عُرف قديماً بـ 99.9، ومع ذلك سعى تيار كبير موجود في الساحة المصرية، الإعلامية والسياسية، لإفشال التجربة الديمقراطية؛ حسدا من عند أنفسهم، أو لأن مرسي يغرد خارج السرب حيث اعتاد المصريون على نمط حكم واحد مصر منذ تأسيسها، يقوم على قهر الشعب وإذلاله.
هدم الإعلام المصري أخلاقيات الإعلام تماما، التي تقوم على الأمانة، والمصداقية، والدقة، والموضوعية، والحياد، والتسامح، والمسؤولية، فانهارت حيادية الإعلام وتعسكرت وسائله برقابة خارجية وذاتية، بحجة أنه لا حيادية في وقت الحرب، والشعب المصري في وقت أزمة ويجب التخندق حول الرؤية الواحدة.
في ظل هذا المناخ مارست وسائل الإعلام شتى الطرق لقلب الحقائق وتغيير اتجاهات الشارع المصري، فقبل البيان الأول للجيش كانت قناة النيل، إحدى قنوات التلفزيون المصري، تبث صوراً لجنود يؤدّون مهامهم وقد بدت عليهم السعادة، والصوت كان موسيقى وأغاني وطنية، وتداولت صوراً بشكل سريع لجنود يتدلون من الطائرات واستعراضات لجنود وعربات عسكرية، ومزجت الصور بلقطات تخاطب مشاعر الكرامة الوطنية المصرية، مثل: الأهرامات، ورفع العلم، وعبور القوات المصرية قناة السويس خلال حرب 1973م، واكتظاظ الساحات بالجماهير الملوّحة بالأعلام في ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير.
تلك مؤشرات على أن انحياز الإعلام ضد الرئيس محمد مرسي، لم يبدأ مواكبا لمظاهرات 30 يونيو المصطنعة، بل بدأ منذ فترة طويلة، حيث كان الإعلام المصري أحد العوامل الرئيسة لحشد الجماهير ضد حكم مرسي، وظل – مع وجود مرسي- يتعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها المنقذ من حكم التيار الإسلامي، وتحاشت الوسائل الإعلامية بث الرأي والرأي الآخر.
الإعلام يبرر خطوات الانقلاب
وفي اليوم الثاني لإعلان القوات المسلحة بيان عزل الرئيس مرسي، تجاهل الإعلام المصري تظاهرات رابعة والنهضة وغيرها، بحجة عدم إشعال الموقف، وركزت الفضائيات التابعة للدولة، أو الخاصة، على أفراح المواطنين بعزل مرسي، دون إشارة إلى ما يحدث في مظاهرات أنصاره، وغاب الرأي الآخر، خاصة بعد موجة غلق الفضائيات المحسوبة على التيار الإسلامي.
في هذه الأثناء، حاول التليفزيون المصري ارتداء ثوب الحياد بعد أداء متواضع في تغطية ثورة 25 يناير، ثم فترة حكم المجلس العسكري، واستضاف ضيوفاً من الجانبين، ومالت الكفة قليلاً نحو الرأي المؤيد للرئيس مرسي، قبل أن ينقلب تماما مع ظهور بوادر الانقلاب.
وخصّصت الصحافة مساحات واسعة للأحداث المتعاقبة منذ 30 يونيو 2013م، إذ نشرت الصحف تقارير ومقالات رأي وعناوين رئيسية تُحمّل الرئيس مرسي مسؤولية الأحداث، ومن ذلك عنوان "اليوم السابع": كارت أحمر للرئيس.. 22 مليون استمارة "تمرد" تسحب الثقة من الرئيس، وصحيفة التحرير: "ارحل"، صحيفة "المصري اليوم": "الميادين لمرسي: سنة كفاية"، "الأهرام": "مصر في قبضة الخوف" و "كواليس الساعات الأخيرة في حكم مرسي"، "الأخبار": "وانتصرت إرادة الشعب"، "الوطن": "الإخوان تعلن الحرب على مصر"، "المصري اليوم": "الإخوان تعلن الحرب على الشعب".
وهكذا اشتعل المشهد الإعلامي المصري بالعداء الصريح للرئيس مرسي والتيار الإسلامي، ووصف بعضهم أعضاءه بأنهم "أعداء الشعب"، "محرضون على العنف"، أما عبارات السب والشتم الشخصي والتجريح فهي كثيرة وموجودة في مواقع الفيديو العالمية!
أكثر من طريقة لهدم الصورة
تم استخدام أكثر من طريقة في التشويه، كان أبرزها الهجوم على مؤسسة الرئاسة وشخص الرئيس، عبر تكرار مستمر لعدد من الأفكار بشكلٍ بسيط ومتكرر، وهو أسلوب غالباً ما يكون مؤثراً، خاصة إن ظهر في أكثر من مكان وقدمه أكثر من شخص في نفس الوقت وبشكل متناغم ومدروس(القولبة أو التنميط). وهو من أكثر الأساليب التي أثرت في المزاج الشعبي المصري وخدع الكثير من البسطاء ممن انطلت عليهم أفكار من لا يتورّعون عن تقديم بعض الآراء في قوالب فكرية مصطنعة خصيصاً للمزاج الشعبي، حيث مارست شخصيات مختارة بعناية تمرير الكثير من الأفكار والتوجهات، وتم تقديمها تحت مسميات من قبيل: "الباحث، والخبير الاستراتيجي، والخبير في شؤون كذا، والمفكر، والإسلامي المستنير".
كما مارست الوسائل الإعلامية التخويف عبر شيطنة التيار الإسلامي وحشد مزيد من الرأي العام عن طريق إثارة الفزع من نتائج الاستحقاقات الانتخابية التي أفرزتها ثورة يناير، وخاصة على ميدان الفنون والثقافة، من جراء صعود التيار الإسلامي دون الأخذ بشكل فعلي بالناتج على الأرض، وخاصة الإجراءات التي طمأن بها وزير الإعلام المصري عموم المثقفين والإعلاميين بأن الحريات مصونة بموجب الدستور.
أخذ هذا الموضوع شكّل صراع الأفكار عبر ما يُسمّى "تحفيز الاستنكار"، إذ تم حشد الفنانين والمثقفين ضد مؤسسة الرئاسة، مدعين أن التيار الحاكم في مصر يسعى إلى منع الفن والسينما المصرية العريقة، وظهر أكثر من فنان ومثقف ومسرحي وانتقد الرئاسة المصرية بشكلٍ علني وفي أكثر من مكان ومجال، ما أوجد تياراً عند العموم يقول إن وجود حكام مصر الحاليين سيدفع عموم الشعب المصري إلى التعصب ومحاربة الفن والثقافة المصرية.
ثم كانت الشيطنة والكذب في معركة إقرار الدستور بعد الانتخابات من أهم المعارك التي استخدمتها وسائل الإعلام في التشويه؛ حيث شنت المعارضة من خلال هذا الإعلام حرباً ظالمة ضد الدستور، واخترعت أحكاماً، ورفضت إجراء المناظرات، وهاجمت الدستور والتيار الإسلامي، واتهمت كل من يلتزم بالتحليل الموضوعي بأنه من الإخوان المسلمين ضمن حملة الكراهية ضد الدستور، ما ترتب على ذلك حرمان المواطن المصري من الثقافة الدستورية ومعرفة حقيقة الدستور، خاصة أنه أول مرة يتعامل مع الدستور بعد أن شارك ممثلوه في كتابته.
وقد انبرى عدد من أساتذة القانون لشيطنة الدستور، واحتفى بهم الإعلام، وانفسحت أمامهم الشاشات، واحتكروا الظهور كل ليلة محذرين من خطر عظيم، بل وصل الأمر في عملية التلبيس والتزييف إلى أن زُوّرت نسخ الدستور وتجاسر بعضهم فأفتى بأن هذا الدستور مخالف للشريعة الإسلامية.
في ضوء هذا الجدل انقسم الشعب المصري؛ فأصبح المعارض للدستور يعادي من يقابله، واستخدمت المعارضة كل أساليب التشويه بالفعل والقول لتدفع الناس إلى رفض الدستور ومناهضته، ومع ذلك وافق الشعب على الدستور.
كما تعمّد التيار المسيطر على الإعلام إطلاق تعاميم وأحكام مسبقة، واستخدام عبارات دالة أو إشارات تشيطن متابعي الرأي الآخر؛ للدلالة على تضليلهم ورغبتهم الكامنة في القتل والتخريب والإرهاب، وهي كلمات تطلق لمن لا يوافق أهواءهم مثل عبارة "قاتل الأطفال"، التي ظهرت بعد حادثة اعتداء وإلقاء البلطجية أشخاصاً من أعلى خزان ماء وإلصاق التهمة بالتيار الإسلامي.
ويعتمد هذا الأسلوب على تشويه صاحب الرأي المخالف بطريقة تظهره عديم الأخلاق والقيم؛ بواسطة إلقاء الاتهامات الباطلة.
الجيش لعب دورا خطيرا
لقد مارست الفضائيات سياسة معروفة في علم النفس الاجتماعي، وهي ضمن قاعدة عامة عريضة، "من ليس معنا فهو ضدنا"، وهي بمنزلة الدعوة للانضمام إلى الحشد، ولعب الجيش المصري دورا خطيرا في رسم الصورة المضللة، بإسقاط أعلام على المحتشدين في ميدان التحرير في 30 يونيو، والتلويح بها من قبل المتظاهرين بشكل يوحي بوطنية الحشود، عبر تغذية الشعور الوطني وإلهاء المحتشدين بمعاني الوطنية لإبعادهم حتى عن التفكير بالقضية المركزية التي انطلقوا من أجلها في المظاهرات.
وبعد إعلان الانقلاب تغيرت الصورة تماما، حيث بدأت المجازر بالحرس الجمهوري وتعامل الإعلام مع هذه المجزرة الغادرة بنقل الصور والمشاهد التي صورها الجيش للأحداث، مبررين مقتل المتظاهرين بأنه نتيجة لمحاولة اقتحام أنصار الرئيس مرسي منشأة عسكرية.
وتعاملت وسائل الإعلام مع ضحايا الأحداث باعتبارهم إرهابيين حاولوا الاعتداء على الجيش، مصدرة الأحكام حتى قبل ظهور نتائج تحقيقات تبيّن ما حدث، ومحملين التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين مسؤولية إراقة الدماء، مع اتهامهم بمحاولة توريط الجيش وجرّه إلى حرب مع الشعب.
الغريب أن كل المتحدثين كانوا يتداولون الرواية الرسمية للمجزرة ويكررونها ملقين التهمة على عموم التيار الإسلامي، ومؤكدين أنه لولا قرار إغلاق الفضائيات المحسوبة على التيار الديني لحدث ما لا يحمد عقباه.
ولتعزيز هذه الصورة وإعلاء أسهم الانقلابيين تم إطلاق عبارات وشعارات، مثل: "الجيش والشعب إيد واحدة"؛ بشكل مدروس يعتمد على استثارة المشاعر، و نشر أحكام مسبقة من خلال تصنيف وقولبة الرأي المخالف في صورة مكروهة من الجمهور.
واعتمد التشويه هنا على نقد التيار الديني للمؤسسة العسكرية المصرية، دون توضيح أو بيان سبب النقد، حيث كان الظاهر أن المعارضة المصرية هي مع الجيش، والجيش هو الشعب، أما الرئاسة فهي بعيدة عن الشعب.
قلب الحقائق والتلاعب بالأرقام
عندما فشلت المعارضة الليبرالية والعلمانية من الفوز بأى استحقاق انتخابى في ظل منافسة جماعة الإخوان المسلمين، التى فازت في كل الاستحقاقات لجأوا إلى الكذب والخداع بأن الأغلبية هى التى تعارض مرسى، وهذا الكلام ديمقراطيا مقبول إذا كان الأمر كذلك فلماذا لايزيحون الرئيس مرسى بنفس الطريقة التى جاء بها وهى الاستحقاق الانتخابى
كما بالغ الذين دعموا الاحتجاجات ضد مرسي في 30 يونيو 2013م إلى حدٍّ كبير. وأشارت وسائل الإعلام والشخصيات السياسية المصرية إلى المتظاهرين المناهضين لمرسي باسم "الأمة"، ربما في محاولة لتبرير الإجراءات غير القانونية وغير الديمقراطية، وجادلوا بأن عشرات الملايين من المصريين تجمعوا في الشوارع احتجاجا على حكم مرسي.
كان التقدير الشهير البالغ أكثر من 30 مليونا ملائما بالطبع، كما ذُكر كثيرا في وسائل الإعلام المصرية، فإن هذا الرقم يُمثّل عددا أكبر من إجمالي عدد المصريين الذين صوّتوا في انتخابات 2012م التي أدّت إلى تولي مرسي منصبه.
وجادل نجيب ساويرس بأن 30 مليون مصري احتجوا في القاهرة وحدها، كما جادل مقال في صحيفة وول ستريت جورنال كتبه سياسي مصري بارز بأن جماعة الإخوان ومرسي كانا يحظيان بدعم أقل من واحدٍ في المئة في مصر، وقالت ريهام سعيد إن العدد وصل إلى ما يزيد على 60 مليون محتج مصري في الشوارع في يونيو ويوليو 2013م.
تمثّل هذه الأرقام المذكورة استحالات منطقية ورياضية؛ فميدان التحرير، موقع أكبر الاحتجاجات ضد مرسي، بحجم ملعب كرة قدم صغير ولا يمكن أن يحتوي على ملايين المحتجين، فبين 30 يونيو و3 يوليو 2013م، كان هناك نحو 20 موقع احتجاج في جميع أنحاء مصر. وباستخدام منهجية إحصاء الجماهير، وعلى افتراض تقدير سخي، ربما يكون هناك ما بين مليون ومليوني محتج مصري (من إجمالي 84 مليونا آنذاك)، بالفعل كانت الاحتجاجات كبيرة، لكنها لم تكن كبيرة بالقدر الذي زُعم، ولا ينبغي اعتبارها ذريعة لتجاوز الانتخابات الرسمية.
ووفقا لبيانات الاستطلاعات العلمية الموثوقة الوحيدة المتاحة، حصل مرسي على دعم أكثر من 50% بين المصريين قبل الانقلاب، وحافظ على معدل دعم لأكثر من 40% في أعقاب الانقلاب. وأظهر هذا الاستطلاع الذي أجراه بيو للأبحاث أن نسبة قبول مرسي بلغت 53% في الأشهر التي سبقت الانقلاب، بينما أظهر استطلاع زوغبي أن معدل دعم مرسي بلغ 42% اعتبارا من سبتمبر 2013م، أي بعد شهرين من الانقلاب. وأظهر بحث في ربيع عام 2014م أن قبول مرسي كان بنسبة 42% بين المصريين، وذكر أن ما يُقرب من نصف المصريين يعارضون الاستيلاء العسكري على السلطة عام 2013م.
واستغلت عبارة الملايين في أكثر من خطاب وتصريح وتقرير، مع أن فريق "أنونيموس" الذي اخترق موقع حركة تمرد أكد أن عدد المسجلين في الوثيقة التي عُرفت باسم تمرد بلغ 170 ألفاً فقط. والأرقام لعبت هنا دوراً مهماً في التشويه الإعلامي، حيث يأتي الحديث بلغة الأرقام للدلالة على مصداقية الحدث المراد ترويجه، إذ تعمد وسائل الإعلام في كثير من الأخبار إلى استفتاءات وإحصائيات وتتداولها للتأكيد على رؤية معينة.
ومن النماذج الواضحة على التعاطي الإعلامي بنمطين مختلفين، أحداث محيط قصر الرئاسة بالاتحادية وسقوط العشرات، ومع ذلك لم يُذكَروا لمجرد انتمائهم للإخوان المسلمين، ثم تسقط ضحية أخرى غير تابعة للتيار الإسلامي في أي مكان فينطلق المارد الإعلامي محذراً من الفتنة ويحمّل المسؤولية لمن يصفهم بـ"البلطجية" من التيار الإسلامي.
الشئ نفسه حدث في حصار مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية لمدة 14 ساعة دون أي تدخل من الجيش والشرطة، ولكن عندما انطلقت مظاهرة نحو قسم شرطة الدقي تحرّك المارد الإعلامي محذراً من الفتنة التي يقوم على رعايتها الإسلاميون ضمن خطاب الكراهية أو التحريض على العنف.
أما في الحرائق والتخريب، فحرق مقار أحزاب الحرية والعدالة أو النور أو الوسط لا يُحرِّك للإعلام ساكناً، وعند التهديد بحرق مقر لحزب الوفد ينقل الإعلام هذه المحاولة على الهواء مباشرة مع تضخيمها وإظهار الإسلاميين وكأنهم شياطين.
كل تلك الطرق السابقة وغيرها مارستها كتيبة التشويه الإعلامي المصري عبر ادّعاء الموضوعية وإعلاء المصلحة العليا، وبإظهار متحدث ومقدم هادئ النبرة في الحوار لإقناع المتلقين.
والحقيقة أن من يقومون بالتشويه المتعمد ليسوا من أبناء ثورة 25 يناير، بل هم أتباع النظام السابق الذي سقط فسقطت معه مصالحهم السياسية والمالية والإعلامية، وتلوّنوا حسب الموجة، ولا مانع من نقد التيار القديم طالما أنه يحقق في النهاية مصالحهم، لكن نموذجهم الحالي يقوم على نشر الأكاذيب وتجهيل الشعب وتضليله وتقديم المواد التافهة لتسليته والانحطاط بمستواه للوصول إلى النتيجة، وهي تسطيح العقل والقبول بواقع ما بعد الانقلاب.
الاستراتيجيات الرئيسية لحرب الشائعات ضد الرئيس مرسي
كل ما سبق كان إيجاز لما حدث من محاولات لاغتيال الرئيس مرسي والإجهاز عليه معنويا إلى أن حدث الانقلاب فعليا وبدأت خطوات اغتياله ميدانيا عبر الإهمال الطبي المتعمد في السجن، حتى لقي ربه شهيدا.
وفيما يلي نستعرض أهم الاستراتيجيات التي اعتمدت عليها حرب الشائعات بشئ من التفصيل:
أولا: الطعن في شرعية مرسي:
شملت هذه الشائعات مناسبتين انتخابيتين: الأولى هي الانتخابات الرئاسية في يونيو/ حزيران 2012م بين مرسي وشفيق، والثانية هي الاستفتاء على الدستور في ديسمبر/ كانون الأول 2012 م، ويناير/ كانون الثاني 2013م.
فمنذ انطلاق جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة عام 2012م، نشر الإعلام شائعات عن تفوق شفيق في النتيجة النهائية، وأن الإخوان تهدد بإحراق البلاد وإغراقها في الفوضى إذا تم إعلان فوز شفيق.
ولوحظ في هذا الإطار الشائعة التي أطلقها “مصطفى بكري” عن ذهاب قوات من الحرس الجمهوري لمنزل شفيق لتأمينه.
وبعد الإعلان عن فوز مرسي استمر التشكيك والحديث عن تزوير الانتخابات، واستمر الحديث المزعوم عن أن تهديد الإخوان أجبر المجلس العسكري على إعلان فوز مرسي.
وقد كان الاستفتاء على الدستور من أكبر الأحداث التي انتشرت فيها الشائعات، التي حاولت بكل الطرق إثبات وجود تزوير ومخالفات جسيمة تطعن في نزاهة عملية الاستفتاء للتقليل من أهمية الحدث، إذ زعمت جريدة "الوطن"- على سبيل المثال- أن نسبة رافضي الدستور متفوقة على نسبة الموافقين قبل انتهاء فترة التصويت أصلا، كما زعمت أن هناك عمليات تزوير لزيادة عدد الموافقين.
وقالت الصحيفة إن هناك عمليات منع للأقباط في الصعيد ومحافظات أخرى من المشاركة في الاستفتاء، وأن هناك فصلا لصناديق الناخبين المسلمين عن صناديق الناخبين المسيحيين في لجان أخرى.
وادعت قناة "النهار" ضبط رئيس محكمة المنيا الابتدائية، وهو يقوم بالتصويت لأحد المواطنين رغم تواجد رئيس المحكمة خارج مصر في هذا اليوم. وقال مراسل قناة “سي بي سي” إن المشرف على إحدى اللجان ليس قاضيا وإنما يعمل في وظيفة “منجد”، وقد انتشر الخبر لدى وسائل إعلام أخرى، ليتضح بعد ذلك أن الخبر غير صحيح وأن رئيس اللجنة قاض بالفعل.
ثانيا: الطعن في وطنية مرسي والإخوان:
لم تقتصر الشائعات على شخص الرئيس مرسي فقط، وإنما امتدت إلى جماعة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي إليها قبل ترشحه في انتخابات الرئاسة، كما كان يشغل منصب رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للجماعة، وبالتالي كان الهجوم على الجماعة هو في ذات الوقت هجوم على مرسي، كما كانت وسائل الإعلام تحاول دائما الإيحاء بأن كافة قرارات مرسي هي في حقيقة الأمر قرارات للإخوان، وأن مرسي مجرد منفذ لها.
بل ذهب أحد الكُتّاب المعروفين إلى أن انتخاب الإخوان يُشكّل "احتلالا أجنبيا" لمصر.
وانتشرت التكهّنات حول عدم ولاء الإخوان لمصر خلال رئاسة مرسي، وكرست المقالات والصحف الإخبارية والبرامج التلفزيونية اهتماما كبيرا لعلاقات مرسي المزعومة بإسرائيل وحزب الله وحماس وقطر وإيران، والأهم من ذلك أن العديد من المصريين ينظرون إلى هذه الكيانات السياسية المتنوعة بصفتهم أعداء لمصر. ما يدعو للتعجب أنه كان من الممكن أن تُفسَّر تصرفات مرسي باعتبارها علاقات دبلوماسية طبيعية لرئيس دولة في أي ديمقراطية راسخة، ولكنّ المصريين المناهضين لمرسي طاب لهم تفسيرها باعتبارها أعمال خيانة، بالنظر إلى المدى الذي استغرقته المناقشات حول علاقات مرسي المزعومة، فليس من المستغرب أن تتم محاكمته بتهمة التخابر.
وللتدليل -كذبا- على طبيعة مرسي الخائنة، أشار بعض الكتاب والمذيعين إلى خطابات مرسي، التي قالوا إنها توفر أدلة مهمة حول ميوله، على وجه الخصوص، انتقدت وسائل الإعلام والشخصيات السياسية البارزة استخدام مرسي عبارة "أهلي وعشيرتي"، التي جادلوا بأنها إشارة خفية إلى جماعة الإخوان المسلمين ودلالة على أن مرسي كان يعتزم استبعاد المصريين من غير الإخوان من برنامجه السياسي.
ولكنّ فحصا لخطابات مرسي الرئاسية يكشف أن مرسي لم يستخدم عبارة "أهلي وعشيرتي" كمرجع حصري لجماعة الإخوان المسلمين ولو لمرة واحدة، لكنّ خُطبه كانت تُمنتج وتقص وتقسم على برامج الأخبار التلفزيونية لجعلها تظهر كما لو كانت تحمل هذا المعنى.
واتخذت وسائل الإعلام المناهضة للإخوان أول خطاب رسمي لمرسي باعتباره أحد أبرز الأمثلة على نيّات مرسي الإقصائية المزعومة، فمثلا، قامت شبكة التلفزيون البارزة "OnTv" بتحرير مقاطع من الخطاب لجعل الأمر يبدو كما لو أن مرسي كان يستخدم "أهلي وعشيرتي" للحديث عن أعضاء الإخوان فقط واستبعاد بقية المجتمع المصري.
وبالعودة إلى خطاب مرسي، فإن إلقاء نظرة عليه بأكمله توضح أن مرسي ضم جميع المصريين ضمن "أهله" و"عشيرته". حيث قال: "شعب مصر العظيم، أيها الفرحون اليوم والمحتفلون بعيد الديمقراطية والواقفون في كل ميادين مصر… أيها الأحباء، أهلي وعشيرتي، إخواني، أبنائي وبناتي، أنتم الذين تتطلعون إلى المستقبل، وأنتم الذين ترغبون بالخير والتقدم والنمو والاستقرار والرخاء لأمتنا المصرية… جميع أحبائي"، ثم قال لاحقا في الخطاب: "أقول للجميع، لجميع شرائح المجتمع المصري، أهلي وعشيرتي، أقول لجميع المصريين في هذا اليوم العظيم، بإرادتكم واختياركم… أنا رئيس لكل المصريين، بغض النظر عن مكان وجودهم، داخل مصر وخارج مصر، في جميع المحافظات".
وقد احتوت هذه الاستراتيجية على العديد من السياسات الفرعية، وهي:
1ـ سردية مغايرة لثورة يناير
ارتبطت هذه الشائعات بخطاب إعلامي كان يهدف إلى تصوير ثورة يناير باعتبارها مؤامرة خارجية، ويعتمد على سردية مفادها أن جماعة الإخوان نسقت مع حركة حماس وحزب الله لاختراق الحدود ومهاجمة السجون وأقسام الشرطة لصنع حالة من الفوضى للإطاحة بنظام مبارك والإفراج عن قيادات الإخوان في السجون.
وتم التركيز على مرسي ليس باعتباره رئيسا للجمهورية، بل باعتباره هاربا من السجن ومتخابرا مع دول أجنبية، وما زال عدد من المذيعين المرتبطين بسلطة الانقلاب يصرون على وصف الرئيس مرسي بـ “الجاسوس”.
وقامت جريدة “المصري اليوم” بنشر ما ادعت أنها نصوص 5 مكالمات سرية جرت بين قيادات في جماعة الإخوان المسلمين ومسئولين من حركة حماس أثناء ثورة يناير، وتتضمن اتهاما صريحا لحماس وللإخوان بأنهم وراء الدعوة لمظاهرات 25 يناير عام 2011م، كما تتهمهم بالمسؤولية عن الهجوم على أقسام الشرطة والسجون يوم 28 يناير، والتخطيط لموقعة الجمل يوم 2 فبراير، التي كانت في الحقيقة عبارة عن هجوم من أنصار مبارك على المتظاهرين في ميدان التحرير.
كما لم تقدم الجريدة أي تسجيلات صوتية لتلك المكالمات علي الإطلاق، واكتفت بالقول إن إدارة الأمن الوطني قامت بتسليم التسجيلات إلي المهندس “خيرت الشاطر” نائب مرشد الإخوان.
2ـ مذبحة رفح الأولى
بعد تولي الرئيس مرسي الحكم بشهرين، قُتل 16 جنديا مصريا في 6 أغسطس/ آب 2012م، فيما عرف بـ”مذبحة رفح الأولى”. ومنذ ذلك الوقت اتهمت وسائل إعلام عديدة مرسي والإخوان بتدبير الحادث واستغلاله لإقالة المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع في ذلك الوقت، ومراد موافي مدير المخابرات العامة وعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين.
كما اتهمت مجلة "الأهرام العربي" حركة حماس بالوقوف وراء المذبحة، ونشرت أسماء 3 أشخاص ينتمون للحركة زعمت أنهم من قاموا بالتخطيط لها، وهم: أيمن نوفل، محمد إبراهيم أبو شمالة، رائد العطار، وجميعهم ماتوا أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014م، لكن المجلة لم تقدم أي دليل على تلك الاتهامات، واكتفى رئيس تحريرها بالقول إنه “تأكد بنفسه من مسئولي المخابرات العامة والأمن القومي من هذه المعلومات”.
وبعد عزل مرسي استمرت الاتهامات الإعلامية بحق الإخوان ومرسي بالوقوف وراء الحادث، وجمعت اتهامات أخرى في المسؤولية بين جماعة الإخوان وحركة حماس. وكان لافتا أن السيسي نفسه –الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك- كان قد أكد قبل الانقلاب بشهر أنه لم يتم التوصل إلى هوية منفذي الحادث حتى ذلك الوقت، وأن التحقيقات مازالت مستمرة، ولم يتم الإعلان حتى الآن عن أي نتائج بخصوص الجهة التي خططت لذلك الحادث أو نفذته.
3ـ الإفراج عن الجهاديين والتنسيق معهم في عمليات ضد الجيش والشرطة
جانب آخر من الشائعات ارتبط بحادث رفح في أغسطس/ آب 2012م، وهو الادعاء بأن مرسي أصدر قرارا بالعفو عن عدد من منفذي الهجوم والإفراج عنهم. وقد نشر تلك الادعاءات عدد كبير من وسائل الإعلام، اعتمادا على ما وصف بتسريبات من مصادر أمنية مجهولة.
وامتدت الاتهامات لتشمل تورط تلك العناصر في هجمات أخرى ضد قوات الجيش والشرطة في شبه جزيرة سيناء.
غير أن تحقيقا نشره الصحفي “حسام بهجت” في موقع “مدى مصر” كشف زيف تلك الادعاءات وعدم صحتها، فقد أثبت التحقيق أن “الغالبية الساحقة من قرارات الإفراج عن الجهاديين وغيرهم من الإسلاميين صدرت في فترة تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة حكم البلاد بعد تنحي مبارك وتحديدا في الفترة من فبراير إلى أكتوبر ٢٠١١”، ففي حين أطلق مرسي سراح ٢٧ شخصا ممن يطلق عليهم “الجهاديين” أو المتهمين في أحداث عنف، فإن المجلس العسكري أصدر قرارات بالإفراج عن ٨٠٠ شخص منهم، من بينهم عبود الزمر المتهم بالتخطيط لاغتيال الرئيس الراحل أنور السادات وابن عمه طارق الزمر، ومحمد الظواهري، شقيق أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، وكان معظم هؤلاء معتقلين بقرارات إدارية أو محتجزين داخل السجون حتى بعد انتهاء مدد الحكم الصادرة بحقهم.
كما لم يثبت تورط أي من هؤلاء الأشخاص في عمليات عنف منذ الإفراج عنهم.
كما أكد تقرير لصحيفة "الشروق" مع مسؤول سابق بالرئاسة خلال عهد مرسي، أن الأخير لم يفرج عن أي شخص دون موافقة الأمن العام، كما أكد أن عدد المفرج عنهم لم يتجاوز عددهم ٢٧ شخصا، وهو الرقم نفسه الذي ذكره تحقيق موقع “مدى مصر”.
أما الجانب الآخر المتعلق بالشائعات حول ذلك الموضوع، فهو الزعم بأن مرسي سمح بعودة ما يقرب من 3000 شخص من قيادات وكوادر جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية إلى مصر من أفغانستان وباكستان والشيشان، بعد رفع أسمائهم من قوائم ترقب الوصول، لكن الحقيقة أن هذه المعلومة اعتمدت على خبر منشور في مارس/ آذار عام 2011م في صحيفة المصري اليوم، أي أن هؤلاء الأشخاص قد عادوا إلى مصر في عهد المجلس العسكري أيضا وليس مرسي.
4ـ العمالة والجاسوسية
على الرغم من مركزية القضية الفلسطينية في خطاب جماعة الإخوان، إلا أن الإعلام المصري اتهمهم بإقامة علاقات مع إسرائيل، وإقامة اتفاقيات سرية معهم، وتم استغلال حادثين بهذا الخصوص: كان الأول خطابا بروتوكوليا وجهه الرئيس مرسي للرئيس الإسرائيلي “شيمون بيريز” بمناسبة تعيين سفير مصري جديد لدى إسرائيل، بدأ بجملة “صديقي العزيز بيريز”، وتعمدت الإدارة المختصة في الرئاسة عرضه بهذه الصيغة لإحراج الرئيس. أما الحادث الثاني، فكانت تصريحات الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، في نهاية عام 2012م، حول إمكانية عودة الإسرائيليين من أصل مصري إلى مصر مرة أخرى إذا كان هناك حل شامل لمشكلة فلسطين.
5. قضية الكربون المزعومة




